صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

مشروع محمد عابد الجابري: شهادة من موقع العشرة / سعيد بنسعيد العلوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مشروع محمد عابد الجابري: شهادة من موقع العشرة / سعيد بنسعيد العلوي

مُساهمة من طرف izarine في السبت 8 مايو 2010 - 22:45


كنت، بحكم عشرة في شعبة الفلسفة في كلية الاداب والعلوم الانسانية في
الرباط امتدت عشرين سنة كاملة (بين نهايتي السبعينات والتسعينات من القرن
الماضي) أحد الشهود المواكبين لميلاد المشروع الفكري الذي يرتبط به اسم
المرحوم محمد عابد الجابري: مشروع نقد العقل العربي.
كنت كذلك شاهدا على ميلاد و نشأة المشروع في الصيغة الاولى، التمهيدية،
التي ينتظم بها كتابه «نحن و التراث» والكتاب، مثلما يعرف قراء الجابري،
مجموعة قراءات في فكر صفوة من فلاسفة الاسلام وكبار مفكريه: الفارابي، ابن
سينا، ابن رشد، ابن باجة، ابن خلدون، الشاطبي.. قراءات سعى فيها صاحبها
الى تسخير سلاحين اثنين كان الرأي فيهما (في ثمانينات القرن الماضي خاصة)
انهما ينتسبان الى مجالين مختلفين، يغاير كل منهما الآخر مغايرة تامة، فلا
سبيل الى الالتقاء بينهما، تحليل يأخذ بالقواعد الكبرى التي يقررها برنامج
نظرية المعرفة مع تغليب، يكاد يكون كليا، للتحليل المادي التاريخي
والثنائية الشهيرة التي يعمل بموجبها: الايديولوجي العلمي (الثنائية في
معنى الزوج الذي يفيد حداه تنافيا كليا، فحضور احدهما يغيب وجود الاخر
ويقصيه) وتحليل ثان يأخذ في وجل وتردد بالتحليل الابستمولوجي الذي يسعى
الى استكناه مكنونات النص وارغام النص، بالملاحقة بما تيسره ادوات
اللسانيات، والتحليل النفسي، وتاريخ العلوم وما عرفه محمد عابد الجابري في
اعادة قراءته لفلسفات الفارابي وابن سينا وابن باجة وابن رشد والغزالي
هوبأعلى وجه التحديد، التبشير بإمكان المزاوجة بين المقاربتين: التاريخية
والبنيوية. يمكن التعبير عن المحاولة بكيفية أخرى فنقول: أمكن الجابري أن
يقتحم مجاهل جديدة، غير مألوفة -البتة- في النظر إلى التراث الاسلامي في
الكتابة العربية وأن يقوم بالخطوة الأولى في رفع الملام ودفع التهمة عن
مقاربة أخرى غير المقاربة التاريخية - المادية. وقد سارت بالمنهجية
الاخيرة في طريق الوثوقية ووأد الحس النقدي، فإنه تكون الفلسفة ويكون
العقل المستنير - والقصد بالمقاربة الوثوقية تلك التي هيمنت على الساحة
الفكرية العربية، في عمل قراءة التراث الاسلامي، مع كل من طيب تيزيني من
جانب وحسين مروة من جانب آخر. لم يلق الجابري التاريخ وراء ظهريا، ولم
يصرف الحضور الايديولوجي في القراءة والكتابة معا في كل النصوص التي كتبها
في السنوات الثلاثين الاخيرة - ولكن «الهم الابستيمولوجي» أصبح مساكنا
للرجل، محايثا له وعلى طريقته التي يعلمها اصدقاؤه وتلامذته على السواء
سعى الى بلورة الهاجس الابستيمولوجي والتأصيل له (ان صح القول) بالدرس
الجامعي من جهة، وبالترجمة والتعريف بالابستمولوجيا الفرنسية ورجالاتها من
جهة أخرى. الحق انه تلزم اضافة اخرى هي: الاشراف على رسائل واطروحات تتصل
بالابستيمولوجيا في صلاتها بالعلوم الانسانية.
من موقع الشاهد الذي وجدت فيه يلزمني الاعتراف بان محمد عابد الجابري
أمكنه المضي خطوات غير قليلة في درب المقاربة المزدوجة للتراث العربي
الاسلامي. لم يكن الامر بطبيعة الحال، يخلو من صعوبات واشكالات - لا بل
انه قد كان، في جوانب منه مدعاة للنقد والمؤاخذة ولكن تلك قضية اخرى، خلاف
لا يفسد للود قضية، كما يقول اخواننا المشارقة
أمر كان، ليس يقل اهمية وخطورة، كنت شاهدا عليه ويلزمني القول فيه من موقع
الشهادة والعشرة. امر ثان يسم ما اراده الجابري في مشروع قراءته للتراث
العربي الاسلامي، يسمه بدقة وجلاء، فهو اذن مما يلزم ذكره.
قام مثقفون عرب كثيرون، من مواقع مختلفة ومتعددة (الدرس اللساني، الفقه و
التشريع والاصول، علم الكلام، التصوف الفلسفة.. الخ) كل قرأ من النصوص
العربية ما كان بمجال اشتغاله المباشر متصلا، ما كان بدائرة اختصاصه
متعلقا. وحده الجابري، من بين كل المثقفين العرب المعاصرين، جازف
بامتطاءمركب صعب والارتقاء في أحضان بحر لجي متطاير الامواج. كذلك اقبل
مؤلف «تكوين العقل العربي» على قراءة سيبويه،و ابن جني،و العسكري،
والجرجاني، وحازم القرطاجني، فضلا عن الشافعي والطبري وابن الاثير، مثلما
كان يقرأ السهرودي واخوان، الصفا، والشفاء، والجمع بين رأيي الحكيمين،
وابن النديم في الفهرست والجويني والباقلاني والبغدادي في الكلام...
لاشك أن الجابري كان يمتلك جرأة، بل جرأة كبيرة في بعض الاحيان، غير ان
فضيلته الكبرى (في المعنى اليوناني، الارسطي خاصة، لكلمة الفضيلة التي
تفيد اتقان الصنعة) كانت - بلا منازع - هي سعة اطلاعه. لنقل بالاحرى، هي
صبره على قراءة ماكان مشكلا، صعبا، لايتصل بدائرة عمله ولا بما ألفه.
هل في إمكاننا اليوم أن نعدد من الفلاسفة المعاصرين العرب من قرأ كتب ابن
جني وسيبويه، وحازم القرطاجني، والسكاكي والجرجاني بهدف البحث عن كيفيات
استقبال العقل العربي للمنطق الارسطي وكيف تعامله مع الاثر الاغريقي.
قوة فقيدنا الغالي تكمن في الصبر والاصرار، مع صدق الايمان، بالعروبة والعقل والديمقراطية.
اما كيف تنتظم هذه المعاني والمفاهيم الاخيرة في سلك واحد، وتلتقي عند شخص واحد فتلك قضية أخرى وموضوع آخر.

الاتحاد الاشتراكي
8-5-2010

izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى