صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

الـمراهقة

اذهب الى الأسفل

الـمراهقة

مُساهمة من طرف izarine في السبت 27 نوفمبر 2010 - 19:07

المراهقةهي المعادل العربي ل adolescence لكن من ذا الذي يستعمل هذه الكلمة ؟ هلنحن نستخدمها في خطاباتنا ؟ أبدا . نقرأها أحيانا في الكتب ، في الجرائد ،إلاّ أنّنا لا نوظفها مطلقا في أحاديثنا باللغة الدّارجة . لكن ما هوالإسم الذي نستعمله في اللغة الدّارجة لنشير سواء للمراهقة ، أو لadolescence ؟ هل تعرفون إسما ؟ نعم أم لا .

هاهو إسم ينقص كلامنا اليومي . هل مفهوم المراهقة عينه يغيب إذا غاب الإسم ؟لحسن الصّدف ، ثمّة هذه الكلمة " مراهقة " التي هي أيضا قليلة الاستعمالحتى في الخطاب المكتوب مقارنة مع كلمة " إرهاق " المنتمية إلى نفس الجذر والتي لها مداخل الآن في اللغة الطبية و تعني : إنهاك ، إجهاد . أية علاقةيمكن أن تكون بين مراهقة و إرهاق ؟
ألا توجد عندنا مراهقة ؟ أراني أميل إلى اعتقاد ذلك .
بغتة، يجد الطفل عندنا ، إلى غاية هذه الأزمنة المتأخرة و فقط في بعض الأوساط، يجد نفسه قد قذف به في عالم الرّجال . البنت عند البلوغ تكون في سنّالزواج ، الولد كذلك ، بيد أنّ هذه السنّ قد تكون لحظة خطرة لأنّ الطفليصبح فجأة رجلا ، يُعامل كرجل ، و خاصة الصبي . ماذا نقول للصبي ؟ " دبانْت رجلْ " ، هل نقول للبنت : " دبا نتي مْرا " ؟ لا أظن ( ضحك ) . هذاالوصف " الآن أنت رجل " يمكن أن يتلقاه " المراهق " بكيفية مفزعة ، لأنّهيمكن أن يعني : " الآن عليك أن تعمل ، أن تهتم بنفسك " . هذه الأمورتغيّرت منذ عهد قريب ، و في بعض الأوساط فقط و قليلا، إذ بعض الأطفال لهمحظ المرور من الطفولة إلى المراهقة قبل الانتقال إلى سنّ البلوغ .المراهقة إذن ترف في بعض الأوساط و ترف ليس في متناول الجميع .
لنأتالآن إلى كلمة " مراهقة " . هل صادفتم في النصوص العربية الكلاسيكية التيقرأتموها هذه الكلمة ؟ أبدا ، أبدا . كلمة " مراهق " أو " مراهقة " توجدفي المعاجم القديمة ، لكن في النصوص الأدبية لم تُستعمل قط . لم أصادفهاإلاّ في صيغة فعل " رهق " ، بل الغريب أنّي عثرت عليها في " السيرةالذاتية " للغزالي ( ق 11م) " المنقذ من الضلال " ، و الذي يبدأ " سيرته "بالقول : " منذ رهاقة البلوغ " . هذا أمر مثير للاهتمام لأنّ لنا هذاالتقارب بين رهق و البلوغ . ما عدا هذه السيرة ، لم أقع على كلمة " رهق "أو " مراهق " أو " مراهقة " . في المعجم الكلاسيكي " لسان العرب " : كلمة" مراهق " التي تعادل اليوم adolescent ، ينحصر عمره بين 10 و 11 سنة ،فهو بمعنى آخر " ما قبل مراهق " ما دامت المراهقة اليوم تتحدّد ما بين 14و 18 سنة . إنّه في هذا العمر يتهيّأ التحوّل ، الانتقال من الطفولة إلىالبلوغ . من المناسب ، في هذا الصّدد ، ذكر معنى آخر " للمراهق " : هوالذي يتأخّر و يأتي في اللحظة الأخيرة . على سبيل المثال ، في الوقت الذييجب أن تنتهي فيه الصّلاة ، النّاس في المسجد ، هم على وشك إنهاء صلاتهم ،و ها هو أحدهم يأتي متأخرا ، في اللحظة الأخيرة ، هو شخص يتقدّمه
ويتجاوزه الآخرون ، يأتي في البرهة التي يكونون فيها على وشك إنهاء عمل أونشاط ، قد يكون صلاة أو أية فاعلية أخرى . إذن المراهق يلتحق بالآخرينبينما هم لا ينتظرونه . لقد أخطأ موعده معهم مع كلّ ما يقتضيه من شعوربالإثم ملتبس إلى هذا الحدّ أو ذاك ، مؤكّد إلى هذا الحدّ أو ذاك ، مع مايرافق ذلك من إحساس بالإقصاء من المساهمة في نشاط جماعي . ليس هناك ما هوأفظع من الوصول إلى المسجد في اللحظة التي يكون فيها النّاس على وشك إنهاءصلاتهم ! أن يأتي المراهق إلى الصّلاة متأخّرا و هي ، كما تعلمون ، واجبيقرّ الدّين بجماعيته ـــ يكون جزاؤه أوفى إذا صلاّها مع الجماعة ـــ إذنأن يأتي إلى الصّلاة متأخّرا ، يجد هذا المراهق نفسه قد طُرد إلى عزلته ،عليه أن يبدأ من الصّفر ما سبق للآخرين إنجازه ، عليه أن يكتفي و يرضىبصلاة منفردة ( هو إلى حدّ ما شعور العرب اليوم تجاه الأوروبيين . العرباليوم " مراهقون " بالنسبة للأوروبيين لأنّهم متاخّرون في الحداثة بينماهم متقدّمون فنيا ) .
إذن المراهق هو شخص على أهبة الوصول إلى هدف ،إلاّ أنّ هذا الهدف لا زال في غير متناوله . ما يميّزه هو " ليس بعد " ، "على وشك " ، لم يصل تماما إلى هدفه و لكنّه يقترب منه . فما هو هدف "المراهق " ؟ هدفه هو " الحُلُم " ، بمعنى الاحتلام ، غير أنّه في " الحلم" ليس ثمّة فكرة الدّنس ، فكرة العيب التي نصادفها في تعبير الاحتلامpollution nocturne . الحلم هو من جهة أخرى من نفس الجذر اللغوي كالحُلْم. هكذا ، يمكن للحالم ، حسب السياق ، أن يدلّ على شيئين بعيدين و قريبين ،إمّا الحالم و إمّا الذي يقذف المني بلا تعمّد أثناء النّوم . ترون إذنالمراحل الثلاث : " مراهق " ، " حالم " ، " البلوغ " . الانتهاء إلىالحلُم أو الاحتلام هو البلوغ . في البلوغ ، ثمّة فكرة الوصول ، الذي كانمتأخرا ينجح في الوصول . لننظرْ أيضا ، في هذا الصّدد ، مقولة " البلاغة ". ما هي البلاغة ؟ على العموم ، يتمّ ترجمة بلاغة ب "ريطوريقا -rhétorique" ، سيكون من الصّواب جدا ترجمة هذه الكلمة بفصاحة éloquence .لماذا يُقال في اللغة العربية للفصاحة بلاغة ؟ لأنّ الخطاب البليغ هوالخطاب الذي يؤثر ، يصل ، يستهدف المخاطب ، يبلغ المخاطب ، ينتهي إلىالمخاطب ، من المتكلّم إلى المخاطب . و كذا الأمر في حالة " البلوغ " ،يصل الولد أو البنت إلى النضج الجسدي و من ثمّ إلى سنّ الزواج ، و الإذعانللواجب الدّيني ، و للأنظمة القانونية و المسؤولية الجزائية .
ما هوسنّ " البلوغ " ؟ خمس عشرة سنة حسب المذاهب الشافعية ، الحنفية و الحنبلية، ثمان عشرة سنة حسب المالكية . غير أنّ " البلوغ " هنا ليس بمعنى البلوغو لكن بمعنى سنّ الرّشد . كيف لنا أن نترجم بلوغ بpuberté أوmajorité ؟هنا نقاش ، تأمّل يجب القيام به .
لنعدْ إلى " مراهق " . المراهق له عشر أو إحدى عشرة سنة ، بمعنى ثلاث إلى أربع سنوات متأخّرا عن المراهق الأوروبي .
الآن أطرح سؤالا آخر عن تأخّر آخر ، تأخر المراهقة كتصوّر موظف من قبلعلماء النّفس العرب بالنسبة للتصوّر الأوروبي عن المراهقة . بتعبير آخر ،في أيّة لحظة أصبحت كلمة " مراهقة " تصوّرا يشير إلى نفس مفهوم adolescent؟ هذا يقودنا إلى إثارة سؤال آخر : المراهقة ، أهي اختراع أوروبي ؟ هذهالمسألة مرتبطة بمسألة أخرى هي الطفل . أظنّ أنّه في الإمكان القول دونمجازفة الوقوع في الخطأ إنّ الطفولة و المراهقة اختراعان قريبا العهد ويمكن أن نموضعهما تقريبا في القرن الثامن عشر مع اعترافات جان جاك روسو .لماذا ؟ لأنّ السيرة الذاتية بالمعنى الحديث غير منفصلة عن وصف الطفولة والمراهقة . اختراع السيرة الذاتية ملازم و مصاحب لاختراع الطفولة والمراهقة .
لكن ، في الأدب العربي الكلاسيكي ، أي قبل القرن التاسععشر ، الطفل لم يكن موجودا . في الشعر ، و يا للغرابة ، لا يُقرّ بوجودهإلاّ إذا ضاع . الحالة الأولى متعلّقة بموت الطفل . عندئذ ، لمّا يكونوالد الطفل شاعرا يحدث أن يبكيه هذا الشاعر في أبيات مؤثرة . الطفل الميّتهو واحد من وجوه الرّثاء . الحالة الثانية ليست بالضرورة مختلفة عن الأولى. أحيانا يتذكّر الشاعر بشوق طفلا جعلته صروف الحياة يتخلّى عنه أو يتركهخلفه . إذن و مرّة أخرى طفل ضائع . و كلّ هذا ، إلى حدّ ما ، قليل فيالشعر . في المقابل ، و في شعر الغزل ، غالبا ما يتمّ ذكر و وصف الفتىالجميل ، الشاب و قد وصل إلى سنّ البلوغ و وجنتاه يغطيهما أوّل الزّغب .
كيفالحال الآن في النثر، مثلا في ألف ليلة و ليلة ؟ الطفل المرتقب بلهفةيتأخّر في أن يُولد . يتمّ انتظاره . ها هنا أيضا فكرة الوصول متأخّرا .في ألف ليلة و ليلة يولد الطفل في اللحظة التي يستقر فيها اليأس من أنيتمّ الحبل به . في الواقع ، لا يودّ أن يولد . بمجرّد ولادته ، يصبحرهينة لشبكة السّلالة . يُنظر إليه ، في الحقيقة ، كمُواصل للأب ، كقرين وصنو له ، يتعجّل ، بالأحرى ، أن يكبر مع أنّه تأخّر في الخروج إلى العالم. لن يتأخّر في الطفولة ، لا يتأخّر في هذه المرحلة التي هي ، إجمالا ،جوفاء و عديمة الجدوى . السّرد يقفز من فوق الطفولة . الشخص الذي وُلدللتوّّ لا يشرع في الوجود حقيقة و لا يصبح ذا شأن و لا يصير موضوعا لحكايةإلآّ حينما يسقط في الحبّ ، بمعنى في لحظة استيقاظ جنسيته ، إذن ، حينمايضحي ، بالقوّة ، قادرا على الإنجاب و الإنسال ، قادرا على تشريف الدّينالمندغم فيه منذ الولادة تجاه الأب . هذا الشخص هو ، شاء أم أبى ، صنوأبيه و قرينه و عليه أن ينتج صنوه الخاص ؛ إنّ له في هذه اللحظة حوالي خمسعشرة سنة .
بعد الشعر القديم و ألف ليلة و ليلة ، لننظرْ الآن فيالأشكال الأوطوبيوغرافية القديمة . سنبحث فيها عن المراهق أو الطفل لكنبدون جدوى . الغزالي في سيرته لا ينفث كلمة عن طفولته أو مراهقته سوىكلمتين أو ثلاث : " منذ رهاقة البلوغ " . أمّا بالنسبة لابن خلدون و الذيكتب هو الآخر شكلا سيريا ، فإنّ الإحالة على الطفولة هي ، في النهاية ،إحالة على حفظ القرآن . الطفل هو شخص يحفظ القرآن . هذا هو التفصيل الوحيدالذي يستحق أن يُذكر : حفظ القرآن من قبل الطفل ،و لنا الإنطباع أنّالطفولة تنتهي حالما يُستظهر القرآن عن ظهر قلب . بعد ذلك ، يدرس "المراهق " علوما متعدّدة تحت إشراف رجال علم متعدّدين .
نأتي الآنإلى الأدب العربي الحديث الذي عرف انطلاقته في القرن التاسع عشر . الطفولةو المراهقة أعلنتا عن حضورهما في الأدب العربي مع السيرة الذاتية . إذاكنتم تريدون عنوانا ، أشير إلى مؤلّف للشدياق عنوانه " الساق على الساق "المكتوب سنة 1855 و إن كان ثمّة خطاب أكاديمي يطرح للمساءلة ما إذا كانهذا المؤلف يتعلّق برواية أم بسيرة ذاتية بضمير الغائب . لا يهمّ . يمكنأن أشير إلى عنوان متأخر هو كتاب " الأيام " لطه حسين . هذان المؤلّفانخضعا لتأثير الأدب الأوروبي . دون هذه العلاقة مع أوروبا ، لن يكونا قدكُتبا بتاتا . كتاب الأيام لا يُتصوّر دون الأدب الفرنسي . يمكننا أن نقولالشيء نفسه عن كلّ الإنتاج العربي اللاّحق سواء في مجال السيرة أو في مجالالرواية .
السّؤال إذن ليس أن نعرف حقا إذا كان مفهوم " المراهقة "يشمل أم لا مفهوم adolescence اليوم . إجمالا ، يمكننا القول إنّ هناكتكافؤا بين المفهومين بقوّة الأشياء و المعاني القديمة ل " مراهق " ليستلها إلاّ قيمة وثائقية لا يمكن إنكارها و مفيدة بالتأكيد . لكنّ الفتحالأكبر ، إذا أمكنني التعبير على هذا النّحو ، في العالم العربي ، هو أنّالطفولة و المراهقة تحوّلتا إلى موضوع للسّرد ، في حين أنّه في الماضي ،لم يكن يتمّ الحديث عنهما على الإطلاق سوى في مجال الفقه ، و ها هنا خطابشامل حول الطفولة و " البلوغ " .
بعد أن لم يكن يتكلّم أحد عنهمابتاتا ــ هذه ملاحظتي الأخيرة ــ اليوم يتولاّهما الخطاب الأدبي كما علومأخرى كعلم النّفس و علم الاجتماع و هذا ما دعوته بالفتح .

هامش :

قدّمتهذه المداخلة يوم السبت 14 فبراير 1998 بالمعهد الفرنسي بالرباط ضمن حلقة: Le temps des ados . يمكن مراجعة نفس المداخلة ضمن كتاب المحللينالنفسيين جليل بناني و ألآن براكونيي الصادر عن منشورات الفنيك 2002 والذي يحمل العنوان ذاته لتلك الحلقة الدراسية . ( المترجم )

ترجمة : إسماعيل أزيات
-العلم الثقافي 26/11/2010
بقلم : عبد الفتاح كيليطو


avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى