صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

الحوار المغشوش أو هكذا تكلم عبد الله العروي عن المسألة الأمازيغية بالمغرب (1) (من منظور بلاغة الحوار)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الحوار المغشوش أو هكذا تكلم عبد الله العروي عن المسألة الأمازيغية بالمغرب (1) (من منظور بلاغة الحوار)

مُساهمة من طرف slimani في الثلاثاء 5 أبريل 2011 - 16:35

«…لكن
الحوار يفترض أولا (حسن النية)، وإرادة التفاهم، ويفترض قبل كل شيء فكرة
الاعتراف بالآخر، الاعتراف بحقه في الوجود، والاعتراف بحقه في الحياة
وبحقـه في التميز والاختـلاف، لا الاعتراف فقط بالتفوق وبحق الأقوى والأغنى
والأعلم في فرض رؤيته على الآخر. الحوار الحقيقي ينطلق من مسلمة أساسية هي
مسلمة التساوي في الوجود وفي الحق».
محمد سبيلا:»الحوار بين الثقافات: العوائق وشروط الإمكان


أولا - العروي ومغامرة الكتابة السياسية بالمغرب

يبسط الأستاذ عبد الله العروي في كتابه :«من ديوان السياسة« رؤيته الخاصة
في مجال السياسة الراهنة بالمغرب، وكل ما يرتبط بها، من قريب أو بعيد،
ويرصد مسار تكوينها وتكونها التاريخي، دون أن يغفل رسم معالم الأفق السياسي
للدولة الحداثية، كما يرتضيها في المغرب. وهو في كل ذلك يستحضر، بوعي
وإصرار، مختلف التجارب السياسية القومية والكونية، عبر مسارها التاريخي
البعيد، للعبرة، والاستفادة مما يحلو أن يسميه ب»المتاح للبشرية جمعاء» (
العروي:»مفهوم العقل»، ص:16.)، ويستشهد بمختلف النظريات في العلوم السياسية
الحديثة والقديمة، الكونية والقومية (أفلاطون، وأرسطو وهوبز وكانط
ومونتسكيو والفارابي وابن خلدون، إلخ). ويتخذ من وضع المغرب الراهن
ومستقبله نموذجه بما هو مدار الكتاب ومجاله المركزي، دون أن يزيغ عن
أطروحته الماركسية التاريخانية، أو التاريخانية الماركسية، منذ أن اقتنع
بها وأعلن عنها في كتابه المرجعي: «الإيديولوجية العربية المعاصرة» رغم
«الهزات التي عرفتها المنظومة الماركسية، منذ ما يناهز عقدين من الزمان».(-
بنسالم حميش:» نقد ثقافة الحجر وبداوة الفكر»، ص ص: 235/236.)
لكن، هذه المرة، وهو يقارب الراهن السياسي المغربي بالأساس، ويستعرض
المفاهيم السياسية المركزية التي قامت عليها الدولة المغربية، ومارست بها
السلطة، وما تزال، يقاربه دون مصادر أو مراجع أو إحالات، أو هوامش، على
عادة البحوث الأكاديمية، ودون استشهاد أو استئناس بآراء مجايله في الموضوع،
أو إشارة إلى موقف من مواقف متاخميه الفكريين أو السياسيين في تلك المسألة
أو أخرى، مما يدخل في دائرة السياسة، والسياسة المغربية بالتخصيص. وكأنه
يريده كتابا بلا رقابة أكاديمية، ولا إكراهات علمية، ولا حتى مساجلة أو
محاججة مع أحد، باستبدال العرض بالحوار، (ص:5) مع أنه كتاب حجاجي بامتياز،
وهو ما سيتضح على امتداد هذه الدراسة.
فقد أراد الأستاذ العروي، على ما يبدو، أن يكون كتابه ذاك خريطة طريق لكل
ممارس مغربي للشأن السياسي، بأدوات السياسة ودائرتها الخاصة، معتمدا في كل
ذلك، من جهة، على لغة مألوفة ومتداولة، وأقل تجريدا، وفي الوقت نفسه على
عبارات فضفاضة مقتضبة ومكثفة، ومقاطع مركزة وموحية وغامضة محيرة، من جهة
أخرى، دون إسهاب وإطناب أو»تشقيق الكلام»( العروي:» الإصلاح والسنة»، ص:
127.). فجاء الكتاب من هذه الناحية، في شكل محاورة للذات ( الديوان، ص5)،
وقد بلغت من النضج المعرفي مبلغها، وارتقت في مدارج التأمل الفكري ارتقاء.
وتلك حالة كبار المفكرين والكتاب، بعد مراس علمي ومنهجي، وخبرة ثقافية
ومعرفية، صيرتهم بذلك حجة معتمدة، فيما يكتبون، دون إحالات، أو حاجة إلى
سند، كيفما كان، يسند رأيا من آرائهم، أو إلى عضد يعضد موقفا من مواقفهم،
يكسبه الشرعية والمصداقية والموضوعية، فيندرجون بذلك ضمن دائرة ما يسميه
الأستاذ عبد الفتاح كيليطو «بالمؤلف الحجة (عبد الفتاح كيليطو:»الأدب
والغرابة»، ص:15.)؛ وبكل تأكيد يعد الأستاذ عبد الله العروي واحدا منهم
بامتياز.
(2)

لقد رصد الأستاذ العروي في كتابه الديوان مجموعة من المفاهيم السياسية ذات
المضمون التقليدي التي قامت عليها «الدولة» المغربية، عبر سيرورتها
التاريخية، ومارست بها السياسة، وساهمت، إضافة إلى عوامل أخرى، بقدر وافر
في «البؤس» السياسي الذي يعيشه المغرب في العقود الأخيرة من تاريخه، ودرجة
الانحطاط والتبخيس الذي يجتازه العمل السياسي والحزبي في الآونة الأخيرة.
وهي المفاهيم التي ارتأى الأستاذ العروي أن يعرضها على مشرحة النقد
والتحيين، ويقترح إزاءها مفاهيم سياسية ذات مضامين حداثية، في أفق بناء
دولة ديمقراطية حقيقية، تقوم على المواطنة واللامركزية، من مدخل اعتماد
آلية التأويل الديمقراطي (الديوان، 121/153)، على مختلف المستويات.
وفي أفق الوصول إلى هذا المبتغى، ورفع العوائق الموصلة إليه، توسل الأستاذ
العروي بآلية الحوار، بما هي آلية من آليات توليد المعارف وتوصيلها، وبناء
المواقف والإقناع بها، وبما هو آلية من آليات التجريب التي كان مولعا بها،
وموفقا في أجرأتها، إضافة إلى ما تتيحه له من إمكانات لمقاربة الراهن
السياسي المغربي المنفلت مقاربة جريئة وواقعية، بما فيها مساءلة أجهزة
الدولة المخزنية العتيقة، ونقد المفاهيم السياسية القائمة عليها، ورصد
دقائقها ومميزاتها، وفي الوقت نفسه، اقتراح بديل لها تكون مدخلا حاسما نحو
الدولة الديمقراطية المرجوة تضمن للمغرب موقعا «محترما» ضمن باقي دول
العالم المتحضر والمتقدم، في ظرف تاريخي وسياسي مفصلي من تاريخ المغرب
ومستقبله، وفي ظل أجواء عالمية لا ترحم ولا تذر، ومن منطلق أن الظرف
التاريخي، كما يقول العروي نفسه، في توأم كتاب:»الديوان»، «يفرض علينا فرضا
أن نغامر ونتقدم في الحقول الملغومة» (العروي:»السنة والإصلاح، ص:163).
بهذا المعنى، وبعبارات أخرى، يعد كتاب:»الديوان» من هذه الناحية، نوعا من
المغامرة في التأليف السياسي في أرضية مغربية ملغومة، أهميته حيوية بالنسبة
لكل مهتم بالنظر السياسي عموما، ولكل ممارس للشأن السياسي خصوصا بالمغرب.
فهو بمثابة مفتاح لمعرفة خريطة المجال الحقيقي للسياسة (العقل)، وما ليس
مجالها الحقيقي (النوازع). ومن ثمة يمكن النظر إليه باعتباره حفرا
أركيولوجيا في أعماق النفس البشرية، ورصدا مدققا لآليات الممارسة السياسية،
وبحثا معمقا في الثقافة (ثقافة الأم) التي ساهمت، عبر مسار التاريخ
السياسي، الكوني والمغربي، في تكوين «اللاشعور السياسي» للإنسان المغربي،
ونتائج هذا التكون على الوضع السياسي المغربي الراهن، ومآله المستقبلي.
إن كتاب «الديوان» كتاب مرجعي ومؤسس في مجاله، وعصارة ما راكمه المؤلف،
ونشره في مختلف كتبه السابقة، بل وخزان/ ديوان لا غناء عنه للتزود بآليات
تحليل الخطاب السياسي، وطرق اشتغاله، خاصة في حالة المغرب، ما دام يخاطب
فيه مختلف النخب السياسية والثقافية، وكل الفاعلين المساهمين فيها، بهذا
القدر أو ذلك، ويفتح معهم باب «الحوار الهادئ» و»المعتدل»(الديوان، ص53) في
مسائل سياسية حيوية ومصيرية بالنسبة للبلاد، كالمسألة الجهوية، والمسألة
الدستورية، والمسألة الديمقراطية، ومسألة النخب، ومسألة الدولة، ومسألة
الإصلاح، وغيرها من المسائل والإشكالات المصيرية التي يطرحها الكاتب،
وتحتاج إلى نقاش واسع، وحوار رزين.
وبالطبع، لن نناقش كل هذه المسائل وغيرها في هذه الدراسة المحدودة، على
مركزيتها في الكتاب، وأهميتها على مستقبل المغرب الممكن، إنما سنكتفي، في
هذا المقام، بمناقشة المسألة الأمازيغية، وما يتصل بها، كما تناولها
الأستاذ العروي في كتابه «الديوان»، رغم حساسية هذه المسألة، وأبعادها
السياسية، وصعوبة المقاربة لطبيعة الموضوع المنفلت والمتحرك، ومن منظور
بلاغة الحوار، بما هي «العلم الذي يتناول مكونات الحوار وأخلاقياته وآليات
اشتغاله» ( العمري: بلاغة الحوار:المجال والحدود، مجلة فكر ونقد، العدد
61.).
(3)

وهكذا، ستنصرف هذه الدراسة إلى فتح حوار مواز حول المسألة الأمازيغية
بالمغرب مع الأستاذ العروي، وإن كنا نعتبره، منذ البدء، حوارا غير متوازن،
ويحمل على الإذعان والتسليم، لقامة المحاور الفكرية، وخبرته الثقافية،
ومراسه الأكاديمي، (حجية السلطة المعرفية)، وندعي، منذ الآن، أنه من ناحية
غير متكافئ، وبالتالي «حوار مغشوش» ومن ناحية أخرى «حوار مدخول»، لاعتماده
آليات متهافتة حجاجبا، لاعتبارات وحيثيات ستنجلي على امتداد هذه الدراسة.
وهذه المعطيات أو بالأحرى هذه العوائق، مع ذلك لن تلغي إقامة هذا الحوار/
المغامرة على أساس حجاجي وبالتالي بلاغي، من منطلق أن «الحجاج هو عمود
البلاغة»(العمري:» البلاغة الجديدة، ص:50)، علاه يعمق النقاش، وينضج شروطه،
ويفتح آفاقا جديدة حول المسألة اللغوية بالمغرب عموما، والمسألة
الأمازيغية خصوصا، مع حفظ حق الاختلاف بما هو حق ثابت ومكفول بين
المتحاورين، وينبغي الإقرار به، مهما اختلف مقامهما، وتباعدت المسافة بين
المدعي والمعترض.
ثانيا- الحوار في كتاب «من ديوان السياسة»: منطلقاته وامتداداته
(1)

من تحصيل الحاصل القول إن الحوار نشاط إنساني تتفاعل فيه ذاتين أو أكثر،
حول قضية من القضايا الخلافية، بغرض التأثير والإقناع؛ ولذلك يقع في صميم
عملية التواصل بما هي سيرورة اجتماعية وثقافية متعددة الأبعاد والوسائط
والغايات. فهو بمعنى من المعاني، بحث مشترك بين المتحاورين عن الحقيقة
المحتملة، وبنائها، وفق شروط تخاطبية، وضوابط أدبية وأخلاقية محددة، تكفل
مختلف التفاعلات الحوارية القائمة على الحق في الاختلاف، وضمن دائرة الحوار
ومحيطه. إنه، بعبارات الأستاذ الباهي:»طريق لتعميق الرؤى وتطوير المفاهيم
ومسعى لإدراك الحقيقة التي لا يحتكرها، أو ينفرد بها طرف دون سواه». (حسان
الباهي:»جدل العقل والأخلاق في العلم»، ص:28.)
فلكل مدع الحق أن يدعي ما يشاء من الآراء والمواقف التي يعتقد بها، وعلى
المعترض أن يعترض على دعاوى المدعي/المحاور في محاولة لإبطال دعاواه.
فللمعترض الحق ألا يسلم لمحاوره بأية قضية/دعوى، حتى يقلبها على وجوهها
المختلفة، ويتحقق من تمام معقوليتها وانسجامها، بمقتضى قواعد العقل، وآليات
الخطاب الحجاجي، من أجل حقيقة تبنى في منتصف الطريق بين المتحاورين.
وعادة لا ينمو الحوار ويثمر إلا في مناخ ديمقراطي، أو على الأقل إذا توفر
له هامش من الحرية واتسع. من هنا ارتباط الحوار بأجواء الديمقراطية، ومفهوم
الحرية، وما يقتضيانه من قيم وشروط، وما يرتبط بهما من حجاج وتواصل في
قضايا خلافية واحتمالية، ومتنازع حولها، ما دام الاختلاف وتدبيره من دواعي
ممارسة الحجاج.
بموجب هذا، فالحوار ممارسة تواصلية بامتياز، تقتضي الاستعانة بالحجاج، بما
هو مجموعة من تقنيات الخطاب وآليات اشتغاله، تتوخى التأثير على
المتلقي/المستمع، واستمالته إلى رأي دون آخر، أو إقناعه بموقف أو آخر، أو
تنبيهه لمفارقات معينة قد تفتح الآفاق. أو بمعنى آخر فالحوار «تخاطب من
أجل الإقناع بقضية أو فعل. أو بعبارة أدق هو كل تخاطب يتوخى تجاوب متلق
معين، ويأخذ رده بعين الاعتبار من أجل تكوين موقف في نقطة معينة سلفا بين
المتحاورين قريبة من هذا الطريق أو ذاك أو في منتصف الطريق
بينهما».(العمري:دائرة الحوار، ص9)
ولبلوغ هذه النقطة، وتكوين ذلك الموقف بين المتحاورين لا بد من مراعاة
قواعد للحوار متفق حولها، ومسلم بها تمنح الحوار مشروعيته، وتضمن فعاليته،
يلتزم بها المتحاورون حتى يمكن أن يقوم بينهم الحد الأدنى من التواصل
والفهم والإفهام، ومن هذه القواعد والمبادئ نُذكَر ببعض ما أورده الأستاذ
محمد سبيلا في قوله: «يفترض في الحوار أولا، (حسن النية)، وإرادة التفاهم،
ويفترض قبل كل شيء فكرة الاعتراف بالآخر، الاعتراف بحقه في الوجود،
والاعتراف بحقه في الحياة، وبحقـه في التميز والاختـلاف، لا الاعتراف فقط
بالتفوق وبحق الأقوى والأغنى والأعلم في فرض رؤيته على الآخر. الحوار
الحقيقي ينطلق من مسلمة أساسية هي مسلمة التساوي في الوجود وفي
الحق»(سبيلا: الحوار بين الثقافات).
فهل التزم الأستاذ العروي بهذه الضوابط في بناء موقفه حول المسـألة
الأمازيغية بالمغرب؟ وهل احترم تلك القواعد في محاورته للصحفي الأمازيغي،
في استدراجه لاستصدار المواقف التي أراد، عن سبق إصرار وترصد حول المسألة
نفسها؟
(2)
عاد الأستاذ العروي في كتابه الموسوم ب: «المغرب والحسن الثاني» إلى بعض
الحوارات التلفزية التي أجريت معه في التلفزة المغربية، في أجواء الإعداد
للتناوب التوافقي بين القصر والمعارضة، مفصلا في سياقاتها، ومذكرا
بإكراهاتها، ومنبها لبعض الحيثيات المتحكمة فيها، وآثارها على المشاهد لها،
ومعرجا على ذكر بعض خصائص الصحفيين المحاورين له ومميزاتهم› (
العروي: المغرب والحسن الثاني، ص 217/218).
ومن هذه الزاوية، فالمتأمل في كتاب: «الديوان» والمتتبع لمسار الكاتب لا بد
أن يدرك، بهذا القدر أو ذاك، أن الكتاب يستحضر تلك الحوارات ويستثمرها،
وبالتالي فهو امتداد لها (إحالة على برنامجين تلفزيين، أولهما مع الصحفية
فاطمة الوكيلي، المقربة جدا من اليسار، في برنامج «رجل الساعة» سنة 1992؛
وثانيهما مع الصحفية مليكة مالك، التي نعتها بالمقتدرة والصريحة مقارنة مع
زميلتها، في برنامج «الواجهة» في القناة الثانية. والعلاقة بين الحوارين
أساسا، وكتاب الديوان» مما لا تخطئه المقارنة. إضافة إلى برامج «وجوه
وقضايا» في القناة الأولى مع الصحفية بديعة الراضي، ناهيك عن كثير من
الحوارات غير التلفزية مع مختلف المفكرين والصحفيين. (انظر «المغرب والحسن
الثاني»( في ص ص:217 و218 وما بعدهما، وكذا كتابه: خواطر الصباح، 1982/199،
ص:156...)، وتعميق لمجراها، وإن في شروط أخرى تتيح لصاحبها ما لم تتحه له
تلك الحوارات الإعلامية المحكومة بإكراهات الحوارات الشفهية التي تحول دون
الفحص الكافي لمختلف القضايا السياسة الراهنة المطروحة وقتها للحوار، كما
يرتضيه المحاوَر، ويرجوه المحاور، ويقبل عليه المشاهد/ المتلقي، ويقتنع به.

ولا غرابة في هذا، متى علمنا بأن كتاب «الديوان» ليس سوى إجابة موسعة
ومدققة لطلب «صحفي معروف» ومفترض، طلب أن يحاور الأستاذ العروي عن الوضع
السياسي الراهن في المغرب، وبالتحديد أن يحاوره «عن الحكومة وأدائها،
الأحزاب وبرامجها، اليسار وتشرذمه، اليمين ومستقبله، الدين ودوره في الحياة
العامة، إلخ» (ص:5).
فما تعذر قوله في الحوارات الإعلامية، مع صحفيين مباشرين، ولم يتم الإفصاح
عنه لهذا السبب أو ذاك، ولم تتح الفرصة الملائمة للتدقيق في تلك القضية،
والإلمام بتلك، تم تداركه في كتاب:»الديوان». وعلى هذا الأساس، يمكن
اعتبار كتاب الديوان امتدادا لتلك الحوارات، وتكملة لها، لما يوفره الكتاب
من شروط ملائمة لتعميق النظر في القضايا التي لم يستوف النقاش فيها بالقدر
المطلوب، ومناسبة لفحص المقدمات، واختبار دعاوى محاوره الصحفي، ثم ممارسة
التحليل السياسي، باستحضار السياقات التاريخية، وإبعاد التخمينات السياسية،
وتأمل الراهن السياسي المغربي بعد انقضاء تجربة التناوب التوافقي، و»تعثر»
الانتقال الديمقراطي، وكذلك فرصة لعرض المرجعيات ونقدها، واقتراح معالم
الطريق للخروج من «البؤس» السياسي الذي يعيشه المغرب منذ عقود من الزمن،
والآفاق الممكنة لذلك، زد على ذلك أنه مناسبة لمعالجة المسألة اللغوية
بالمغرب، وعلى رأسها الوضع الملتبس للغة الأمازيغية، وآفاقها المستقبلية.
(3)

يبدو أن الصحفي المعروف، الذي ذكره العروي في مستهل كتابه «الديوان»، أو
بالأحرى ذلك «الصحفي المتخيل» الذي اختلقه الباحث، كما اختلق من قبله شعيب
وإدريس، والمرأة الأمريكية المسلمة، في مختلف كتبه السابقة، هو مجرد تقنية
للكتابة قد تسعفه لمعالجة تلك القضايا والإشكالات المؤرقة في المغرب، ومسلك
من المسالك الممكنة لممارسة التحليل المعمق، والتبليغ الحر، والمعالجة
الصارمة، باستحضار المرجعيات، وبناء المقدمات، حتى يكون الجواب عنها، وعن
الصحفي المحتمل، وغيره، خاضعا لمنطق التاريخ، ومحكوما بتسلسل المنطق، وعبر
آليتي الفحص والتأمل.
ولكن، هل يتمتع هذا الصحفي بالمواصفات التي تؤهله ليحاور الأستاذ العروي،
بقامته العلمية والمعرفية الشامخة، ويرتقي بحواره معه ليهتم بالمرجعيات عوض
الإجابات، وبالمقدمات بدل الخلاصات، بعيدا عن إكراهات الارتجال، ومطبات
الشفهية، ومناورات الإعلاميين؟

(غد الجزء الثاني)

4/2/2011

ادريس جـبـري
الاتحاد الاشتراكي
avatar
slimani

ذكر عدد الرسائل : 578
العمر : 59
Localisation : SALE
تاريخ التسجيل : 12/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الحوار المغشوش أو هكذا تكلم عبد الله العروي عن المسألة الأمازيغية بالمغرب (2) (من منظور بلاغة الحوار)

مُساهمة من طرف slimani في الثلاثاء 5 أبريل 2011 - 16:39

الصحفي،
كما نعته الأستاذ العروي، «شاب، ونبيه ومطلع». إنه من الجيل الجديد، جيل
المستقبل، المنخرط في الراهن المغربي، والمعني به، ولا بد أن تكون الأجوبة
عنه أجوبة راهنة ومستقبلية في الآن نفسه.
إضافة إلى ذلك، فالصحفي شاب نبيه، ومقتدر لا يمكن أن يطرح سوى الأسئلة
الراهنة المقلقة والمؤرقة المتجهة نحو المستقبل الخاص بوضع المغرب،
وإشكالاته الجارية والمستقبلية، وبالتالي فهو صحفي مميز عن باقي الصحفيين
غير المطلعين، ممن يفتقرون إلى المهنية، ومميز عنهم باطلاعه الواسع، وتتبعه
الدقيق لقضايا الراهن المغربي، بما فيه راهنه السياسي، وضمنها المسألة
الأمازيغية، بما هي مسألة سياسية بامتياز.
من هذا الجانب فكتاب:»الديوان» بمثابة «جواب كبير وموسع ومعمق»، لمجموعة
الأسئلة المطروحة والمفترضة للصحفي الشاب والمطلع والنبيه، قد أعدها
لمحاورة العروي في الشأن السياسي المغربي، من خلال تاريخه وآفاقه، واستشارة
المرجعيات النظريات السياسية، وتجاربها الكونية. ويبدو أن تلك المواصفات
الخاصة بالصحفي، مع ذلك، غير كافية لترقى به إلى مقام يؤهله لمحاورة عبد
الله العروي، المفكر والمؤرخ والكاتب والأديب، والأكاديمي، وتسمح له
باستخلاص ما يجب استخلاصه من رجل تخصص في العلوم السياسية، وله اطلاع واسع
وعميق بالسياسة وما يتصل بها، في مختلف التجارب الإنسانية، وزاد عن ذلك
كونه جرب السياسية في بعدها الحزبي (انظر تجربته في انتخابات التشريعية
1977 في دائرة العنق بالدار البيضاء، باسم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات
الشعبية، والدروس المستخلصة في هذا الشأن، وفي ذلك الزمان، كما أوردها في
كتابه:»المغرب والحسن الثاني»، ص 87، 88.)، وخبر السياسة، وعاشر أهلها،
واكتوى بتقديرات السياسيين ومناوراتهم.
ومع كل ذلك، لم يسمح الأستاذ العروي للصحفي المعروف والشاب والنبيه
والمطلع، بالحوار معه، أو بممارسة «لعبة» السؤال والجواب عن الوضع السياسي
المغربي الراهن، مع ما يملكه هذا الصحفي من مؤهلات تسمح له بذلك. فقد تردد
العروي طويلا، و»في الأخير، اعتذر لأن ما يعني الصحفي، كما يقول الباحث «هو
الجواب لا المرجعيات، الخلاصات لا المقدمات» (ص5).
وعليه، فمهما علا الصحفي في سلم المعرفة والشهرة والنباهة، يظل «صحفيا» غير
مؤهل لهذه المهمة المعرفية الصعبة، لأنه لا يهتم بالمرجعيات التي تحكم
الجواب، ولا المقدمات التي تبنى عليها وتستنتج الخلاصات، مما قد يشوش على
الحوار في عمقه وأبعاده، ويزيغ عن غاياته ومقاصده؛ ولذلك فضل الأستاذ
العروي أن يحاور نفسه، ويتحرر من كل إكراه منهجي لا حاجة له به، خاصة وأن
موضوع الحوار/ السياسة يحتاج إلى فحص وتأمل، واستشارة مختبر العقل
والتاريخ، واقتراح بدائل لمغرب المستقبل الذي طالما ظل حاضرا في فكر ووجدان
العروي.
ولفهم هذا الموقف، حق الفهم، وجب التذكير بالعلاقة بين الصحفي والمؤرخ/ كما
تطرق إليها الأستاذ العروي نفسه في سياق تحديد مفاهيمه المعلومة، وعلى
رأسها مفهوم التاريخ، وما سواه. فهو يريد أن يرفع شبهة الربط الآلي بين
الصحفي بالمؤرخ، عند من يقول إن الأول مؤرخ اللحظة، والثاني صحفي الماضي.
فعلى الرغم مما يبدو من تقاطع بينهما، فقد سعى العروي إلى رفع لبس حاصل
بهذا الصدد، لما قال في كتابه: «مفهوم التاريخ»:»الفرق بينهما هو المهلة
المخولة لكل واحد منهمـا إذا ضاقت تحول المؤرخ إلى صحفي، وإذا عاد الصحفي
إلى الأخبار بعد مدة وتأملها تحول إلى مؤرخ»( العروي:مفهوم التاريخ، ص69).
فهناك فرق واضح بين الحدث الصحفي والحدث التاريخي، أو بين حادثة الصحفي
وحادثة المؤرخ. وهو ما يوضحه العروي في قوله، وبعبارة جازمة:» هناك فرق
جوهري بين حادثة الصحافي (الحدث عند حدوثه) وحادثة المؤرخ (الحدث المنحل في
أثره). الأول مجمد في حاضره تجميدا مقصودا قسريا. وانبهارنا بـأخبار
الآحاد هو انغماس في حاضر دائم، في خصوصية اللحظة العابرة»( العروي:مفهوم
التاريخ، ص76).
ومراعاة لهذه الفروقات، وتذكيرا بهذه الاحتياطات المنهجية الدقيقة، كان من
الطبيعي، أن يرفض الحوار مع الصحفي الشاب. فالعروي مؤرخ محترف، وأحد علامته
الرائدة، وكان من الطبيعي والحال هذا أن يدقق مجال تحركه. فهو لا يهتم
بالحدث العابر المفصول، والخبر الطارئ الطريف. فالمهلة مطلوبة لتأمل الحدث
السياسي المغربي الراهن، بما فيه المسألة الأمازيغية، ولفحص المقدمات
والمرجعيات حتى يفهم الجواب عن أسئلة السائل/ الصحفي، وفي ضوء تاريخانية
تؤمن بأهمية التاريخ في تأطير السياسي، وعلى حيوية التاريخ وقوة الحدث، وما
يتركانه من آثار يجب رصدها وتأملها ففحصها.
وبموجب كل ذلك، فضل العروي أن يحاور نفسه، ويعرض تجربته في محاورة نفسه على
شكل فقرات مركزة ومتدرجة، لكن وفي الوقت نفسه، أن يحتفظ بأسئلة الصحفي
الشاب في صميم الكتاب، وإن سيتم إسكاته، وتغيبه، على امتداد الكتاب، إن لم
نقل سيتم «اغتياله» منذ الصفحة الأولى من الكتاب، لأسباب، قد تكون منهجية
وتجريبية، كما ذكرنا، وإن ظل يذكره بين الفينة والأخرى، ذكرى الميت الساذج.
تلك تقنية من تقنيات الكتابة، وما توفره من تجريب يساعد الكاتب على
التفكير «الحر من كل ارتباط (الديوان، ص 63)، ويتيح له مساحة أوسع للتحرك
في أرضية «رخوة»، كأرضية السياسة، كالمسألة الأمازيغية، لغة وثقافة
وهوية...
وعلى العموم، فالصحفي الشاب، مجرد تعلة للكتابة، أو «لعبة» فنية وتقنية
محبذة عند العروي، ويتقن قواعدها، لكونها تتيح له طرقا جديدة للكتابة لا
تتيحها له طرق التأليف المألوفة والمتداولة. فقد ظهر الصحفي الشاب في
الصفحة الأولى للكتاب، فاختفى بسرعة فائقة، أو قل «تبخر» في الهواء، كما
تبخر إدريس في سيرة «أوراق»، وظل العروي يجيب عن أسئلة هي «أسئلة الصحفي»،
بحرية أوسع، وجرأة أكبر؛ مستأنسا بسرد حكايات موغلة في الذاتية، ومحاججا
بسوق حوادث، يصعب البناء عليها، والاطمئنان لها لما يترتب عنها من نتائج،
خاصة في المسألة الأمازيغية، التي تهمنا في هذا الصدد.
ذلك صنيعه في صنو كتاب: «الديوان»، ونقصد كتابه: «السنة والإصلاح» لما
«تخيل» الأستاذ العروي سيدة أمريكية، بمواصفات محددة، ومنتقاة بوعي
وعناية، ليكتب عن العقيدة، دون إكراهات دينية أو أخلاقية أو منهجية، أو حتى
أكاديمية. فالسيدة الأمريكية، باحثة وعالمة متخصصة في البيولوجيا البحرية،
«ليست عربية الأصل، ولا تتكلم اللغة العربية، ولا تخضع لأحكام الشرع،
وهمها الأول الهوية والانتماء»(العروي:السنة والإصلاح، ص:197)، ولكنها تود
أن تطلع على الكتاب العزيز وتفهمه، حتى تعرف وضعية ابنها في أفق المستقبل.
ولذلك فهي تسأل وهو يجيب، ولكن على غير طريقة الصحفي ووضعه. فهي تشارك في
الحوار وتقرر فيه، وتفرض شروطها من موقع الند للند.
وهكذا، جاء كتاب «السنة والإصلاح»، كما كتاب «الديوان»، على شكل جواب
افتراضي عن طلب امرأة مسلمة من أصول أمريكية، «والدتها سيدة أجنبية، تلقت
تعليما علمانيا، لغتها الإنجليزية، وتخصصها في البيولوجيا البحرية، ومطلقة
من رجل شرقي، حسب تعريفها له، تعيش في محيط جد مختلط، ولها ولد يقارب
التاسعة تحبه كثيرا، وتشفق على مستقبله»(السنة والإصلاح، ص:5).
غير أن هذه المرأة السائلة العزيزة والكريمة، والعالمة والباحثة التجريبية،
كما يفضل العروي أن ينعتها، فهي حاضرة، حضور النقد للند، وعلى امتداد
الكتاب، وبصحبة الكاتب، تصغي، وتتدخل، وتحاور، وتنتقد، وتضع الحدود والشروط
( في الصفحة 189 من كتاب «السنة والإصلاح»، يخاطب العروي محاورته قائلا:»
لقد حذرتني، أيتها المسائلة الكريمة. قلت وأكدت: كلمني في أي شيء، حدثني
بما تشاء، لكن لا تحاول أبدا إقناعي بأن العلم سراب، الديمقراطية مهزلة،
والمرأة أخت الشيطان، في هذه الموضوعات الثلاثة لا أقبل أي نقاش.»)؛ على
خلاف وضع الصحفي الشاب الذي ظهر فجأة ثم اختفى، أو قل تبخر، وكان من
الطبيعي والحال هذا، أن يتم استبدال العرض بالحوار في كتاب:»الديوان»،
والحوار مع الذات فحسب.
وعلى كل حال، فالكتابان معا كتابان «تحت الطلب»، بصرف النظر عن خلفيات
الطلب ومصدره، ودرجة حضور كل محاور في الكتابين، وكما يقول العروي نفسه،
ف:»هذان المؤلفان متوازيان، مجال الأول العقيدة، ومجال الثاني
السياسة»(الديوان، ص5)، والمسألة الأمازيغية شأن سياسي بامتياز، ظلمتها
السياسات المتعاقبة كانت سبب «وضعها البئيس»، والسياسة، بمضمونها الوطني،
وحدها القادرة على إنصافها، وانتشالها من هذا الوضع، كما نعته العروي ذاته.
(ص:55)
ثالثا- المسألة الأمازيغية والحوار المغشوش عند العروي
(1)

لمن تتبع مؤلفات الأستاذ عبد الله العروي بدءا من كتابه المرجعي
«الإيديولوجيا العربية المعاصرة»، ومرورا بكتابه التنظيري:»العرب والفكر
التاريخي»، وباقي مؤلفاته المختلفة الفكرية منها والأدبية، لن يظفر، على
الأقل حسب اطلاعي، بسطر واحد عن المسألة الأمازيغية، بلغتها وثقافتها
وحضارتها، وواقعها ومطالبها ومأمولها، ولا بموقف واضح ومفصل ومؤسس حول
المسألة، باستثناء ما جاء في كتابه: «الأصول الاجتماعية والثقافية للحركة
الوطنية»، مما يدخل في عداد التاريخ، والتأريخ، ورصد خصوصيات المجتمع
المغربي في القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين (Laroui :Les Origines
sociales p27.. )، أو ما ورد في كتابه:»خواطر الصباح» في سياق خطاب 20غشت
1994.
وفي مقابل ذلك، نجد معظم هذه المؤلفات مليئة بأسئلة العرب، والثقافة
العربية، وإيديولوجياتهم المفارقة، وواقع لغتهم وثقافتهم في ضوء التاريخ،
ووضع مثقفيهم وأزمتهم، وتصورهم لمختلف المفاهيم الحداثية الكبرى من حرية
ودولة وعقل، وغيرها، وعوائق تمثلها عندهم، وعند مثقفيهم ونخبهم السياسية،
فجعل المغرب بذلك «ملحقة» للمشرق العربي، وإن كان يستحضر بين الحين والآخر،
بعض خصوصيات المغرب في هذا السياق أو ذاك، وفي مجال التاريخ بالأساس.
وهذا أمر مفهوم ومبرر بالنظر إلى الوضعية التاريخية التي أطرت كتابات
الأستاذ العروي وحكمتها، بما فيه كتابه الرائد: «الإيديولوجيا العربية
المعاصرة»، وباقي كتبه الموالية، وكذا الأجواء الثقافية والإيديولوجية
والسياسية المهيمنة وقتذاك، والتي دفعته إلى طرح ما طرحه من قضايا وأسئلة،
وصاغ ما صاغ لها من أجوبة في الأفق العربي لا غير؛ لكن، مرة أخرى، دون أن
تغيب عنه أسئلة المغرب وآفاقه في كل ما كتب، ويكتب، وإن من زاوية
«الإلحاق»، بالمعنى المذكور، وبحجة الأفق.
فالأستاذ العروي وطني في كل مؤلفاته، وحامل لهمومه بالداخل وحتى بالخارج.
ويسجل له رفضه مقايضة وطنه ولغته وثقافته بأمريكا واللغة الإنجليزية. فقد
اختار الوطن و»ثقافة الوطن»، و»لغة الوطن»، على الأقل كما كان يعتقد بها
وقت ذاك، وحسم في اختياره، وتبعاته.
يقول في هذا الشأن، وفي سياق تدريسه في جامعة أمريكية بكاليفورنيا، وتحت
دعوة البقاء فيها: «لماذا غادرت أمريكا؟ لماذا لم أستطع المكوث في أمريكا،
وبالذات في كاليفورنيا؟ شعرت أن المكوث فيها يعني طلاقا لا رجعة فيه.
المكوث هناك - أي في أمريكا- يعني بالضبط الكتابة بالإنجليزية، والابتعاد
التدريجي عن مشكلاتنا. يحين وقت نقول فيه تلقائيا: نحن الأمريكيين»(
العروي: «خواطر الصباح»، 1967/1973، ص:100.). وهو ما رفضه الأستاذ العروي،
رغم الإغراءات المقدمة له، والامتيازات المعروضة عليه، واختار أن يعود إلى
وطنه المغرب، رغم المضايقات التي تعرض إليها، والمنع الذي طال بعض مؤلفاته
( انظر كتاب:خواطر الصباح مثلا).
فقد ظل الأستاذ العروي مسكونا بأسئلة وطنه المغرب، ويبحث عن سبل إخراجه من
التأخر التاريخي الذي يرزخ تحته، وبمعزل عن مسائل المشرق المكبلة لنا
(العروي:عوائق التحديث، ص:62/63)، أو ما عبر عنه في كتاب «الديوان»
ب»التضامن السلبي» مع المشرق العربي، لكن في ظل الأفق العربي والمشرقي
الحاضر بقوة في تحليلاته، والوازن في رسم ملامح المستقبل، دون أن يقوده حسه
التاريخي، وواقعيته المعلومة، وقناعته التاريخانية، إلى اكتشاف «نصف»
الوطن الآخر، المتعلق باللغة الأمازيغية وثقافتها وحضارتها، التي ما تزال
«حية وصادمة ( بوكوس: الأمازيغية والسياسة اللغوية بالمغرب، ص:13)» في
ذاكرة ووجدان ووجود الشعب المغربي، ومن ثمة فلا يستقيم أي مشروع مجتمعي
يروم الحداثة والتحديث في المغرب، كما صاغه العروي وأراده، دون استشارة هذا
المكون الأصيل والراسخ في نسيج المجتمع المغربي، واستحضاره في أي معادلة
تتوخى المصالحة بين الدولة والمجتمع، مسلمين معه «بأن التنوع لا الوحدة هو
الغالب في المجتمعات الخاضعة لسلطة سياسية واحدة. السبب ظاهر، هو أن الدولة
تكونت تاريخيا بالغزو»(الديوان، ص25)، وحالة المغرب لا تشكل استثناء في
هذا النطاق.
وتلك مفارقة فاقعة وصادمة بين واقع تاريخي واجتماعي ولغوي وثقافي وحضاري
قائم وراسخ، وبين «الصمت المريب» الذي أصاب الأستاذ العروي، وأخرسه عن
الخوض في هذا الواقع اللغوي والثقافي والحضاري المتموج، فأصابه بالصمم
والخرس فسكت...
يقول الجاحظ في سياق غير السياق، ولحكمة ما تزال سارية: «إن السكوت عن الحق
في معنى النطق بالباطل، ولعمري إن الناس إلى الكلام لأسرع، لأن في أصل
التركيب أن الحاجة إلى القول والعمل أكثر من الحاجة إلى ترك العمل، والسكوت
عن جميع القول»(الجاحظ:البيان والتبيين، ج1/271).
بهذا الموقف يشكل العروي استثناء بالنسبة لكثير من مجايله من المفكرين
والمثقفين والسياسيين الذين عبروا عن موقفهم من المسألة الأمازيغية، منذ
زمن بعيد، وانتصر من انتصر للعروبة والعربية من منطلق الدين الإسلامي تارة،
أو الامتداد العرقي تارة ثانية، أو من منظور الأفق العروبي كأيديولوجية
قومية وقتها، أو التاريخي أو الحضاري من منظور آخر ( لمزيد من التفاصيل في
هذا الموضوع، وتكوين صورة شاملة في هذا الشأن يمكن العودة لكتاب:»رسائل إلى
النخبة المغربية، في الأمازيغية والدين والسياسة» لأحمد عصيد، وكذا كتاب:»
حوارات حول الأمازيغية» جرى مع مجموعة من الفاعلين السياسيين
والثقافيين.).
لقد أصر الأستاذ العروي أن ينظر إلى الوطن المغربي باعتباره جزءا لا يتجزأ
من الوطن العربي (العروي:العرب والفكر التاريخي، ص115)، ويختزل أفقه في
الأفق العربي، مع حرصه على إبراز بعض أسئلة المغرب وتميزها، مما أخفى عليه
ذلك النصف الآخر المكون للوطن والمواطنة، وفوت عليه صياغة موقف واضح حول
سؤال الذات المغربية صياغة شمولية، في وقت سجل في كتابه:»خواطر الصباح
(1982/1999) امتعاضه من كثرة الأعياد في المغرب التي تعلم الكسل، وترسخ
الخمول، فقط لأن الخطب الموجهة إلى الشعب المغربي في هذه المناسبات، عادة
ما يواكبها «اتخاذ قرارات، إذ لا خطاب بدون قرار، قبل أن تدرس كل العواقب.
حصل ذلك في مسألة إلغاء ضريبة الترتيب، وقد يحصل في مسألة اللهجات. موضوع
خطاب 20 أغسطس هذه السنة -1994 -»
ويضيف الباحث في السياق ذاته:»تتعلق المسألة بالخلط اللغوي الذي يطبع
المجتمع المغربي، والذي يقود إلى نوع من العي الجماعي والعي يؤدي، كما هو
معلوم، إلى العنف. المسألة بالغة الخطورة، ناقشها المثقفون منذ سنين،
وتظاهر المسؤولون بإهمالها، أو التقليل من أهميتها. واليوم بغتة يقال لنا
إن التخاطب بالفرنسية في البيت آفة وأية آفة، وإن اللهجات الشعبية (بالأساس
البربرية، أو الأمازيغية حسب العبارة المحببة لدى البعض) في طريقها إلى
الانقراض إذا لم تدرس في الطور الابتدائي. يقال هذا دون تمهيد دون استئناس
بتجارب دول أخرى، قريبة أو بعيدة... كان المشكل إلى حد الساعة ذا صبغة
ثقافية، وكان يخترق الهيئات والأحزاب فيحتمل التوافق. بمجرد أنه ذكر في
خطاب رسمي، بمناسبة ذكرى وطنية كبرى، سيصبح سياسيا، يستقطب المواقف، ويجمد
الفوارق السياسية التقليدية، مشكل سياسي جديد يضاف إلى مشاكل سياسة كثيرة
أخرى، وقد يحجبها أحيانا»(خواطر الصباح، 202/203).
منذ ذلك الحين، ظل موقف العروي من المسألة الأمازيغية على حاله، بل
اعتبرها، بمناسبة ذلك الخطاب الملكي لسنة 1994، مشكلا سياسيا إضافيا، لا
يستحق الطرح والإقرار لأنه سيحجب معالجة المسائل السياسية الأكثر أهمية،
وبالتالي فأمر انقراض هذه اللغة، وإحلال لغة أجنبية محلها، مما لم يكن يدخل
في دائرة اهتمامه العلمي أو حتى الإيديولوجي.
يظهر من خلال مقدمة ما سبق، أن الأمازيغية حجرة في عنق العروي، كما الكويت
حجرة في عنق المشارقة، والصحراء حجرة في عنق المغاربة، وكما فلسطين حجرة في
عنق الجميع»(العروي خواطر الصباح، ص202).
(2)

وليكن ذلك هو موقف العروي وقتها، وتلك تقديراته حينذاك، لكن مهما يكن من
أمر، فقد استدرك الأستاذ العروي في أواخر مشواره الفكري، لما استقام وضع
المسألة الأمازيغية واستوى طرحها، وحصل التراكم الضروري في الموضوع، وتحققت
«المهلة المخولة» لتأمل الحدث الأمازيغي وفحصه. وهو استدراك مطلوب للوزن
الثقافي والمعرفي والرمزي للرجل، ليقيم حوارا هادئا ومتزنا ومعتدلا مع، من
يحلو له أن يدعوهم، «دعاة الأمازيغية»، ويستحضر تجارب أمم أخرى، بالنظر إلى
المستجدات الحاصلة في هذا الموضوع، انطلاقا من خطاب أجدير التاريخي(خطاب
جلال الملك محمد السادس يوم 17 أكتوبر 2001. أكد فيه صاحب الجلالة الملك
محمد السادس على ضرورة النهوض بالأمازيغية كجزء من الثقافة والهوية
الوطنيتين.)، ومرورا بتأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وبداية
إدماج اللغة الأمازيغية في المنظومة المدرسية والحياة العامة، بهذا الشكل
أو بآخر، وبهذه الدرجة أو تلك.
صحيح، أن وضع اللغة الأمازيغية وضع ملتبس، وغير مريح، وقد يكون «بالغ
الخطورة»، بلغة العروي، بالنظر إلى غياب الوضوح والحسم في المسألة اللغوية
بالمغرب منذ فجر الاستقلال، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصدع في لحمة
المجتمع، بقمع الوجدان الوطني والاعتداء على ذاكرته، لكن مع ذلك فالمسألة
مطروحة، ولا يمكن بحال القفز عنها أو تجاهلها، بحجة أو بأخرى، وعلى وجاهة
بعض الحجج والمبررات والحيثيات وتهافت بعضها.
قد لا يخوض الأستاذ العروي إلا في القضايا التي استوفت شروطها الموضوعية،
واستوت إمكانات فحصها ونقدها، وبناء تصور حولها. وقد يكون هذا الأمر شفيعا
له في التأخر الحاصل عنده في الخوض في المسألة الأمازيغية، منذ زمن طويل،
باعتبارها مسألة وطنية بامتياز، لا يمكن بحال القفز عنها، بحجة القومية أو
الأفق العربي أو بحكم آثار الانتماء للحركة الوطنية، وارتباطها بالمشرقي
العربي، أو ما شابها ذلك من المبررات التي لا تلغي المشكل، ولا ترفعه، وهو
رجل التاريخ الذي يرصد حركية المجتمع في تاريخانيته.
ولما آن الأوان، و»ناضل من ناضل»، واستوت المسألة الأمازيغية، كقضية وطنية،
واتضحت معالمها وآفاقها، وأقرها الخطاب الرسمي، في عهدين متواليين، عن حق
أو حتى عن غير حق، كما أومأ إلى ذلك العروي نفسه، عاد ليخوض فيها، ويبني له
تصورا خاصا، على قاعدة الماركسية التاريخانية، من عقلانية ونفعيته، ومن
اقتصاد الزمن، وحرق المراحل، واستحضار «السوق اللغوي المغربي»، وإكراهاته،
وإمكانات تدبيره، وما إلى ذلك مما سنعود إليه.
ومهما يكن، فالوزن الرمزي والاعتباري للأستاذ العروي، بثقافته الواسعة،
وعمق تحليلاته، وصدق معاناته، وبعد نظره، كافية لرصد موقفه من المسألة
الأمازيغية، وتأمل استنتاجاته، وتمحيص توقعاته، وتتبع خطوات «الحوار» الذي
قرر أخيرا أن يقيمه في مسألة اللغة الأمازيغية، وما يرتبط بها، ومن خلال
حواره وحكاياته مع الشاب الصحفي الأمازيغي، وغيره ممن لهم صلة بالمسألة
الأمازيغية.

(غدا الجزء الثالث)


4/4/2011


ادريس جـبـري
الاتحاد الاشتراكي

avatar
slimani

ذكر عدد الرسائل : 578
العمر : 59
Localisation : SALE
تاريخ التسجيل : 12/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الحوار المغشوش أو هكذا تكلم عبد الله العروي عن المسألة الأمازيغية بالمغرب (3) (من منظور بلاغة الحوار)

مُساهمة من طرف slimani في الثلاثاء 5 أبريل 2011 - 16:42

بالتأكيد،
عندما يتكلم الأستاذ العروي على «الجميع» أن ينصت، ويمعنوا في الإنصات،
لوزن الرجل الثقافي والفكري، ولعمق تحليلاته، ونفاذ بصيرته، وحجيته
المعرفية، وتمرسه العلمي الأكاديمي التي أثبته بجدارة واقتدار على امتداد
بناء مشروعه الفكري والإيديولوجي. فهو ممن يزينون كلامهم بميزان الذهب،
وينصتون للتاريخ إنصات المحلل المقتدر؛ وهو فضلا عن ذلك، وبعبارة إدوار
سعيد، «أفضل مؤرخ في شمال إفريقيا»( إدوار سعيد: الثقافة
والامبريالية،242). وهنا تكمن الهيبة التي يحس بها كل قارئ لأعمال العروي،
والرهبة التي تلازمه في ذلك، فيقع في إحراج التعالي بالمقروء، ومحظور
تأويله، فيحصل سوء الفهم والاستيعاب، وهو مما اشتكى منه الباحث، منذ
مؤلفاته الأولى، وتألم له، حتى من متاخميه من القراء ( خواطر الصباح،1967،
ص24).
ومع ذلك، وبالرغم مما تنطوي عليه هذه القراءة من مغامرة وتجرؤ على قامة
معرفية من حجم الأستاذ العروي، فالإنصات الجيد لمثل هذه القامات العلمية،
عندما يتكلمون أو بالأحرى يكتبون، ينطوي على «حكمة» بليغة، سواء أأدركناها
أم لم ندركها بعد. وتلك مهمة صعبة على أي قارئ، ومن أي موقع، ولكن لا تعفيه
من كسر «قوقعة السلحفاة»، ومن محاولة المغامرة المحسوبة، والتقدم حتى في
«حقوله الملغومة»، لاستجلاء موقفه من المسألة الأمازيغية بالمغرب، وكيف
عالجها، والسيناريوهات الممكنة في هذا الاتجاه، في ظل ما عبر عنه: «احنا
المغاربة «(الديوان، ص 22)، الذين رضعنا اللغة من أم غير الأم العربية،
وتربينا تربية غير التربية الأولية ( يعد مفهوم التربية الأولية أو تربية
الأم من المفاهيم الإجرائية والمركزية التي أقام عليها الأستاذ العروي
كتابه «الديوان». ويختلف مضمون هذا المفهوم على امتداد الكتاب، لكن لا يخرج
عما يندرج ضمن العقلية العامة، أو الذهنية السائدة أو التقاليد والأعراف
أو السلوك العام، أو الشخصية النمطية إلخ.، ص 22 23 ...) التي ترباها بعض
المغاربة ممن سحنتهم «بربرية»، و»لون حدقتهم»، ولسانهم عربي؛ وكذا ممن
لغتهم وثقافتهم الأولية هي الأمازيغية، بصرف النظر عن «سحنتهم» ولون
حدقتهم، وحملوا ثقافتهم إلى التعليم النظامي وتفاعلوا مع اللغة العربية،
ومع باقي اللغات الأخرى تفاعل اندماج وانصهار لا انفصام فيه.
(4)

وأخير، يتكلم الأستاذ عبد الله العروي عن المسألة الأمازيغية، وربما تحت
فعل الزمن، فالزمن، كما يقر هو نفسه، «مخلاف، يغير فينا كل شيء، يغير
مواقفنا من الكون والمجتمع والسياسية والأخلاق. يغير علاقتنا بالطبيعة
وبالجسد وبالأسرة وبالسلطة..» ( السنة والإصلاح، ص:88) فلماذا انتظر
الأستاذ العروي كل هذه المدة، ليفعل فيه الزمن هذه الأفاعيل، ويرغمه على
التكييف مع المسألة الأمازيغية، وقد كانت نصب عينيه لولا أفاعيل الزمن
نفسه، وعماء الإيديولوجيا وجحودها وقت ذاك، وهي توهم بالوحدة بين الشرق
والمغرب؟
يقول في فصل وسمه ب»الأمازيغية» في كتابه:»الديوان»، وبعدما دشن حواره مع
الصحفي الأمازيغي في الصفحات الأولى من الكتاب في الموضوع :»كاذب أو منافق
من يدعي أنه يقف من مسألة الأمازيغية موقف المتفرج اللاهي، أو الملاحظ
المتجرد، أو الباحث الموضوعي. كل منا، حسب وضعه الاجتماعي وتربيته الأولى،
يوالي الدعوة أو يعاديها تلقائيا، ثم بعد حين، بعد التفكير والتروي يميل
إلى الاعتدال والنقاش الهادئ.» (من الديوان ص53.)
لقد حصل الاقتناع عند الأستاذ العروي ليناقش المسألة الأمازيغية بالمغرب،
وربما استوت معالمها الكبرى، ليضعها الباحث تحت مجهره العلمي والتاريخاني،
بعيدا عن أي طرح متسرع أو ديماغوجي، وتحسبا لكل العواقب الممكنة، واستئناسا
«بتجارب دول أخرى، قريبة وبعيدة»، إشارة إلى أوضاع إسبانيا، (الباسك
وكاطالونيا) وإنجلترا(استكتلندا وبلاد الغال).
وهي خطوة إيجابية أولى متقدمة ومحمودة، إن لم تكن نوعا من النقد الذاتي
المبطن والمطلوب، للانتقال من وضع «المتفرج اللاهي» في فلكور بدوي أو ثقافة
بدوية ( العروي: الإيديولوجيا العربية المعاصرة، ص:114)، أو «الملاحظ
المتجرد» الذي لا يعنيه أمر المسألة الأمازيغية البتة، ولا يدخل في نطاق
وجدانه وتربيته( الميلودي شغموم: المواطنية والمعاصرة، ص71)، أو حتى
«الباحث الموضوعي» الذي يتخذ المسافة اللازمة لخدمة الحقيقة في صيرورتها،
وخلقها المتواصل والمتجدد، إلى وضع الاعتراف بوجود مسألة اسمها المسألة
الأمازيغية، على خطورتها، ومناقشتها بهدوء واعتدال وترو، وواقعية وتبصر،
وبوعي نقدي، وأساسا، بالخضوع للفكر التاريخي، بكل مقوماته ( العروي: العرب
والفكر التاريخي، ص:226).
أما الخطوة الإيجابية الثانية، وبعد الإقرار بوجود ما يسمى بالمسألة
الأمازيغية بالمغرب، وبصرف النظر عن موقفه منها، إيجابيا كان أم سلبيا، فهو
نزوله إلى الواقع المتموج للتأمل واستجماع المعطيات لبناء الموقف،
واستشراف مستقبل اللغة الأمازيغية في «سوق اللغة» بالمغربي الراهن، بما هي
بناء رمزي، وسند ثقافي ووجداني للناطقين بها، والمنتمين لها، بل وبما هي
إطار مرجعي لإنتاج المعرفة، والرؤى للإنسان والعالم وما بعده، تستوجب
الاعتراف فالإنصاف.
(5)

نزل الأستاذ عبد الله العروي إلى الميدان، وشمر على ساعد الجد، وانخرط في
رصد الراهن المغربي، وبالتحديد واقع اللغة الأمازيغية فيه. وهكذا نزل إلى
مقهى شعبي، وهو ما يطيب له القيام به بين الفينة والأخرى، لا ليشرب قهوة،
كعادة كثير من زوار المقاهي والمترددين عليها، ولكن ليراقب الزبناء ويستمع
إلى ما يقولون (ص5).
قد يكون القصد هو جمع مادة لبحث علمي في موضوع اللغة الأمازيغية التي
انتزعت الاعتراف الرسمي، وشغلت الناس، وخاض فيها المثقفون، و»استثمر» فيها
السياسيون. وقد ساقه القدر، هذه المرة، كما يحكي، ومن حسن طالعه، إلى
الجلوس بجوار محرر صحفي شاب بجريدة أسبوعية تعبر عن مطالب ثقافية وسياسية
للغة الأمازيغية، وهو يقرأ صحيفة مكتوبة بالتيفناغ. وجرى الحوار الآتي
بينهما:
- العروي/ قلت له: هل تقرأ الحرف بسهولة؟
- الصحفي/ أجاب: نعم.
- العروي/ قلت: تفضل، اقرأ الصفحة الأخيرة.» ص:6. (انتهى الحوار.)
قد يكون لقاء العروي بالشاب الأمازيغي مدخلا جيدا للحوار البناء والمنتج،
لبلورة موقف مقنع حول وضع اللغة الأمازيغية، وما يرتبط بها، متى افترضنا
«أولا (حسن النية)، وإرادة التفاهم، وافترضنا قبل كل شيء فكرة الاعتراف
بالآخر، الاعتراف بحقه في الوجود، والاعتراف بحقه في الحياة وبحقـه في
التميز والاختـلاف، لا الاعتراف فقط بالتفوق وبحق الأقوى والأغنى والأعلم
في فرض رؤيته على الآخر»، وبالتالي متى سلمنا بأن «الحوار الحقيقي ينطلق من
مسلمة أساسية هي مسلمة التساوي في الوجود وفي الحق»( محمد سبيلا، نفسه).
غير أن شيئا من هذا لم يحصل. فقد كان اللقاء مناسبة مفتعلة لتدشين حوار
مغشوش، بانتفاء شروط التفهام والتساوي والاعتراف، والتخاطب «من أجل
الالتقاء في موقع على المسافة الفاصلة بين المتخاطبين»(العمري: دائرة
الحوار، ص57)، أي بين المحاور/العروي والمحَاوَر/ الصحفي الأمازيغي.
فالعروي في هذا اللقاء/الحوار وما سيتلوه، يظهر أنه يبخس الناس «أشياءهم»،
وينصب الفخاخ لمحاوره، ويصادر على المطلوب، وكأنه حدد هدف الحوار سلفا، وهو
رفضه لمسألة اسمها المسألة الأمازيغية، باعتبارها مسألة زائفة غير ذات
مردود، في الأفق القريب والبعيد.
فقد سأل العروي ذاك الشاب الصحفي والأمازيغي قائلا:
- هل تقرأ الحرف بسهولة؟
وقد وظف السائل/ العروي في سؤاله حرف الاستفهام «هل» لطلب معرفة خبر يجهل
العلم به، لطلب التصديق، ولا يجاب عنه سوى بنعم أو لا. وقد أجاب المجيب
بنعم. ففهم السائل معنى لفظ «بسهولة»، فهما قد لا يطابق فهم المجيب. وهو
مما يدخل في إطار التغليط بالألفاظ، أو مغالطة الاشتباه والغموض، «متى لم
يطابق القول المعنى بشكل يجعل دلالة اللفظ مشتركة. وهذا الوضع يشكل إحدى
الحالات التي يستغلها المغالط، سائلا كان أم مجيبا للتمويه وسوق المحاور
إلى ما لا يرغب فيه. ولهذا يشترط أن يفهم من كل من السائل والمجيب من اللفظ
معنى واحدا حتى تكون دلالته عندهما واحدة.» (الباهي:» الحوار ومنهجية
التفكير النقدي»، ص: 174-182..) «السهولة» عند العروي ضد «التهجي»، وقد
تكون عند المجيب غير ذلك، مما يحول دون فهم المقصود، فيتعطل الفهم والإفهام
، ويحصل التشويش والتعتيم والالتباس، ويضيع التواصل المنشود.
فقد تفضل الشاب الصحفي الأمازيغي بقراءة الصفحة الأخيرة التي يشرف على
نشرها، كما طلب منه السائل، متعاونا معه، وبدأ يقرأ «يتهجى ببطء ملحوظ»،
فاستنتج السائل/العروي، ومن جهة واحدة، ودون تحفظ يذكر:
- العروي: «قلت: ليس الأمر هينا إذن».
ويبدو، وكأن هذا الاستنتاج أو بالأحرى هذا الاكتشاف من نوع: «وجدتها !...
وجدتها !... أوريكا !.... أوريكا» !. هو استنتاج كاف ودامغ بالنسبة للعروي
للإقرار بالفشل الذريع لمن اختار حرف تيفناغ حرفا رسميا للغة الأمازيغية،
ومن راهن عليه حتى من أصحاب الدعوة الأمازيغية أنفسهم. فهذا يبين بالحجة
الدامغة أن شاهدا من أهلها، الشاب/المستقبل، قد فشل في أول امتحان أجراه
المحاور لمحاوره. ويبدو أنه امتحان مبطن ومفخخ أجره الأستاذ العروي، ولم
يقدر الصحفي المتعلم حتى أن يقرأ حرف تيفيناغ بتلقائية وطلاقة، وبالتالي لم
ينجح في البرهنة، ومن معه، على سلامة اختيار الحرف وآفاقه المستقبلية،
خاصة بعد «نقاش طويل حول الحرف واللغة والثقافة والتربية والهوية
والانتماء، إلخ» (ص6)، وكأنه، وبعبارته الوارد في الصفحة 62 من الديوان،
أراد أن يسمع من محاوره الأمازيغي ما يوده، أو يستطيع أن يسمعه».
فالمسألة بالنسبة للعروي حيوية وعناصرها مترابطة، ويتعذر الفصل بينها.
فالحرف مجرد مدخل لأزمة المسألة الأمازيغية والثقافة والمجتمع المغربي.
فالعناصر متلازمة، تستدعي الخصوصية والانتماء والهوية، والتراث وغيرها،
ف»الحرف يخدم اللغة واللغة تخدم الثقافة والثقافة تخدم المجتمع».(ص55).
فسؤال السائل/ العروي للصحفي الأمازيغي أن يقرأ الصفحة الأخيرة من الصحيفة
للتحقق من معرفته القراءة بحرف تيفناغ، هو وسيلة كيدية ليجد الحجة الكافية
لإبطال دعوى مدعيه، وكأنه يصادر على صعوبة القراءة بهذا الحرف، ويبحث عما
يؤكد ذلك فقط. وبالتالي فهو لا يسعى إلى حقيقة، ولا يرجو بناءها، ولكن ينحو
نحو إقرار حقيقة عنده، وهي فشل اعتماد حرف تيفيناغ، وتسرع دعاته، ليضع
محاوره الأمازيغي في موقع الكذب الصراح، ومن ثمة زيف أطروحة دعاة
الأمازيغية أجمعين، فكأن المسألة الأمازيغية بالمغرب مسألة زائفة، وما
يترتب عنها زائف بالضرورة.
فقد ادعى الصحفي الأمازيغي الشاب أنه يعرف قراءة حرف تيفناغ بسهولة ويسر،
لكنه لم يقدم حجة دامغة على دعواه، وسقط في امتحان قراءة الصفحة الأخيرة من
جريدة أسبوعية هو من محرريها، إذ «بدأ يتهجى لكن ببطء ملحوظ». فالأمر، كما
استنتج الأستاذ العروي وقرر، ليس هينا في الاعتقاد الساذج للشاب الصحفي
الأمازيغي، إذ يتعذر أن يتعود المرء على حرفين مختلفين، مهما ادعى، ومهما
كانت موهبته:
- المعطى= الصحفي الأمازيغي لا يقرأ حرف تيفيناغ بسهولة
- النتيجة = اختيار حرف تيفناغ اختيار فاشل.
وحجة الفشل من أهلها وأحد دعاتها، والمشتغلين عليها، مع أن نتيجة الفشل متضمنة من المعطى/الحدث.
ويظهر من خلال هذا المثال الذي أورده الأستاذ العروي، أنه ضحية آلية
التعميم حيث لا يستقيم التعميم، إذ انطلق من حالة محددة، وقد تكون معزولة
ليستنتج منها موقفا قويا وحاسما، كالذي استنتجه. وهو ما لا يستقيم عقلا ولا
منطقا ولا حجاجا، حيث يغالط بإخفاء انحراف الاستنتاج، والإيهام بالشمول،
وبالتالي التغرير بالقارئ، والاستخفاف بذكائه.
فالعروي، على ما يبدو، هو الذي يدير الحوار ويتحكم فيه، ويرسم مساره، كما
رئيس الجلسة في المحكمة. ولهذا السبب فالحوار لا يتم بمقاييس متساوية، بل
قد تتحكم فيه اعتبارات شخصية»( الباهي، نفسه، ص236)، وقد تكون إيديولوجية
صرف.
وبهذا الصدد، وبعبارات الأستاذ محمد العمري، «لا فرق بين أن يُكرهَ
«الظنين» على تحمُّل تهمة ملفقة عن طريق التعذيب البدني والنفسي، وبين
العنف المنطقي المضلل/المعنت الهادف إلى الإكراه لإجبار الآخر المخالف على
قبول أفكار أو مواقف زائفة. بل يمكن الاستئناس بما هو أكثر من ذلك بما نراه
في المحاكمات الجنائية حيث يعترض المحامي والاتهام معا على الأسئلة
الاستدراجية الهادفة إلى الإيقاع بأحد المتقاضين أو الشهود، وللقاضي أن
يقبل الاعتراض وله أن يرفضه».
وهكذا، فقد انزلاق الأستاذ العروي في طرحه من قضية صحفي أمازيغي لا يقرأ
بسهولة بحرف تيفيناغ إلى قضية إيديولوجية صرف. فسؤاله من نوع الأسئلة
المدخولة والفاسدة حجاجيا لأنها تنطوي على خدعة. فأنت أيها الشاب الصحفي
والمسؤول عن تحرير صحيفة أمازيغية لا تقرأ الحرف بسهولة وطلاقة، أي تتهجى
ببطء في قراءتك لصفحة من صفحات صحيفة أنت تشرف عليها، وتعبر من خلالها عن
مطالب لغوية وثقافية وسياسية، فمعنى ذلك أن:
- حرف تيفناغ مشكل
- اختيار حرف تيفيناغ وترسيمه إذن اختيار فاشل
- إذن فشل أطروحات دعاة الأمازيغية وزيف مطالبهم
وهو ما يدخل في إطار ما يعرف القنطرة المنزلقة أو المنحدر المنزلق الناتجة
عن استخدام عوامل من قبيل «بما ...إذن... «( الباهي:»جدل العقل والأخلاق
في العلم»، ص:186.).
بما أن الصحفي الأمازيغي محرر نشرة أمازيغية وبحرف تيفيناغ وبسهولة... إذن
حرف تيفيناغ غير سهل، وبالتالي فاختياره وترسيمه غير مجد، وبالتالي فهو
صفقة مفلسة مقدما ( انظر تفاصيل ملابسات اختيار حرف تيفيناغ عوضا عن الحرف
العربي أو الحرف اللاتيني، ومسار ذلك الاختيار في كتاب أحمد عصيد:»رسائل
إلى النخبة المغربية»، ص92.). وهو استنتاج فاسد، قائم على حجية حكاية
فاسدة في التدليل، ب»حكاية المقهى» وبالتعيين مقهى شعبيا، أي فضاء خاص
بالفئات الشعبية، وليس فضاء للنخب من طينة العروي. وهي حجة من أجل إفحام
الصحفي الأمازيغي وتكذيبه وإحراجـه، وإفقاده الثقة في نفسه ثم إقناعه بفشل
اختيار حرف تيفيناغ وترسيمه، وتهافت دعواه، بل أخطر من حكاية المقهى
الشعبي، ومحاورة الشاب الصحفي الأمازيغي ومحاججته هو العبور بها نحو دعاة
الأمازيغية أجمعين بالمغرب، وكل المتعاطفين والمحتملين معهم، على «أقليتهم»
في تصوره.
على هذا الأساس يتوجه العروي إلى جماعة من المجتمع المغربي تقدر عنده
بحوالي 27% ممن يتكلمون بالأمازيغية فقط لإقناعهم بفشل اختيار حرف
تيفيناغ وبزيف القضية برمتها، مع ما يمكن أن يترتب عن كل ذلك من أعباء
زائدة، على اقتصاد البلاد، من جهة، وما يمكن أن يصيب وحدة المجتمع وانصهار
مكوناته، ووحدة نسيجه، من تفكيك تلك الوحدة، وتبديد ذلك الانسجام من جهة
أخرى. فأصبحت الأمازيغية بذلك فزاعة للتخويف والتخوين، وبالتالي بمثابة
«شيطان متربص بالبلاد»( أو ما عبر عنه أحمد عصيد بفوبيا الفتنة، انظر
كتابه:»رسائل إلى النخبة المغربية»، ص61)، وكأنه بذلك يردد موقف الحركة
الوطنية في نسختها السلفية، أو القومية، ويعيدها بلغة الماركسي التاريخاني.

وكما هو واضح، فلم يجمع الأستاذ العروي مادته الحجاجية من»شريحة شائخة»(
بنسالم حميش، نفسه، 193) وفي طريقها إلى الانقراض من بداة اللغة الأمازيغية
الناطقين بها على السليقة، ولا جال في «المناطق المعزولة عن الحواضر
والتمدن»، ولكن اكتفى بحدث موغل في الذاتية، ومحدود في المجال ? مقهى شعبي-
متوسلا بالحكاية كأداة حجاجية، يصعب أن تكون نموذجا صالحا للتعميم،
والاستنتاج الحجاجي السليم؛ إذ ماذا ستكون مصير تلك الاستنتاجات لو صادف
المحاور/العروي شابا عاديا، أو حتى شابا «موهوبا» يتقن قراءة حرف تيفيناغ
بسهولة وسلاسة ويسر، سواء بعد حصول التراكم الكافي لاستيعاب الحرف والتعود
عليه، أو حتى قبله؟!.
غير أن الباحث متأكد من صحة فرضيته ومطمئن لها، على أساس نسبة الناطقين
بالأمازيغية، التي لا تتجاوز في نظره، ودون الإفصاح عن مصدر الخبر، 27% من
المغاربة فقط. وبمقتضى ذلك فهم أقلية، في نظره، ما دامت الأغلبية منهم قد
تعربت أو أصبحت مزدوجة اللغة. وهو الموقف الذي استخلصه في كتابه التاريخي:
«الأصول الاجتماعية والثقافية للحركة الوطنية (1830/1912»)، وهو يتحدث عن
الوضعية اللغوية بالمغرب في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين،
وبناء على دراسات استشراقية وقتها، اطمأن لها، وسلم بها منذ ذلك الحين،
وبني عليه مواقفه.
وكما هو معلوم، فالإحصاءات آلية من آليات المعتمدة في الاستدلال الحجاجي،
لها قوتها الحجية فالإقناعية، وتنوب عن اللغة الطبيعية، وتستغل لمآرب
مختلفة، كتلك التي سعى إليها الأستاذ العروي لما سلم بصحة ذلك الرقم،
ليبرهن على أن ما يدعى بالمسـألة الأمازيغية مسـألة أقلية، أما الأغلبية
فقد تعربت، بفعل «النزوح المتزايد نحو المدن التي يغلب على جميعها تقريبا
التخاطب بالعربية»(الديوان، ص:53)، وبالتالي فزيف المسألة ثابت ويجب التوجه
نحو الأمام، والتعامل مع الوضع بمنطق اليسر ومنطق الاقتصاد، ومنطق
المصلحة.
وبصرف النظر عن صحة تلك الأرقام، ومصدرها، ونوايا اعتمادها في استخلاص ما
استخلصه، وحيثيات الاختيارات الأحادية، فمشكل الأمازيغية لم يرتفع، وظل
واقعا قائما، وشاهدا ناطقا ينتظر حلا باعتباره جزءا لا يتجزأ من الهوية
الوطنية، وإن أومأ إلى ما يمكن اعتباره حلا مؤقتا، ومتحكما فيه، فيما
اقترحه من إقامة ديمقراطية محلية، وجهوية موسعة، في ظل دولة وطنية
ديمقراطية، تقر بالدستور المحلي، والبرلمان المحلي، قد تجد للمسألة
الأمازيغية حلا جهويا» (الديوان، ص:129/130)، وبالمنظور الذي اقترحه
العروي،ـ إذا تم اعتماده، ويظهر أنه بعيد المنال في المنظور القريب.
يفضي هذا الموقف إلى أن العروي قد خَطّ خطا فاصلا بين من يهمه أمرهم، ومن
لا يهمه أمرهم. اختار انتماءه وأفقه بعيدا عن المسألة الأمازيغية، وبالتالي
عن أفق وطن اسمه المغرب تعايشت فيه، لمدى قرون، لغة أمازيغية سكنت أهلها
وسكنوها، ولغة عربية لم تكن فكانت سكنا أخرى لهم أيضا.
فقد اختار الأستاذ العروي مذ كان طالبا، وبحكم تربية الأم، الانتماء
العربي والعروبي لما استغرب في لقاء آخر من لقاءاته الكثيرة، وحكاياته
المختلفة؛ وهذه المرة لقاء كبير أساتذة الدراسات السياسية، ليس في مقهى
شعبي هذه المرة، ومع صحفي أمازيغي لجريدة مغمورة، ولكن في عاصمة الأنوار
باريس، وموطن الحداثة والتحديث، ومع أحد كبار العلوم السياسية، وأكثرهم
شهرة.
فقد بادر الأستاذ بسؤال العروي الطالب:
- لاشك أنك بربري (أمازيغي)
وأجب العروي/ الطالب، وباستغراب وبرودة:
- كل ما أعلم أني عربي اللسان».
وليكم الأمر كذلك، وللعروي الحق في اختيار اللسان والانتماء الذي يشاء، وله
الحق في تقرير ميتافيزيقيا الأصول، مع صعوبة الإقرار بها، وله نفس الحق في
القول بتنوع أجناس المجتمعات، وتكون الدول، بفعل الغزو، لكن لا يمكن أن
يكون مقياسا لكل شيء، مهما علت قامته المعرفية وحجيته الثقافية، ومن ثم،
يصعب إلغاء واقع مغربي قائم يتفاعل فيه اللسان العربي بالأمازيغي، منذ قرون
طويلة، وفي انصهار قل نظيره.


5/4/2011
ادريس جـبـري
الاتحاد الاشتراكي
avatar
slimani

ذكر عدد الرسائل : 578
العمر : 59
Localisation : SALE
تاريخ التسجيل : 12/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى