صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

حسن المفتي: سندبـاد المحبـة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

حسن المفتي: سندبـاد المحبـة

مُساهمة من طرف said في الجمعة 29 أبريل 2011 - 20:54

أمام
غــزارة إبداع الشاعر الراحل حسـن المفتي، سأركز في هذا التقديم - الشهادة
على «رحلة» الشاعر الوجدانية وتجربته فيها وتأملاته خلالها وما وصل إليه ،
دون أن أتـناول مواضيع كثيرة مبثوثة في نصوصه، ودون التطرق إلى اللغة
البرزخ التي يكتب بها (بين الفصحى والدارجة ) والتي تميز بها ، وكذلك
الحضور اللافت للحكي والوصف في كل نص عنده مهما طال أو قصر، كان قصيدة
مركبة أو شذرة ، لأن متـنه الزجلي تربط نسيجه هذه الدينامية المرتكزة على
مكونات سأستعرض لها باختصار .

أنا .. والغربة ومكتابي

يستدعي هذا العنوان مجموعة من الأسئلة المسعفة لولوج السفر ، السفر للإصدار
الثاني مـن الأعمال الكاملــة للشاعـر الراحل حسـن المفتي : لماذا لم
يكتف بـ : « الغربــة ومكتابي » أو يكون مثلا « مع الغربة ومكتابي » ؟ ..
إذن لماذا « أنا » تتصدّر العنوان ؟.. فهل هي المركز وتحيط به الغربة
ومكتابي ؟.. لماذا الغربة مطلقة بدون ياء عكس ياء المتصلة بالمكتاب
؟..لماذا النقط الفاصلة بين أنا ....والغربة ؟.. هل « أنا » تتجه نحو «
التحديد » وعزلها
عن « أنوات » قد تستعير صوت الشاعر لتصبح متكلمة ، واصفة وهو قناعٌ لها ؟..
« أنا » تحيل على الذات، والغربة ترتبط بالسفر أو عدم الاندماج ( الغربة
وسط الجماعة أو في الوطن أوفي الزمن )، و « المكتاب « تعني القدر، والمصير ،
و الحظ والذي غالبا ما تعني العاتر منه .
فـ « أنا » حسن المفتي تشكلت من في الترحال، مكانيا ووجدانيا وإبداعيا :
من البيت القريب من القرية ببستانه البهيج وطقوسه الفطرية وسهولة الحياة ،
والطفولة المنطلقة فالانتقال إلى المدينة التي
تحاصر «الفتى الراكد» بإسمنتها وتحد من المدى الذي تعود على النظر في شساعته وتقلــص أسوارها
من « انطلاقته » كأنها ترافقه من الجهتين لتحد من اندفاعه، ثم السفر خارج
هذه المدينة ( تطوان ) ثم السفر خارج أرض الوطن ( مصر ) ، ثم العودة فالسفر
إلى الدار البيضاء .
هذه التنقلات ، سواء كانت باختياره أو بدونه ، تشكل معها وفيها وجدانه واكتنز فيها تجارب لا شك أنها جزء من بوصلة رؤيته وإبداعه .
و الترحال نجده جليا أيضا في حقول إبداعاته ( السينما، الإعلام، التلفزيون ،
الدراما، الأغنية ، الزجل ، التأليف ، الإخراج ، السيناريو ...إلخ ) ، وهو
بقدر ما يفصح عن تعدد ممارساته الإبداعية ، بقدر ما يترجم تنوع « أناه «
المبدعة ، خاصة أنه كان موفقا في كل هذه المجالات ولم يكن متطفلا عليها ،
بل اكتسبها بالتكوين والممارسة من أسفل السلم إلى أعلاه ، فهل هذا توزع أو
بحث متعدد عن الذات ، وأين الغربة وأين القدر في ذلك ؟ ، بل أين يجد « أناه
» ؟.. وأين يرتـوي عطشـه الإبداعي في هذه الواحـات المنبثـقة في صحراء
الغربة ، وعواصف « المكتاب » المفاجئة ، ولكني أميل إلى أنه في السيـنما
والتلـفزيون « يقول مهنته » وفي الزجل « يقول رؤيته » ويحق لي أن أفترض أن
الشاعر حسن المفتي يقول : « أنا في الفنون جوَّال ،لكن السكن في الأزجال » .
فمن أين يبتدئ السفر وإلى أن يقود ، ومن أجل ماذا ؟ .. وإلى أي حد يقترب أو
يبتعد عن سفر الصوفي ? بدنا ووجدانا وروحا والالتصاق بكينونة الغربة ،
والهجرة من المنبوذ إلى المرتجى المفقود ؟..
ولا شك أننا مدعوون للتنقل إلى السفر ( بكسر السين وتسكين الفاء ) لتقفي أثر السفر
( بفتح السين والفاء معا ) ، لنقترب من تجلية :
هل « أنا » ترافقها الغربة والمكتاب ، أم تصارعانها ؟ .. وما هو السبيل
إلى مقاربة معاناته ، وكيف كشف وباح بها فنيا ؟ وهو الحائر والقلق :
حاير .. مهموم
وشايف
الدنيا رحلة صعبة
عايشها بلا رغبة
تالف من ديما وعطشان
( من قصيدة : ذاتي )
إنه الترحال المـر والسفر القدري الذي طال كثيرا وأنهك الصبر :
وأنا ماشي
من هذي سنين وأنا ماشي
والصبر ذاب وما كفاشي
( من قصيدة : وأنا ماشي )
- أوديسا البحث عن المفتقد :
يحلم الشاعر ويبحث عن المفتقد كأن شيئا ( أو أشياء ) ينقصه أو انتزع منه ،
ويسعى إلى استرداده من خلال إبداعاته . والغربة والمكتاب قد يكونان معاكسين
لهذا الحلم ولهذه الرغبة ، وقد يكونان لازمين بسبب السفر نحو الحلم ،
والشاعر في كل هذا وحيد في مواجهة الانكسارات والتحديات وهو يسعى للمبتغى ،
ولكن، إن الحلم هنا حلمان ، حلم « أنا » ل « أناها» وحلم « أنا » لـ « نحن
» فالخيبة في الوطن لا يمكن أن تكون فردية ، ولكن الحزن في النصوص فردي :
حرموني زاد الوطن
والظل والأمان
والفرح
وجعلو حزني سكن
( من قصيدة : المنفى في الوطن )
فهل هناك أقسى وأمرّ من الحرمان من زاد الوطن والعيش في الحزن قسرا ؟..
فالجرح الملازم للشاعر في نصوصه ناتج عن فقدان لقيم نبيلة في نظره التي
يجعل منها مثالية ، ويرى فيها مبتغاه ، حيث لا يحتمل ما يراه يوميا من ?
احتقار لها والدوس عليها، دون اكتراث ، أو سبق إصرار ، مما يدفعه إلى
الترحال بحثا عنها :
طواف
يا قلبي ... يا سندباد
(....)
فين الطيبة والمحبة ..
والصفا والإنسانية
يا خسارة ما زالو بعاد
يا قلبي يا سندباد ...
( من قصيدة : السندباد )
الحلم يقود إلى الترحال والترحال يقود إلى الغربة ، من أجل البحث عن
المفتقد، إنه الفداء من أجل الجوهـري المفـقود أو المنفي - مثل الشاعر - من
عالمنا . إنها رحلة الألم بسبب الحلم في استرداد قيم السمو والنبل
وإنسانية الإنسان، ولذلك نجد الشاعر يزاوج بين تذويـت المشترك وتقمصه، بل
اعتناقه، والانطلاق من الذاتي إلى المشترك ليتعالقا في نصوصه ، حتى وإن كان
يخاطب محبوبته، فالهجرة إلى الذات لا تسعى للارتكان والانشداد السطحي ،
ولكن للعبور إلى «منارات داخلية » تضيء « عتمة الخارج المحيط » :
مدينتي
شرفات
برد فيها عشق الحياة
وفيها ذبل زهر الأفراح
ناسها أشباح
الليل بلعهم وطواهم
والخوف سكنهم هاذي زمان
(....)
ويمر زمان
وكفوفهم ديما مصلوبة
في عين السما
كتترقب غيمة
يسرقوها
ويعصروها
يمكن تكون حبلى بالما
أو جاية تبشّر بالطوفان .
( من قصيدة : مدينة منسية )

ولنتأمل كيف يعبر من المرئي إلى الخفي ومن المحسوس إلى المجرد في تعالق لا
تنفصل فيه معاناة الفرد عن المجموعة ، مما يسعفنا على القــــول بأن رحلة
الشاعـــر في بحثه عن المفتقـد ( سواء كان شخصيا أو جماعيا ) تجمع بين
الإرادي والقدري :
غريب يا قلبي وحاير
من هذي زمان
( من قصيدة : هاجس ) .

الخسران على علامات الطريق :
كثافة الحزن وعدم الرضى والإحتجاج والألم والبحث عن أفق مغاير للحال
وإحباطاته المتراكمة ، هذه التركيبة مفتعلة لاستدراج المتلقي لما تعود
عليه من « نواح جاهز » والانخراط في الأسى الجماعي ، أم هي نابعة من وعي
مأساوي بما يسحق الذات المفردة والجماعية ويدمر كل الجسور المؤدية إلى طريق
الأمل والتفاؤل الراشد وليس التفاؤل الساذج، وتفرض القبول وعدم مناهضة ما
هو قائم من بشاعة وظلم واستيلاب وتقزيم الأحلام واغتيال كل تغيير في مرحلته
الجنينية ، وإشاعة ثقافة العدمية والاستسلام، وترويج الوهم :
قلبي سفينة
والأحزان رياح
ترميني فين ما شاءت
وقتاش ما بغات
خلاتني عصفور جريح
مقصوص لجناح
يطوي ليلو مع نهاروه
أسى وحسرات
والدنيا اللي حلم بها
لقاها سراب خداع
وكذبة بألف قناع
( من قصيدة حاشية : خريف 2005 )

السفر المتعب وراء أمل جديد ، لم يكرس إلا الإحباط والاحساس بالفقد ، ولو كان الحلم بسيطا كالحاجة إلى الحوار والرفقة :
عديت صحرا ورا صحرا وأنا عطشان
لا بان لي ظل ..
ولا خضرا ولا أغصان
وتمنيت حَدْ يلاغيني
وفي درب جديد يمشيني
لكن يا خسارة ما جاشي
( من قصيدة : وأنا ماشي )
وهكذا يتحول الممكن إلى مستحيل ، ويصبح الحلم معاقا، ورغم بساطة المبتغى يبتعد ويصبح عسيرا إن لم نقل منعدما :
مشيتي وما زال ساير
ف طريق لحزان
والحلم اللي تمنيتيه
وعشت كتنادي ليه
وتفكر فيه
وتبشر بيه
باقي يا عيني ما جاش
وغايب وما عرفتيش علاش
( من قصيدة : هاجس )

غياب وانتظار في منعرجات رحلة البحث تقود إلى تكريس الفقد، والطريق لا توجد
فيها إلا علامات تشير إلى الخيبة والانكسار وتأبيد متواليات الخسران .

نزوع إنساني بلا ضفاف

هذا اليم من السوداوية ، لابد أن تنبجس من شساعته اللامتناهية بقعة ضوء
تساعد الشاعر ، هذا « الرحالة الروحي » ، في سفره، وتحرضه على القبض على
السر المتواري خلف الخسارات وسرقة الأحلام من رحم الأمل ، وإجهاض التفاؤل،
والبداية هي تحديد الداء :
زمان ... واه يا زمان
كل ما فيك ضد الإنسان
( من قصيدة : آهه )
(....)
باعو الطيبة
وقتلو الإحساس
واللي وجدانو كيغلبو
يا ويل قلبو
( من قصيدة آهه )
فما العمل أمام هذه المضادات لإنسانية الإنسان ؟.. هل تتوقف الرحلة والنكوص
إلى الوراء، وقبول الهزيمة والاستسلام لما هو « ضد الإنسان » ، والدعوة
إلى المحبة خطوة أولى كبلسم يداوي الجراحات العلنية والسرية:
يا قلبي
(....)
إياك تتعلم تكره ..إياك
خلي المحبة ترتيلك وغناك
( من قصيدة : بلا ندامة )

نزعة إنسانية مثالية تمتلك وجدانه، بمثابة دواة بها مداد قلمه ، تجعله يسعى
في خرائط النفس البشرية بحثا عــن « الجوهــر الإنساني « لاسترداده
والتنبيه إلى ما يهــدده بالضياع، وذلك بتكنيـــس « الخلاء الروحي « من
الطلاء والزيف وما يدنس القيم النبيلة أو يغيبها ، حين يسود التشويه :
كيفاش اللمسة تتبدّل
تصبح كُلاَّب
ألم وعذاب
وهمس الحب يتحوَّل
حبس بلا باب
( من قصيدة : ندم )
والإنسان عند الشاعر يعاني من تكالب قوى مدمـرة متحالفة على سلبه إرادته وحريته وأمنه، ليعيش تحت رحمة الطغيان والحروب :
مسكين إنسان هاذ الوقت
ما بين الطغيان والمقت
عايش يا حسرة مرعوب
جاو ليه تجار الحروب
خلاو الفتنة بركان
يتفجَّر فـ ألف مكان
يحرق لخضر واليابس
ويدمّر أمن القلوب
( من قصيدة : احتجاج )

إصرار على الأمل

رغم ما مر من سوداوية وأحزان وآلام وفجائع إنسانية ناتجة عن الجشع والأنانية والطغيان والغدر، هناك بصيص يدعو إلى التفاؤل :
(....) حتما الحلم الغالي
يتحقق وتشوفو العين
إخاء...محبّه وسلام
يشملو هاذ الدنيا
ويعيدو أمن الإنسان
( من قصيدة : احتجاج )
إذن فبدل البكاء والنحيب والانزواء، ورغم مشاعر الخيبة ، هناك مقاومة
لليأس، والاحتجاج على ما هو قائم ورفض السالب للحق وللحرية والجمال والخير ،
والعامل على إشاعة الظلام :
(....) وتشعل ألف قنديل
واليأس اللي غَرَّ بنا
وفـ قلبه الليل غيبنا
ما نسمَحْلوش يغلبنا
مهما يطغى أو يجور
( من قصيدة : عودة السندباد )
الذي يرافق هذا الرحالة الروحي في خرائط العتمة التي تحيط به، والمكائد
التي تتربص به لتسقطه في شرك اليأس، إذا تسرَّع سيقول عن الشاعر إنه يائس
ومكتـف بالحزن لكنه ينبهه :
ما دام عايش
مادام الكلمة فـ لساني كتتْرّدَّدْ
ما دام النبض في عروقي كيتجدد
لازم نصمد
( من قصيدة : إصرار )

هذا التعالي على الجراح والخيبات، ليس مكابرة مجانية ، أو فروسية رومانسية ،
بل هي خلاصة تجربة الشاعر- السندباد بكل ما تركَّز فيه من مشاهدات وتأملات
ومقارنات، والسير في الطريق إلى النور المشع من داخل ذات الشاعر ، وهو
يعود إلى الجماعة بعد رحلة مضنية

قاسى فيها الكثر :
(....)
جيتكم من رحلة لجراح
وليل ما ضوّاه صباح
وخوف شحال عذبني
رماني في بحور لمحان
هز اعماقي والكيان
(....)
جيتكم يا صفوة الحباب
في حماكم ننسى العذاب
من حر الغربة نرتاح.
وهكذا يعلن انتصاره في رحلة مكابداته على اليأس والاستسلام وقبول الأمر الواقع :
قدرنا (....)
نخلي الكلمة تـنطق
تتمرد...
وتقول الحق
تـشق العتمة ولمواج
( من قصيدة : عودة السندباد )


الرباط في 2 شتنبر 2010
أحمد لمسيـّح
الملحق الثقافي
الاتحاد الاشتراكي
29 4 2011



said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى