صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

الرواية والمجاز العائلي قراءة في رواية "القوس والفراشة" لمحمد الأشعري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الرواية والمجاز العائلي قراءة في رواية "القوس والفراشة" لمحمد الأشعري

مُساهمة من طرف izarine في السبت 24 أبريل 2010 - 5:58

تنتمي رواية "القوس والفراشة" لمحمد الأشعري إلى تقليد نوعي هو مزيج من التخييل الذاتي وسيرة الفضاء والرواية العائلية، مع ما يتصل بهذه الاختيارات السردية من ارتباط وثيق بالذاكرة والتاريخ، ورؤية الشاهد المنخرط في تفاصيل الأشياء والوقائع.

تحكي
الرواية رحلة سلالة "محمد الفرسيوي"، الأسرة الريفية المتواضعة المستوطنة
لزرهون، التي استطاعت أن تبني مجالا واسعا من النفوذ المالي والاجتماعي،
بعد خمول طويل في دوار بو مندرة، مكنها من الارتقاء داخل محيط شهد تحكما
تاريخيا لسلالة الشرفاء. وفي غضون هذه الرحلة، ترسم الرواية معالم التقاطب
بين نواة العائلة الصغرى لمحمد الفرسيوي، القادم من هجرة طويلة في ألمانيا
مقترنا بأجنبية، والبنية التقليدية لمجتمع الزاوية، تقاطب يطبع العلاقة
المنتسجة بعد ذلك بين أفراد عائلة يوحدها الخضوع لسلطة الأب، وما يستولده
من مسارات متعارضة ومآلات مفارقة.
تنتحر "ديوتيما" زوجة "محمد
الفرسيوي، إثر تداع مأساوي للأحداث الفقد، والانهيار التدريجي لثروة
العائلة، ليلتحق الابن يوسف (الشخصية الكاريزمية التي تجمع بين مشاعر
العقلانية والعاطفية)، بمؤسسة للرعاية بفرانكفورت، قبل أن يعود إلى المغرب
وينغمر في تجارب سياسية متقلبة ما بين يسار جذري وآخر معتدل، قاده إلى
تجربة سجنية عابرة، ثم إلى العمل الصحافي.. فيستمر السعي للحفاظ على
التماسك، بين أنوية قرابية متعددة، تخضع لهيكلة مصالح مالية واجتماعية
متشابكة.
والظاهر أن ذلك التماسك الوهمي لم يكن ليتناسب مع قدر
الانكسارات المتفاقمة في السياق الروائي، وأضحى التحول من الفطرة التي
مثلتها "زرهون"، والأصول التي تشربها "محمد الفرسيوي" وعمل على حفظها، إلى
الخبرة الناتجة عن هجرته المؤقتة، وسفر "الابناء" "يوسف ثم ياسين، من
الجيل اللاحق، للدراسة في ألمانيا وفرنسا، رديفا لتغير مواز في أعماق
الأفراد؛ وما لبث حلم "يوسف" بنسيان خطيئة الأب، وتطويع نواته الأسرية
الصغرى لمنطق عقيدته المنفتحة، أن تكسر على صخرة الرغائب الفردية
المنفلتة. وسرعان ما أضحى الانتماء الديني والسياسي مصدرا لأسئلة
والتباسات عصية على التحديد، شكلت دوما حافزا للتخييل للروائي لتوسيع مدار
المنجز النصي المستلهم لعوالم المجتمع المغربي، ومن هذا المنظور يمكن
اعتبار النص الحالي تنويعا على ذلك الخطاب الناقد والمستقصي والكاشف
لتناقضات مجتمع يتساكن فيه اللحاء الـمديني مع المحافظة الدينية والانفتاح
الجنسي والسلطوية مع اخفاقات النخب الثقافية والسياسية على امتداد الخمسين
سنة المتعاقبة منذ الاستقلال، والتي عكستها على نحو متزامن روايات: "حيوات
متجاورة" لمحمد برادة، و"الأناقة" للميلودي شغموم، و"كتيبة الخراب" لعبد
الكريم جويطي، وغيرها من نصوص أحمد المديني وعبد الحي المودن ويوسف فاضل
وغيرهم.
في هذا السياق حصرا يمكن اعتبار رواية محمد الأشعري تمثيلا
إبداعيا جديدا لمأزق المثقف المستحدث، حيث الهوس بالأصول والرغبة في تحصين
الذاكرة، يجاور الانتماء الشكلي للحداثة ومنجزاتها، فتكون الصلات المفترضة
مع العالم قائمة على المجاز، ومع المحيط والأقارب ناهضة على ولع التشبيه،
في صورة تخييلية تعتورها كل عوامل المفارقة والتعارض، والمحصلة أنه لا
عائلة الفرسيوي تفلح في الانتماء إلى العالم، ولا الفرد يتصالح مع محيطه
العائلي.
قسم محمد الأشعري روايته إلى ثمانية فصول تروي حكايات الأب
محمد والابن يوسف في صلاتهما مع مقومات هويتهما المتشظية: ما بين العربية
والأمازيغية والجرمانية والتراث الروماني والإسلامي، وتستثير أطوار
اليفاعة الموزعة للبطل بين مراتع الريف وزاوية زرهون، ومدن الرباط والدار
البيضاء ومراكش وسلا، وما بين قضايا اليسار واليمين والحكام والرعية
وأهواء التغريب والسلفية، والروحانية العلمانية، والاستئصالية، وما بين
الأصدقاء والخلان وأقارب والأباعد... وتمثل بكثير من الشفافية علاقات
البطل يوسف بزوجته "بهية" والصديقات "ليلى" و"فاطمة" و"الغالية" والأصدقاء
ابراهيم الخياطي و أحمد مجد، وصلاته المعقدة من الابن "ياسين" الذي قضى في
عملية ارهابية.
يصور الروائي مواقف كل هؤلاء إزاء تحولات المجتمع وتبدد
العقائد والأفكار وتحلل المدن؛ قبل أن يرسم تدريجيا ملامح التمرد المتلاحق
لأفراد العائلة على السياج الحريري، وانطلاقهم في أكوان حددتها اختيارات
متباينة، ما بين عيش تجربة حب ملتبس ومتشظي، والتمادي فيه حد الانفصال عن
"الزوجة" كما هو حال "يوسف". أو رفض الحياة السهلة وتعويضها بمغامرة
الجهاد مع تنظيم القاعدة كحال "ياسين"، أو العزلة والانكفاء على الذات
مثلما هو حال "الأب محمد"، اختيارات توزعتها أفكار وأحاسيس، ومواقف من
الحياة والمجتمع، كما انتهت بأصحابها إلى أصقاع حسية ووجدانية متنائية.
ولقد استند الروائي في نسجه لمسارات عائلة "محمد الفرسيوي" وتحولاتها، إلى
مكون شهير في رصيد الرواية العائلية، هو مكون "الفقدان" الحسي والمجازي،
والانهيار التدريجي للحمة المعقدة، مع ما يتصل بهما وينتج عنهما من انتفاء
لمبدأ الاستسلام السهل لدوائر مرسومة سلفا؛ فتتكون تدريجيا عبر حلقات: فقد
الأم "ديوتيما"، وفقد "ثروة" الأب، ومقتل "ياسين"، وانفصال "يوسف" عن
زوجته "بهية" (وزواجها بعد ذلك من صديقه أحمد مجد)، وانتهاء بأعطاب
العائلة الكبرى لليسار إثر تلاحق الخسارات، منظومة التأزيم المتفاقم في
السياق النصي، المفضي إلى تصدع النسق الجامع وانهياره.
ولا جرم أن
يستعمل الروائي صيغة أسلوبية أثيرة في هذا الصنف التخييلي، متمثلة في
البناء المقطعي، المرتكز على المناوبة بين عوالم الشخصيات الروائية،
بالنظر لما تتيحه هذه الصيغة من إمكانيات فنية في إنجاز جدلية التعارض
والتماثل بين عناصر العائلة والمحيط والفضاءات الحاضنة، وما يفرزه هذا
الجدل من تشوش في الرؤية، وتيه في الاختيار، إزاء العالم المتحول... هكذا
تناوب الرواية بين عوالم شخصيات الأب محمد، ويوسف والأصدقاء احمد مجد
وابراهيم الخياطي وغيرهم، على نحو يعكس تحولات رؤاها، وهي تحاور بعضها،
مثلما في الحياة، بمحبة أحيانا، وسخرية وتخابث أحيانا أخرى، وبلوعة ورغبة
في الإفضاء دائما. وكأنما في التخلص من ضغوط الوعي بحث عن معنى للأشياء،
ورغبة في تأويل أهواء عابثة، منذورة للفناء.
وستبرز هيمنة الذاكرة على
الحكي، منذ البداية، بشكل واضح، فتتجلى الفصول أشبه ما تكون بسير لمدن
الرباط وسلا ومراكش والبيضاء وزرهون وهي تعيش وقائع تبدلاتها القسرية تحت
وطئة مشاريع السلطة وتدخلات الفساد المالي والفضائح الإدارية، تصل بينها
منولوغات طويلة للبطل "يوسف"، في تطلع جلي من الروائي إلى تشخيص استحالة
التعدد الخطابي في الكون المعطوب للعائلة والمجتمع، ونفورهما التلقائي من
الحوارية، وحتى حينما يتعلق الأمر بتقاطب منطقي بين المرجعيات فإن الرؤية
المنولوغية ليوسف المازجة بين السخرية والنبرة العقلانية، والفجائعية
ورؤية النقدية المتمردة، تظل هي الطاغية، سواء تجاه "بهية" و"ليلى"
و"فاطمة" و"أحمد مجد" أو مع "أب" و"الابن"، مؤطرة نسيج الكلام المنتامي
والحركة المتواترة؛ وهو الأمر الذي يفسر تشييد الحوارات، الكثيفة في النص،
على إيقاع الثنائية، مع خلفية صامتة لا تخترقها منغصات الاسترسال، وتحضر
فقط لبيان الفجوة المرتسمة بين الذوات والآخرين.
في مقطع لافت من الفصل الأول يورد السارد اعترافا تأمليا يكاد يلخص القدر الملتبس والمتواتر لآل الفرسيوي:
"قلت لأصدقائي إنني لا أحب شيئا على الإطلاق.. وكدت أقول لهم ولا أحب أحدا
كذلك. لا أتذكر متى بدأ ذلك، ولا أعرف ما إذا كان قد وقع لي دفعة واحدة،
أم حصل على مراحل محتشمة حتى وصل إلى ذروته في تلك اللحظة المشؤومة. أتذكر
فقط ذلك الشعور الذي لازمني بسبب ما حدث ولفترة طويلة بأن لا أحد يملك
شيئا لأحد، وأن كل شخص في هذا العالم مهما كانت له من علاقات صلبة وحميمة
فإنه لا يواجه مصيره إلا وحيدا ومعزولا، وباستعداد فطري للاكتئاب والبكاء
على النفس، وأن لا أحد، أبدا، يحقق سعادته بسبب الآخرين مهما كانوا قريبين
منه، وأحباء. لا تتحقق أي لحظة سعادة كثيفة أو هشة إلا من خلال التفاصيل
التي نعثر عليها في دواخلنا"(ص 14).
يختصر المقطع مصير عائلة
الفرسيوي ويومئ في الآن ذاته إلى أن قدر الخارجين، هو إلى النسيان والمحو.
صحيح أن الصور الروائية المتعاقبة تفسح ل"محمد و"يوسف و"ياسين"، مساحات
سردية واسعة للفعل والكلام، على نحو تنقلب فيه المعادلة الصورية في كل
مرة، فيتحول الهامشي من وضع المضطهد إلى المهيمن تخييليا. إلا أن هذه
المناوبة المجازية، لم تكتسب وضعيتها تلك في المبنى الأسلوبي المحبوك، إلا
لتفاقم من حدة المشاعر المتناقضة؛ فيصير الحب رديفا للنفي، والعرف كناية
عن الأسر، والقرابة تورية للاغتراب، والسفر تكثيفا للتيه... مع ما يتداعى
عن تلك التلازمات الدلالية من سوء فهم، وإعاقة تواصل، وانقلاب في معجم
التخاطب.
من هنا تتجلى الرواية كسردية لجدلية "الواقع" و"الحلم"،
"الأمل" و"الخيبة"، "الإرادة" و"الهزيمة"، مما يجعل بطولة يوسف غير
مكتملة، مثلومة ومنغصة، فهو جزء من خيبة جيل وانكسار عقيدة يسار، وفساد
أمكنة، وانهداد مجتمع، وهو مقاوم لواقعه متمرد عليه في الآن ذاته: فهو ليس
"محمد" (الأب) القانع بذاكرته وذاكرة أطلاله، ولا "ياسين الزاهد في "سعادة
نمطية" من أجل فكرة جذرية، وإنما هو محصلة لمأساة الشخصيتين، ونتاج
لتقاطبهما النكد في السياق الروائي. هو صورة أخرى للحصار الوجودي الذي
يكيف، في العديد من النماذج الروائية العربية، صورة المتمرد الذي تفضي به
الحيرة والخيبة والأفق الغامض إلى التطواح المسترسل بين المرافئ والمعابر
المؤقتة، حيث تمتزج الرومانسية بالقسوة، بحجب الوهم، والحنين إلى المجهول.
ويخيل
إلي أن صورة يوسف، الذي مثلت وضعيته في المبنى المقطعي، العنصر الناظم
لتفاعل الشخصيات، تنطوي على وظائف وأبعاد تصويرية تتجاوز وضع المفارقة
اللاإرادية الثاوية في شخصيته، إلى نوع من الطموح الافتراضي المرتبط بجيل
مغربي بأكمله، والذي سرعان ما مثل آلية ترميزية بليغة في تمثيل طبيعة
الاستجابة المحتملة بين منبت مغلق، ومحيط صادم يحتوي على أطروحاته المغرية
بالمسائلة والتأمل والسخرية. وتأسيسا على ذلك أضحى يوسف كناية عن صوت
جماعي ستتاح له عبر مشاهد الرواية المختلفة الفرصة للربط بين مأزق المجتمع
التقليدي وأوهام الديمقراطية وجبروت المال وتناقضات السلطة، والإعلام
والانتهازية ، والفساد الأخلاقي،...، وغيرها من الموضوعات التي تتخلى عن
أرديتها الجاهزة لتوضع من جديد موضع التحليل والتساؤل لتخترق مجمل فصول
رواية "القوس والفراشة"، متخطية نطاق المرجعي أحادي البعد، إلى الإحالة
الرمزية المتعددة الأبعاد.
<><
هكذا يتجلى نص "القوس
والفراشة" لمحمد الأشعري كرواية للأرواح النافرة، والمصائر الغامضة،
والألم العاتي، والمتع المزدهرة، كتبت بإحساس طاغ بالتاريخ، يرفده ثراء
بصري وولع بالتفاصيل، ورغبة في الغوص والاستبطان، باتت معها آصرة القرابة
مجالا لعبيا واسعا، تمتد فروعه بين مفاصل العقيدة والمال والسلطة والجسد،
فتحولت إلى محكي تكهني عن قيم مخاتلة، مسترسلة في الوجود، وأخرى على وشك
الانهيار.
- العلم الثقافي18/4/2010
شرف الدين ماجدولين


izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى