صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

ما الحبّ في قصص الحبّ عند العرب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ما الحبّ في قصص الحبّ عند العرب

مُساهمة من طرف izarine في الثلاثاء 30 مارس 2010 - 22:05

' وقد حدّثنا أبو كريب وابن وكيع وسهل بن موسى، قالوا: حدّثنا ابن عيينة
عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عبّاس سئل عن همّ يوسف
ما بلغ؟ قال: حلَّ الهميان ( شداد السراويل أو التكّة) وجلس منها مجلس
الحائز.
'حدّثنا الحسن بن محمد قال: حدّثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج
قال: أخبرنا عبدالله بن أبي مليكة قال: قلت لابن عبّاس: ما بلغ من همّ
يوسف؟ قال: استلقت له وجلس بين رجليها ينزع ثيابه..' الطبري، تاريخ الأمم
والملوك ج8 ص204 ـ ص205.
لا نروم في هذا المقال استدعاء مختلف دلالات مقولة الحبّ ومختلف مستويات
تدبّرها جماليّا أو معرفيّا ولذلك فإنّنا نشير إلى أنّ ما يعنينا أساسا إنّما هو
الوقوف على البعد الغراميّ الإيروتيكيّ لهذه المقولة. ولا بدّ من القول هاهنا إنّ
الكتابة
في الحبّ تنطوي على قَدْرٍ هائل من اللَّبْسِ هو عينه القدر الذي تنطوي
عليه القراءة في الحبّ، وهو لبس مأتاه التّعميم الذي قد يشوب مفردة الحبّ
حيث تُحمل في معنى عامّ على دلالة مطلق الرّغبة في هذا الشّيء أو ذاك أو
على دلالة المحبّة بما هي توادد بين البشر، في حين أنّ ما يعنينا هاهنا
إنّما هو المضمون الغراميّ الإيروتيكيّ الذي يعتري العلاقة بين ذكر وأنثى،
مضمون تشتدّ فيه درجة الانفعال الشّبقيّ أو تخفّ بحسب عوامل ثقافيّة
وأخلاقيّة يتمثّلها الفرد على نحو لا واع. وإنّ درجة هذا الميل الشّهوانيّ
إن سلبا أو إيجابا هي التي تحدّد دلالة العاطفة التي نسمّيها الحبّ
ونوعيّتها. وهذا المضمون ليس مقتصرا بالضّرورة على المعيش البسيكولوجيّ
المخصوص بالانسان أو المعيش الجسديّ، بل إنّه يحوز منزلة ذات شأن ضمن
إنشائيّة الكتابة وحتّى ضمن جينيالوجيا المعرفة.
وإلى ذلك فإنّه
منشدّ إلى فضاء أخلاقيّ تتجاذبه قيم مختلفة ومشاعر مركّبة نظير الوفاء
والغدر والغيرة والكذب، وغير ذلك، لكن ما دام الأمر يتعلّق بقصص الحبّ عند
العرب فإنّ المطلوب لا بدّ مستهدفٌ سرديّة الحبّ لا الحبّ أو هو مستهدفٌ
الحبَّ مسرودا في بعض شعر العرب ونثرهم، على أنّ ذلك لا يلغي الحاجة إلى
النّظر في مفهوم الحبّ والتّحقيق في دلالته . وإذا كانت كلّ ظاهرة يتمّ
تعيينها على أنّها جديرة بالدّرس إنّما تؤخذ غلابا بواسطة تطارح لجملة من
الأسئلة تكون في البداية بسيطة بل حتّى ساذجة ثمّ لا تلبث أن تشرع في
التّناضج إلى أن تستوي تدبّرا إشكاليّا لهذه الظّاهرة ، فإنّه لا مناص في
شأن ظاهرة الحبّ من التّساؤل عن ماهية الحبّ حتّى وإن كنّا نميل إلى أنّ
سؤال الماهية سؤال من شأنه أن يعطّل البحث بدل تسييره وذلك لاعتبارات لا
نرى طائلا من وراء عرضها في هذا المقال فنكتفي بالإشارة فقط إلى أنّه سؤال
ميتافيزيقيّ بالأساس ولا نظنّ الميتافيزيقا أفقا ذا صلاحيّة للتّفكير
اليوم، أو على الأقلّ لا يمكن أن يكون الأفق الوحيد، فحتّى إن مررنا عليه
فإنّما نمرّ عليه عتبةً نحو فضاء أو أفضية أخرى، فإذا تساءلنا: ما هو
الحبّ؟ فإنّنا مستجلبون لا محالة لمقولات أخرى نظير الرّغبة والحاجة
والمتعة وغير ذلك من المقولات والمفردات التي من شأنها أن تنتسب إلى دائرة
الممارسة الغراميّة أو دائرة عاطفة الحبّ عموما، لكنّ ذلك لا يمكنه أن
يحدّ
الحبَّ حدّا كلّيا صارما ولذلك يكون من الأجدر أن نتساءل: كيف يتجلّى
الحبّ، أو هذا الذي نسمّيه حبّا حتّى وإنْ كنّا لم نقف على ماهيته بعدُ،
في هذا المجتمع أو ذاك؟ أو في هذا الفنّ أو ذاك؟ أو في غير ذلك من
المجالات؟
على أنّ مثل هذه الأسئلة ولئن كانت تستدعي بالفعل اهتماما
نظريّا وتقتضي زادا فكريّا واسعا وعميقا فإنّ المقترب لبعض قصص الحبّ عند
العرب لا يروم الانخراط في سياق مثل هذا الأفق على نحو مباشر وإن كان في
نفس الوقت يحاول أن يستأنس به، فهو أقرب إلى مباحث جماليّة الحبّ ما دام
لا ينظر في خبرة الحبّ من جهة تكوّنها على صعيد الواقع، وإنّما من جهة
تخييلها في بعض أنماط الكتابة الإبداعيّة، ولذلك كثيرا ما تتحدّث هذه
القصص عن ارتداء العاشق أو المعشوقة لرداء اللّغة أو عن النّظر إلى
المحبوبة بعين
اللّغة... ومن الصّعب أن نردّ هذه الكتابة الغراميّة
إلى الواقع ما دام الأمر يتعلّق بتنويع سرديّ على قصّة واحدة أو متقاربة
الأحداث وعلى كون خبرة الحبّ تظلّ في أصلها خبرة فرديّة. ولكنّ هذه
العموميّة راجعة إلى مقتضيات الخطاب الفنّيّ الذي يقدّمها، أي هي راجعة
إلى قواعد لعبة القصّ الغراميّ، ولا يتعلّق الأمر هاهنا بالمعيش الغراميّ
الخبريّ لدى الأفراد وإنّما يتعلّق بجماليّة الحبّ ضمن ضرب من ضروب القصّ
والإخبار.

***

لا يبدو التّقصّي عن ملامح نظريّة عربيّة في
الحبّ أمرا ميسورا، ولا يُعزى ذلك طبعا إلى شحّ المصادر المتعلّقة بهذا
المطلب أو إلى ندرة الآثار التي تحفل بخبرة الحبّ، فهي على العكس من ذلك
على غاية من الوفرة وتتجاذبها اتّجاهات شتّى في تقدير قيمة الهوى ومواقف
مختلفة من حرقة العشق حتّى
أنّه ليبدو من المتعذّر الإلمام بها
إلماما يخوّل استخلاص نظريّة في الحبّ لدى العرب متماسكة الجنبات، بل إنّ
ما يضاعف من هذه الصّعوبة هو كون العناصر التي أسهمت في بناء الحضارة
العربيّة الإسلاميّة هي عينها التي تنحت الأفقَ الذي تتشكّل ضمنه رؤية
العرب للحبّ. وهذا الأفق هو الذي ننفذ
إليه عن طريق نصوص شعريّة
تتغنّى بالحبّ تعاطفا مع من اكتوى بحرقته أو بثـّا لشكوى المحبّ ممّا
يلاقيه في سبيل المحبوب، كما ننفذ إليه عن طريق ما يتضمّنه النّثر العربيّ
من تجارب غراميّة يحلّق بها خيال مجنّح في قصص عن الحبّ مبثوثة في كتب
الأخبار والسّير بل في كتب الفقه والتفسير وعلم الحديث ( انظر مثلا قصّة
يوسف التي صدّرنا بها مقالنا) لأغراض متباينة منها ما
ينشد متعة
الحكي في حدّ ذاته ومنها ما ينشد تقدير عاطفة الحبّ والتّشريع لها في هذا
المغزى أو ضدّها في ذاك المغزى، وعن طريق ما يترسّمه الفلاسفة من منزلة
للهوى من منازل النّفس سعيا إلى الظّفر بحقيقة الحبّ إن كان حالة للقلب أو
اقتضاء للعقل، وعن طريق ما يشخّصه الأطبّاء من أدواء العشق وتبعاته من
اعتلال يعتري البدن أو يعلق الرّوح، وحتّى عن طريق انزياح بعاطفة الحبّ
نحو الإلهيّ في سياحة للمتصوّفة حلولا أو فيضا.
وقد يكون قولا نافلا
التّذكيرُ بالأواصر، وإن تفاوتت درجاتها، التي تشدّ بعض قول العرب إلى
الفلسفة والطبّ الإغريقيّين، ولكنّنا إذ نجريه فلتجنّب ما قد يشي به هذا
المقال من نرجسيّة قوميّة قد تُذهِب في الظنّ أنّنا بصدد مقاربة تفاضليّة
في حين أنّنا نبتغي في الواقع، من بين ما نبتغيه، من وراء الاهتمام بقصص
الحبّ لدى العرب بيان إسهامهم في المدوّنة الغراميّة الإنسانيّة شأن أقوام
غيرهم كثيرين. وإذا كانت مقايسة العرب بغيرهم في هذا المضمار ليست في
الحسبان
هاهنا فإنّ ذلك لا يمنع من القول أنّ العرب قد عنوا بالحبّ في تراثهم
عناية فائقة تعكسه سمات الشّعر العربيّ من نسيب وغزل وتعكسه شعبيّةُ كثير
من قصص الحبّ يتوارثون روايتها بالاستزادة والاستنقاص في خطابهم الشّفويّ
كما في خطابهم المكتوب. على أنّ تنوّع الأجناس الكتابيّة التي
تُعنى
بمسألة الحبّ في تراث العرب لا يمكنها أن تحجب عنّا كون الشّعر يمثّل في
الغالب الأعمّ مصدر اقتباس لكلّ الأعمال المتعلّقة بنظريّة الحبّ عند
العرب حتّى أن بعض هذه الأعمال التي يُفترض فيها أن تكون تعليقا نظريّا
على خبرة الحبّ تستحيل هي بدورها إلى مختارات شعريّة في الحبّ. ولعلّ
هذا
ما يستدعي التوقّف عند هذه العلاقة الطّريفة بين الحبّ والشّعر، حيث العود
إلى النصّ الشّعريّ للاستدلال به على هذا المعنى أو ذاك المغزى يكفّ عن
مطلب الاستدلال ويستغرق مرّة أخرى في لذّة النصّ الشّعريّ نفسه. فقصص
الحبّ ليست فقط مجرّد سرد لوقائع غراميّة أو مجرّد عرض لأخبار
المحبّين
وما يلاقونه من عذاب في سبيل حبّهم أو ما يتجشّمونه من عناء ليظفروا بلقاء
المحبوب أو ما يتدبّرونه من حيل ليختلسوا النّظر إليه وإنّما تستحيل في
مناسبات عديدة إلى شروح على بعض الأبيات أو القصائد الشّعريّة. وهذا ما
يدفع إلى إمكان تأويل هذه السّرديّة الغراميّة التي تصاحب
النصّ
الشّعريّ على أنّها ضرب من ضروب جماليّة التّلقّي يتولاّها في هذه المرّة
جنس أدبيّ. وإذا انتبهنا إلى أنّ الشّعر من جهة كونه فنّا ينشد الجمال
انتبهنا إلى مشاركته الحبّ في نفس الغاية أو القصد من جهة أنّ الحبّ رغبة
في الجميل، وهذا ما يسوّغ البحث في إنشائيّة الفنّ عن طريق مقولة الحبّ.

***
يبدو
التّراث الغراميّ عند العرب على غاية من التّنوّع والثّراء، فهو يناظر في
تشكلّه التّنوّع والثّراء اللّذين أسهما في بناء الحضارة نفسها، بيد أنّ
هذا المقال لا يرمي إلى الإلمام بكلّ ضروب الحبّ لدى العرب، فلا يعنيه أن
يستخلص نظريّة الحبّ لديهم فذاك مطلب عزيز تجشّم عناءه غيرنا، وهذا العمل
حسبه أن يدرك أمله في أن يصوغ ملمحا من ملامح هذه النّظريّة بطريقته،
وعليه
فإنّ ما يعنينا إنّما هو النّظر إلى ضرب من ضروب الحبّ في
الذّهنيّة العربيّة كما تأتّت إلينا عن طريق بعض قصص الحبّ، ألا وهو الحبّ
من حيث هو عاطفة إيروتيكيّة يتداخل فيها النّفسيّ والجسديّ في منحى يخفّف
من
المغالاة في روحنة الحبّ، مثلما يتجلّى ذلك في ما يرد من قصص '
الحبّ الحضري' وفي التّعفّف عن شهوانيّة الجسد مثلما يتجلّى ذلك في ما يرد
من قصص ' الحبّ البدويّ' حيث التغنّي بالجسد في بعض نصوص الشّعر العذريّ
وتكثيف الاستعارة بشأن بعض أعضائه مناسبة لكشف شوق يغلب على النّفس أكثر
ممّا يغلب على ميول الجسد، فكأنّما نحن بصدد إيروتيكا
روحيّة تصاحبها
عطالة جنسيّة أكثر منها إيروتيكا جسديّة، ولكنّه يحاول أيضا أن يحدّ من
شطط الغلمة في عماها الغريزيّ دونما توجيه أتيقيّ أو من الاحتفاء الشّبقيّ
بالجسد ومقايسة جماليّته بمقياس طواعيّته للممارسة الجنسيّة دون سواه.
وإذا كان هذا المقال لا يُعنى مباشرة برمزيّة القصّ العشقي في الخطاب
الصّوفيّ، فإنّنا نلاحظ بتفاوت استخداما لبلاغة إيروتيكيّة وقد تمّت
تنقيتها بعد من الاستعارة الدّالّة على شهوانيّة جنسيّة مباشرة وبعد أن
تمّ تطهيرها من الأسلوب المعبّر عن الحاجات البيولوجيّة الطّبيعيّة حيث
تكون إماتة الشّهوات من شروط إمكان التّرقّي القدسيّ. وهذا ممّا يجدر أن
تتعلّق به همّة
الباحث في شؤون البلاغة سعيا إلى ترسّم ملامح '
التّحويل البلاغي' التي تسم كلّ ضرب مستجدّ من ضروب الأدب أو الفنّ حيث
القوانين التي تحكم فعل الإبداع قد لا تعدو أن تكون غير قوانين ' المعاودة
والاختلاف'.
لكن مقابل هذا الخطاب الصّوفيّ كان ثمّة صنف آخر من
الكتابة الإيروتيكيّة يتنامى في تراث العرب ضمن سياق من تعاقب الظّهور
والضّمور بحسب التّعاقب بين شدّة الأعراف وصرامة الأحكام وبين تراخي
القوانين ومرونة القيم، وهي كتابة مفرطة في 'إباحيّتها'، وجذورها تمتدّ
على حدّ امرئ القيس في بعض قصائده ' الخليعة'. ولقد ألّف العرب في الجنس
مؤلّفات لا يمكن تنزيلها باصطلاح اليوم إلاّ ضمن مجال البورنوغرافيا، نظرا
إلى ' إباحيّتها'
المفرطة ونظرا إلى كونها لا ترى غضاضة في عرض أسماء الأعضاء الجنسيّة بأسمائها التي تمجّها الأسماع عادة بحكم عوامل أخلاقيّة.
كما
أنّها لا تتردّد في وصف مفصّل ودقيق لأوضاع من الجماع مختلفة، بل هي
تتقصّد ذلك وتتعمّده. وقد يكون صحيحا أنّ مثل هذه الكتابة الجنسيّة
المكشوفة التي تنتسب إلى فترات متأخّرة من تراث العرب تبلغ ذروتها
في
عصر ' الانحطاط'، إلاّ أنّه قد لا يكون من المجدي أن ننظر إليها بعيني
الازدهار والانحطاط، وإنّما قد يكون من الأجدر النّظر إليها على أنّها
تندرج في إطار طقس من طقوس الكتابة الاحتفائيّة بالحبّ أو بالجنس. ويدفعنا
إلى ترجيح القول بمثل هذه الكتابة الاحتفائيّة المكشوفة ما نصادفه من
أواصر بين ما هو احتفائيّ وما هو لعبيّ، وبالفعل فإنّه من الجائز أن
نتحدّث ونحن نقرأ مثلا ما قام به جلال الدّين السّيوطي في ' رشف الزّلال
من السّحر الحلال' من استعراض لعشرين مقامة تختلف باختلاف العلوم التي
تنتسب إليها هذه الخطابات حيث يتولّى كلّ عالِم ( صاحب خطاب) وصف ليلته مع
امرأته حسب ما يقتضيه علمه أو فنّه من اصطلاح وأسلوب، في عمليّة أقرب ما
تكون إلى منافسة لعبيّة، بل هي بالفعل مناظرات لعبيّة تستكمل ما أُثِر عن
العرب من أنّهم كانوا ينظرون إلى المرأة، من بين ما كانوا ينظرون به إلى
المرأة، على أنّها لعبة الرّجل فتضاعف هذه الخطابات العشرون في لعب
أيروتيكيّ متخيّل اللّعب الأيروتيكيّ الواقعيّ.

***
'لا مناص في
هذا السّياق من تسليط الضّوء على العلاقة بين الحبّ والجنس. وهي علاقة
تتجلّى في كثير من قصص الحبّ، كما تحفل بها سير العشّاق، بالغة الطّرافة
لما يطبعها من استثنائيّة قيميّة تتمثّل أساسا في تفتيت شعور الغيرة لدى
المحبّ بحسب تفتيته تفاضليّا لجسد المحبوب أو في إباحة جسد
المحبوب للصّحبة بالحيلة والتّغرير على نحو ما نصادف في ذلك في خبر المرقّش وأسماء.
أو
بالمقابل في مطابقة تامّة بين الحبّ والغيرة تولّد الثّار والقتل، على نحو
يمكن أن يستمرّ فيه شعور الغيرة حتّى ما بعد الموت وما يعنينا هاهنا هو أن
نعود فنشير إلى مقال لنا سابق وسمناه بـ ' الثّالث المرفوع في قصص الحبّ
عند العرب'، وهو مفهوم استجلبناه من أهل الفلسفة والمنطق لنتمثّل به
خاصّية يمكن تحصيلها بواسطة التّأويل من بعض قصص الحبّ لدى العرب.
فالثّالث المرفوع يفيد في لغة المناطقة ما يتمّ استبعاده كحدّ ثالث عندما
يتعلّق الأمر بقضيّتين تكونان متناقضتين، حيث تكون إحداهما صحيحة وتكون
الثّانية فاسدة. على أنّه لا يعنينا هاهنا أن نختبر عاطفة الحبّ عند العرب
منطقيّا، وإنّما يعنينا أنْ ننبّه إلى أنّ ضربا من الثّالث المرفوع يمكن
ألاّ يكون مرفوعا من بعض قصص الحبّ عند العرب، وذلك لأنّه لا يمكن اختزال
شيء ما إلى حقيقة واحدة، فأيّة ظاهرة هي حاصل تركيب معقّد بين عناصر
مختلفة، والحبّ ليس قابلا لأن يُختزل في اللّيبيدو ولا في أيّ شعور آخر،
فهو ' تركيب' من الانفعالات أو هو سيمياء من الغرائز متشابكة متراكمة تجعل
الحبّ قابلا لأن يُقارن بإكسير، فهو يشكّل من عناصر مختلفة خليطا جديدا ذا
نكهة خاصّة غير قابلة لأن تردّ إلى أيّ من هذه العناصر وحده. إنّ هذه
العاطفة المركّبة التي نسمّيها الحبّ هي التي تهيّئ للثّالث المرفوع ألاّ
يكون مرفوعا من بعض قصص الحبّ عند العرب. فيكفي أن نعود إلى بعض الرّوايات
حتّى نعاين أمارات عديدة دالّة على إمكان هذا الثّالث حتّى وإن كنّا لا
نستطيع أن نسمّيه مباشرة بحيث نستدلّ عليه بواسطة تعبير سالب أو مقارن
ولكن لا يمكن ألاّ نعيه تخمينا أو تأويلا، ولعلّ هذا ما نستشعره من خلال
تراجع ثقافة التّأثيم في الرّواية التي تقدّم لنا جميلا يضطجع إلى جانب
بثينة دون تشكيك في عذريّة حبّه لها. وهذا أيضا ما نعاينه في الرّواية
التي تقدّم عفراء وهي تطلب الإذن من زوجها أن تبكي عروة وقد أذن لها دون
قدح في ذمّتها. ولعلّ من أطرف ما يعبّر عن إمكان هذا الثّالث هو ما نلفيه
في هين البيتين للمجنون حيث لا يرفع هذا الثّالث بل ترفع بدلا منه الغيرة
من قلب المحبّ وتستحيل هي بدورها رغبة، إذ يقول المجنون وقد مرّ بزوج
ليلى: بربّك هل ضممت إليك ليلى/'قبيل الصّبح أم قبّلتَ فــاها / وهل
رفـّتْ عليـك قرون ليلى/ رفيف الأقحوانة في شذاها/ وقس على ذلك ما يقوله
جنادة العذري أشكل عليه الشّوق فلم يعد يدري بما يتمثّل للتّعبير عنه بطلب
الحياة لمحبوبته أم برجاء الموت من حبّها:
أتمنّى أن يلاقيني من نحو بلدتِها
ناعٍ فينعاها
كيما أقول: فراقٌ لا لقاء له
وتضمر النّفس يأسا ثمّ تسلاها
ولوْ تموتُ لراعتني وقلتُ: ألا
يا بؤس للموت ليت الموت أبقاهـا

على
أنّه يمكن أن نعود بإمكان هذا الثّالث إلى جذور أقدم منغرسة في تربة القيم
الجاهليّة على نحو ما نعاين ذلك في نكاح الاستبعاض أو الرّهط ممّا يليّن
من حدّة التّقابل بين الإباحة والتّحريم في بعض ضروب النّكاح. وبعبارة
أخرى فإنّه إذا كان هذا الثّالث ممكنا في الكتابة العشقيّة لأنّه يحقّق
إمكانه من خلال التّخييل اللّغويّ فإنّه قد يكون ممكنا أيضا، لأنّ هناك
ثقافة تتّسع له وتهيّئ له من القيم ما يسوّغه وإن بنسبة من النّسب. وإنّ
هذه الملاحظة الأخيرة حول تنسيب الاعتراف بهذا الثّالث ينبغي أن تؤخذ في
الحسبان حتّى لا يتمّ السّكوت عن أنّ الثّقافة التي تجري فيها هذه الكتابة
الغراميّة إنّما هي ثقافة ذكوريّة تموضع الجسد الأنثويّ أكثر ممّا تذوّته
وتغيّب في الغالب الأعمّ الجسد المذكّر، جسد العاشق. فهي، بتأويل ما،
سرديّة غراميّة تخفي علاقة سلطويّة من نمط آخر حتّى لا نقول علاقة ساديّة.

القدس العربي


منصف الوهايبي
شاعر من تونس
30/3/2010

izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى