صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

محمد جسوس(ملف)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

محمد جسوس(ملف)

مُساهمة من طرف said في الأحد 23 مايو 2010 - 8:21

محمد جسوس .. السوسيولوجيا بحجم الالتزام المُواطن
وحده
كان يلقب «السي محمد». في الحزب والجامعة والحياة. في أوساط أصدقائه
وزملائه وطلبته في الجامعة، وبين صفوف كهول الاتحاديات والاتحاديين،
السابقين واللاحقين، المتقدمين عليه سنا والمجايلين له، ومعهم شابات وشبان
أتوا الدرس الجامعي السوسيولوجي، أو خندق السياسة التي يخفق قلبها يسارا
عبر بوابة «الشبيبة الاتحادية».
كنتم، كنا كلنا، حين نقول، تقولون جميعا ومعكم نحن: «السي محمد»، ننطق اسم
العلم هذا كلما استشهد الواحد منا به أكاديميا، فكريا أو سياسيا، كنا نعلم
علم اليقين أن المقصود هو «السي محمد» جسوس وليس غيره.
«السي محمد»، أكاديميا هو «علامة فارقة في تاريخ السوسيولوجيا المغربية،
بالنظر إلى الدور المتميز الذي لعبه منذ نهاية ستينيات القرن الماضي في
تكوين أجيال عديدة من السوسيولوجيين، وبصفة خاصة في انفتاح الجامعة
المغربية، الناشئة، على مقاربات نظرية وممارسات ميدانية جديدة سمحت بتأسيس
خطاب سوسيولوجي متميز بعقلانيته ونزعته النقدية من جهة، وبحرصه على التقيد
بالاشتغال في حدود العلم ووفق ضوابط ومقتضيات كانت بدورها في طور التأسيس
من جهة أخرى، ضوابط ومقتضيات ساهم محمد جسوس بحظ وافر في تقعيدها
وترسيخها.»
«السي محمد»، سياسيا وإيديولوجيا وحزبيا، مناضل وزعيم ومنظر في صفوف
«الاتحاد الاشتراكي»، ومعه اليسار الباحث عن بوصلة موحدة، يؤمن بـ
«التحليل الملموس للواقع الملموس» انطلاقا من التزامه «الباثولوجي»، حسب
بعض بعضنا، بالاشتراكية والأخلاق. إنه وريث ماركس المادي وكانط الأخلاقي،
وهو قبل ذلك صوت المغرب المتعدد المنفتح على الذات وعلى الآخر، الأستاذ
الكبير الذي يقدم درسه بكل لغات ولهجات المغرب.
لحسن حظ المغرب والمغاربة أن هيئات متعددة، مدنية أولا ثم حكومية ثانيا،
صارت تكرم وتحتفي برموز البلاد فكريا وثقافيا، ولم تعد تنتظر غيابهم
لترثيهم وتسرد مناقبهم.
أجل، هذا بالضبط ما أقدمت عليه مجموعة الأبحاث والدراسات السوسيولوجية
بكلية الآداب و العلوم الإنسانية بالرباط، لما نظمت ندوة علمية حول موضوع:
«السوسيولوجيا والمجتمع: قراءة في كتابات ومسار محمد جسوس»، تكريما ووفاء
للمسار العلمي لمحمد جسوس وتعريفا بأعماله، و ذلك يوم الجمعة 30 أبريل
الماضي، بمدرج الشريف الإدريسي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالعاصمة.
ولد محمد جسوس بفاس سنة 1938، حصل على شهادة «الميتريز» في علم الاجتماع
من جامعة لافال بكندا سنة 1960، كما حصل على شهادة الدكتوراه في علم
الاجتماع من جامعة برينستون بالولايات المتحدة سنة 1968، والتحق بكلية
الآداب والعلوم الإنسانية كأستاذ لعلم الاجتماع سنة 1969 ، وعين كأستاذ
مدى الحياة لنفس المادة بجامعة محمد الخامس سنة 2004، و من بين أعماله
المنشورة: «رهانات الفكر السوسيولوجي بالمغرب»، «طروحات حول المسألة
الاجتماعية»، «طروحات حول الثقافة و التربية والتعليم»، فضلا عن عمل قيد
النشر حول طبيعة ومآل المجتمع المغربي المعاصر.
ومع ذلك، فالتراث الفكري والتحليلي لـ «السي محمد» يحتاج إلى أن يتم جمعه
ونشره حتى لا يصير الذين سيأتون بعدنا، صغار اليوم، أولئك الذين لم تتح
لهم فرصة التمتع بتحليلاته ومقارباته شفويا، حتى لا يصيروا أيتام فكر
أنتجه أحد أعلام مفكري بلدهم.
في ملف هذا العدد، وتكريما من «الاتحاد الثقافي» بدوره لمحمد جسوس، ننشر
مداخلتين قدمتا خلال ندوة الوفاء المشار إليها، الأولى لعثمان أشقرا وسمها
بـ «الاشتراكية والأخلاق: قراءة في مسار سوسيولوجي ملتزم»، والثانية
لمصطفى محسن، وقد انتقي لها عنوان: «في البدْء كان الاعتراف، تحية حب
وإكبار إلى أستاذ الأجيال محمد جسوس عالما ومناضلا وإنسانا».


الاتحاد الاشتراكي
الملحق الثقافي
21-5-2010


said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: محمد جسوس(ملف)

مُساهمة من طرف said في الأحد 23 مايو 2010 - 8:23

هل للمثقف موقع في الحياة السياسية المغربية؟ - يونس مجاهد

من المؤكد أن إشكالية علاقة المثقف بالسياسة تطرح عدة أوجه من المقاربة و
التحليل، لأنها متعددة الأبعاد و الجوانب، غير أن ما أريد مناقشته في هذه
الورقة، هو ما يسجله اغلب المراقبين بخصوص النفور التدريجي للمثقفين في
المغرب من خوض غمار السياسة، و خاصة من تقديم ترشيحا تهم للانتخابات
التشريعية و الجماعية.
لقد طفا على السطح في السنوات الأخيرة هذا التوجه، و الذي انعكس في تشكيلة
الهيآت المنتخبة و المستوى الثقافي لعدد من الذين يتولون المسؤولية فيها،
كما أنتج كل هذا ثقافة سياسية جديدة، أصبحت فيها القدرة على التجييش فيها
هي العملة الرابحة، بغض النظر عن مستوى المرشح وكفاءته و دفاعه عن برنامج
جدي و قدرته على التنفيذ و الإبداع و الابتكار...
و لعل النمط الانتخابي السائد يساعد على تضخيم هذه الجوانب السلبية في
الممارسة السياسية، حيث يتم التركيز على الأشخاص و على علاقاتهم المباشرة
مع الناخبين، مما يغيب كل الأدوات الأخرى، الضرورية في الفعل السياسي من
تصور واضح للحاجيات و الأهداف و الوسائل، لتتحول العملية إلى مجرد علاقات
زبونيه ترتبط بتحقيق مصالح لمجموعات، تنتظم في شبكات، تحقق هدفا معينا في
ظرفية و تتغير ولاءاتها حسب تغير المصالح.
و انطلاقا من هذا، فإن العملية الانتخابية انحدرت إلى نوع من تجميع
للأصوات على أسس نفعية، و كذلك دينية، ضمن شبكات عقائدية و خيرية، و قليلا
ما أصبحنا نجد منتخبين فازوا بالمقعد اعتمادا على برنامج حزبهم و قوته
التنظيمية.
و ما يمكن إن نقوله في هذا الصدد، هو أن الانتخابات كممارسة ديمقراطية،
تفترض أن تعكس الطاقات الفكرية و التجربة و الكفاءة في التسيير للمرشحين،
مما يتطلب تكوينا وتدريبا و قدرة على التعامل مع مختلف الإشكاليات
المطروحة، بخلفية سياسية و فكرية مستندة إلى حمولة معرفية. و ما يهدد
اللعبة الديمقراطية هو أن يتم تشويهها بتدخل عوامل أخرى، لا ديمقراطية
بطبيعتها، مثل استغلال حاجة الناس إلى خدمات عمومية هي أصلا من حقهم
كمواطنين، أو استعمال العقيدة الدينية لاستمالة الناخبين، او تقديم عمل
خيري بمقابل انتخابي، بالإضافة إلى استعمال المال لشراء الأصوات...
كيف يمكن للمثقف ان يتموقع في هذا المناخ؟ أين يمكن أن يجد نفسه؟ حتما، إن
اغلب المثقفين ينفرون من قوانين هذه اللعبة المشوهة، إذ لا يقبلون حشر
أنفسهم في مثل هده الطرق و الأساليب غير الديمقراطية، و إذا حاولوا ذلك،
فعليهم أن يدخلوا في لعبة تشكيل الشبكات الزبونية و النفعية و تقديم رشاوى
لشراء الأصوات. و لا يمكن للمثقف، الحامل لقيم النزاهة أن يصبح «محترفا»
للانتخابات في النسخة البشعة التي اخذت تبرز في السنوات الأخيرة في
المغرب، و التي تمت إدانتها من طرف كل الأحزاب الديمقراطية.
و اذا كان لكل هذا تأثيره السيئ على التمثيلية الديمقراطية، فإن النتيجة
الحتمية على الهياكل الحزبية وخيمة أيضا، إذ أن المثقفين، يجدون أنفسهم
مجبرين على التخلي على الدخول في اللعبة الانتخابية، و مهما حاولت الأحزاب
الديمقراطية تقديم مرشحين لهم مواصفات الكفاءة الفكرية، فإنها تجد صعوبات
في ربح أصوات الناخبين، الذين يذهب عدد كبير منهم إلى مكاتب التصويت تحت
تأثير المال او الشبكات الزبونية و النفعية، و في أحسن الأحوال، الخيرية و
الدينية. لذلك تحاول الأحزاب توفير مرشحين قادرين على صنع شبكات، قد تكون
مرتبطة بالتنظيم أو ربما بعيدة عنه. و ما يهم أغلب الأحزاب في السنوات
الأخيرة هو عدد المقاعد، و لذلك أصبحت تقبل مبدأ المنتخبين الرحل، الذين
يلتحقون بها بعد أن يكونوا قد فازوا مع منظمات أخرى.
ولا يمكن هنا إلا أن نسائل النمط الانتخابي الذي يسمح بتفضيل العلاقات
الشخصية، وكذلك الموقف السلبي للسلطات أمام عمليات البيع و الشراء و توفير
شروط تكوين الشبكات النفعية. و بالإضافة إلى كل هذا، لا يمكن إلا أن ندخل
في اعتباراتنا الملابسات السياسية التي رافقت عملية العزوف، التي سجلت في
الانتخابات الأخيرة، و التي دفعت بالعديد من أفراد الطبقات المثقفة و
المتنورة إلى المقاطعة.
من الواضح ان مثل هده الوضعيات خلقت واقعا حتى داخل الأحزاب نفسها، حيث أن
التمثيلية المحلية و الوطنية أصبحت تنحو أكثر فأكثر نحو الاعتماد على
نتائج الانتخابات، سواء في تحديد المندوبين للمؤتمرات، و بالتالي الفائزين
بمناصب المسؤوليات. و في كل هذا أخذت العديد من الأحزاب تفقد مثقفيها،
الذين لا يجدون لهم موقعا في العملية السياسية المرتبطة كلها تقريبا
بالانتخابات.
و لا ينبغي ان يفهم من هذه الملاحظات أن على الأحزاب الاعتماد فقط على
المثقفين، فهذا غير صحيح، لان اللعبة السياسية في حاجة إلى المناضلين
الحركيين كذلك، الذين لهم ارتباطات ميدانية. لكن التوجه الذي يلاحظ في
السنوات الأخيرة، هو ان التوازن الذي كان قائما بين الفئات الحركية و
المثقفة، أخذ ينحو تدريجيا لصالح الحركية الانتخابية و تجييش الأنصار،
بأساليب تكوين الشبكات، التي لا تعتمد على التقاليد الحزبية النضالية، مثل
الإقناع و الاتفاق على الموقف السياسي وتصارع الأفكار و الاقتراحات و
التوجهات و البرامج.
لابد لهذه الوضعية أن تنعكس سلبا على الحياة الحزبية و أيضا على الحياة
السياسية الوطنية، و هذا أمر لا يمكن تجاهله، لأن تجارب البلدان
الديمقراطية تثبت لنا أن التطور السياسي ارتبط بتصارع الأفكار و البرامج و
النظريات، التي تعتمد على الثقافة و المعرفة و الفلسفة، و ليس فقط على
العملية الانتخابية و التمثيل الجماهيري، خاصة اذا كانت ضمن لعبة غير
عادلة و غير منصفة، تفتح الباب للتحايل أكثر من أي شيء آخر.
---
مساهمة في سلسلة آراء لكتاب ومثقفين وباحثين سينشرها الملحق تباعا حول تيمة «وضع المثقف في مغرب اليوم ودوره».


said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: محمد جسوس(ملف)

مُساهمة من طرف said في الأحد 23 مايو 2010 - 8:24

في تكريم محمد جسوس : الاشتراكية والأخلاق: قراءة في مسار سوسيولوجي ملتزم د.عثمان أشقرا

الاشتراكية،
الأخلاق، الالتزام: ثلاثة مصطلحات أو مفاهيم يتضمنها العنوان أعلاه لابد
أنها ستثير الانتباه (إن لم يكن أكثر) في وقت يقر السوسيولوجيون أنفسهم
(مع علماء آخرين) بأن عصرا جديدا قد انبثق فارضا - على الأقل - إعادة نظر
جذرية في «مذهب» الاشتراكية و«قاعدة» الأخلاق و«موقف» الالتزام.
ثم ما هو مبرر وضع المصطلحات/المفاهيم الثلاثة في تركيب واحد يفترض فيه
وحدة السياق والمعنى؟ وهل هذه الوحدة حاصلة بالفعل ومتحققة بالتأكيد؟

لنبدأ-أولا- بالاشتراكية والأخلاق: لم تنشأ الاشتراكية مع كارل ماركس
(1818 - 1883)، ولكن صاحب كتاب «البيان الشيوعي» و «الرأسمال» هو من سيمنح
الفكرة الطوباوية القديمة قاعدتها المادية التاريخية ومضمونها «العلمي».
هذا ما سيقر به - على الأقل - الشيوعيون من فريدريك أنجلز...حتى لوي ألثوسير.
لكن هذا النزوع المادي الخالص في تقرير النزعة الاشتراكية كمذهب وسلوك
أثار منذ البدء نقاشا فلسفيا أخلاقيا خالصا. وهنا لابد من ذكر المحاولات
الرائدة والعجيبة التي قام بها بعض الفلاسفة المنعوتين بالكانطيين الجدد
في إطار ما يسمى - أيضا - بمدرسة ماربورغ في النصف الثاني من القرن التاسع
عشر في ألمانيا تحت شعار «الاشتراكية الأخلاقية» من خلال العودة إلى فلسفة
الواجب الأخلاقي لدى إيمانويل كانط. وفي هذا الصدد تحضر أسماء بول ناثورب
وفريديريخ لانج و ماكس أدلر. كما أنه في نفس الفترة التاريخية -في فرنسا-
أثير نقاش خصب حول القاعدة الأخلاقية للمسألة الاجتماعية تحت شعار
«التضامنية» حيث برز سوسيولوجيا اسم إميل دوركايم وفلسفيا اسم ليو بورجوا.
لكن التخصيب الحقيقي للنظرية الاجتماعية الماركسية أخلاقيا سيتم في إطار
بروز واستواء و تعميق ما يعرف بالنظرية النقدية أو مدرسة فرانكفورت (الجيل
الأول: ماكس هوركهايمر، ثيودور أدورنو، هربرت ماركوز، والتر بنيامين -
الجيل الثاني: يورغان هابرماس-الجيل الثالث والحالي:أكسل هونيث).
وبغض النظر عن التمايزات، بل و«القطائع» والاختلافات بين أجيال النظرية
النقدية الثلاثة (الجدل السلبي ونقد العقل الأداتي والإنسان ذو البعد
الواحد لدى الجيل الأول؛ نظرية الفعل التواصلي و أخلاق النقاش لدى هابرماس
؛مجتمع الاحتقار والمطالبة بالاعتراف لدى هونيث)، فثمة - على ما يبدو-
بؤرة اهتمام مركزية تجذب أفكار سوسيولوجي وفلاسفة أجيال النظرية النقدية
الثلاثة متمثلة في قيمة الفكر معتبرة بمدى انغراسه في تجربة التاريخ من
جهة، وصيرورة المجتمع والطبيعة التواصلية للعيش البشري المشترك من جهة
أخرى، ثم القيمة الأخلاقية للفعل الإنساني باعتبار قدرته على التغيير
وانفتاحه على التقدم.إنها نظرية اجتماعية نقدية تواصلية تفضح تشيؤ الإنسان
المعاصر وتعيد الاعتبار لقيم الغيرية وحقوق الإنسان والالتزام بمسيرة
التاريخ «التقدمية» والانحياز إلى صف التكتلات الاجتماعية الأقل حظا في
الثروة والسلطة، ولكن الأكثر اختزانا للطاقة على إنجاز مشروع التقدم
والتغيير. وهذا ما يمكن أن ننعته بنوع من «الفلسفة الاجتماعية» حيث أولا
تتصالح السياسة مع الأخلاق وتكون الاشتراكية في هذا المنظور ليست هي علم
التغيير الجذري المزعوم للتاريخ والمجتمع ولكنها هي الأفق الأمثل الذي
يغذي أمل التغيير ويلهم خيال المنخرطين في مساره ومشروعه.إن الاشتراكية
هنا هي أخلاق والتزام قبل أن تكون «معرفة ملموسة بالواقع الملموس».وهنا
أصل إلى السوسيولوجي الملتزم السي محمد جسوس باعتباره واحدا من هؤلاء
الذين جسدوا باقتدار وإخلاص نادرين هذا النموذج الفذ لالتحام السوسيولوجيا
العلمية بالفلسفة النقدية، والاشتراكية العلمية بالمثال الأخلاقي في وقت
عز فيه العثور على أمثال هذه النماذج في زمن صدق نعت الشاعر في وصفه بأنه
«الزمن الظنين».والنتيجة كانت كما يلي:
1- التموقع خارج دائرة ما كان مهيمنا في الستينات والسبعينات بالخصوص
ك«فلسفات» و«نظريات» تنعت بما بعد الحداثية وتصب عموما في اتجاه نقد فكر
التنوير السلبي وتجاوز الحداثة المزعوم تحت شعار انتهاء زمن السرديات
وحلول واقع التشذر وتفكك المركزيات و السلط الخ. وحتى لا يساء فهمي هنا
فالأمر لا يتعلق برفض محافظ أو موقف سلبي كسول ولكنه موقف سوسيولوجي
وفلسفي نقدي واعٍ ومسؤول يرفض مبدأ العدمية ويقر بواقعة تقدم التاريخ
الإنساني مراهنا على قدرة الإنسان في الفعل والتغيير إذا ما توفرت شروط
المعرفة اللازمة وتجسدت إرادة التغيير في مثقفين عضويين وحركات اجتماعية
متجذرة وواعية. وهذا ما يذكرني بحالة السوسيولوجي والفيلسوف الألماني الفذ
يورغان هابرماس صاحب كتاب الخطاب الفلسفي للحداثة ونص «الحداثة مشروع لم
يكتمل».
2 - التحفظ إزاء المشاريع الفكرية العربية الكبرى التي تغرق في قضايا
التراث والمعاصرة مثلا (نص تهافت الخطاب التراثي :أو لماذا كل هذا الجدل
حول التراث - المنشور في كتاب طروحات حول الثقافة واللغة والتعليم) وتقديم
مشاريع البحث السوسيولوجي المحدودة التي تعزل وتحاصر قضايا سياسية
واجتماعية وثقافية بعينها (قضايا التنمية والديمقراطية والتنشئة
الاجتماعية مثلا) متوسلة مناهج الملاحظة والاستقراء بدون أن يعني ذلك
السقوط في تجريبية وعلموية فظتين وفقيرتين معرفيا وفلسفيا. إن الأمر يتعلق
هنا - في تقديري - بالنزوع نحو إقرار نوع من الفلسفة الاجتماعية أو
المجتمعية بالمغرب. وهذا جانب إبداعي لافت في مسار السي محمد جسوس يحتاج
لوحده إلى يوم دراسي كامل. وعليه، فسأكتفي بالإشارة إلى ما يلي: عموما
تتحد عناصر ما يمكن أن نسميه بالفلسفة الاجتماعية أو المجتمعية في أربعة
[أحيل هنا على كتاب نشر مؤخرا في فرنسا بعنوان Manifeste pour une
philosophie sociale ل Franck Fischbach]: انغراس التفكير الفلسفي في
صيرورة التاريخ الإنساني العام والمجتمعات البشرية الخاصة وليس برجعاجيته
النظرية المجردة المزعومة- تمايز السياسي الخالص (الدولة) عن الاجتماعي
المركب (المجتمع المدني) - بروز التحليل السوسيولوجي باعتباره تشخيصا
دقيقا وعلاجيا لحالات الباثولوجيا الاجتماعية أو النمو المهدور على حد
تعبير أكسل هونيث - الارتباط بقوى اجتماعية ناهضة ومنفتحة تاريخيا على
مشروع التقدم والتغيير. وبالرجوع إلى نص العرض المنشور في كتاب طروحات حول
المسألة الاجتماعية بعنوان: غياب المسألة الاجتماعية والمجتمعية بالمغرب،
نحس بالوعي الحاد بجدة الطرح لهذه المسألة في المغرب من طرف الأستاذ جسوس
(ألقي العرض سنة 1982): فالمسألة الاجتماعية هنا لا تتماهى مع مجرد المنطق
السياسي محصورا في احتكار الممارسة الشرعية للعنف، كما أنها (المسألة
الاجتماعية) ليست هي المسألة الاقتصادية مختزلة في مجرد صراع طبقي حقيقي
أو مزعوم ولا هي متطابقة مع المسألة الثقافية باعتبارها ما يحدد السلوك
وينمطه.إن ثمة - فيما وراء السياسة والاقتصاد والثقافة - ما يقوم ويوجد
كمحددات مجتمعية مرتبطة - من جهة - بما بعبر عنه الأستاذ جسوس ب«علاقات
بشرية مسترسلة ومنظمة على الصعيد الجماعي» وتتجسد - من جهة أخرى - فيما
يسمى ب«النسق المجتمعي».وعليه ينقد السوسيولوجي الملتزم والمستنير
«الحركات التقدمية في العالم العربي و المغرب» على أساس «طغيان المنطق
السياسي» و«المنطق الطبقوي» و«المواقف الإنشائية والمبدئية» منبها إلى
أخطار سيادة «الإرادية، الذاتية، التجريد». والخلاصة هي نقد ذاتي مجتمعي
وحزبي ينطلق من مقدمات (= طغيان ما سبق) ليصل إلى نتائج تتمثل في«شيوع بعض
السلوكات الغريبة، ومن جملتها: تقوية آليات التغليف والتضليل والسلفية،
تمتين مكانة الجماعات الخفية ودورها في اتخاذ القرارات الحاسمة من جهة،
وتضافر جهود مختلف الأطراف لحماية تلك التركيبات الخفية أو الموازية،
والاستمرارية في ضمان حصانته، ومناعة أعمالها وتراتباتها ومعاييرها
الداخلية». فمن ينكر أن هذا الوضع هو ما آل إليه حال منظمات وتنظيمات
تقدمية مغربية بعينها؟
3 - إن مسألة الاشتراكية والأخلاق - موضوع هذا العرض الأساسي- ليست هي
منطق الوعظ والإرشاد يلجأ إليه مناضل مؤمن مشبع بقيم عقيدة أو إيديولوجيا
ما. كما أنها ليست نصوصا تكتب ليستظهرها الأتباع والمريدون. إن النص
الأساسي الذي كتبه السي محمد جسوس هو مساره المهني والسياسي والإنساني
كسوسيولوجي ملتزم.وما طبع هذا المسار - على ما يبدو- منظوران: الأول:
الإيمان بالفكر الاشتراكي الديمقراطي كمآل لما آلت إليه تجربة التاريخ
الإنساني العامة والمشتركة متجسدة راهنا في قيم الحرية والعقلانية والتقدم
أو ما يمكن التعبير عنه بالمشترك الإنساني العام.المنظور الثاني: ضرورة
ارتباط النظرية الاشتراكية الخاصة (في مجال الاقتصاد والعلاقات
الاجتماعية) بممارسة سلوكية أخلاقية تتجاوز نطاق ما هو مجرد سياسوي
واقتصادوي وثقافوي للالتحام بمثال الإنسان العام والمتفرد في نفس الوقت.إن
واحدا من الأمثلة الشعبية التي كان يكررها الأستاذ جسوس باستمرار هو
«أولاد عبد الواحد كلهم واحد».وأكاد أقول جازما بأن هم السي محمد جسوس
طيلة مساره المهني والسياسي كان ولا يزال هو ألا يكون بالضبط واحدا من
أولاد عبد الواحد هؤلاء...


said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: محمد جسوس(ملف)

مُساهمة من طرف said في الأحد 23 مايو 2010 - 8:25

في البدْء كان الاعتراف : تحية حب وإكبار إلى أستاذ الأجيال محمد جسوس عالما ومناضلا وإنسانا - مصطفى محسن

على
الرغم من كون علاقتي بعلم الاجتماع تعود، في جذورها الأولى، إلى أواسط
ستينيات القرن الفائت، حيث كنت وقتها تلميذا بآسفي في المرحلة الإعدادية،
ثم لتتوسع وتتضح بعض معالمها أكثر مع بداية التحاقي بالجامعة أواخر العقد
ذاته، فإن توطد هذه العلاقة
-جنبا الى جنب مع اهتماماتي الفلسفية والإبداعية- لم تكن بدايته الفعلية
إلا بعد تعرفي على عالم الاجتماع المغربي الكبير محمد جسوس، وتتلمذي عليه،
بشكل مباشر، في سني أواخر سبعينيات القرن المذكور، كي تتواصل هذه العلاقة
الروحية، وتزداد حميمية وعمقا فكريا وإنسانيا وصدق محبة وإخلاص ووفاء حتى
الآن.
ونظرا لما كان لهذا المفكر والمربي الرائد من دور هام، وربما حاسم، في
تكويننا العلمي وتوجهينا الفكري والاجتماعي العام، نحن أجيالا بأكملها،
فقد ظلت تراودني، منذ مدة، هواجس متأججة ودائمة حول الكتابة عن محمد جسوس
مربيا فذا وعالما ومناضلا وإنسانا... ولعل من بين أهم دوافع ذلك ـ في
تفسيري الشخصي على الأقل ـ خصوصية تلك الوشائج الودية التي مافتئت تربطني
به خلال أكثر من ثلاثة عقود أشرف فيها على كل أبحاثي الجامعية بلا
استثناء، وبأرقى ما تتطلبه هذه المسؤولية التربوية النبيلة من أخلاقيات
الحوار والتوجيه والتحفيز والرعاية والاحتضان... هذا فضلا عن إحساسي بأن
ما يجمعني عاطفيا أيضا مع أستاذي محمد جسوس هو ذلك الشعور المشترك المُمض
بسطوة المرض واعتلال الجسد، مما اكتوى بناره منذ أمد بعيد، ومما انظلمت به
بدوري يافعا يوقع خطواته الأولى في مدارج تجربة الكتابة والبحث والإبداع...
ولذا فقد كانت نضالاتنا متعددة الجبهات، لا تقف عند حدود الاجتهاد في
ميادين التخصص أو العمل أو الاهتمام... وإنما تتخطى ذلك الى ضرورة الثورة
الدائمة المستميتة من أجل قهر الهزيمة وخذلان الاستسلام وقسوة الموت
المعنوي الغاشم... مما ينيخ على الفكر والوجدان من ضيوم ولواعج وجراحات
بليغة مبرحة...!
وربما لهذه الأسباب كلها، فقد خامرني، منذ مدة، شعور غريب ـ قد يكون حقيقة
أو مجرد وهم، لا أدري! ـ شعور مفاده أنني قد أصبحت، بفضل علاقة التلمذة
القوية التي تجمعني بـ «سي محمد»، من أقدر تلامذته جميعا على فهم فكره،
وما يقوم عليه من ميكانيزمات الخطاب / أو الخطابة أو التلقين أو التحاور
والتواصل... لذا فقد انتهزت فرصة المواضبة على حضور دروسه في وحدة
«النظريات السوسيولوجية» بالسلك الثالث، ولاسيما منذ مستهل الثمانينات من
القرن الذي مضى. وكنت حينها في عز فورة الانبهار بالذات، طالبا مجتهدا
ومدرسا موفور النجاح، مهموما بمشاغل المهنة، اختيارا ونضالا وصحوة ضمير.
هكذا إذن، وبخلفية ذكاء المربي ووعي «المعلم» الذي خبر ممارسة هذه المهنة
منذ عهد «الكتاب / المسيد»، كنت أقتعد الصفوف الأمامية في الغالب، مصغيا
بدقة متناهية الى محاضرات الاستاذ محمد جسوس، ملاحقا حركاته وسكناته، صعود
نبرة، وفتورا وتوترا، منشدا بدهشة آسرة الى جمالية أساليبه الفريدة الذكية
في العرض والتلقين والتمثيل والاستشهاد والشرح والتخريج... منشغلا بمحاولة
الفهم العميق للعديد من الإواليات التي يتأسس عليها خطابه والتي تتمثل في
بعض طرائقه في التساؤل والنقد والتحليل والتركيب والاستنتاج... كما في
أشكال البرهنة والحجاج والاستدلال والاستعارة والمقابلة وغير ذلك من
مقومات وعناصر المنطق الداخلي الذي يوجه لديه مجريات القول والتفكير...
إلا أني حينما كنت أخلد الى الذات في بيتي، «زعيما لعصابة» من الطلاب
الباحثين الجادين المتمردين، المسكونين دوما بهوس التنطع بالمساءلة
والتحليل والنقد للعديد من الافكار والطروحات والقيم والممارسات التي كانت
وقتها متداولة في الحرم الجامعي أو في الحقل التربوي والثقافي والاجتماعي
بشكل عام... كنت أرفع عقيرة صوتي في أوجه هؤلاء: ألا اسمعوا «يا صعاليك»،
«يا قبيلة بني جسوس» وأصحاب «دار الندوة» هذه، فنحن ننتقد أفكار ودروس
محمد جسوس بنفس الأساليب المنهجية التي علمنا إياها هو نفسه في محاضراته
حول «سوسيولوجيا الأنساق الثقافية والإيديولوجية»! ولكن اطمئنوا، فأنا
«غادي نعجبكم في سي محمد»! سأقدم تحت إشرافه أطروحة جامعية «واعرة»،
وسترون كيف «سأقهره» بها: جدة وجودة علمية عالية!
وبالرغم من أن أزمة صحية خطيرة ألمت بي وقتذاك، وحالت بيني وبين تسجيل هذه
الأطروحة فيما رسمت لها من خطة للإنجاز، إلا أني تمكنت من ذلك لاحقا. وقد
ظلت فترة الاشتغال مع محمد جسوس، على متاعبها وعلاتها، فترة متعة وفائدة
بالنسبة لي. فقد تمكنت فيها من تمتين علاقتي به مربيا ومفكرا وإنسانا،
واكتشفت عن كثب تكوينه الموسوعي الذي يندّ عن كل إحاطة أو حصر أو تحجيم أو
اختزال... خاصة وأني كنت قد تجندت لملاحقته أينما وأنى كان، سواء في بيته
الذي كنا ندعوه «الزاوية»، أو في الكلية، أو في أي مكان. وفي الكثير من
الأحيان حتى بلا موعد أو أي إخبار سابق. وغالبا ما كان يفتح لنا باب
منزله، نحن مجموعة من طلبته، أو يمتثل لرغبتنا في أن نختطفه الى أي فضاء
نختاره لمجالسته، والتي كانت تستمر ـ رغم سوء أحواله الصحية ـ ساعات طوالا
نخجل ونشفق عليه من آثارها وتعبها، بل كثيرا ما كنا نصاب نحن قبله بالتعب
والارهاق، فنضطر مكرهين الى مطالبته بالتوقف رفقا بنا، وإرجاء تكملة
المحاضرة الى جلسة أخرى قابلة. مكبرين فيه غيريته السخية، وقدرته العجيبة
على التحمل والتضحية والإيثار...
ولعل من أجمل الذكريات التي مازلت أحتفظ بها عن هذه المرحلة المتألقة من
حياتي الجامعية، أنني كنت أجالس ذات مساء، بمقهى فلامينكو بأكدال، نخبة
طيبة من أساتذتي وزملائي
المربين والباحثين: د. مولاي احمدالعلوي، ذ. عبد الرحيم حمادات، ذ. البشير
التيزنيتي، والمرحوم عبد السلام السليماني وغيرهم... وفي غفلة مني، باغتني
مولاي احمد بلكمة خفيفة وبصوته المتهدج المعهود: «هاصاحبك، هاصاحبك!»..
وقبل أن ينهي ترديده لهذا التنبيه، انتفضت مهرولا لأنقض، بسرعة البرق، على
سي محمد جسوس، ولأوقفه عن سيره في شارع فال ولد عمير. واستغرقَنا الحديث
عن الاطروحة فترة غير يسيرة لم نشعر أننا كنا خلالها نقف تحت نثيث مطر
كثيف جلل هامة رأس كل منا ببرودة ربيعية ناعمة. وعلى وتيرة تصاعد إيقاع
قطرات هذا المطر الجميل أطلقت سراح سي محمد، ودعته معتذرا، وعدت الى «شلة»
الجلساء، مبشرا إياهم بأن الأطروحة ستتم مناقشتهها عما قريب. وذلك بعد أن
«أشبعها» هذا المشرف العنيد، من بدايتها الى نهايتها، متابعة وقراءة
ومراجعة نقدية ومقترحات نظرية ومنهجية عميقة متعددة... مما مازلت أعتز
بقيمته الفكرية والإنسانية حتى الآن.
وحتى أكون وفيا بوعدي لـ «عصابة المتمردين» التي حدثتكم عنها، بأن أقدم
أطروحة في المستوى، وبينما كنت في «الزاوية»، عفوا ببيت سي محمد جسوس،
خاطبته متحديا ـ ولكن بأدب ولباقة بالغين ـ: «كيف جيتك أسي محمد؟»، أقصد
تقييمه العلمي. أطرق قليلا ثم رفع بحياء رأسه مبتسما: «أعتقد أن للغة
وأسلوب كتابتك قرابة ما بمنهجية الجابري في سلاسة اللغة ووضوح الافكار
وبلاغة التعبير». فلم يكن مني سوى أن أجبته على الفور: «ألم أقل لك حينما
كنت تعلق على بعض مضامين أطروحتي أنك، يا أستاذي العزيز، أمام أديب وفقيه
ولغوي محنك لا يشق له غبار، قبل أن تطالني عدواك، وأتحول على يديك بالذات
الى سوسيولوجي مشاغب؟». ربت على كتفي بيده مازحا ومداعبا، ثم استطرد: «هذه
خاصية في الاسلوب والكتابة لدى بعض الباحثين عندنا في شعبة الفلسفة. لذا،
وبما أن موضوع بحثك يتمحور حول (سوسيولوجيا الخطاب الفلسفي المدرسي...)،
فإنه يستحسن أن يشاركنا في مناقشته أحد الباحثين في الحقل الفلسفي». وذلك
هو، بالفعل، ما حصل. حيث كان دور الصديق الأثير والمفكر المجتهد في هذه
المناقشة، ذ. محمد وقيدي، ذا قيمة مضافة معبرة.
وأنا أستحضر هنا، وبشكل مجتزأ سريع، بعض صور العلاقات التربوية والإنسانية
المتميزة التي كانت ـ وماتزال ـ تربط سي محمد بطلابه ومريديه، تحضرني
ملاحظة دالة ومعبرة لابد من المرور عليها، ولو كراما، وذلك للشهادة
والتاريخ. فنظرا لما يتميز به هذا الرجل الفاضل العظيم من طيب الشمائل
ودماثة الخلق وزهد في الحياة ورقة في الإحساس - مما كنت أجد فيه أحيانا
كثيرة صدى لنفسي: طبعا وقيما ومشاعر ومسلكيات جيل... - فقد كان يحترمنا
ويعزنا، بل يخجل منا، ربما أكثر مما يفعل بعضنا إزاءه. ويحتل الباحثون من
رجال التعليم في كنف هذا الاعتزاز مكانة تقدير خاص لديه. يوجهنا، يساعدنا،
يضع أمامنا محتويات رفوف خزانته الخاصة الغنية، يشجعنا، يتجنب إحباط
مساعينا، يستمع بعناية فائقة الى أسئلتنا وأفكارنا وتجاربنا وهمومنا وحتى
مشكلاتنا الشخصية وخصوصياتنا العائلية والاجتماعية المتباينة... إلا أنه
كان يلح بشكل خاص على ضرورة اشتغال كل منا في حقل اهتمامه، والبحث فيما هو
أقرب الى مجال ممارساته المهنية والاجتماعية. فذلك مدعاة للتركيز وتلاف
لتشتيت أو تبديد الوقت والمجهود. وكذلك كان بالنسبة لي، إذ انجذبت، منذ
أواخر سبعينيات القرن الماضي، الى مجال «سوسيولوجيا التربية والثقافة
والتنمية» الذي وجهت جل مؤلفاتي وأعمالي نحو مقاربة العديد من مفاهيمه
وإشكالاته وقضاياه...
وحتى عندما كنا نتفكه معه أحيانا فننعته بـ «الشرْف» وزحف آثار الشيخوخة
الظالمة على عمره المديد بإذن الله، كان يجيبنا بسرعة بديهته المعروفة:
«أنتم كتشرّْفو - بتخفيف الشين - وكتشرفوا - بتضخيم الشين». أما حينما كنا
نعاتبه بقسوة عما يسميه «إضرابا عن الكتابة والتأليف...»، أو نلومه على
كون السياسة قد انتزعته منا ومن السوسيولوجيا أكثر مما يجب، رافضين، بحب،
حل حججه ومبرراته، فقد كان يرد علينا بما مفاده: «لئن لم أكن قد درّست
وأطرت ووجهت سوى هذه النخبة المستنيرة من أمثالكم فإن ذلك سوف يكون من
أنبل وأرقى ما فعلت في حياتي كلها، كما سيكون من أجمل وأروع ما كتبت وألفت
ونشرت، فأنتم (الخير والبركة)، وأمل الاستمرارية والمستقبل...». ولست أدري
الى أي مدى قد استطعنا - نحن طلبته وأصدقاءه ومحبيه...، ولاسيما من يزعم
منا، كما العبد الضعيف كاتب هذه السطور، أنه صاحب مشروع أو مؤسس تيار أو
اتجاه أو منظور فكري طموح...- أن نشفي بعض غليل سي محمد أو نحقق بعضا من
طموحاته وانتظاراته وأمله فينا، نحن «جيل السوسيولوجيين الجدد»، كما يطلق
علينا البعض؟ فلعل في ذلك نوعا من الوفاء لجميل صنع هذا المربي والمفكر
الاصيل، ولما له علينا جميعا - مهما اختلفت أشكال ومسافات علاقاتنا به -
من دين الاعتراف بمكارم وأفضال وفضائل التعليم والتوجيه والاحتضان...
هذا غيض من فيض من بعض ما أحمله عن سي محمد جسوس، عالما ومربيا ومناضلا
وإنسانا رفيع القيم والمبادئ والسلوك، من مشاعر وصور وذكريات... مما
انغرس، عميقا وعبر عقود، في فكر مهموم وذاكرة مكلومة ووجدان منكسر... غير
أني، إذ أعتذر عن إطلاق العنان، قسرا، لهواجسي الذاتية في هذا الجزء من
مداخلتي، فإني أعترف بأن ذلك هو ما كان عندي مقدورا عليه، فلا أستطيع
التحدث عن سي محمد، مطلقا ومهما كانت طبيعة هذا الحديث، دون استحضاري لهذا
البعد الوجداني في حميمية علاقتي به. فهو لم يكن، بالنسبة لي خاصة، مجرد
«معلم» مبدع ملتزم صاحب قضية ورسالة، بل كان، بالإضافة الى ذلك، إسوة حسنة
في التفكير والسلوك، ومنارة علمية وسياسية مضيئة رامزة هادية لأجيال
مجتمعنا في مفازات الفكر ومعارج النضال ومراتب الاخلاق والمواطنة
الصادقة...
فلتعانق هامتك البهية يا محمد شموخ الشمس، ولك من الله العمر المديد كي
تظل ذخرا لا ينفذ لأهلك وذويك ووطنك، والمجد لزوجتك الصامدة الى جانبك
بدرب الحياة في جَلَد نادر وأناة. وليدم لنا نحن، منك ولك، هذا الحب
«العذري» الذي نمحضه لك صافيا صُراحا خالصا لوجه الله، كما صادق الإجلال
وعميق الامتنان، والاعتراف بأنك حقا رائد عظيم وأستاذ جيل، وبأنك، في سموق
علمك وشمائلك، قيمة فكرية وإنسانية خالدة لا تضاهى، وستبقى على الدوام
أكبر من كل تكريم وأسمى مما يقال، في حقك وعنك، من أي تفريط أو بوح أو
كلام... وأبهى، الى الأبد، في تألق العطاء وتوهج الحضور...!

عالم اجتماع وخبير تربوي /الرباط


said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى