صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

الـمرايا الـمتقابلة في«حيوات متجاورة» لمحمد برادة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الـمرايا الـمتقابلة في«حيوات متجاورة» لمحمد برادة

مُساهمة من طرف said في السبت 20 مارس 2010 - 9:02



نظم فرع اتحاد كتاب المغرب يوم الاثنين 26 أكتوبر 2009 ندوة حول الرواية الأخيرة لمحمد برادة « حيوات متجاورة». شارك فيها نخبة من النقاد المغاربة الذين ينتمون إلى حساسيات نقدية مختلفة، وينتسبون إلى أجيال متباينة، وهم : إبراهيم الخطيب وسعيد يقطين وأنور المرتجي ومحمد الداهي. وكانت هذه الجلسة ، التي سيرها محمد غرناط، محاطة بهالة محمد برادة الذي قدم شهادة بالمناسبة، ومتميزة بالحضور المكثف للجمهور والنقاد والمبدعين والصحافيين، وبالقضايا الجديدة التي تبين مدى مواكبة النقاد المغاربة للمستحدثات المنهجية والمعرفية. وفيما يلي مداخلة الباحث الناقد محمد الداهي..



ما
يسترعي الانتباه في تجربة محمد برادة الروائية هو قدرته على تنويع
الاستراتجيات الحكائية وتوليد أشكال جديدة تتيح إمكانات أوسع لمساءلة
الواقع، واستنطاق مجاهيل الحياة الداخلية. ومن بين التقنيات التي استأثرت
باهتمامه نذكر أساسا توظيف المحكي الذاتي(autonarration) (1) الذي يطرح
مشاكل على مستوى التجنيس وذلك لكونه يحيل إلى استراتجيات حكائية ملتبسة (
السيرة الذاتية، الفضاء السيرذاتي، الرواية السيرذاتية، التخييل الذاتي
…). يعمد محمد برادة ، من خلال توظيف المحكي الذاتي، إلى اتخاذ شخصية
مستعارة ( على نحو اسم حماد(2) ) أو موسومة بصفة من صفاته (الهادي(3) أو
سميح(4)) بمثابة قناع لحرْف عيناته السيرذاتية في النص أو التعبير عن
استيهاماته وآلامه وآماله في منأى عن أشكال الرقابة والتلصص. ولا يفسح
محمد برادة المجال لاتساع رقعة البعد السيرذاتي في محكياته الذاتية ،
وإنما يضفي عليه أبعادا تخييلية، ويسكنه إلى جوار حيوات مفترضة من صلب
الخيال. وهذا ما يخلق التباسا بين الذاتي والموضوعي، وبين ما اختزنته
الذاكرة وما تتوهمه وتتوقعه، ويدفع في اتجاه الانزياح عما هو شخصي أو
واقعي، وارتياد متاهات التخييل وعوالمه الوهمية. وهذا ما سنحاول إبرازه
مُفصَّلا في التحليل من خلال فك الخيوط السردية ، والغوص في أخاديد الذات
والترحال في أرجائها المختلفة وجغرافيتها السرية اللامتناهية.
1-الوساطة السردية
تكلف الناظم الخارجي بسرد محكيات الأستاذ سميح وترتيبها اعتمادا على
تسجيلات صوتية أنجزها مع نعيمة آيت لهنا وولد هنية و عبد الموجود الوارتي.
وتخترقها، بين الفينة والأخرى، فقرات من مذكرات سميح أوردها الناظم
الخارجي استجابة لرغبة صاحبها في تنويع الخيوط السردية وتشبيكها لإضاءة
الأحداث المروية من منظورات وزوايا مختلفة، والكشف عن أسرار تقصدت شخصية
ما عدم البوح بها لبواعث معينة.
وبمقتضى هذه الوظيفة المسندة للناظم
الخارجي، أضحى مجرد « وسيط» يضطلع بترتيب المادة الحكائية وتنسيقها وفق
المنطق الذي ارتضاه . وهو لا يخلو من التمويه والتحايل سعيا إلى اجتذاب
القارئ وحفزه على التوغل في مسالك التخييل ومتاهاته.
ويكتفي الأستاذ
سميح بالإصغاء إلى المحكيات التي كانت في حوزته وملكيته دون أن تتاح له
فرصة معارضة من تكلف بسردها نيابة عنه أو مُحاجَّته. وهكذا أضحى سميح-
بحكم هذه الوضعية- يشغل منزلة السارد-المسرود له الذي استولى الناظم
الخارجي على محكياته، وسردها، في حضرته، كما لو كان غير موجود في حين أنه
يمثل عمادها ومصدرها وقطب رحاها.
ولم يفطن الناظم الخارجي إلى هشاشة
وضعيته إلا بعد أن أفرغ تقرييا ما في حوزته من محكيات، إذ اتضح له أنه وقع
، دون أن يعلم، ضحية للأستاذ سميح الذي سخره للقيام بمهمة جسيمة دون أن
يترك له هامشا كبيرا للتحرك والتصرف والمناورة. سحب منه جميع الاختصاصات
المخولة أصلا لأنداده ونظرائه. ائتمنه ، فقط، على سرد وترتيب ما سلمه له
من محكيات دون أن يتحكم في زمامها أو يعدل الرؤية أو يترك بصماته على النص
أو يحد من غلواء الكاتب وأحكامه المتحيزة.
أراد الناظم الخارجي أن يثأر
لوضعه الاعتباري ليبرهن على مؤهلاته وقدراته السردية، فاهتدى إلى إعادة
صياغة المحكيات في شكل سيناريو يستعرض مشاهد لها طابع بصري ، وإلى استبدال
العنوان المقترح « حيوات متجاورة» بعنوان آخر غامض وموح» حامل اللقب».
واستطاع، بهذا الصنيع، أن يسترجع جزءا من اختصاصاته السردية معيدا صياغة
الوقائع المروية في شكل قالب مسرحي ، ويتحرر نسبيا من قبضة الأستاذ سميح
وقيده، ويستيقظ من غفلته، ويرد الصاع الصاعين، ويتصرف في ما يحكيه مدرجا
معطيات جديدة تملأ ثقوب المحكيات وفُرجاتها.
2- صلب السرد وعماده:
يكشف سميح، في مذكراته، عن الظروف التي أسعفته على التعرف إلى الشخصيات
الثلاث ( نعيمة آيت لهنا وولدهنية و الوارتي)، وحفزته على تعزيز أواصر
الصداقة مع كل واحدة منها، ودفعته إلى البحث عن ارتياد عوالمها الحميمية
من خلال استجابتها طوعا للبوح بأسرارها ومغامراتها في الحياة. تعرف إلى
نعيمة، على متن الطائرة، لما كان عائدا يوما ما من باريس، وتوطدت العلاقة
الحميمة بينهما ما يربو على عشر سنوات. وتجمعه علاقة ود وصداقة بولد هنية
منذ مطلع الطفولة إذ كان يتردد على زيارة أخته التي كانت خادما لدى والدة
سميح. وكان سميح يعرف الوراثي عن بعد بوصفه مثقفا وموظفا ساميا وشخصية
مرموقة. وتذرع بإجراء حوار معه يلحقه بكتاب يشمل عشرين شخصية بارزة أثرت
في تاريخ المغرب خلال القرن العشرين. لكنه كان يسعى، في العمق، إلى التعمق
في المعلومات التي كشفت عنها نعيمة بصدد علاقته بها والسهرات التي كان
ينظمها في منزله، وفهم طبيعة شخصيته المبهمة والمحيرة. ومن خلال هذه
الشخوص نعاين ثلاث عينات منتمية إلى مدن مختلفة (أزرو(نعمية) ومراكش(ولد
هنية) وفاس(الوارثي))، ومنتسبة إلى فئات متفاوتة ( فئة شعبية بالنسبة لولد
هنية، وفئة أرستقراطية تقليدية بالنسبة للوارثي، وفئة متوسطة بالنسبة
لنعيمة)، ومتنقلة في فضاءات متباعدة ( الرباط والدار البيضاء وفاس ومراكش
وسلا والهرهورة ومدريد وباريس ودوسلدوف).
ضمَّن سميح في محكياته
عيِّنات سيرذاتية لا سترجاع مساره التعليمي بطريقة مقتضبة ومتقطعة، ورصد
تجربته في الحياة والنضال ومساءلتها، والكشف عن تأملاته إزاء التحولات
الاجتماعية والسياسية والأخلاقية التي شهدها المغرب بعد حصوله على
الاستقلال، واستجلاء العلاقة الملتبسة بين الواقعي والخيالي، وبين السياسي
والعاطفي، وبين الجماعي والشخصي. وهكذا ينتعش، من جهة، التخييل بين ثنايا
النص وتضاريسه اللغوية والسردية لرصد مسارات شخصية فريدة وإعادة تركيب
خيوطها وبعث ما تحتويه من استيهامات وأوهام وتطلعات وإحباطات. ومن جهة
ثانية، يعاد تشخيص الواقع أدبيا وفنيا لإبراز الصراع المرير وغير المتكافئ
الذي خاضه مجايلو سميح مع السلطة العتيقة التي كبحت جماح الحرية و
الانعتاق وفرضت أحادية الرؤية والتوجه في الحياة. وعليه، لم يجد سميح بدا
من الاحتماء بالإبداع حتى « يزعزع مقاييس الأخلاق الموروثة»، ويبرز ما
يكتنف المجتمع من مفارقات تعمق الهوة بين ما هو ظاهر وعياني و باطني وخفي،
ويقاوم الضجر والرتابة اللذين يشعر بهما المرء أمام حربائية الأيام
وغدرها، وتبدل القيم واستحالتها إلى موجات من السراب الخادع، ويرتاد عوالم
«المحرمات» حيث تنكشف مظاهر الرياء والفسوق، وتتحرر النفس البشرية مؤقتا
من أعين المراقبة والتلصص ومن أساليب الوصاية والحجر.
3- غوارب التحدي
استجابت
نعمية طوعا لرغبة سميح في تسجيل حياتها. وتمتد محكياتها من مرحلة الطفولة
إلى حين انسداد الأبواب أمامها لما أفلس البنك الوطني للتنمية، وأخفق
المشروع التجاري لزوجها الكوكبي بعد أن نافسه غيره في تصدير الحلزون
المحشو والجلد إلى الخارج. وبعد عشر سنوات ، اضطرت إلى مراسلة سميح من
داخل السجن لإطلاعه على حدوث تغيرات في حياتها إثر انضمامها إلى شبكة
دولية للاتجار في المخدرات. بعد وفاة والدها، وهي لا تتجاوز عشر سنوات،
انتقلت والدتها، تحت إلحاح أخيها، إلى الدار البيضاء ليسهر على شؤون تعليم
نعيمة في مدرسة البعثة الفرنسية، وتتمرس بطرائق العيش الغربية التي لونت
حياتها منذ نعومة أظفارها. توطدت علاقتها، إبان سنوات الدراسة، بكمال إلى
أن شق كل واحد طريقه في الحياة، فتم الفراق في منتهى السلاسة والتفهم. في
سن الأربعين، تزوجت بالكوكبي، فأنجبت ولدا سمته «نعيم». ولما تعرضت بضاعة
زوجها إلى الإفلاس واضطر إلى الاستقرار بإسبانيا، انسدت الأبواب أمامها،
وشعرت كما لو أنها تسير على رمل رخو. ونظرا لولعها بالمغامرات انغمرت في
مشروع الاتجار في المخدرات سعيا إلى مواجهة صروف الدهر، وتأمين مستقبل
ابنها والإنفاق على أمها، وضمانا لما تعودت عليه من رغد العيش ومتع الحياة
ومباهجها منذ عنفوان الشباب.
وتعبر عن آلامها وآمالها بلغة تبين مدى
غنى رصيد معجمها اللغوي والثقافي بحكم كثرة اطلاعها على الروايات التي
طالما التبست مسارات أبطالها بتجارب حياتها. واستطاعت أن تحافظ على إيقاع
حياتها المتحررة، وتنسج مغامراتها مع الرجال دون أن تمتهن جسدها أو تساوم
به لتحقيق مطامحها وأغراضها. ومن خلال مختلف التجارب التي عاشتها، عاينت
الهوة بين المظاهر الخادعة (التظاهر بالوفاء والصدق والواجب والحشمة
والوقار) والسرائر الفاضحة( الرشوة والنفاق والفسق)، واقتنعت بمدى هشاشتها
وضآلتها رغم ما تتوفر عليه من ذكاء وجمال وأناقة، وما تنسجه من علاقات مع
علية القوم. ووجدت نفسها أمام « الهشاشة المحتملة» التي حتمت عليها شحذ
مزيد من إرادتها وقوتها للانخراط في مغامرات جديدة، مهما كانت جسامتها
وخطورتها، للعيش في رغد وهناء وطمأنينة. كانت تعتقد أن ما كان ميسرا لها
سيظل متوفرا لديها إلى الأبد، في حين اكتشفت ، بعد توالي الإخفاقات، أن ما
كانت تحلم به أضحى مجرد سراب يستنزف قواها وطاقاتها من كثرة الجري وراءه
بغية الإمساك بتلابيبه.
كانت تتحاشى الاهتمام بالسياسة نتيجة
التربية التي تلقتها خوفا من عواقبها في أزمنة الرصاص. لكن لما أحست أنها
أصبحت، داخل السجن، مطرودة من رحم المجتمع، ومكسورة الجناح، ومهضومة
الحقوق حفزت السجينات على الجهر بحقوقهن بهدف استعادة إنسانيتهن
المفتقدة،والتمرد على مجتمع يحمي الأقوياء ويسحق الضعفاء.

4- بذرة الحكي:
يمثل محكي ولد هنية البذرة التي تفرعت عن محكيات النص، وتناسلت منه
الأسئلة المفضية إلى الأفق المسدود.ويمكن لأحد المحكيات، بحكم أنها لا
تجتمع عند مصب أو منبع واحد، أن يشكل نقطة انطلاق تتفرع منها روافد ومسالك
ومشاريع حكائية مختلفة. وهذا ما يجعل الرواية مشرعة على بدايات متنوعة (
وهو ما جسده محمد برادة في مستهل روايته «لعبة النسيان»)، ويضفي الشرعية
على كثرة الرواة حتى لا يتحول السارد إلى سلطة عمياء يفرض على القارئ
وتيرة معينة لسرد الأحداث من بدايتها إلى نهايتها.
سرد ولد هنية حياتة
عفو الخاطر وهو على مشارف الستين من عمره. وتقصد السارد أن ينقل كلامه
بالعامية لكونها الأقدر على التقاط مشاعره وانفعالاته، وإبراز هويته
الاجتماعية وكينونته النفسية. اضطرت والدته إلى مغادرة مراكش، بعد موت
والده وتوتر علاقتها بحماتها. لما استقرت بالرباط طلبت من ابنها أن يبحث
عن شغل لتلبية حاجات الأسرة التي تعارك الزمن المقيت. خرج إلى الشارع
مبكرا، فاكتسب القسوة اللازمة لفرض نفسه في مجتمع يسحق الضعفاء دون رحمة
أو شفقة.
لم يكن مقتنعا بالسفر إلى دوسلدوف لإرضاء رغبات ونزوات الشاذ
«خوناتان». واضطر إلى ذلك إشفاقا على والدته التي كانت تكد من أجل ضمان
لقمة العيش لأبنائها. وبعد توتر علاقته ب «خوناتان» إثر اكتشاف علاقته ب
«كارول» وإصابة والدته بالمرض، عاد إلى المغرب. لكن المرض لم يمهلها كثيرا
لتسلم روحها إلى خالقها. اشتغل حارسا في بار الأمنية ثم مكلفا بتسيير بار
فندق شهرزاد واستقبال الزبناء إلى أن التقى بنعيمة التي فتحت له آفاقا
جديدة في حياته.
أسعفته تجاربه الجنسية على اكتشاف ألوان اللذة
ومفارقاتها. و قد أهلته إلى تحسين وضعه الاجتماعي ومواجهة صروف الدهر
المتقلبة. ساعده خليله» خوناتان» على السفر إلى ألمانيا، ووفر له عملا
وفتح له حسابا بنكيا. وهو ما جعله يقدم العون لأمه حتى تتغلب على تكاليف
الحياة ومصارفها، ويضمن لنفسه مصروفا محترما لمقاومة طوارئ الدهر وتقلباته
غير المنتظرة. وبعد أن تأكدت نعيمة من وفائه أودعت في حسابه الأموال التي
كانت تجنيها من عملية الاتجار في المخدرات، وطلبت منه أن ينفقها على
والداتها وابنها في حال القبض عليها والزج بها في السجن. ومقابل هذه
الخدمة منحت له مبلغا ماليا لاكتراء محل لبيع لوازم الكهرباء.
يكشف
محكي ولد هنية عن مفارقات كثيرة، وفي مقدمتها تعامله بطيبوبة ولباقة مع
الآخرين رغم خشونة طبعه التي اكتسبها من مجتمع قاس حرمه من حقه في التمدرس
وأذاقه حنظل السجن. فهو، عموما، يتعامل بسلاسة مع الواقع إلى درجة قد
نتوهم بكونه ساذجا. ولكنه، في العمق، يتحلى بهذه المرونة لإيجاد الحلول
التي تضمن له مساعدة والدته التي كان يعزها إيما اعتزاز، وتأمين مستقبله
المشرع على احتمالات شتى. وقد أسعفته هذه المرونة على كسب ثقة الآخرين
وعطفهم، وإنقاذ حياته من براثين البطالة والفقر المدقع.
5-مُصاصة الحياة
عرض
سميح على الوارثي طريقة تسجيل حوار مطول معه لإضاءة تجربته في الحياة
استنادا إلى قضايا محددة، ومن ضمنها علاقته بالسلطة، ثم بالدين، ثم إبراز
موقفه من الحياة في معناها الواسع. درس في جامع القرويين، وانخرط في تجربة
الكفاح الوطني، وتقلد مناصب وزارية وإدارية، ونفض يده من الانتماء الحزبي
ليعرض خدماته على القصر استنادا إلى مؤهلاته العملية والسياسية. ولم يندم
على تجربة ثلاثة عقود قضاها في محراب السلطة العليا لأنه استطاع أن
يتعرَّف مجريات الأمور في مصادرها. وبعد أن خلق مسافة مع دواليب السلطة،
تفرغ إلى الكتابة في شؤون الدين متوسلا سبل الاجتهاد لإنارة السبيل أمام
الناشئة.
تكشف محكياته، التي تهم تورطه في معمان السلطة وشركها، عن
ذات غير مكترثة بالخطب المكرورة ومشدودة إلى الحياة في مختلف تجلياتها
وأبعادها الملتبسة والمتشابكة. « تحولت ، بالأحرى، إلى ذات منقسمة، مفرغة
من الاقتناع والحماس، أخفي أكثر من ما أعلن، أواري قلقي وتمزقي وأتطلع إلى
الانسحاب من المسؤوليات لأنصرف إلى معاقرة الحياة رحيقا مسكرا وترياقا
شافيا..» ًص117. ولما رحلت زوجته إلى دار البقاء واستقل أبناؤه الثلاثة
بحياتهم وابتعد عن دواليب الدولة، أحس باندفاعة قوية نحو عالم المتعة
وبرغبة جامحة في الاستمتاع بتجربة « استعادة الحياة» خارج إرغامات الكبح
والرقابة والوصاية. وهكذا استطاع أن يستنفر طاقاته المتلهفة ويروي ظمأه
الذي دام سنينا إن لم نقل ، استعاريا، قرونا عديدة، ويسترجع بعضا من تلك
التجليات التي فتح عينية عليها أيام الصبا. كانت متداولة في محيطه لكنه
ارتأى أن يبتعد عنها ليتوغل في دروب ومسالك مغايرة.
إن انسحابه الهادئ
من ممارسة السلطة وإكراهاتها، جعله، من خلال السهرات والأسفار، يدرك معاني
الحياة ويبحث عن نسغها وكنهها لعله يديم إحساسه بالتوازن ويحقق مصالحته مع
ذاته، ويتمرد على المواضعات الصارمة والمجحفة.
قرر، بحكم حرصه على
الشرعية، أن يكون إلى جانب القصر. وكان متوجسا ومتخوفا من أي فتنة يمكن أن
تعصف بوحدة البلاد وتمزق أوصاله. ورغم أنه لم يكن متحمسا لمشروع المعارضة
لتشييد مجتمع عادل ومنصف، فقد خفف من وطأة الضغينة التي كانت ثلة من
الأشرار تحبك خيوطها لتأليب القصر على الأصوات المناوئة.
يمثل الوارثي
نموذجا لشخصية منفصمة تؤدين دورين مختلفين ومتناقضين داخل المجتمع. يبدو
ظاهريا بأنه يحرص على أداء الشعائر الدينية بانتظام ويروم إصلاح المجتمع
من المفاسد التي علقت به. ولكنه، باطنيا، يدير ظهره لكل ما يمكن أن يكبل
حريته، وينغمر فيما يعتبره كنه الحياة وصميمها، ويحرص على الاستلذاذ بمتعة
الحياة ومصاصتها قبل أن تنطفئ شعلته في الحياة. وهكذا تحول إلى متفرج
محايد يصغي إلى المعارك الإيديولوجية كما لو كانت فقعاعات فارغة تتطاير في
الهواء أو « مجرد رشاش مطر سرعان ما يمتصه الرمل» ص122.
مما تقدم نخلص إلى ما يلي:
ا-يتناوب
الرواة ، رغم اختلاف منازلهم وأوضاعهم وهويتهم، على إضاءة الحيوات
المتجاورة من زوايا ومنظورات مختلفة. وقد استعان سميح بكل الوسائل السردية
الممكنة من أجل فك خيواط هذه الحيوات الملتبسة ، وبيان مواطن تشابكها
وافتراقها، واستجلاء ما تستضمره من أصوات متجاذبة على كثرة تنابذها
واختلافها. ومن خلال اضطلاع كل شخصية بالبوح بما يجمعها بالشخوص الأخرى
امتلأت ثقوب المحكيات، واستدركت حذوف، وانكشفت حقائق اعتراها صدأ النسيان
أو التناسي. ورغم أن كل شخصية تمثل حالة مفردة وتجسد نمطا في العيش
والوجود، فهي، في مجملها، تتلاقح لتشكل كينونة مشتركة قوامها التعويض عن
شيء مفتقد، وتحدي الملل والقلق وصدأ الأعمار، والتمرد على مفارقات الواقع
وضجيج الإيديولوجيات، والسعي إلى حياة أرحب متحررة من القيود والمواضعات
الصارمة.
ب- يسعى كل راو على حدة إلى قهر دكتاتورية الزمن تفاديا
للانسحاق بجبروته وعنته. كان يعتقد في البداية أنه متحكم في زمامه لتلبية
حاجاته وإرضاء رغباته، لكن اتضح له، مع تقدمه في العمر، أنه محتاج إلى
التعويض عن أشياء مفتقدة للاستمتاع بزُها الدنيا، وإلى نقطة ضوء تنير
حياته المظلمة وتضمن توازنه في الحياة، مع ذاته وغيره. وجد سميح نفسه
مضطرا إلى الانخراط في مشروع حكائي لتبديد الشرنقة الخانقة ومقاومة سطوة
العدمية. وبعد انسداد الأبواب أمام نعيمة لم تجد بدا من المغامرة بحياتها
سعيا إلى الحفاظ على إيقاعها في الحياة، والاطمئنان على مستقبل والداتها
وابنها في حال تعرضها لمكروه ما. جرب ولد هنية مهنا بسيطة مختلفة للتغلب
على مصاريف الحياة وغدرها، واستجاب طوعا لطلب نعيمة ( إيداع بعض أموالها
في حسابه البنكي، وإخفاء مبالغ أخرى، والانخراط في مشروع تجاري) رغم
خطورته عل حياته وإشراع مستقبله على احتمالات متعددة. يستمتع الوارثي
بمصاصة الحياة للتعويض عما فاته منذ الطفولة، والانتفاضة على التقاليد
والقوانين التي جعلته أداة بدون روح أو إحساس.
ج- يهيمن المحكي الذاتي
على مجمل المحكيات المضمنة في الرواية. « ويضطلع به سارد صافي الذهن يعود
إلى الأنا كيف كانت فيما مضى. وهي أنا غاطسة في المجهول واللبس والوهم .
نتعرف هنا إلى مشروع أساس يهم أكثر المحاولات انضباطا للتعبير بضمير
المتكلم المفرد»(5). أسعفت رقعة هذا المحكي على استشفاف الحياة الداخلية (
البوح والاستبطان والاستطراد والتحليل الذاتي)، و تلاقح السيرذاتي
والتخييلي، وتلاحم الأنا السارد(Moi narrateur) والأنا العامل(Moi de
l?action)(6) في كتلة واحدة، وتنامي حركات الوعي وتموجاته، وتناسل العوائق
النفسية التي تحول دون تحقق المراد بسبب تعمق الهوة بين صفاء السريرة وزيف
الواقع، وبين الضجيج الإيديولوجي وارتداد المشاريع الفردية والجماعية،
وبين الأفكار الحالية والأفكار المنصرمة.
د-أسهمت مختلف المحكيات
والأجناس المتخللة ( المذكرة والتسجيل الشفاهي والسيناريو والحوار الخالص
والشعر والمتخييل الواصف métafiction) في تباين التضاريس اللغوية، وتعدد
مستوياتها، وتشخيصها أدبيا ( الهجنة والأسلبة والمحاكاة الساخرة) وتفريدها
حتى تتحد بصورة من يتلفظ بها، وتعبر عن إحباطاته وأوهامه وأحلامه وآماله،
وتجسد مستواه التعليمي وهويته الاجتماعية وكينونته النفسية والأنطلوجية.
هـ يشغل التخييل الواصف حيزا هاما في الرواية ، وهو بمثابة كتابة محيلة
إلى ذاتها للكشف عن أسرار اللعبة الأدبية ذاتها، ومساءلة التقنيات المشغلة
فيها، وإبراز مكامن الوعي بقضايا التخييل ومستتبعاته الفنية. ويحوم
التخييل الواصف ، عموما، حول إمكان سرد الحدث عينه من زوايا متعددة
وبأشكال متنوعة، ووجود إمكانات حكائية كثيرة لسحب الثقة من السارد (
الناظم الخارجي) وإعطاء الحرية أكثر للشخصيات للتعبير عن تجاربها في
الحياة.
هوامش
1 - استعملت دوريت كوهن في كتابها « الشفافية
الداخلية « ( انظر الهامش5 ) مفهوم السرد الذاتي (auto-récit) لتمييزه عن
السرد النفسي(psycho-récit) . لكن يعود الفضل في صقل مفهوم المحكي الذاتي
(autonarration) إلى الباحث أرنولد شميث في دراسته « آفاق المحكي الذاتي»،
مجلة الشعرية، العدد 149، فبراير 2007 ، ص-ص 15-19. وله دراسات أخرى في
المجال نفسه.
2 - حماد هو الشخصية الرئيسة في « مثل صيف لن يتكرر»،
منشورات الفنك، ط1 ، 1999. وهو الاسم المستعار الذي كان يوقع به به برادة
مقالاته المنشورة في جريدة « البلاغ» إبان سنوات الرصاص بالمغرب.
3 -
الهادي شخصية من شخصيات « لعبة النسيان»، منشورات دار الأمان، ط1، 1987.
وهي المسرب الذي اتخذه برادة لاستحضار وقائع من حياته الشخصية ومساءلة
الواقع و نقد الإيديولوجية.
4 - يرجع الفضل لأستاذ سميح في محاورة
الشخوص وجمع معطيات عنهم، وسلم مروياته إلى الناظم الخارجي لترتيبها حسب
هواه. ويمثل سميح وجها من وجوه محمد برادة وصوتا من أصواته التي تسترجع
عينات من حياته الشخصية، وتجلي بعضا من استيهاماته وأحلامه وأهوائه
وإحباطاته المغفية في منأى عن أشمال الرقابة والوصاية.
5 -Dorrit Cohen : La transparence intérieure , éd Seuil,,1977, p170.
6
- ميز بينهما ليو سبيتز Leo Spitzer في دراسة حول « أسلوب مارسيل بروست»،
وأضحى ، مع مر الوقت، متداولين في النقد الخاص بالمحكي الذاتي. انظر في
هذا الصدد المرجع نفسه ص 167.
-العلم الثقافي16/3/2010
د.محمد الداهي


said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى