صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

الكاتب لا يخـتار زمنه، ولكن/محمد بــــرادة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الكاتب لا يخـتار زمنه، ولكن/محمد بــــرادة

مُساهمة من طرف said في الجمعة 16 أبريل 2010 - 19:36




يـلـذ ّ للكاتب أحيانا أن يتخيل حياته مندرجة في عصر تاريخي آخر، عصر تميز بأحداث وشخصيات وعطاءات أغنتْ التراث الإنساني، وكأن استبدال العصر سيخـفـف من معانـاة المبدع ويجعل الطريق ممهّـدة أمامه. أنا شخصيا لا أظن أن العصر المزدهر يحمي الكاتب من مشكلات الوجود، ومناورات الخصوم، ووطأة السلطة ... لا مناص من أن يتحمل الكاتب نصيبه من مشقات العيش ومجابهة ما يتـهـدد حريـته. ليس مهما، إذن، أن يختار الكاتب الزمن الذي يريد العيش فيه، وإنما الأهم والمطلوب -كما قال سارتر- هو أن يختار موقفا وموقعا داخل الزمن الذي وُجــد فيه .بالنسبة للكاتب العربي اليوم، أدرك تماما أن يـتـبـرّم من زمنـه وأن يـعتـبره عائقا أمام الاضطلاع بمهمتـه ضمن شروط تحفظ الكرامة والحقوق. وهو موقف يجد مبرراتـه في عمـق الأزمة المـجتمـعية الشاملة التي تـُطـوّق الفضاء العربي وتجعله أشبه بباخرة تغوص نحو قـاع البحـر. وأكثر ما تتجلى هذه الأزمة في الشروط المرافقة لعمل الكـُـتاب والمبدعين، سواء المادية منها أو المعنوية. فعلى المستوى المادي، لا يتمتع الكاتب بأي استقلال ماليّ يحـقـقـُـه من بيع كتبه، لأن نسبة الأمية مرتفعة ما تزال، والحواجـز المصطنعة بين الأسواق العربية قائمة، وسيف الرقابة مترصد، ووسائط الإعلام مـُلـتهية بما يـُـسلي ويغسـل الأدمغـة. والكاتب العربي يكتب وهو فاقد لأي سند معنوي، لأن الدولة الوطنية أو القومية أو القطرية التي ينتمي إليها لا تضع أمام المجتمع سوى نموذج الحكم الاستبدادي المتدثر بأكثر من لبوس وشعار، ولا تتذكـر من الأزمنة سوى الماضي الفاقد لنسغـه، ولا تصفق لسوى خطابات التأويل العقائدي الخادم لاستمرار ما هو قائـم ! في ظـلّ مثل هذه الدولة، لا يستطيع الكاتب العربي أن يكتب وهو مطمئن إلى أن هناك قوانين تحمي ظـهره، وأن هناك مـَنْ يسـهر على توفير شروط حرية القول والاختلاف والجهـر بالآراء الجريئة التي تسائل المستقبل، وتفتح بوّابة الأمل. يعرف الكاتب العربي اليوم كلّ هذا، ومع ذلك يكتب ويـُـصـر على أن يقاوم حالة التـردي والانهيار التي تـلـفّ ُ مجتمعه. يواصل الكاتب العربي إنتاجه على رغم الشروط المضادّة، ويحرص على أن يتمســك بالرفض والتجويد الفني، وتشخيص خلايا النبض الحيوي في جسد عربي تريد الأنظمة أن تجعله موَاتا، خاضعا لمشيئة الحاكمين. وهذه المفارقة هي التي تصلح، في رأينا، مدخلا لإعادة صـوْغ إشكالية الكاتب العربي اليوم : مفارقة تتمـثل في الحرص على الكتابة والإبداع على رغم الشروط المضادة والانحدار السياسي.هي مفارقة حيوية، دينامية، لأنها تـُجـسـد «انشقـاقـا» إيجابيا وسط المجتمع السياسي العربي المصاب بالترهـُّـل والجمود والانتكاس، على الأقل منذ 1967 . لم يعد الكاتب العربي اليوم يكتب مـُـستندا إلى أوهام الدولة القومية التوحيدية، ولا إلى إيديولوجيات التبشير بالاشتراكية وصعود البروليتاريا، ولا إلى دعاوَى أصولية تسـتبدل سعادة الأرض بجزاء الجنة في السماء! وقد لا يكون الموقف بمثـل هذا الحسم والوضوح، لأن قوة المال ومسالك السلطة لا تتوانى عن ممارسة الإغراء والترهيب لاستمالة بعض الأقلام، وتجيير صورتها الباهتة، خاصة وأن الكاتب العربي لا يستطيع أن يتعيش من قلمه. مع ذلك، تدفـُّق الإنتاج ونوعـيـتـه يرجحان القول بأن اختيار الكاتب العربي هو باتجاه القطيعة مع القـُـوى والسـُّلـط التي تخنق حرية الفرد وتحتقر حقوق المواطن، وتـغـرف من منطق الماضوية. لأجل ذلك، نرى أنه إذا كان الكاتب العربي لم يـخـتـر زمانه الرديء، المتداعي، فإن باستطاعته أن يختار موقفا داخل هذا الزمن البـئــيـس. وهو اختيار يستدعي الحوار والمناقشة وبخاصة في مثل هذه المرحلة التي تـتهـدد وجودنا بالانهيار وضياع المستقبل .ماذا يختار الكاتب العربي اليوم في سياق الانحدار وتسـلـُّـط الأنظمة وفـقـدان البوصلة ؟ بعبارة ثانية، يكتسي اختيار الكاتب أهمية قصوى لأن الصراع بين الدولة والمجتمع المدني يـرتاد الآن منطقـة الصراع الرمزي ومنظومة الـقـيم، وطرائق التعـبـيـر عن المشاعر والتجارب والعلاقة بالذات والعالم. ومن ثم فإن فشل الأنظمة في مجال السياسة وتنظيم الصراع الديمقراطي، يستدعي تـعـريـتـَـها من كل الغلائل الرمزية التي تـتـسـتـّـر بها. وأرى أن اختيار الكاتب العربي لموقف داخل زمنه المفروض عليه، يتمثل قبل كل شيء في مسألتيْـن:أ) - الاستمرار في الإبداع والكتابة من موقع الوعي النقدي الرافض، ومن دون تنازل عن المستوى الفني والجمالي الذي تراكم منذ خمسينات القرن الماضي. وذلك لأن هذا الإبداع هو ما يكشف عن تحولات المجتمعات العربية ويبلور ملامح وعــيها الجديد الرافض للوصاية واجترار أمجاد وهمية. والكتابة بهذا المعنى، هي تلـمـّس واستبار واستباق وفـضح وبـوْح، واجتراء على اللغة والخيال، ونبش في المسكوت عنه، وتقليب للذاكرة والتاريخ...ب) - تأكيد الكاتب العربي ل«انشقاقه» عن الإيديولوجيا السائدة وعن اللغة المـُـتخشبة المبـررة لما هو قائم ومـُسيـطِــر. وهذا عنـصر بالغ الأهمية، لأن الكاتب هو مـَنْ يستطيع أن يصدق المجتمع ويدق ناقوس الخطر، ويقول بأعلى صوت إن من الممكن أن نتصدى لهذا الخراب من خلال البحث عن مخرج تبتدعـه مجموع قوى المجتمع عبر الممارسة والنقد والفــعل . أعرف أن التغيـيـر لا يتحقق إلا من خلال قوى اجتماعية واعية ومنظمة ؛ لكن مرحلة الانـحباس والاحتقان وغيبوبة الأحزاب الطلائعية التي تعيشها المجتمعات العربية اليوم ، تـُـلقي على عاتق الكاتب المبدع مسؤولية الاختيار الجذري الذي ينطوي على رمزية مضيئة، من شأنها أن ترسـم عبر عوالم الإبداع ملامح حياة مـمكنـة يتعانق فيها الحلم بالفعل، ويـُـواكب التغـيـيـرَ بـزوغ ُ الاعتقاد في ما هو أفضل.
16/4/2010
الملحق الثقافي
الاتحاد الاشتراكي

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى