صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

التأريخ الروائي عبـْرَ العائلة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

التأريخ الروائي عبـْرَ العائلة

مُساهمة من طرف said في الأحد 3 أبريل 2011 - 19:07

في روايــتـه
الجديدة ،« بـيـْـت الديـب » (دار الآداب، نهاية 2010) ، يــُـوســع عـزت
القمحاوي منــظـور الرؤيـة وإيــقــاع السـرد، ليلتقط ملامـح موحـيـة
ومـُـعبـرة عن حيـاة أجـيـال من عائـلة « الديب » في قـرية « العـشّ »
بالريـف المصـري، على امتداد ما يـقرب من مـئة سنة تسـتغـرق القرن العشرين
...إلا أن حـضور التاريخ العام يظلّ متـدثــرا بالخـُــفـوت مـفسـحـا
المجال لتاريخ عائلة الديب والقـرية التي توطـّنت فيها منذ أن أسـّـسـها
الأجداد الذين كانوا «ينتمـون إلى قــرى مختلفة والتــقـتْ بهم طـرق الهرب
من الضرائب الباهظة عنـد مـُستـنـقـع، شرعوا في تجفيفه وتأسيـس قريتـهم على
أرضه السـّـبـخة قليلة الرجــاء » .ص22 . بـتـعبـيـر آخـر، في هذه الرواية
يـعــلـو التاريخ الخاص (العائلة ، الفــرد) على التاريخ العــامّ (أحداث
بارزة ، وقائع تـبـصـمُ ذاكرة المجتمـع ) . ومعلوم أن علاقة التاريخ الخاص
بالتاريخ العام في مجال الرواية ، قد حظـيـتْ بجدال واسع ومتجدد عند
النقــّــاد المسـتـلهـمين للماركسية ، وعلى رأسهم لوكاش ، الذين
اعـتـبـروا التأريخ الروائي مـرصـدا لتأكيد أطروحات المادية الجدلـية وخضوع
الفـرد لتأثيرات البنيـــات الاقتصادية والاجتماعية ... غير أن علاقة
الرواية بالتاريخ والتأريــخ أصبح النـظــر إليها مختـلفـا في الحقبة
الأخيرة ، بعد تسجيــل المفكرين والفلاسفة اهـتـزازَ الحتمية والعقلانية
المطلـقـة ،والتشكيك في الاتجاه «التقـدُّمـي » للتاريخ الإنساني ... من
ثـمّ أصبح الحديث مـُبـررا
عن « انفصـام » الرواية عن منطق التاريخ ، وأصبح التخـيــيـل يشمـل الواقع
والتاريخ على حــدّ سواء ، بـحــثـا ً عن حقيقة تـتــوارى في أقـمـِـطـة
الاحتمال وسيرورة الضـّـمـْـنـية .
في « بيت الديب » ، يتـولى سارد علــيـم نـسـْـجَ خيوط رواية العائلة ،
ومسالكها وتداخلاتها مع الأحداث الخارجية ، لكنه يفعل ذلك وكأنــــه «
يـُـرافـق » الأحداث العائلية والتاريخية ليـُــطلّ عليها من جديد وهي تحدث
أمامـه ، فيقدمها من منظور بـُؤر مختلفِ الشخصيات ، مـــــــــع تخصيص
زاويـة تـبـئــيـر أكثـر تواتـرا
لشخصية « مباركة » المرأة الاستثـنائية في الرواية والقرية . ومنذ
المنطلـق ، تطالــعنا صـــــورة مـُؤســطــَرة ل « العـش » التي نشأت
غيـر بعيد من مدينة الزقازيق ،على امتداد قرون عاشتها في هــنـاء ووئــام ،
قبل أن تـهـبّ عليها بعثات سلطة المـمــاليك مستكشفة ومحصــية للممتلكات
والعباد ، استعدادا لإخضاع القرية إلى دوائر السلطة . ومع السنين ، تبددتْ
«غبطة النسيان » التي نــعـِــمَ « العش » في ظلالها ، وبدأ الصراع مع
الآغات ومع مبعوثي الخديوي عباس حلمي ، وبرز اسم سلامـة قائد الهجمات
ومقاومة السلطة المركزية ...لكن الأمـر آل إلى دخول العش في دائرة نفـوذ
الحـُـكم الملكي ، وأصبح هناك عمدة يـُصـرف الشؤون ويحل المشكلات . ومع
هذه البداية الملموسة تنطلـق رحـلة النص الروائي ، من داخل بـيـْـت الديــب
الذي ورث عن البطل سلامة امتـياز الجــاه والنخوة وسطوة التقاليد . والحدث
العائلي البارز الذي ســتـتـفـرّع عنه أحداث وعواقب هو أن مجاهـد ، أخو
سلامة ، الذي آلت إليه رئاسة العائلة ، ذهب ليخطب مبروكة لابن أخيه منتـصـر
فـخــَـطـَـبها لنفسه غير مبال بفارق الـسـنّ ولا بعواطف الحب القائمة بين
مـباركة ومنـتـصـر. يرحل هذا الأخير وتنقطع أخباره بعد أن التحق بثوار
فلسطين. ولم تستطـع مباركة نسيــانه ، ولكنها أنجــبـَتْ من مجاهـد على رغم
تقدمـه في السـنّ لــتـعـزز مكانتها داخل الأسرة الكبيرة ، ثم عاشت مغامرة
عاطفية- جنسية مع الشاب نـاجي ابن زوجها من ضـرتهــا وأنجبت منه من دون أن
تترك للزوج العجوز مجالا للشك . تبدو مباركة ، على امتداد الرواية ،
مـُصـرّة على أن تتحدى السلطة الذكورية وسطوة َ التقاليد ، لتحـقـق ذاتها
مستجيبة لعواطفها ورغباتها وحبها للحياة . وخلال ما يـزيد على خمسين سنة ،
أصبحت مباركة هي الجــذع القوي المنغـرس في عمق تـربـة العش وفي « الســراي
» الذي آل إلى بيت الديب ، وأصبح مقترنا بصعود نجـم سلامة ابن مجاهـــد .
في هذا الفضاء الذي يـكـوّن عمـوديـْـه الأسـاســيــيْـن مباركة الجميلة
الذكية المحبوبة من كل أفراد عائلة الديب ، وسلامـة مؤسس مصنع للنسيج بعد
عودته من التجنيد في الحرب العالــمية الثانية ، أخــذ يتـنــاسـل أفراد
بيت الديب ذكورا وإنــاثـا ً ويتضخم عددهم قبل أن تحصدهم الكوليــرا ، ثم
يعودون إلى التناسل واستعادة الأنجال والأحفــاد ، متفاعلـيـن مع مقتضيات
التطور الآتي من مُـدن مصـر وعدوى العــصـر . يـقـرر سلامة أن يرسل أحفاده
إلى الزقازيق ليلتحقوا بالمدارس والمعاهد ، وأن تصحبهم مباركة لتسـهر على
راحتهم وترعاهم ؛ فـتكون فرصة لها لأن تتعـرف على نساء المدينة وتعقد
صداقات معهن ، وتتـلـقى عروضـا منهن تكشف عن اشتهائهن للوافدة من العش ،
ولكنها « تعـرف أن مـَـنْ يستطيع إجبارها على شيء لـم يـُخلـق بـعـد » ،
فكانت تعتذر لهن مكتفية بصداقتهن . تتدحرج الأيام ، ويموت مجاهد ويتكاثـر
أهل الديب وتختـرق قريـة َ العش أحداثٌ كثيرة ومهمة ( الحرب العالمية
الثانية ، ثورة 1952 ، هزيمة 1967، انتصار أكتوبر 1973، قـتل السادات ، حرب
العراق ...) ، وتقدّم السن بمباركة :« حتى رأت أحفادها يخاطبون أصدقاء من
أطراف الكرة الأرضية لم يروهم أبدا ، فأخذت تطلب منهم أن يبعثوا برسائل إلى
الله :- رسالة صغيرة بس تفكروه بــيــا . » . إنها لا تـطيـق الشيخوخة
التي تحرمُها من الحركة ؛ ومع ذلك استعادت حيويـتـها يوم رأت أحد الأحفاد
الذي يحمل اسم حبيبها الأول منتصـر ، فـهـبـّتْ تنفض السراي وتسقي النباتات
، وتزرع البهجة في جنبات البيت المتداعي: «..أشرفت بنفسها على العمال
الذين أعادوا طلاء الحوائط والشبابيك الزرقاء المميـزة ، وتبليط الأرضية من
آخـر مصنع في بلــبـيـس ينتج البلاط التقليدي من الإسمنت المزخرف بأغصان
الزهور » . ص 317 . لا شيء يقـهر مباركة التي كلما تقدم بها العــمـر
تدثــرت بغلائل الأسطورة .
العائلة ، التاريخ ، وخصوصية التخيـيـل
تحتـل عائلة الديب موقع الصدارة في فضاء قرية العش وفضاء السرد ، كما أن
الشخصيات الكثيرة التي تنتمي لثلاثة أجيال تنطوي على ملامح متباينة وسلوكات
ذات خصوصية . وفي المقابل ، يعـلن التاريخ العام عن حضوره من خلال أحداث
تـُـخـلـّف تأثيـرا على حياة قرية العش وأفراد بيت الديب ( التجنيد ،
الهجرة ، الكوليرا ، تعليم البنات ، مخترعات التكنولوجيا ...) ، إلا أن
الرواية لا تنـساق إلى أن تجعل العلاقة بين التاريخ والأفراد خاضعة
للانعكاس وتبادل التأثـيـر بكيفية آلـيـة . وهذا يعود في نظري إلى أن
الكاتب نجح في أن يبـتــعــد عن الواقعية الاستنساخية فأتاح للشخوص أن
تتحـقـق في إطار تخيـيـل رحب ، لا يفرض قوالب مسبقة على مجرى الحياة
المتدفق . بتـعـبـيـر آخـر ، بدلا ً من التــقـيـُّـد بواقعية حرفية ،
لجــأ الكاتب إلى اقتـنـاص ما يسمــيه رولان بارط « واقـع اللاواقــع »
المتــحـدّر من الأبعاد اللغوية ، وإزالـة النــُّـبـْـل عن التفاصيل
والوصف ، فيغدو النص زاخــرا ً بعناصر فانتــســتيكية تكســر تلاحـُـم
الواقع ورصانتـه . ونجد أمثلة لذلك في حكاية تخصيص سـوق لتــزويج النساء
البشعات أو ذوات العاهـات من شيوخ يحتاجون إلى مـن يؤنسهم في وحدتهم ؛
وكذلك في عادة لجوء الزوج ، عند ليلة الدّخــلة ، إلى فضّ بـكـرَة الزوجة
بواسطة أصبـعه ... وتضطـلع مشاهد التنافس الجنسي بين الزوجات الشابـّات
بإضفاء طابع لا يخلو من طرافة تزحـزح صرامة الواقع في قرية ترزح تحت ثــقـل
تقالــيد صـارمة . من هنا يمكن القول بأن تشكيل النص ورسم الشخصيات ،
والحوار المـُـنتـقى « المـلخـِّـص » لكلام المتحدث ، هي عناصـر أسهمتْ في
تخصيص تخيـيــل عائلة الديب ووضع مسافة جمالية تفصلها عن أن تكون مجرد
انعكاس لأوضاع تاريخية تؤطـرها أحداث بارزة . وحين نحاول أن
نقرأ « بيت الديب » من زاوية تأثــيـر التاريخ العام على قرية العش ، لا
نجد أن الحصيلة مقنعة لأن هذه العلاقة تبدو غير منتجة لتــغـيــيـر عميق في
سكان القرية ، إذ أن أبناءها لم يحققوا نتائج في التعليم ، مثـلـمـا أن
وضع المـرأة الاعتباري لم يتحـرر من رقابة التقاليد وسيطرة الرجـل . هل
مـردّ ذلك إلى أن مجرى التاريخ المصري في مجمله لا يـتـوفـر على فاعليـن
قادرين على تغـيـيـر الوعي العام باتجاه التـنويـر والتحديث على امتداد مئة
سنة ؟ أم أن ذلك يعود إلى كوْن التقالــيد الموروثـة تـتـوفـر على قدرة
جبارة تـعــوق التجدد والتغـيــيـر ؟
أعـتـقـد أن القراءة التي تـنطلق من التخيـيـل تستطيع أن تجد عناصـر أغنى
في التأويل ؛ ولذلك لا أتردد في أن أجعل شخصية مباركة المجبولة من الواقع
والخيـال ، نقطة مفصلية تتجـمـع عندها عناصـر الدلالة والتـرمـيـز ، فهي
ضحية للذكورية المتحكمة التي حـرمـتـْها من الاقتران بالشاب الذي أحـبـتـه ،
وفي نفس الآن هي أنموذج للمتمـردة على السلطة البطريركية الجائـرة ، لأنها
جـسـُـرتْ على إقامة علاقة غير شرعية مع ابن زوجها العجوز ، كما استطاعت
أن تـتـســتــّـر على فضيحة جارتها في الزقازيق حين أنجـبـتْ من ابن مباركة
الشاب ... هل نحن بإزاء امــرأة مقتـنعة بأن تحقيق الذات والرغبات هو حق
أساس يـُـبـيـح التحايـُـل على الأخلاق المفروضة في انتظـار أن تنضج الظروف
لمجابهتها ؟ يبدو أن ذلك هـو ما يـُـشكـّـل مصدر قوة مباركة وذكائها ،
لأنها لم تـتـورّع عـن انتقاد « النص المؤسـس » من خلال انتقاد ما ورد على
لسان امـرأة العزيـز في سـورة يوسف : « ..ولـئـنْ لم يفعل ما آمــره
لـيـسـجـنـنّ وليـكـونـا ً من الصاغرين » ، وكـأنـها بهذا الانتقاد
تناصــر التحــيــز لخرْق التعاليم عندما تـتـعارض مع الرغبة والعواطف .
من هنا ، وبعيدا من التفـسـير بالتاريخ ، تقول
لنا رواية « بيت الديب » ، على لسان مباركة ، إن الحياة أفـضل ما نســتـهدي بـه ونحــن نجــتــاز رحــلــتـــنــا على الأرض .
م . ب 20119-2-9


د.محمد برادة
الملحق الثقافي
الاتحاد الاشتراكي
01-4-2011

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى