صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

كتاب ألف ليلة وليلة قراءة في تاريخ ' الأم القديمة ' وهويتها/ سامي مهدي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

كتاب ألف ليلة وليلة قراءة في تاريخ ' الأم القديمة ' وهويتها/ سامي مهدي

مُساهمة من طرف said في السبت 9 يناير 2010 - 18:04

من حين إلى آخر أعود على سبيل المتعة إلى قراءة كتب كنت قرأتها من قبل ،
ومنها كتاب ' ألف ليلة وليلة ' . ولكن كلما قرأت هذا الكتاب الجميل انبثقت
عندي أسئلة قديمة جديدة . هي قديمة لأنها بدأت تثار منذ عُني المستشرقون
بالكتاب ودراسته في القرن الثامن عشر ، وهي جديدة لأنها لم تحظ بأجوبة
حاسمة مقنعة ، في رأيي في الأقل .
وحدث مؤخراً أن قرأت مرة ثانية
النسخة التي حققها الراحل الدكتور محسن مهدي من هذا الكتاب ، ونظرت طويلاً
في المقدمة التي كتبها لها (1) فعدت أتساءل مع نفسي مرة أخرى : هل الكتاب
الأم ، أي الكتاب في أصله الأول ، أجنبي مترجم إلى اللغة العربية ، أم
عربي مؤلف بلغة العرب ؟ هل هو من السرود الشفهية المدونة ، أم من السرود
المؤلفة المكتوبة ؟ وما هويته الأصلية : أهي عراقية ، أم مصرية ، أم شامية
؟
وقبل أن نتلمس طريقنا للإجابة عن هذه الأسئلة لابد لي من أن أوضح أن
(الأم القديمة) التي أقصدها في هذا البحث هي كتاب ألف ليلة وليلة الأصل ،
قبل أن يستنسخ وتهجّن لغته وتقحم عليه الزيادات . وقد يبدو لنا هذا الأصل
الآن محض افتراض ، ولكنه حقيقي في واقع الأمر ، يمكن تصوره إذا ما وضعنا
للنسخ الخطية التي وصلتنا تحت عنوان ( ألف ليلة وليلة ) شجرة نسب تعيد
كلاً منها إلى عصرها ، كتلك الشجرة التي تكفل الدكتور محسن مهدي بوضعها في
مقدمة كتابه ' كتاب ألف ليلة وليلة ، من أصوله العربية الأولى ' . لهذا
وجب التنويه أن بحثي هنا سيقتصر على ( الأم القديمة ) هذه ، وستكون نسخة
الكتاب التي حققها الدكتور مهدي ونشرها في ليدن عام 1984 هي مرجعي الأول
والأخير في تصورها والحديث عنها ، أي أنني سأستبعد كل الطبعات الأخرى التي
سبقتها ، بما فيها طبعة بولاق في مصر ، نظراً لما داخل هذه الطبعات من
زيادات ابتعدت بها عن الأصل قليلاً أو كثيراً .
أعود الآن إلى الأسئلة
التي أثرتها في البداية فأقول : لقد عني بالإجابة عن هذه الأسئلة ، أو عن
بعضها ، مستشرقون عديدون منهم : إدوارد وليام لين ، ودنكان ماكدونالد ،
وسلفستر دو ساسي ، وآدم ميتز ، وفون هامر ، ودير لاين ، ناهيك عن
الموسوعات العالمية . كما عني بها باحثون وكتاب كثيرون من شتى الأقطار
العربية منهم : محمود تيمور ، وسهير القلماوي ، وبيومي السباعي ، ومحمد
مفيد الشوباشي ، وفاروق خورشيد ، ومنير بعلبكي ، وصلاح الدين المنجد ،
وفاروق سعد ، وهلال ناجي ، وميخائيل عواد ، ومحسن مهدي ، وفريال غزول ،
وعبد الله إبراهيم ، وأحمد الشحاذ ، وعبد الملك مرتاض ، ومحمود طرشونة ،
وغيرهم ، ناهيك عن الموسوعات العربية . وحاول كل من هؤلاء وأولئك ، أن
يجيب عن هذه الأسئلة ، بهذا القدر أو ذاك ، فيرفضها ، أو يقبلها ، جزئياً
أو كلياً ، ولكن قارئاً مثلي ما يزال يجد مسوغاً لوقفة يقفها ورأي يدلي به
.
ويبدو لي أن لهذا التعدد في الآراء والاجتهادات سببين أساسيين ،
الأول هو : أن المستشرقين والباحثين العرب المعاصرين ، على جلالة قدرهم
جميعاً ، لم يمعنوا النظر في النصوص العربية القديمة التي تحدثت عن
الخرافات والأسمار إمعاناً كافياً يمكّنهم من قراءتها قراءة صحيحة ،
والثاني هو : اكتفاؤهم ، عدا الدكتور محسن مهدي ، بالنظر في صور النسخ
التي وصلت إليهم من كتاب ألف ليلة وليلة دون التفكير بوجود أصل واحد قديم
لها كانت قد انحدرت منه . ولذا سأحاول هنا إعادة استنطاق تلك النصوص وبناء
تصور عن ( الأم القديمة ) للكتاب ، لعلنا نخرج باستنتاجات جديدة أطمح بكل
تواضع إلى أن تكون أقرب إلى الدقة من غيرها .
إن أقدم ما وصلنا من تلك
النصوص ثلاثة ، أولها للمسعودي صاحب كتاب ' مروج الذهب ' ، وثانيها لابن
النديم صاحب كتاب ' الفهرست ' ، وثالثها لأبي حيان التوحيدي صاحب كتاب '
الإمتاع والمؤانسة ' . وأول ما تنبغي ملاحظته هنا أن هؤلاء الثلاثة قد
عاصر بعضهم بعضاً ، فجميعهم من رجال القرن الرابع الهجري . فالمسعودي من
أصل عراقي بابلي كما ذكر في مروجه . (2) وجاء في بعض المصادر أنه رحل إلى
مصر وأقام بها . (3) ولكن ابن النديم ذكر في ' الفهرست ' أنه من أهل
المغرب . (4) وهو ، في أية حال ، رحالة ، زار أغلب بقاع العالم القديم (
من المغرب إلى الصين ) قبل ابن بطوطة ، وكتب كتابه سنة (332هـ) كما أشار
في متونه أكثر من مرة (5) وأتمه سنة (336هـ) كما جاء في آخر الكتاب ،
وكانت وفاته سنة (346هـ) .(6) أما ابن النديم فقد ولد ، حسب بعض المصادر
عام (297هـ) . ويرى محقق كتابه رضا تجدد المازندراني أنه شرع بتأليف كتابه
عام (340هـ) وفرغ منه عام (377هـ) وتوفي كما يذكر الصفدي والذهبي
والمقريزي عام (380هـ) .(7) وأما التوحيدي فقد ولد عام (332هـ) أو(335هـ)
ونشأ في بغداد ، وقصد الصاحب بن عباد في الري عام (367هـ) ثم انكفأ عائداً
إلى بغداد عام (370هـ) وألف الإمتاع والمؤانسة عام (374هـ) وكانت وفاته في
شيراز عام (414هـ) حسب محقق كتابه : الرسالة البغدادية.(8)
بناء على
ذلك أفترض أن معلومات المسعودي وابن النديم والتوحيدي عن القرن الرابع
الهجري صحيحة وموثوقة لأنهم أقرب إلى عصر كتاب ألف ليلة وليلة وزمن تأليفه
من غيرهم . ويلاحظ مما كتبه كل من المسعودي وابن النديم عما له صلة
بموضوعنا أن القرن الرابع الهجري قرن ازدهر فيه القص ازدهاراً واسعاً ،
وظهرت فيه كتب قصصية كثيرة ، بعضها مؤلف ، وبعضها مترجم . وقد ذكر ابن
النديم في فهرسته أسماء العشرات منها ، وصنفها حسب الأمم التي صدرت عنها
وحسب موضوعاتها . وليس ثمة شك في أن بعض ، وربما أغلب ، ما ذكره ابن
النديم من كتب القصص والأسمار كان قد ألف ، أو ترجم ، في القرنين الهجريين
الثاني والثالث . ذلك أن الحفاوة بالقص والسمر عند العرب لم تتوقف منذ
الجاهلية ، على الرغم من جميع النواهي والتحذيرات الدينية والرسمية . وإذا
كانت غاية القص قد تغيرت بعد ظهور الإسلام فتحولت إلى الوعظ والإرشاد ،
فإنها سرعان ما عادت إلى الإمتاع والمؤانسة ومعرفة أخبار الماضين كما كان
شأنها في العصر الجاهلي ، وصار هذا هو هدفها الأساس منذ العصر الأموي ، أي
منذ النصف الثاني من القرن الأول الهجري في الأقل .
لا أريد هنا أن
أؤرخ للقص عند العرب ، فهو ليس هدفي في هذا المقام ، ولكن حسبي أن أشير
إشارة عابرة إلى أن كتاب ألف ليلة وليلة ظهر في حقبة كان القص فيها يستأثر
باهتمام عامة الناس وسائر طبقاتهم الاجتماعية . وسيتجلى لنا من النصوص
التي سأتناولها احتمال طالما أغفله الباحثون ولم يتعاملوا معه بإمعان
ومثابرة ، برغم ما له من مغزى كبير ، وأعني احتمال وجود أكثر من كتاب يحمل
عنوان ' ألف ليلة وليلة ' أو أي عنوان آخر مشابه له أو يؤدي معناه . ذلك
أن الحديث في هذه النصوص عن ' ألف خرافة ' و ' ألف ليلة ' و ' ألف سمر '
قد كتب بأساليب لابد أن تقود الباحث المدقق إلى هذا الاحتمال . فالمسعودي
يتحدث عن كتاب اسمه ' هزار أفسانة ' ويقول إن الناس يسمونه ' ألف ليلة
وليلة ' . أما ابن النديم فيتحدث هو الآخر عن كتاب سماه ' هزار أفسان '
ومعناه ' ألف خرافة ' . وينبئنا بأن ابن عبدوس الجهشياري عزم على تأليف
كتاب يضم ' ألف سمر ' من أسمار العرب والعجم والروم . ولكن المنية عاجلته
فلم يجمع له سوى أربع مئة وثمانين ليلة كل ليلة من لياليه سمر تام . وعدا
ذلك عثرت الباحثة نبيهة عبود على بقايا ورقة تحمل عنوان ' كتاب فيه حديث
ألف ليلة وليلة ' وما في أصل الورقة مما له علاقة بهذا الكتاب تعود كتابته
إلى أوائل القرن الثالث الهجري .(9)
إن هذه الأحاديث تدل عندي بوضوح
على أن هناك أكثر من كتاب واحد في هذا الضرب من التأليف والترجمة يحمل اسم
' ألف ليلة وليلة ' أو ما هو قريب منه . ولكن لم يصلنا منها جميعاً سوى
نسخ خطية مختلفة منحدرة من كتاب واحد يحمل هذا الاسم هو ( الأم القديمة )
لهذه النسخ . فالاختلاف في تلك الأحاديث لا يقع في عنوان الكتاب فحسب ، بل
كذلك في وصفه . وأنا أفهم مما قاله المسعودي أن الناس كانت تسمي كل كتاب
من هذا النوع باسم ' ألف ليلة وليلة ' . فالحديث عن الليالي والأسمار لا
يحلو لها إلا بهذا الرقم ، أعني رقم ' الألف ' . يؤكد ذلك العنوان الذي
عثرت عليه الباحثة نبيهة عبود بما فيه من روح ' الإعلان ' . فهو ' كتاب
فيه حديث ألف ليلة وليلة ' . ومع ذلك أقدم هذا على سبيل الاحتمال ، ولكنه
احتمال قوي في رأيي ، يستحق أن نتأمله ونبني عليه ، وهذا يقودني من جديد
إلى النصوص الثلاثة ، وأعني نصوص : المسعودي وابن النديم والتوحيدي .
( 2 )
واضح أن أقدم هذه النصوص هو نص المسعودي صاحب كتاب ' مروج الذهب ' . فقد
ألف هذا الكتاب عام (332هـ) . أما كتاب ابن النديم فيأتي بعده لأنه بدأ
بجمع مادته عام (340هـ) وفرغ منه عام (377هـ) . وأما كتاب التوحيدي فهو
آخرها ، وإن يكن قد ألفه عام (374هـ) .
يتناول المسعودي موضوع هذا
النوع من المؤلفات في فقرة عابرة جاءت في معرض حديثه عن هياكل العبادات
الوثنية التي عثر عليها في بلاد الشام ، ومنها الهيكل المعروف باسم '
جيرون ' في مدينة دمشق ، ويشير إلى حيرة معاوية بن أبي سفيان في أمر هذا
المعبد . (10) فقد قيل لمعاوية إنه من بقايا مدينة ' إرم ذات العماد '
التي ذكرت في القرآن الكريم ، ورويت له الأسطورة التي تقول : إن رجلاً من
العرب يدخلها سعياً وراء جملين تاها من جماله . فيسأل معاوية كعب الأحبار
عن ذلك ، فيؤكد له كعب الأحبار ما يقال في الأسطورة ، ويشير إلى أعرابي
كان في مجلسه ، زاعماً له أن هذا الأعرابي هو من دخلها .(11)
غير أن
المسعودي لا يصدق هذا الخبر فيصفه بأنه ' خبر يدخله الفساد من جهات النقل
وغيره ، وهو من صنعة القصاص ' . ثم يقول ' وقد تنازع الناس في هذه المدينة
( إرم ) وأين هي ، ولم يصح عند كثير من الأخباريين ممن وفد على معاوية من
أهل الدراية بأخبار الماضين وسير الغابرين من العرب وغيرهم من المتقدمين
فيها ، إلا خبر عبيد بن شريّة وإخباره إياه عما سلف من الأيام ، وما كان
فيها من الكوائن والحوادث وتشعب الأنساب ، وكتاب عبيد بن شريّة متداول في
أيدي الناس مشهور ' .
إلى هنا وحديث المسعودي مقتصر على ما روي من
أخبار عن مدينة ' إرم ' وأسطورة الأعرابي الذي قيل إنه دخلها ، ثم يواصل
طعنه فيها فيقول : ' وقد ذكر كثير من الناس ممن له معرفة بأخبارهم أن هذه
أخبار موضوعة من خرافات مصنوعة ، نظمها من تقرب للملوك بروايتها ، وصال
على أهل عصره بحفظها والمذاكرة بها ، وأن سبيلها سبيل الكتب المنقولة لنا
من الفارسية والهندية والرومية ، وسبيل تأليفها مما ذكرنا مثل كتاب هزار
أفسانة ، وتفسير ذلك من الفارسية إلى العربية ألف خرافة ، والخرافة
بالفارسية يقال لها أفسانة .
والناس يسمون هذا الكتاب : ألف ليلة وليلة ، وهو خبر الملك والوزير وابنته شهرزاد وجاريتها دنيازاد .
ومثل كتاب فرزة وسيماس وما فيه من أخبار ملوك الهند والوزراء .
ومثل كتاب السندباد .
وغيرها من الكتب في هذا المعنى ' (12)
يتضح مما تقدم أن إشارة المسعودي إلى كتاب ' هزار أفسانة ' جاءت في معرض
تشبيه أسطورة الأعرابي الذي دخل مدينة ' إرم ' بالخرافات التي جاءت في ذلك
الكتاب ، ولا علاقة لهذه الإشارة بكتاب ألف ليلة وليلة . فالمسعودي لم يقل
إن كتاب هزار أفسانة هو نفسه كتاب ألف ليلة وليلة ، بل قال إن الناس تسميه
بهذا الاسم ، والفرق دقيق بين هذا وذاك . فالناس قد تغلط ويشيع غلطها
ويجري تداوله كما لو كان هو الحقيقة . والدليل القريب والملموس على ذلك أن
اسم كتاب هزار أفسانة ينبغي أن يكون باللغة العربية ' ألف خرافة ' ، ولكن
الناس لم تكن تسميه بهذا الاسم ، بل تسميه : ألف ليلة وليلة . والظاهر أن
الناس كانت تسمي عدداً من كتب الأسمار بهذا الاسم . فالحديث عن هذه الكتب
يختلط بعضه ببعض إلى حد يصعب معه التحديد إلا بوجود الكتاب بمتنه وعنوانه
المثبت عليه . بل أن العنوان نفسه يثير اللبس إذا ما وجد وحده ، على غرار
العنوان الذي عثرت عليه الباحثة نبيهة عبود ونصه ' كتاب فيه حديث ألف ليلة
وليلة ' . فهل هذا هو عنوان كتاب ' ألف ليلة وليلة ' الأم ، أم عنوان كتاب
آخر ؟
أعتقد ، على أية حال ، أن كتاب ' ألف ليلة وليلة ' كتاب آخر غير
كتاب ' هزار أفسانة ' . إذ لو كان هو نفسه لقال لنا المسعودي وغيره بوضوح
إنه هو ، ولاحتوى الكتاب نفسه على قصص يعود زمنها إلى عهود قديمة سبقت
ظهور الإسلام بكثير ، ولكان أبطال هذه القصص الأساسيون من غير المسلمين ،
ولكانت المدن الإيرانية ، وليس بغداد والبصرة والموصل والقاهرة ودمشق وحلب
، هي مسرحه ، ولغدت بيئته غير البيئة العباسية ، ولوردت فيه أسماء الملوك
الفرس ولم يرد اسم الخليفة هارون الرشيد وزوجه زبيدة ووزيره جعفر وخادمه
مسرور . ولكن شيئاً من هذا لم يحدث ، الأمر الذي يزيدني قناعة بأن كتاب '
هزار أفسانة ' شيء ، وكتاب ' ألف ليلة وليلة ' شيء آخر .
ولرب سائل
يسأل : وماذا عن حكاية شهرزاد ودنيا زاد التي وردت في وصف المسعودي لكتاب
' هزار أفسانة ' ؟ ألا يكفي وجودها في كتاب ' ألف ليلة وليلة ' دليلاً على
أنه هو نفسه ذلك الكتاب ؟
غير أنني سأرجيء الجواب عن هذا السؤال الآن إلى أن يرد في سياقه من هذا البحث ، وذلك حين أتحدث عن حقيقة كتاب ' هزار أفسانة ' .
( 3 )
على الرغم من الاهتمام الذي أبديته بنص المسعودي ، يبقى هذا النص محض
إشارة عابرة في سياق حديث آخر غير حديث كتاب ' ألف ليلة وليلة ' . ولذا
فإن التعويل عليه في تحديد هوية هذا الكتاب والتعرف على ماهيته ضرب من
التعجل والاستسهال . وهذا ما وقع فيه كثير من الباحثين .
إنني أفضل
على هذا النص نص ابن النديم الذي ورد في كتابه الفهرست لثلاثة أسباب أولها
: أن ابن النديم وراق مختص عارف بالكتب ومؤلفيها وليس مؤرخاً رحالة
كالمسعودي . وثانيها : أن كتاب الفهرست متخصص بفهرسة الكتب وليس كتاباً
تاريخياً عاماً كمروج الذهب . وثالثها أن ابن النديم قد خصص لكتب الخرافات
والأسمار مقالة خاصة واسعة من كتابه وخص كتاب هزار أفسانة بمبحث منها .
وهذا كله يعني أن معلومات ابن النديم عن هذه الكتب ، وعن الكتاب نفسه ،
أغزر وربما أدق .
ففي المقالة الثامنة من كتاب الفهرست يتحدث ابن
النديم عن ' أخبار المسامرين والمخرّفين وأسماء الكتب المصنفة في الأسمار
والخرافات ' فيقول :
' أول من صنف الخرافات وجعل لها كتباً وأودعها
الخزائن ، وجعل بعض ذلك على ألسنة الحيوانات ، الفرسُ الأوَل ، ثم أغرق في
ذلك ملوك الأشغانية ، وهم الطبقة الثالثة من ملوك الفرس . ثم زاد ذلك
واتسع في أيام ملوك الساسانية ، ونقلته العرب إلى اللغة العربية ، وتناوله
الفصحاء والبلغاء ، فهذبوه ونمقوه ، وصنفوا في معناه ما يشبهه . فأول كتاب
عمل في هذا المعنى كتاب هزار أفسان ، ومعناه ألف خرافة . وكان السبب في
ذلك أن ملكاً من ملوكهم كان إذا تزوج امرأة وبات معها ليلة قتلها من الغد
. فتزوج بجارية من أولاد الملوك ممن لها عقل ودراية يقال لها شهرزاد .
فلما حصلت معه ابتدأت تخرّفه ، وتصل الحديث عند انقضاء الليل بما يحمل
الملك على استبقائها ومسألتها في الليلة الثانية عن تمام الحديث ، إلى أن
أتى عليها ألف ليلة ، وهو مع ذلك يطأها ، إلى أن رزقت منه ولداً أظهرته ،
وأوقفته على حيلتها عليه ، فاستعقلها ومال إليها واستبقاها . وكان للملك
قهرمانة يقال لها دنيا زاد ، فكانت موافقة لها على ذلك . وقد قيل أن هذا
الكتاب ألف لحمانى ، ابنة بهمن ، وجاءوا بخبر غير هذا . والصحيح إن شاء
الله أن أول من سمر بالليل الاسكندر ، وكان له قوم يضحكونه ويخرّفونه . لا
يريد بذلك لذة ، وإنما كان يريد الحفظ والحرس . واستعمل لذلك بعده الملوك
هزار أفسان يحتوي على ألف ليلة وعلى دون المائتي سمر ، لأن السمر ربما
حُدّث به في عدة ليال . وقد رأيته بتمامه دفعات ، وهو بالحقيقة كتاب غث
بارد الحديث ' . (13)
هذا جانب مما كتبه ابن النديم في موضوع هذا البحث ، ولي عليه الملاحظات الآتية :
1- لو أمعنا النظر في قراءة هذه الفقرة لوجدنا أن ابن النديم لم يتحدث بأية كلمة عن كتاب ألف ليلة وليلة .
2-
فلقد اقتصر حديثه على شيئين منفصلين أولهما : تصنيف الأسمار والخرافات ،
وثانيهما : أول كتاب صنف في هذا الباب ، وهو كما قال كتاب ' هزار أفسان ' .
3-
أما قوله ' نقلته العرب إلى اللغة العربية ' فواضح من سياقه أنه يقصد به :
أن العرب نقلت فن تصنيف الخرافات ، ولا يقصد أنها نقلت كتاباً بعينه .
4-
وقد أوضح أن هذا الفن الذي نقلته العرب إلى لغتها ' تناوله الفصحاء
والبلغاء ، فهذبوه ونمقوه ، وألفوا في معناه ما يشبهه ' . وهذا يوضح ثلاثة
أمور :
أ _ أن العرب لم يكتفوا بنقل هذا الفن في إلى لغتهم ، بل هم ' هذبوه ونمقوه ' ، وهذه ملاحظة مهمة ينبغي أن ننتبه إليها .
ب _ وأنهم لم يكتفوا بتهذيبه وتنميقه ، بل ' ألفوا في معناه ما يشبهه ' ، وهذه ملاحظة جديرة هي الأخرى بالانتباه .
ج _ أن الذين ألفوا في هذا الفن من العرب لم يكونوا من الرواة الشعبيين ، بل كانوا من ' الفصحاء والبلغاء ' .
5 - توهم ابن النديم أن الفرس الأول هم أول من صنف في هذا الفن ، وأن كتاب '
هزار أفسان ' أول ما صنف فيه ، وفاتته الأصول الهندية لهذا الكتاب .
6- أن ابن النديم لم يكن راضياً عن كتاب ' هزار أفسان ' ولذا وصفه بأنه ' كتاب غث بارد الحديث ' .
7- وذكر أنه رأى هذا الكتاب بتمامه دفعات ، ولكنه لم يوضح ما إذا كان رآه بالعربية أم بالفارسية ، وهذا يدعو إلى الانتباه أيضاً .
نخلص مما تقدم أن ابن النديم لم يتحدث في قليل أو كثير عن كتاب ألف ليلة
وليلة . فقد قصر حديثه على فن تصنيف الخرافات ، وكتاب هزار أفسان . وهذا
يدعونا إلى أن نستنتج أن ألف ليلة وليلة كتاب آخر مستقل ، وأن الذين ظنوا
أن هذا الكتاب ترجمة لكتاب هزار أفسان واهمون . وسبب هذا الوهم ، في ما
يبدو ، وجود الإشارة إلى حكاية شهرزاد في كلا الكتابين ، مع أن هذا لا
يسوغ الوقوع في مثل هذا الوهم ، كما سنرى .
على أن ابن النديم بالغ ،
كما نحسب ، في قوله إن العرب نقلت فن تصنيف الأسمار والخرافات عن الفرس ،
وآية ذلك أن القص والتخريف ليس طارئاً على العرب . فقد كانت لهم أخبارهم
وأوابدهم وقصصهم وأساطيرهم وخرافاتهم ، وكانوا يروونها في جاهليتهم
وإسلامهم ، حتى إذا حل النصف الثاني من القرن الهجري بدأوا بتدوينها . وقد
بدأ تدوين القصص على عهد معاوية بن أبي سفيان ، فقد كان له ' غرام خاص
بالقصص ' (14) وأول من صنف فيها من العرب هو عبيد بن شريّة ، وقد قال
المسعودي ، كما مر بنا ، إن كتاب عبيد في هذا الشأن كان متداولاً في أيدي
الناس ومشهوراً في عصره . وذكر ابن النديم نفسه أنه رآه . وهذا يعني أن
العرب صنفوا في الخرافات والأسمار ، قبل أن يترجم كتاب هزار أفسان إلى
اللغة العربية . ولسنا نريد بهذا أن ننكر ما تعلمه العرب من غيرهم في هذا
المجال ، ولكن نريد الحد من المبالغة والتهويل في تقدير أهمية ما تعلموه .
لهذا كله أشعر بالأسف حين أجد عدداً من الباحثين العرب الذين كتبوا عن هذا
الكتاب ، أعني كتاب ' ألف ليلة وليلة ' الأم ، قد توهموا فحسبوه كتاباً
مترجماً . وبدلاً من أن يتحققوا من هذا الأمر ويدققوا في هوية الأم
القديمة للكتاب ، تشاغلوا بالدفاع عن صوره المتأخرة التي وصل بها إلينا ،
وراحوا يدافعون عن عروبة هذه الصور ، بدلاً من الدفاع عن عروبة الكتاب
الأم نفسه ، بسبب قراءة نصي المسعودي وابن النديم قراءة سريعة . فهذا ما
وقع فيه الأساتذة الفضلاء : محمود تيمور وأحمد أمين وسهير القلماوي وبيومي
السباعي ومحمد مفيد الشوباشي وأحمد الشحاذ وغيرهم .
بل أن باحثاً
فاضلاً مثل الراحل جمال الدين بن الشيخ عد كتاب ألف ليلة وليلة في
الموسوعة العالمية تراثاً إنسانياً ' اشترك في تأليفه كل الأمم القديمة
وتضافرت على إبداعه مجتمعة ، فهو ثمرة من ثمرات التعاون الإنساني الذي لا
نستطيع الظفر بمثله اليوم ' (15) هذا ما قاله الراحل ابن الشيخ وكأننا
بإزاء ملك مشاع ، أو تركة موقوفة لا ينبغي لأحد أن يبحث عن نصيبه فيها .
على أن باحثاً فاضلاً آخر هو الدكتور عبد الملك مرتاض توهم ، وهو يحاول
إثبات عروبة الكتاب ، أن كتاب ألف ليلة وليلة الأم هو الكتاب الذي جمع
قصصه ابن عبدوس الجهشياري ، استناداً إلى فقرة أخرى وردت في فهرست ابن
النديم .(16) فصاحب الفهرست يقول إتماماً لنصه السابق ، ولكن في فقرة
مستقلة :
' ابتدأ أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري ، صاحب كتاب
الوزراء ، بتأليف ألف سمر من أسمار العرب والعجم والروم وغيرهم ، كل جزء
قائم بذاته لا يعلق بغيره ، وأحضر المسامرين ، فأخذ عنهم أحسن ما يعرفون
ويحسنون ، واختار من الكتب المصنفة في الأسمار والخرافات ما حلا بنفسه ،
وكان فاضلاً ، فاجتمع له من ذلك أربع مئة ليلة وثمانون ليلة ، كل ليلة سمر
تام ، يحتوي على خمسين ورقة وأقل وأكثر ، ثم عاجلته المنية قبل استيفاء ما
في نفسه من تتميمه ألف سمر ، ورأيت من ذلك عدة أجزاء بخط أبي الطيب أخي
الشافعي ' .(17)
وأنا ألاحظ أن هذه الفقرة تتحدث عن كتاب آخر ، هو غير
كتاب هزار أفسان ، وغير كتاب ألف ليلة وليلة ، كتاب لا هو بالمترجم ، ولا
هو بالمؤلف ، بل مدون ، جمع الجهشياري مادته من ألسنة المسامرين ومن بطون
الكتب المصنفة ، آخذاً من هذه المصادر أحسن ما عندها . وهذا يعني بوضوح
أنه كتاب آخر تماماً ، غير كتاب ألف ليلة وليلة ، ولكن مؤلفه كان مأخوذاً
هو الآخر بسحر رقم ' الألف ' ، فقد أراد جمع ألف سمر ، تروى في ألف ليلة ،
لأن ' كل ليلة من لياليه سمر تام ' .
ويبدو أن الدكتور عبد الملك
مرتاض بنى وهمه على حساب خاطيء لعدد أوراق ما أنجزه الجهشياري من كتابه .
فقد ظن أن عدد هذه الأوراق يبلغ (2440) ورقة بينما العدد الصحيح هو
(24000) ورقة ، فهذا الرقم هو حاصل ضرب عدد أوراق كل سمر (50 ورقة ) في
عدد ما أنجزه الجهشياري من الأسمار (480 سمراً ) . ( 50 480 = 24000 ) .
وعدا ذلك فات الدكتور مرتاض أن الجهشياري اختار طريقة للسرد غير طريقة
السرد المتداخل التي قام عليها كتاب ألف ليلة وليلة . فقد جعل كتابه في
أجزاء ' كل جزء منها قائم بذاته لا يعلق بغيره ' ، وجعل من كل ليلة سمراً
تاماً لا يقطعه بغتة صياح ديك الصباح .
أخلص مما تقدم من تفكيك نص
المسعودي ونص ابن النديم إلى أن كتاب ألف ليلة وليلة كتاب آخر غير الذي
تحدثا عنه في نصيهما ، كتاب لم يترجم عن كتاب هزار أفسان . وأبسط دليل على
ذلك أن كتاب هزار أفسان ، الذي رآه ابن النديم ، يحتوي على ألف ليلة ودون
المائتي سمر ، في حين أن كتاب ألف ليلة وليلة لا يحتوي على هذا العدد من
الليالي حتى بعد ما أقحم عليه من زيادات . بل يبدو أن نقص عدد لياليه عن
الألف كان أحد أسباب إقحام هذه الزيادات عليه في الحقب اللاحقة .
(4)
والآن إذا لم يكن كتاب ألف ليلة وليلة هو كتاب هزار أفسان نفسه ، فما هو إذن ؟
قبل أن أجيب عن هذا السؤال يحسن بنا أن نقع على حقيقة كتاب ' هزار أفسان '
كما وعدت من قبل . وأول ما ألاحظه أن المسعودي وصفه بأنه كتاب يحتوي على
خبر الملك والوزير وابنته شهرزاد وجاريتها دنيا زاد ، وأوضح أن معنى اسم
الكتاب باللغة العربية هو ' ألف خرافة ' ، وذكر أن الناس تسمي هذا الكتاب
: ألف ليلة وليلة .(18)
أما ابن النديم فذكر ، وهو يتحدث عن فن تصنيف
الأسمار والخرافات ، أن كتاب هزار أفسان ( ولم يقل هزار أفسانة كالمسعودي
) هو أول كتاب عمل في هذا المعنى . ثم أعطى بعض التفاصيل عن حكاية شهرزاد
، وراح يوضح ما بلغه حول تأليفه فقال ' قيل إن هذا الكتاب ألف لحمانى بنت
بهمن ' ثم تحوط وقال ' وجاءوا بخبر غير هذا ' ولكنه لم يذكر الخبر . (19)
وذكر في وصف الكتاب أنه ' يحتوي على ألف ليلة ودون المائتي سمر ، لأن
السمر ربما حدث به في عدة ليال ' . وأكد أنه رأى الكتاب بتمامه ، ولكن على
دفعات ، غير أنه وصفه بأنه ' كتاب غث بارد الحديث ' .(20)
وأما أبو
حيان التوحيدي فلم يتحدث بشيء عن كتاب ألف ليلة وليلة ، بل ذكر كتاب هزار
أفسان فقط ، وجاء ذكره إياه على سبيل التشبيه ، وفي معرض الاستخفاف به ،
فقال ' ولفرط الحاجة إلى الحديث ما وضع فيه الباطل ، وخلط بالمحال ، ووصل
بما يعجب ويضحك ولا يؤول إلى تحصيل وتحقيق مثل هزار أفسان ، وكل ما دخل في
جنسه من ضروب الخرافات ' .(21)
هذا كل ما قيل عن كتاب هزار أفسان في المؤلفات التي وصلتنا من القرن الرابع الهجري ، وأنا أستنتج منه ما يأتي :
1-
أن كتاب هزار أفسان كان موجوداً في القرن الرابع الهجري ، وقد ذكر ابن
النديم أنه رآه بتمامه على دفعات ، وأنه يحتوي على ألف ليلة ودون المائتي
سمر .
2- أن الكتاب كان معروفاً ومتداولاً في ذلك القرن بدليل أن ثلاثة
من كتابه قد تحدثوا عنه . ويرى بعض الباحثين أنه نقل إلى العربية في القرن
الثاني الهجري ، إما في عهد المنصور ، أو في عهد هارون الرشيد .(22)
3- أن عنوانه هو هزار أفسان ، أو هزار أفسانة ، وقد اتفق الكتاب الثلاثة على ذكره بهذا العنوان .
4- أن الكتاب مترجم من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية .
5- أن مؤلف الكتاب كان مجهولاً ، ويبدو من ذلك أنه كان من المرويات الفارسية المدونة .
6-
أن عصر تدوين الكتاب بالفارسية غير معروف على وجه التحقيق ، فقد ذكر ابن
النديم أنه ألف لحمانى بنت بهمن ، ولكنه تحوط فقال ' وجاءوا بخبر غير هذا
' .
7- أن الكتاب الثلاثة كانوا يستخفون بالكتاب . فالمسعودي يرى أنه
ضرب من ضروب الأخبار الموضوعة والخرافات المصنوعة . وابن النديم يرى أنه
كتاب غث بارد الحديث . أما التوحيدي فيقول : إنه لا يؤول إلى تحصيل وتحقيق
.
8- أن المسعودي انفرد وحده بالقول : إن الناس تسمي هذا الكتاب : ألف ليلة وليلة .
9-
هناك اختلافات ضئيلة ( لا تمس جوهر موضوعنا ) بين نصي المسعودي وابن
النديم بشأن شهرزاد ودنيا زاد . فشهرزاد في نص المسعودي هي ابنة الوزير
ودنيا زاد هي جاريتها ، أما في نص ابن النديم فشهرزاد هي جارية من أولاد
الملوك ، ودنيا زاد هي قهرمانة لدى الملك ، وهذا قد يعني أن لهذه الحكاية
أكثر من رواية .
غير أن أياً من الكتاب الثلاثة لم يكشف عن محتويات
كتاب هزار أفسان من القصص والأسمار ، ولذا ظلت هذه المحتويات مجهولة حتى
اليوم . والقصة الوحيدة التي عرفنا أنها موجودة في الكتاب هي قصة شهرزاد
والملك والوزير والجارية . وحتى هذه القصة لم يحدثنا عنها الكتاب الثلاثة
بتفاصيل وافية كالتي وردت في كتاب ألف ليلة وليلة ، بل جاءت في خبر موجز ،
وكان في حديثهم عن القصة بعض الاختلافات . وقد وجد بعض الباحثين أن لهذه
القصة أصولاً هندية ، وأن الفرس اقتبسوها في عهد ملك من ملوكهم ، فإذا صح
هذا فهو يعني أنهم بنوا عليها في ما بعد كتاب هزار أفسان .
أما خبر
ابن النديم عن تأليف هذا الكتاب فهو مستقى من روايات شفهية ، كما يبدو ،
وليس من معلومات محققة . وهو نفسه يتحوط في نقله فيقول ' وقد قيل إن هذا
الكتاب ألف لحمانى بنت بهمن ' ثم يتحوط ثانية ويقول ' وجاءوا بخبر غير هذا
' . ومع ذلك قد يكون لخبره أصل ما في التاريخ ، أو يكون مجرد أسطورة بنيت
حول شخصيات تاريخية ، وهذا هو الأرجح في ما يبدو . فقد ورد اسم حمانى هذه
بأشكال متعددة في المصادر العربية القديمة ، منها ' خمانى ' بالخاء
المعجمة ، ومنها ' خما جهرزاد ' و ' هماي جهرزاد ' . وقيل إن اسمها '
شميران ' و ' هما ' لقب لها .(23) أما المسعودي فسماها ، عندما تحدث في
كتابه عن ملوك الفرس الأول ، باسم ' حماية ' ، فهي عنده ' حماية بنت بهمن
بن اسفنديار ' ، وهي من الملوك الزرادشتيين الأوائل ، وقد حكمت ثلاثين سنة
، وقال : وكانت تعرف باسم أمها شهرزاد .(24) وربما كان هذا هو السبب الذي
أدى إلى الربط بين الكتاب الذي اتخذ من حكاية شهرزاد إطاراً له وتلك
الملكة الفارسية الزرادشتية التي كانت تعرف باسم أمها .
أما اسم '
شهريار ' الذي جاء ذكره في كتاب ألف ليلة وليلة فلم يرد له أي ذكر في نص
المسعودي ولا في نص ابن النديم . ولكن يبدو أنه اسم شخصية تاريخية هو
الآخر . فالمسعودي يذكر اسم ملك بهذا الاسم في مكان آخر من كتابه ، وفي
إطار ما كتبه عن ملوك الفرس الثانية والملوك الساسانيين . وهو ملك متأخر
يقول المسعودي إنه حكم عشرين عاماً ، ثم اغتالته ابنة لكسرى أبرويز يقال
لها ' أرزمي دخت ' .(25) وهذا يعني أن اسم شهريار الذي ورد في الحكاية
الإطارية له أصل ما في التاريخ ، ولأمر ما حيكت حوله أسطورته . ولكن إذا
كانت هذه الأسطورة قد حيكت حول هذا الملك فعلاً ، فهذا ينسف خبر ابن
النديم عن تاريخ تأليف الكتاب وسبب تأليفه ، ويرجح أن الكتاب قد ألف بعد
اغتياله بمدة قد تقصر وقد تطول .
والآن ، إذا كان كتاب هزار أفسان قد
ألف في تلك الحقبة من تاريخ بلاد فارس فينبغي لأحداث قصصه أن تدور في حقب
أقدم منها ، وأن يكون مسرحها المدن الإيرانية ، وأن تعكس متونها ثقافة
الفرس وقيمهم ومعتقداتهم الدينية وأسماء ملوكهم وأبطالهم في تلك الحقب .
غير أننا لا نستطيع أن نتحقق من ذلك اليوم ، إذ لا وجود لأصل هذا الكتاب
في ما وصل من التراث الفارسي المكتوب ، ولا وجود لنصه العربي المترجم في
ما وصلنا من المخطوطات العربية ، ولذلك لا نستطيع التعرف على حقيقته .
وهنا نجد أنفسنا أمام هذا السؤال : أليس ممكناً التعرف على حقيقة هذا
الكتاب من خلال كتاب ألف ليلة وليلة ؟ والجواب هو : إننا كنا سنستطيع ذلك
لو كان كتاب ألف ليلة وليلة ترجمة له أو إعادة كتابة لمضمونه . ولكن واقع
كتاب ألف ليلة وليلة لا يدل بأية حال على أنه ترجمة له أو إعادة كتابة ، و
إلا لكنا وجدنا في النسخ التي انحدرت منه ما يدل على كتاب هزار أفسان وعلى
بيئته وعصره ، فالزمن لا يمكن أن يمحو محواً كاملاً أثر كتاب من كتاب آخر
هو ترجمة له أو إعادة إنتاج لمضمونه . ومع ذلك تبقى مسألة وجود حكاية
شهرزاد في كتاب ألف ليلة وليلة ، فمن أين جاءت إليه ؟
ربما كانت هذه
الحكاية حكاية شائعة في عصر تأليفه فنقلها مؤلفه إليه ، أو ربما أخذها هذا
المؤلف من كتاب هزار أفسان نفسه ، ولكنها لم تكن أكثر من إطار استخدم
لاحتواء القصص المسرودة وضمان اتصال الأسمار وتعاقب لياليها في الكتاب .
أما الكتاب نفسه ، بقصصه وعددها وأحداثها وشخصياتها ، فهو كتاب آخر تماماً
، مختلف عن كتاب هزار أفسان . بل أنا أرجح أن مؤلف كتاب ألف ليلة وليلة لم
يأخذ حكاية شهرزاد إلا بإطارها العام الذي أوجزه المسعودي وابن النديم ،
أما تفاصيلها التي جاءت فيه فقد وضعها هو ولم ينقلها أو يترجمها . ولعل
هذا مما جعل ابن النديم يقول : إن العرب نقلوا فن تصنيف الخرافات والأسمار
إلى اللغة العربية ، ثم هذبوه ونمقوه وألفوا في معناه ما يشبهه .
(5)
السؤال الذي يواجهنا الآن هو : إذا لم يكن كتاب ألف ليلة وليلة مترجماً عن
أصل أجنبي فهل هو كتاب مرويات شفهية مدونة ، أم كتاب أصيل مؤلف ؟
كتاب
ألف ليلة وليلة ، في رأينا ، كتاب أصيل مؤلف ، لا هو مترجم كما أوضحنا ،
ولا هو مرويات شفهية مدونة كما سنوضح . ومؤلفه كاتب واحد ، فثمة نسق
تأليفي واحد ينتظمه كله ، وروح واحدة تسوده ، وعقلية واحدة توجهه ، وقصصه
تتبنى منظومة واحدة من القيم ، وتصف أوضاعاً اجتماعية متشابهة ، وأبطاله
يعانون من مشكلة واحدة متكررة هي : الخيانة وغدر الزمان وانقلاب الحال ،
وللمؤلف هدف أخلاقي واحد ، أو أساسي ، من تأليفه هو : انتصار الخير على
الشر في نهاية الأمر .
ولعل مما يؤكد كونه كتاباً مؤلفاً ما جاء على
لسان مؤلفه في مفتتح الكتاب . فهو يقول ' وأما بعد فإننا نخبر معاشر
الأجواد ، والسادة الفضلاء الأمجاد ، بأن المقصود من كتابة هذا الكتاب
الشهي المستطاب ، النفع العام لمن يطالع فيه . لأن فيه سير كثيرة الأدب
ومعاني فايقة لأهل الرتب ، ومنها يتعلم الإنسان علم الكلام وما جرى للملوك
من أول الزمان على التمام . وسميته ألف ليلة وليلة ' . ثم يعود فيقول في
بداية القص ' قال الراوي صاحب التأليف .. إلخ .. '(26)
إذن فالمؤلف
يخبرنا في هذا النص بأنه هو الذي ألف الكتاب ، وهو الذي سمّاه باسم : ألف
ليلة وليلة ، وهو راويه . ولعل مما ينبغي أن يلاحظ في هذا النص اهتمام
المؤلف بأخبار الملوك ، وقد تجلى هذا الاهتمام في قصص الكتاب نفسه .
فالملوك هم المحور الذي تدور هذه القصص من حوله . والواقع أن الاهتمام
بأخبار الملوك لم يكن جديداً عند تأليف الكتاب ، فقد طرأ هذا الاهتمام على
العرب منذ بداية العصر الأموي ، وأول من عني بهذه الأخبار معاوية بن أبي
سفيان . وقد ذكر المسعودي أن معاوية كانت له ساعات من كل يوم يقعد فيها
ويأمر بجلب دفاتر ' فيها سير الملوك وأخبارها والحروب والمكايد ، فيقرأ
ذلك عليه غلمان مرتبون ، وقد وكلوا بحفظها وقراءتها ، فتمر بسمعه كل ليلة
جمل من الأخبار والسير والآثار وأنواع السياسات ' . (27) ومن ذلك ما كان
يرويه له عبيد بن شرية . ويبدو أن كتاب عبيد هذا المعروف بعنوان ' أخبار
ملوك اليمن ' كان من ثمرات ليالي معاوية تلك . وقد استمر الاهتمام بأخبار
الملوك في العصر العباسي ، ولكنه لم يعد مقتصراً على الخاصة فحسب ، بل شمل
عامة الناس . ومن هنا يبدو تأليف كتاب ألف ليلة وليلة استجابة واعية من
لدن مؤلفه لهذا الاهتمام .
على أنني حين أقول هنا إن الكتاب مؤلف ،
فإنني أعني أن قصصه مؤلفة ، وليست مرويات شفهية مدونة ، برغم هيمنة نظام
الرواية على بنيتها ووجود ثنائية الراوي والمروي في مكونات هذه البنية .
فنظام الرواية هنا ليس سوى شكل لكتابتها . بل يظهر أن هذا الشكل هو الوحيد
الملائم لكتابتها من حيث كونها قصصَ مسامرة ألفت لتروى في المجالس بالدرجة
الأساس ، ولم تؤلف لتقرأ في الخلوات الخاصة كالكتب الأخرى . ومع ذلك قد
يصح أن نعد وجود نظام الرواية في بنيتها أثراً متبقياً من آثار المشافهة
في الثقافة العربية القديمة ، ولكن لا يصح أن نحكم عليها هي نفسها بأنها
مرويات شفهية لمجرد وجود هذه النظام .
والواقع أننا هنا بإزاء مفارقة
امتاز بها هذا الكتاب على غيره من الكتب . فهو يجسد ظاهرة غير اعتيادية في
الثقافات الشعبية هي : ظاهرة القص بالقراءة ، وليس بالمشافهة . ففي حالتنا
هذه ثمة مؤلف كتب كتابه واختفى ، وقاص ناب عنه وراح يحاكيه ويقرأ قصصه على
الملأ . فالقاص هنا مرتبط شاء أم أبى بمرجع مكتوب ، مهما كانت براعته في
القص وفي إدخال الزيادات والتحويرات . بل أن هذا القاص كان يكتسب هيبته
وصدقيته أمام مستمعيه من ذلك المرجع ، وهو لم يكن يحضر مجلسه إلا متأبطاً
إياه ، ولم يكن يقص إلا وهو يقرأ فيه ، أو يتظاهر بالقراءة ، وكان لا
يستطيع أن يحور أو يزيد إلا تحت غطائه .
لذا لا يصح الحكم على قصص هذا
الكتاب بأنها مرويات شفهية ، وهي في الأصل قصص مكتوبة ، مهما أدخل عليها
القصاص من تحريفات وزيادات في الأزمان اللاحقة . ذلك أن هؤلاء القصاص لم
يكونوا مؤلفين ، بل رواة مرتبطين بمرجع مكتوب ، وكل ما يحرفونه ويزيدونه
كان يتم تحت غطاء هذا المرجع ويخضع لنسق تأليفه . والواقع أن كل الزيادات
التي أدخلت على هذا الكتاب ، أو غالبيتها العظمى في الأقل ، كانت مستقاة ،
بشكل أو آخر ، من مراجع مكتوبة هي الأخرى ، مثل : كتاب الفرج بعد الشدة
للقاضي التنوخي ، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي ، وأخبار أبي نؤاس لأبي
هفّان ، وكتاب المكافأة لابن الداية ، وكتاب الوزراء لابن عبدوس الجهشياري
، وكتاب حياة الحيوان للدميري ، وكتاب الأغاني لأبي فرج الأصبهاني ، وكتاب
مصارع العشاق لابن السراج ، وغيرها ، فضلاً عن زيادات أخرى أدخلت عليه بعد
انتقاله من العراق إلى الشام ومصر واستمر إدخالها حتى القرن السادس عشر
الميلادي .
مرة أخرى أقول : لا يصح عدّ كتاب مر بمثل هذه الظروف ،
وكانت له هذه الخصوصيات ، مجرد مرويات شفهية مدونة ، بناء على معايير
تقنية مستحدثة هي ، في أية حال ، معايير خارجية . فعمل كهذا يستعصي على
هذه المعايير ويأبى قبولها ، لأنه يختلف عن المرويات الشفهية التي استنبطت
منها ثم جيء بها لتطبق عليه . فهو نفسه كتاب مؤلف من قبل مؤلف واحد ، وليس
مرويات شفهية تداولتها ألسنة الرواة قبل أن تجد من يدونها . ومعنى ذلك أن
الرواية هنا لاحقة للتأليف وليست سابقة عليه . والكتاب الأم يضم الصورة
الأولى لقصصه ، لا صورتها الأخيرة كشأن المرويات الشفهية عند تدوينها .
أما من يكون مؤلف هذا الكتاب ، ولماذا لم يصرح باسمه ، فتلك مسألة أخرى لا
نستطيع أن نعرف لها سبباً محدداً ، ولكنه لا بد أن يكون سبباً سياسياً ،
أو سبباً اجتماعياً ، أو كليهما . ذلك أن هذا النوع من التأليف لم يكن
يعترف له بالأهمية . فقد كان الأدباء يستخفون به ، والفقهاء يحاربونه ،
حتى عد مؤلفه مخلّطاً أو مضحكاً . وكان كثير من ممارسيه وراقين ، وهم فئة
يندر أن يوجد فيها من يرقى إلى مستوى الأدباء والكتاب المعترف لهم بالفضل
وسمو المكانة في نظر خاصة الأدب وخاصة المجتمع . ولعل ما لحق بوراقين مثل
أبي حيان التوحيدي صاحب الإمتاع والمؤانسة ، وبديع الزمان الهمداني صاحب
المقامات المعروفة باسمه ، دليل على ذلك . ففي زمن تغمط فيه مكانة
التوحيدي حتى يحرق مؤلفاته غيظاً وكمداً ، ويضطر الهمداني إلى الكدية في
الأسواق ، نقول : في زمن كهذا كيف لا تغمط مكانة صاحب كتاب ألف ليلة وليلة
إن هو صرح باسمه ؟ ثم أن الكتاب تعرض لهارون الرشيد وزوجه زبيدة ، وعاملهم
معاملة العامة على نحو لا يمكن لأبنائهما وأحفادهما أن يرضوا به أو
يسامحوا عليه ، فكيف لمؤلفه أن يصدر كتابه باسمه الصريح ويأمن العاقبة ؟
هناك إذن أكثر من سبب يرغم المؤلف على إخفاء اسمه . وفي أية حال لم يكن
ألف ليلة وليلة الكتاب القصصي الوحيد الذي لم يعلن اسم مؤلفه من كتب ذلك
العصر . فثمة عشرات الكتب القصصية التي ذكر ابن النديم عنواناتها في
فهرسته ولم يذكر أسماء مؤلفيها .(28) ويبدو لي أن كثيراً من مؤلفي هذه
الكتب كانوا من عامة الوراقين ، وكانوا يضعونها لأغراض تجارية خالصة ، ولم
يكن يهمهم أن تعرف بأسمائهم ، بل لعلهم كانوا يتحاشون أن يعرفوا لكي
يتخلصوا من المسؤولية . ذلك أن السلطات السياسية والفقهية كانت تحارب القص
وتندد به ، وتمنعه في بعض الأحيان . (29)
إذن فالكتاب مؤلف في رأيي
. ولا عجب ، فقد ازدهر التأليف القصصي منذ العصر العباسي الأول مثلما
ازدهر التأليف في الحقول الأخرى . والدليل على ذلك عشرات القصص التي ذكر
ابن النديم عنواناتها وصنفها في ستة أصناف هي : قصص العشاق الذين عشقوا في
الجاهلية والإسلام ، وقصص العشاق من سائر الناس ، قصص الحبائب والمتظرفات
، وقصص العشاق الذين تدخل أحاديثهم في السمر ، وقصص عشاق الإنس للجن وعشاق
الجن للإنس ، وقصص عجائب البحر وغيره . هذا عدا قصص الخرافات والأسمار
والقصص الموضوعة على ألسنة الحيوانات التي بدأ ابن النديم مقالته الثامنة
بها وتوسع قليلاً في الحديث عنها . أما أبطال هذه القصص فبعضهم شخصيات
تاريخية معروفة ، وبعضهم شخصيات من سائر الناس ، وبعضهم شخصيات أسطورية
مصنوعة . وقسم من هذه الشخصيات من الرجال وقسم من النساء ، وقسم من الإنس
وقسم من الجن . وهي ليست قصص عشق كلها ، بل فيها قصص ظرف وعجائب ومغامرات
. وإذا كان لبعض هذه القصص أصول شفهية سابقة ، فليس لغيرها مثل هذه الأصول
. وإذا كانت أصول قسم منها قد استمدت من الأخبار الأدبية والمتون الشعرية
، فليس للقسم الآخر سوى أصول اجتماعية لعبت المخيلة دورها الأساس في
اختراعها ونسجها . ويلاحظ أن كل ما له أصل شفهي ، أو تاريخي ، أو أدبي ،
أعيد إنتاجه بحرية وتصرف ، وربما بالحرية التي أنتجت بها القصص التي لا
أصول لها . وهذا كله يدل على تنوع كبير وثراء واسع في التأليف القصصي .
لذلك يمكن وصف ذلك العصر بأنه عصر تأليف قصصي زاخر ، ربما لم يدرك ابن
النديم إلا جانباً منه ، وأنماطاً من مؤلفاته . وفي سياق عصر كهذا لا يعود
استثناء ولا شذوذاً أن يأتي مؤلف فيؤلف كتاباً اسمه : كتاب ألف ليلة وليلة
، ولا يعود من المغامرة القول : إن القصص التي احتواها لم تكن مرويات
شفهية جمعت ودونت ، بل هي من صنع مؤلف عربي ، مسلم ، واسع الخيال ، مرهف
الحس ، عميق الصلة بحياة الشعب اليومية ومشاكلها وهمومها وأحزانها . وقد
يكون هذا المؤلف تأثر بما رأى و سمع و قرأ ، في مجتمع تعددت فيه الأقوام
وتنوعت المشارب وتلاقحت الثقافات وكثرت فيه الحروب والرحلات العلمية
والتجارية في البر والبحر ، وقد يكون ضمّن كتابه ' ثيمات ' من قصص هندية
أو فارسية أو غيرها ، ولكن هذا لا يعني الكثير . فكتابه أدب مكتوب باللغة
العربية . وقصصه لم تكتسب قيمتها من خلال ثيماتها المجردة بل من أسلوب
نسجها وتشكيل بنيتها السردية بهذه اللغة وليس بغيرها .
ولا غرابة ،
فمؤلف هذا الكتاب لابد أن يكون من الفصحاء والبلغاء الذين ذكر ابن النديم
أنهم دخلوا ميدان تصنيف الخرافات والأسمار وهذبوه ونمقوه وصنعوا في معناه
ما يشبهه ، ونعني فصحاء مارسوا كتابة القصص كسهل بن هارون وعلي بن داود
والعتابي وأحمد بن أبي طاهر وأحمد بن دالان ، أو بلغاء كعيسى بن داب
والشرق بن قطامي وهشام الكلبي والهيثم بن عدي ، وغيرهم ممن ذكرهم ابن
النديم . وها هي لغة النسخ التي انحدرت من الكتاب حتى وصلت إلينا تشي بما
كانت عليه لغة أمه القديمة من فصاحة وبلاغة وسلاسة وجمال ، وغير ذلك من
الميزات التي لا يؤتاها إلا ذو حظ من الموهبة والصنعة والمهارة . وكيف لا
ومؤلفها شاعر حشد في متون قصصه عشرات المقطوعات الشعرية التي لا يعرف لها
مؤلف سواه ؟
( 6 )
ولكن متى ألف هذا الكتاب وأين ؟
لقد تخللت متون بعض قصص الكتاب ، بطبعاته المختلفة ، إشارات تاريخية قد
تغري الباحث باعتماد بعضها دليلاً للتعرف على زمن تأليفه (30) ولكن يبدو
أن التعويل على أي منها ، وحدها ، ضرب من المجازفة ، نظراً لاختلافها من
طبعة إلى أخرى . ولذا يبدو البحث عن طريقة غيرها هو الأجدى .
الباحث
العراقي الأستاذ هلال ناجي ذكر أنه عثر على نسخة من الكتاب يعود تاريخها
إلى القرن الثاني الهجري . وأنا لم أطلع على ما كتبه الأستاذ ناجي بهذا
الشأن ، ولا أعرف كيف توصل إلى هذه النسخة وتحقق من تاريخها ، وليس لدي أي
تصور عنها وعن محتوياتها ، بل نقلت ما ذكره عن باحث آخر هو الدكتور محمود
طرشونة .(31) ولكن هناك معطيات عدة لا تسمح لنا بقبول هذا التاريخ ، منها
مثلاً أن الخليفة هارون الرشيد ، وهو من شخصيات بعض القصص ، قد توفي
والقرن الثاني الهجري موشك على الانتهاء أصلاً ( ت عام 195 هـ ) .
أما الباحثة نبيهة عبود فنشرت ، كما أشرنا سابقاً ، ما تبقى من ورقة هي
أقدم ما وصلنا مما كتب على الورق باللغة العربية تحمل عنوان إحدى الأمهات
القديمة للكتاب ، وفيها شهادة بتاريخ (266هـ ) . وبينت أن عنوان الكتاب (
ونصه : كتاب فيه حديث ألف ليلة وليلة ) وما في أصل الورقة مما له علاقة
بهذا الكتاب ، تعود كتابته إلى أوائل القرن الثالث الهجري .(32) فإذا كانت
هذه الورقة تعود إلى نسخة من نسخ الأم القديمة للكتاب ، فهذا يعني أنه ألف
في نحو هذا التاريخ فعلاً .
ولكن يبدو أن هذا تاريخ يصعب قبوله .
فأوائل القرن الثالث الهجري حقبة حكم فيها المأمون والمعتصم ، وهما
خليفتان قويان حازمان ، فكيف يجرؤ مؤلف الكتاب على أن يزج أباهما هارون
الرشيد وزوجه زبيدة في قصصه من دون خشية ولا خوف من عاقبة ، حتى لو أخفى
اسمه وتوارى ؟
إنني أرجح أن يكون الكتاب قد ألف في أواخر القرن الثالث
الهجري وليس في أوائله ، إذ تبدو هذه الحقبة هي الحقبة المناسبة من جميع
الوجوه لتأليفه . فقد ازدهر التأليف القصصي خلالها ، وخلال الحقبة التي
تلتها ، كما نفهم من فهرست ابن النديم ، ونشط القصاص حتى تفاقم أمرهم وبلغ
مبلغاً جعل المعتضد ( ت 289هـ ) يأمر بمنعهم من القص واجتماع الناس بهم في
المساجد (33) . ثم إنها حقبة كثرت فيها الحروب والفتن الداخلية ، وقل
الأمن ، وعمت الفوضى ، وتفشت الأوبئة ، وافتقر الناس ، وتدنت هيبة الدولة
في نظر الخاصة والعامة ، حتى أصبح خليفة عظيم كهارون الرشيد ، وعصر ذهبي
كعصره ، أسطورة تنسج حولها القصص والحكايات ، ويغدو هو بطلاً من أبطالها ،
يتفقد الرعية في ظلمات الليل ، ويلج بيوتها ، ويسمر معها ويشاركها طعامها
وشرابها ، كما هو الحال في قصة الحمال والبنات الثلاث . ففي هذه الحقبة
يكون قد مر نحو قرن على وفاة الرشيد ، وهي مدة كافية لكي يتحول إلى أسطورة
تلهب خيال القصاص ، وتهز عواطف العامة ، وهم يرون خلفاء ضعفاء عابثين
لاهين عن أحوال الناس ، تعصيهم ولاتهم وعمالهم ، ويغدر بهم قادة جيوشهم ،
ويتعاون على قتلهم ذووهم وأقرب الناس إليهم ، فأصبحوا مضغة في الأفواه ،
وصار جنودهم ورعاياهم يشتمونهم علانية دون خوف (34) وغدا الجميع يتحسر على
تلك الأيام الرغيدة الآمنة التي نعم بها أجدادهم في عهد الرشيد ، خاصة وإن
الخديعة والغدر قد تفشيا في الناس بعد أن مزقتهم الفتن ولعبت بهم العصبيات
، وساءت أحوالهم ، فصارت خيانة القريب وغدر الزمان وانقلاب الحال حكاية
كال يوم . وعلى ذلك قامت قصص ألف ليلة وليلة ، وتلك هي البيئة التي خرجت
منها كما نعتقد ، كما خرجت بعد حين مقامات بديع الزمان .
أفلا يعني هذا أن الكتاب قد ألف في العراق ؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف كانت صورته الأولى ؟
ظن المستشرق لين أن الكتاب ألف في مصر ، وظن المستشرق دو ساسي أنه ألف في
بلاد الشام ، وأيد بعض الباحثين هذا أو ذاك ، أو ذهب مذهباً مختلفاً ،
ولكن كلاً منهم بنى رأيه على واقع النسخة التي وصلت إليه ، من دون أن يفكر
باحتمال وجود أم قديمة انحدرت منها هذه النسخة ويتأكد من هويتها . فلين
اعتمد النسخة الخطية المصرية التي وصلت إليه ، ودو ساسي اعتمد النسخة
الشامية ، ونسخة الأم القديمة للكتاب هي غير هذه وتلك .
بل أن بعض
الدارسين المعاصرين صار يرى أن من غير المجدي البحث عن الأم القديمة
وهويتها ما دامت لم تصلنا ، وأخذ بعضهم يشك في وجود أم قديمة للكتاب أصلاً
، ويعد البحث عنها والتساؤل حول مؤلفها وهويتها وعصرها عملاً عقيماً
كالبحث عن السراب ، ويرى أن البحث الجدي المثمر ينبغي أن ينصرف للنص لا
إلى التاريخ . وهذا ما لا ينبغي قبوله في رأيي ما دام الأمر يتعلق بواحد
من مأثوراتنا الثقافية المهمة .
الحق أن الأم القديمة لكتاب ألف ليلة
وليلة قد ألفت في العراق ، وهذا ما أكدته تحقيقات الدكتور محسن مهدي التي
بسطها في مقدمة النسخة التي حققها ووضع شجرة نسب لكل نسخ الكتاب الخطية .
ولا غرابة فالعراق كان البيئة الثقافية التي نشأ فيها فن تصنيف الخرافات
والأسمار باللغة العربية واتخذ سماته الأساسية وأصوله العامة ، وفيه صنفت
عشرات الكتب القصصية التي ذكرت في فهرست ابن النديم ، فضلاً عما تكشفه قصص
الكتاب نفسها من صلة وثيقة ببيئته الحضارية العباسية وأسماء مدنه التي
دارت فيها أحداث القصص ، ونعني بغداد والبصرة والموصل .
وأكيد أن هذه
الأم القديمة قد كتبت باللغة العربية الفصحى ، شأنها شأن القصص الأخرى ،
وشأن مقامات الهمداني والحريري . فالتأليف في ذلك العصر كان بالفصحى
والفصحى وحدها . وهو نفسه ما تشي به أبنية الجمل الأساسية لقصص النسخ التي
وصلتنا من الكتاب . فهي إما جمل فصيحة أو ذات أصول فصيحة ، لاسيما جمل
الابتداء والانتهاء ، وتلك التي ترد عند تأزم الأحداث وتظهر في منعطفاتها
، وكذلك التي تعبر عن الانفعالات والتوترات ، أو تصف مشاهد الجمال والقبح
، فضلاً عما تخلل القصص من عشرات المقطوعات الشعرية الفصيحة أو ذات الأصول
الفصيحة . وكل هذا يدل على أن مؤلفها لابد أن يكون أحد الفصحاء والبلغاء
الذين أشار إليهم ابن النديم في فهرسته .
ولنا الآن أن نستنتج أن الأم
القديمة الفصيحة هذه قد استنسخت كثيراً ، وتداولت نسخها أيدي القصاص
الشعبيين ، فصحّفوا فيها ما صحّفوا ، وحرّفوا ما حرّفوا ، ثم زادوا عليها
ما زادوا . ثم انتقلت نسخة ، أو أكثر ، من هذه النسخ المصحفة والمحرفة
والمزيدة من العراق إلى الشام ومصر ، حتى بلغت المغرب الأقصى ، فأدخلت
عليها حيثما انتقلت تصحيفات وتحريفات وزيادات أخرى ، وتواترت عمليات
التصحيف والتحريف والزيادة كلما تداولتها أيدي أجيال جديدة من القصاص
والمستنسخين ، حتى أصبح للكتاب أكثر من صورة ودخلت لغته أكثر من لهجة
محلية .
ولكن مهما كان حجم ما تعرضت له الأم القديمة الفصيحة من تصحيف
وتحريف وزيادة على أيدي المستنسخين والقصاص ، فإن ذلك لا ينفي بأية حال
أنها ظلت العمود الفقري للنسخ التي وصلتنا وأخذت شكلها الذي أصبحت عليه في
النسخ التي راجعها الأستاذ محسن مهدي (35) وأحسب أننا صرنا نعرف عن هذه
الأم أكثر مما اعتقد الأستاذ مهدي نفسه ، على الرغم من أنها لم تعد موجودة
اليوم . فنحن لا نعرف عنوانها وأسماء عدد من قصصها فحسب ، بل نعرف كذلك
طبيعة الكتاب ، وبيئته التاريخية والحضارية ، ونسق قصصه ، ومكونات بنيتها
، وهذه مسائل جوهرية حقاً . فهي ترينا أن القصاص قد خضعوا لنسق هذه القصص
في كل زيادة أضافوها ، وكل تحريف أو تحوير أدخلوه . بل أننا نذهب إلى
القول ، بشأن قصص الأم القديمة حصراً : إن القصاص لم يفعلوا شيئاً سوى
تقديم رواية عامية لها ، رواية اختلطت فيها اللهجات الدارجة من عراقية
(36) وشامية ومصرية ومغربية (37) باللغة الفصحى . ذلك أن القصص نفسها
احتفظت بأحداثها ، وشكلها العام ، وبنيتها السردية برغم كل ما طرأ عليها .
فالإضافات والتحويرات لم تدخل ، على ما يبدو ، إلا على النسخ التي كشفتها
تحقيقات الأستاذ مهدي فلم يعتمدها ، وفضل عليها نسخة دستور غيرها لعمله .
والنسخة الدستور التي فضلها ، وهي من أم مملوكية تعود إلى القرن الثامن
الهجري ، ليست في نهاية الأمر سوى ترجمة بتصرف للأم القديمة إلى اللغة
الهجينة التي تجمع بين الفصيح والدارج ، شأنها في ذلك شأن الأم المملوكية
نفسها .
خاتمة :
نستخلص من جميع ما تقدم أن الأم القديمة لكتاب ألف
ليلة وليلة هي كتاب مؤلف باللغة العربية الفصحى ، وليس كتاباً مترجماً عن
أي أصل أجنبي ، ولا هو مدون عن مرويات شفهية ، عدا ثيمة حكايته الإطارية .
وقد ألف هذا الكتاب في العراق حصراً ، وفي أواخر القرن الثالث الهجري على
أرجح الاحتمالات ، وما النسخ الخطية التي وصلتنا منه سوى نسخ هجنت بما لحق
بالأصل من تحريفات وتصحيفات وزيادات . ولا أقول هذا كله على سبيل القطع ،
بل على سبيل الاجتهاد ، وآمل أن يكون اجتهادي هو الصواب .
الهوامش :
(1) كتاب ألف ليلة وليلة من أصوله العربية الأولى / حققه وقدم له محسن مهدي / شركة أ. ي. بريل للنشر ليدن / 1984
(2) أبو الحسن ، علي بن الحسين بن علي المسعودي / مروج الذهب ومعادن الجوهر / تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد / القاهرة / 1966
(3) نفسه 1 / 5
(4)
ابن النديم ، أبو الفرج محمد بن أبي يعقوب إسحاق المعروف بالوراق /
الفهرست / تحقيق رضا - تجدد المازندراني - طهران / 1971 / ص 171
(5) المسعودي 1 / 5
(6) نفسه / نفسها
(7) ابن النديم / مقدمة المحقق
(8)
أبو حيان ، علي بن محمد التوحيدي / الرسالة البغدادية / تحقيق عبود
الشالجي / منشورات الجمل كولن ألمانيا / 1997 / راجع ترجمته ص ص 16 20
(9) كتاب ألف ليلة وليلة / مصدر سابق / راجع المقدمة : ص 26
(10) المسعودي 1 / 475
(11)
جاء في خبر آخر أن هذا الأعرابي هو الصحابي عبد الله بن قلابة الأنصاري
ومصدر هذا الخبر هو : أبو حامد ، محمد الغرناطي / تحفة الألباب ونخبة
الإعجاب / تحقيق غابرييل فرّان باريس / 1925 / ص ص 55 - 60
(12) المسعودي 1 / 476
(13) ابن النديم / ص 363
(14) د. عز الدين إسماعيل / المكونات الأولى للثقافة العربية/ ط2/ دار الشؤون الثقافية بغداد / 1986 / ص 135
(15)
نقلاً عن د. عبد الملك مرتاض / كتاب ألف ليلة وليلة _ دراسة سيميائية
تفكيكية لحكاية حمال بغداد / دار الشؤون الثقافية العامة بغداد / 1989 / ص
6
(16) نفسه / ص 7 - 8
(17) ابن النديم / ص 363 364
(18) المسعودي 1 / 476
(19) ابن النديم / ص 363
(20) نفسه / نفسها
(21)
أبو حيان التوحيدي / كتاب الإمتاع والمؤانسة / صححه وضبطه وشرح غريبه أحمد
أمين وأحمد الزين / منشورات دار مكتبة الحياة بيروت / بلا تاريخ / ج1/ ص 23
(22) د. محمود طرشونة / مدخل إلى الأدب المقارن ، وتطبيقه على ألف ليلة وليلة / دار الشؤون الثقافية العامة بغداد / 1988 / ص 93
(23) صباح محمد علي كاظم / حاشية على كتاب الفهرست للنديم / مطبعة شفيق بغداد / 1982 / ص 75
(24) المسعودي 1 / 174
(25) نفسه 1 / 211
(26) كتاب ألف ليلة وليلة / مصدر سابق / ص 56
(27) المسعودي 1 / 475
(28) ابن النديم / ص 365 366
(29)
منع المعتضد القص مرتين ، مرة في عهد المعتمد ( عام 279هـ ) ومرة في عهده
هو ( عام 284هـ ) . راجع : أبو عبد الله ، محمد بن أحمد بن عثمان بن
الذهبي ، المعروف بالحافظ الذهبي / كتاب العبر في خبر من غبر / تحقيق فؤاد
سيد / وزارة الإعلام الكويت / 1984 / ج2 / راجع ص 67 و ص 78
(30) راجع في طبعة ليدن / مصدر سابق / ص 90 ، وص 144 ، وص 151 مثلاً . وراجع أيضاً : د. محمود طرشونة / مصدر سابق / ص 91
(31) د. محود طرشونة / ص 87
(32) كتاب ألف ليلة وليلة / ص 28
(33) راجع الهامش رقم (28)
(34) الحافظ الذهبي / مصدر سابق / راجع : ص 167 ، وص 180
(35) كتاب ألف ليلة وليلة : راجع المقدمة
(36) يلاحظ على ما هو موجود من مفردات اللهجة العراقية أن منها ما هو بغدادي ومنها ما هو موصلي .
(37)
لم يشر الأستاذ محسن مهدي إلى وجود اللهجة المغربية في النسخة التي
اعتمدها في تحقيقه ، رغم أنها فاشية فيها فشواً كبيراً ، حتى ليبدو أن
مدون هذه النسخة من أصل مغربي . ومن ذلك قلب حرف ( الثاء ) إلى ( تاء ) في
مفردات مثل : ثقة ، ثواب ، ميثاق ، حيث ، حثيثاً ، وقلب حرف ( الذال ) إلى
( دال ) في مفردات مثل : ذراع ، معذرة ، أذن ، ذنب ، ذلك ، الذي ..إلخ ..
هذا فضلاً عن مفردات مغربية أخرى مثل : طاجن ، وهاكدى بمعنى : هكذا ،
وتقربي زاده ، أي اقتربي زيادة ، وغيرها كثير . لاحظ ما جاء في ( ص 48 )
من مقدمة محسن مهدي .

القدس العربي
09/01/2010

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى