صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

نعــم للاختــلاف.. لا للخــلاف

اذهب الى الأسفل

نعــم للاختــلاف.. لا للخــلاف

مُساهمة من طرف اللواح في الخميس 16 يونيو 2011 - 14:09

الاختلاف
تنوع مطلوب لابد منه في عملية التكامل التي ما فتئت البشرية تسعى لها بجد
ودأب، كما هو تعددية منتجة تتلاقح في أجوائها الأفكار وتنتظم في أفيائها
الرؤى البناءة الهادفة، والاختلاف قانون طبيعي أودعه الله في خلقه يحكي
عظمة الخالق المصور سبحانه وتعالى، حيث اعتبره القرآن الكريم آية من آيات
الله الحرية بالتدبر والتفكر والاستقراء، حيث يقول: ،ومن آياته خلق
السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم .

ومما يذ كرنا بآيات إلهية أخرى هي اختلاف أذواقنا وأمزجتنا وأنماط
السلوك والتفكير التي هي في واقعها فروق فردية أراد لها الله تعالى أن تكون
أدوات تكامل وأسباب ارتقاء وسبل تدبير وانسجام وتنظيم للكون وما فيه ومن
فيه، ولو قدر للبشرية أن يتشابه أفرادها في كل شيء لانعدمت فرص الرقي
والتطور، ولعجز البشر عن إنجاز مهمة إعمار الأرض التي كلفهم بها البارئ
العظيم، لأن انعدام الفوارق بين بني البشر لا يمكن أن يترشح عنه الإبداع
ولا يمكن أن يفرز إلا العجز عن تطوير الأرض والحياة.

وتسليمنا بإيجابية هذا النوع من الاختلاف يصطدم في كثير من الأحايين مع
نزوع ذاتي لدى البعض بالاستعلاء المفضي لإلغاء هذا التنوع، وذلك الاختلاف
لمجرد أنه اختلاف معه ومع تفكيره وقناعاته، وكأن الله قد أمر الخلق
بمتابعته ـ أي هذا الشخص المستعلي ـ أو صمم شخصيته وأقواله وأفعاله لكي
تكون وحدة قياس لا تقبل مواصفات الآخرين، إلا بقدر انسجامها مع مقاساته،
وفي غير ذلك فلا يعني الاختلاف معه إلا خلافا واصطراعا لا سبيل معه إلا
قهر الناس على أن يكونوا ظلالا باهتة له، أو نسخا طبق الأصل لما عليه
نفسه ووضعه وسلوكه وأفكاره، ولست أدري هل يستطيع من هذه نظرته للاختلاف
أن يغير خلق الناس وخلقهم وصبها في قالب واحد لا يعكس إلا رغبته ووجوده
ولا يمثل إلا المواصفات التي يرتضيها.
الانعطاف نحو الذات

إن عجزنا عن أن نصير الآخرين وحدات مادية مشابهة لنا في الخلق هو
بالتأكيد مرآة لعجزنا عن قهرهم كي يطابقونا في الرأي والفكر والقناعة
والمزاج، ولذلك وبدلا من أن نجنح في خيال يوحي لنا بالقدرة على تغيير
الآخرين لابد لنا من الانعطاف نحو الذات كي نعيد النظر في قراراتها
الخاطئة وتصوراتها العليلة التي لا يقرها عقل ولا يدعمها منطق، إن الذي
يدعو الناس لأن يغيروا أنفسهم كما يريد ويشتهي، مد عو لأن يغير نفسه كي
يتخلص من عقدة العظمة وجنون الاستعلاء فيتعايش مع الناس وفق مبدأ المساواة
والاحترام المتبادل للحقوق والواجبات في نطاق ما أمر به الحق سبحانه،
ولذلك لابد لنا جميعا من إعادة النظر في التعامل مع من يختلفون معنا، إذ
لكل منا مذاقاته وطبعه ومزاجه ،وفسلجته الخاصة به، وكما لا يحب أي منا أن
يقهر في تذويب خصوصياته في قالب لا يرتضيه، فكذلك غيرنا يمتلك نفس
المشاعر والأحاسيس، ولذلك فلا تعني مصادرة قناعات الآخرين وقهرهم على تبني
غيرها إلا انعطافا واضطهادا وحرمانا وتجاوزا غير مبرر على حقوق
الآخرين، وعدوانا صارخا على مجمل وجودهم وكينونتهم، ولذلك فليس أمامنا
إلا توسيع دائرة الفكر ومساحات التفكير لتشمل كل الألوان والقناعات التي
لم ي حر مها الدين، ولم تحظرها الشريعة الإلهية، وبذلك نوفر لأنفسنا
ولمجتمعاتنا فسحة من التعايش الإيجابي السليم الذي تنمو فيه رحابة
القابليات وتتفتح في رياض أمنه كل الطاقات فنتجنب تداعيات القهر وإفرازات
القمع والكبت والاضطهاد.
صراع وتناحــر

وهنا لابد لنا من التفريق بين الخلاف والاختلاف، إذ الاختلاف تنوع وتكامل
وتعددية وإبداع، بينما الخلاف صراع وتناحر واحتراب ونزاع لا يسفر سوى
التدمير والخسران والكوارث، وشتان بين الاختلاف الذي لا يفسد للود قضية،
والذي لابد من وجوده واحترامه، وتلقين أنفسنا وترويضها على قبوله، وبين
الخلاف الذي لا يو لد إلا الضغينة والأحقاد، ولهذا فلابد من وضع ضوابط
شرعية وأخلاقية نحتكم إليها عندما نختلف كي لا يتجاوز الاختلاف حدوده
الطبيعية، فيتحول في زحمة الجدل والانفعال إلى خلاف سلبي مقيت، كما لابد
لنا من تحكيم الأخلاق العلمية التي تسود قاعات الدرس في ساحاتنا الفكرية
والسياسية، ونفتح معها صدورنا لاحتضان الآراء المختلفة فلعل فيها ما لم
يخطر على بال أحدنا، ولعل التعامل الإيجابي مع قناعات الآخرين سوف يسد
فراغات في مساحات تفكيرنا لأننا ننظر إلى الأمور من زاوية، والآخرون ينظرون
إليها من زوايا أخرى، والإحاطة بكل الرؤى هو استكمال لرؤية كل الزوايا
واستيعاب أبعادها، وبما يعني رغدنا برصيد جديد من المعلومات والمعاني
والوعي الشمولي المطلوب والذي سوف ينعكس بشكل عملي على الواقع سواء من خلال
الحصول على المزيد من الفوائد أو تقليل المخاطر والآثار السلبية الضارة.

وقد حفلت الحضارة الإسلامية بالتجارب الغنية حينما فتح المسلمون العالم
وانفتحوا عليه فأسسوا بتلك الروح الإيجابية والمناخات الأخلاقية الرائدة
نموذجا حضاريا متكاملا استوعب كل جديد مفيد، وصاغه صياغة واعية في إطار
الشريعة الإسلامية وقواعدها وأحكامها السامية فتلاقحت القيم الإسلامية
الخي رة مع التجربة الإنسانية الرشيدة وساروا معا في دروب البناء
والتنمية والتطور والازدهار التي شهدتها العصور الذهبية في واحات تاريخنا
الإسلامي المجيد والتي انتصبت شاهد صدق تحكي حالة التواصل الإيجابي حول
اختلاف الأمم والشعوب إلى روافد عطاء في مسيرة التكامل الذي أضفى عليها
الإسلام من روحه ما صبغها بألوان المحبة والفضيلة والوئام والسلام ليصنع
من المجتمع الإسلامي المتعدد الأعراق والأذواق نسيجا فريدا مطرزا
بأزهار التفاهم المتفتحة، بينما سجل التاريخ الإسلامي نفسه ـ بالاتجاه
المعاكس ـ ملفات من البؤس والتشرذم والضياع أفرزتها سياسة القهر والإكراه
التي سادت أمتنا زمنا لتعصف بكل مظاهر الجمال والجلال الذي بنته أجواء
المحبة ومناخات الانفتاح، وذلك حينما اندلعت فتنة الصراع والخلاف الدامي
بين الأشاعرة والمعتزلة بعد أن كان ما بينهما مجرد اختلاف لا خلاف،
فاتخذوا من مسألة ،خلق القرآن قضية سالت من أجلها دماء، وأ زهقت في
تداعياتها أرواح، وتلو ت إثرها على ظهور المخالفين سياط، وانتهكت لهم
حرمات، وكان للسياسة المنحرفة آنذاك دور بارز في إذكاء الفتنة وتحويل
الاختلاف في الرؤى إلى خلاف دائم رهيب.
استحضار الماضي

إن ساحتنا الإسلامية اليوم مدعو ة لاستحضار الماضي وإدراك الحاضر كي تتسع
برفق لاحتضان كل الألوان، واحترام كل القناعات والآراء ما دامت لم تخرج
عن قانون السماء، وبذلك تمنح المؤمنين الأمل في انبثاق مشروع نهضوي متين
يستوعب كل الفعاليات ويستفيد من كل الممكنات.

وإذا كانت الثقة بالنفس ظاهرة صحية والاعتداد بالرأي علامة رشد ونضوج فإن
احترام القناعات الأخرى وإن خالفت قناعاتنا هي الأخرى أمارة تكامل ونقطة
ارتقاء تفصح عن واقع سليم نتعامل من خلاله مع من يختلف معنا بأدب وبروح
علمية وأخلاق إسلامية يؤكد فرسانها للآخرين أن ما عندنا من قناعات صحيح
يحتمل الخطأ وما عند الآخرين خطأ يحتمل الصواب، وبذلك فبقدر ما نعتز بما
عندنا وندافع عنه لابد لنا من احترام ما عند غيرنا والاستفادة مما فيه،
خاصة وأن اختلافاتنا ليست فيما حر م الله أو أحل، وبذلك نعترف بمشروعية
الاختلاف ونقف جميعا بحزم وعزم كي لا يتحول إلى خلاف، لأن الاختلاف قوة
وتكامل وإبداع، والخلاف ضعف وتضاؤل وصراع.


بقلـــم : خضــير جعفــر
أستاذ جامعي ـ طهران.

avatar
اللواح

ذكر عدد الرسائل : 79
العمر : 31
تاريخ التسجيل : 29/01/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى