صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

زمن الاحتفالية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

زمن الاحتفالية

مُساهمة من طرف said في الثلاثاء 19 يوليو 2011 - 14:14

قال لي، وهو يقترح علي صحبته :
ــ ألا توصيني بشيء ؟
فقلت له :
ــ كان في نيتي أن أوصيك بشيء، ولكنني أخاف ألا تقدر عليه ..
ــ
ما أعرفه عن نفسي، هو أنني أقدر على كل شيء سهل وبسيط ، وعلى كل شيء ممكن،
وعلى كل شيء مضمون العواقب، وعلى كل شيء له طريق مرسوم ومعبد وواضح وآمن..
ــ وأنا، بعكس ما تطلب، ليس لدي من الأشياء، إلا الصعب والغامض والمرعب والمحال، فهل تقدر على أن تركب المحال ؟
ألا
تعرف يا صاحبي، أن كل الممكنات، السهلة والبسيطة والقريبة، قد استنفدها
الناس قبلي وقبلك، ولم يبق لنا إلا المحال البعيد، فإن كان يغريك هذا
المحال، كما يغريني، فاتبعني، وإلا فابتعد عني، وخذ طريقا غير طريقي ..
إنني
آخذ بنصيحة ذلك الناصح، وأجد نفسي أردد مقولته في كل الحالات ( لا تستق من
الساقية، إذا أمكنك أن تستقي من النبع ) وخير من هذه الموجودات نبع
الوجود، وأبقى من كل الأحياء والحيوات نبع الحياة، وأصدق من كل الكتابات
نبع الكتابة، وعليه، فإن المطلوب هو الانتماء إلى روح الأشياء، وهو القبض
على الجمر وهو نار ملتهبة، وليس بعد أن يصبح مجرد رماد خامد، وفي هذا
الديوان ـ الكتاب، لا ألتفت إلى الأسماء، ولا إلى المصطلحات، ولا إلى
المقولات، ولا إلى المصنوعات، ولكنني أسائل روح الأشياء أولا، وأكلم روح
الكلمات، وأحاور روح الزمن .



إنني، أنا الكاتب الاحتفالي،
عندما أردت أن أعرف نفسي، وأن أعرف بها، لم أجد أحسن مما قاله عبد الله
المجذوب في ذلك الاحتفال المسرحي الذي يحمل عنوان ( يا ليل يا عين) إن هذا
الكائن الاحتفالي، روحا وفكرا وأخلاقا، يعرفني أكثر مني، وهو أقرب إلي من
نفسي، حتى لأكاد أقول هو نفسي، ولقد قال عنه وعني، وقال عنا :
( أنا
الموجود هنا، الاسم فلان، والجنس إنسان، والوطن وطن الغرائب والعجائب، ووطن
الهم والأحزان، أما العنوان، فهو هذا المكان، وهو كل مكان،. وهذا العمر يا
سادتي، ما هو إلا رحلة .. رحلة طويلة أو قصيرة باتجاه مملكة الصمت
والنسيان ) 1
وقد تعرض عبد الله هذا، كما تعرضت أنا، وتعرض المخرج
المسرحي عبد المجيد فنيش، وتعرض معه كل صحبه في أسرته المسرحية، إلى
الاستئصال الممنهج، وإلى المحو، وذلك من طرف السلطة الثقافية في هذا
(الوطن) ومن قبل زبانيتها، وبهذا وجب الإعلام والسلام .

ــ 3 ــ

إنني
في عيشي اليومي، أرى العالم وأندهش، وأرى الأشياء الغريبة وأندهش، وأرى
الأشكال والألوان والأضواء والظلال وأندهش أيضا .. إنني أندهش اندهاش
الأطفال في زمن البراءة والعذرية وأسأل .. أسأل سؤال الغريب في البلد
الغريب، أمام المشهد الغريب، ولكنني عندما أمسك هذا القلم وأكتب، فإنني لا
أريد أن أكتب إلا كما يكتب العلماء، وكما يكتب الحكماء، وكما يكتب المؤرخون
الذين يؤرخون للوجدان، ويؤرخون للنفس، ويؤرخون للفكر .
في البدء أندهش
إذن، ولكل داخل لابد له من دهشة، قد تطول وقد تقصر، وقد يدوم ذلك الاندهاش
قليلا أو كثيرا، ومن بعد هذا الإندهاش الأولي، والطبيعي والحيوي، فإنني
أتساءل بصدق، وأحاول أن أكتشف كل شيء ، وأن أعرف سر الأشياء الغامضة، وسر
الكلمات والعبارات الملتبسة، وسر الوقائع والمشاهدات الخفية، وأن أدرك معنى
الإشارات ومعنى العلامات، وأن أقبض على العلاقة الخفية بين الجزئيات
والكليات، سواء في الصور والأحداث، أو في المحركات والمتحركات .
إن روح
المعرفة، يكمن أساسا في الرؤية والرؤيا، وينطلق من الذات العاشقة للحفر
والسفر، ومن وجود ذات تعي ذاتها، قبل أن تعي العالم الذي من حولها، ويتحقق
الإحساس بالذات بالانتباه، وهل يكون الشرود ـ في معناه الحقيقي ـ إلا
انفلات الذات من الذات؟ وفي هذا الانتباه ـ المركز والمكثف ـ نكون ذاتا
وموضوعا في نفس الآن، ونكون نحن من يعيش هذا الانتباه، وأيضا، نحن من يتم
الانتباه إليه، وانطلاقا من هذه الدرجة ـ أو من هذه العتبة ـ يتحقق الإدراك
الحسي والعقلي، ويتم التذكر والتذوق، وتنشأ الحالات، وتتأسس المواقف، ويتم
الولوج إلى فضاءت الإبداع الحقيقية؛ أي إلى فضاءات الفكر والعلم والفن
والآداب والصناعات المختلفة .



إن فعل الكتابة إذن ـ كما
أتمثله وأعيشه ـ ليس نهاية التفكير، ولكنه بدايته الأخرى، وفي هذه الكتابة
الحيوية ، لا وجود إلا للبدايات الجديدة والمتجددة على الدوام .
هذه
الكتابة المندهشة، تتغيا تحقيق المعرفة، تماما كما تهدف إلى تحقيق المتعة
الفنية والجمالية، وتسعى لأن تكون القراءة دفعا للغربة والوحشة والعزلة،
ودفعا للملل والسأم ، وأن تحقق المشاركة الوجدانية والتواطؤ الفكري المشرع،
وأن تصل بالقارئ والكتب معا، إلى أعلى درجات الإمتاع والمؤانسة .
هذا
الديوان، كان ممكنا أن يكون بيانا، وأن يكون هذا البيان في حجم كتاب، ولكنه
اختار أن يكون ديوانا كاملا وشاملا، وأن يكون جامعا ومانعا ، وأن يجمع في
ذاته كل أجناس الكتابة، وكل حقول المعرفة، وأن يلتقي فيه الإبداع بالتنظير،
وأن يتقاطع في شوراعه وساحاته الحكي والمحاكاة، وأن يقف فيه المؤرخ إلى
جانب الحكواتي، والعالم إلى جانب العراف والمتنبئ ، وأن يحضر في رحاب هذا
الديوان صوت المفكر العاقل والمتزن، وصوت المبدع المعربد والمجنون، وأن
تتحاور فيه الصناعة المسرحية بالعلم المسرحي، واللغة الأدبية اللفظية بلغة
الجسد، وأن يكون ذلك بحثا عن لغة فردوسية ضائعة أو مضيعة، وتكون هذه
الكتابة بحثا عن حقيقتها الكامنة في الكتابة الحيوية ، وفي هذه الديوان
فواصل حوارية، تسكنها شخصيات احتفالية تنتمي كلها إلى المسرح الموجود،
بالقوة وبالفعل معا، كما تنمي إلى مسرح هذا الوجود؛ مسرحه الرحب واللانهائي
الأبعاد والمسافات والأحداث والشخصيات والخطابات.
وهذه الشخصيات كلها،
والتي تنتمي إلى المفردات المسرحية الأساسية ـ النص ـ التمثيل ـ الإخراج ـ
التقنيات، بالإضافة إلى صوت المؤلف، أو إلى أصواته، فإننا نجدها تمارس
البيان والتبيين، وتمارس البلاغة والتبليغ، وذلك بحثا عن مشهد وجودي وفكري
وجمالي جديد ومتجدد .



هذا الديوان، هو كتاب بنفس ملحمي،
وبوعي موسوعي، وبألوان وظلال احتفالية، وبحس نقدي، وبنزعة ثورية، وبزي
حداثي، وبانحياز كوني، وبموقف جدلي، وبرؤية استشرافية واستباقية، وبلمسة
سحرية، وبإشراقات صوفية ، كما أنها كتابة بطموح تأسيسي، وهي تسعى لأن تؤسس
بهذا الكتاب جنسا جديدا من الكتابة، وأن توجد تقليدا يخرج عن كل التقاليد
المألوفة والمعروفة، وأن توجد منهجا لا يستقيم مع أي منهج.
في هذه
الكتابة يتماهى الكاتب في كتابته، ويتحد المسرحي بمسرحه، ويصبح من حقه أن
يقول ( ويصبح عيشي مسرحا، والمسرح عيشي، ولا أعرف، إن كنت أمثل أو أحيا،
وتساءلت، عند أية نقطة ينتهي الوهم، ومن أين يمكن أن تبدأ الحقيقة ؟) 2
إن
ما يهم في الاحتفالية، هو النحن الإنسانية والكونية الشاملة، وهي ذات تتسع
باتساع الحياة، وتتمدد مع امتدادات التاريخ، وأصدق كل اللحظات في هذا
التاريخ، هي لحظات الفرح الإنساني، والتي يمكن أن يقبض عليها الاحتفال
الصادق والتلقائي والشفاف، وعندما يضيع الإنسان هذه اللحظة الهاربة
والمنفلتة، فإنه لا شيء يمكن أن يعيدها إليه، إلا العيد، وإنني اليوم، في
هذه الكتابة الاحتفالية والعيدية الجديدة، لا أريد أن ألتفت إلى الخلف،
وذلك مادام أن التاريخ ـ كما تفهمه الاحتفالية ، وكما يعيشه الاحتفاليون ـ
ليس علم الماضي، ولكنه فقه المستقبل، وفقه الآتي غدا، بكل ما يحمله هذا
الغد الساحر من مصادفات ومفاجآت، ومن إمكانيات ليس لها عد ولا حصر .



هو
كتاب جديد إذن، تساءل الاحتفالية فيه نفسها، وتساءل العالم الذي هي فيه،
تماما كما تقرأ أبجدية العالم الذي هو فيها، وتساءل التاريخ أيضا، وتساءل
الحقول المعرفية المختلفة، وتساءل الأجناس الأدبية والفنية والصناعية
المتعددة، وهل هذه الاحتفالية إلا ( حزمة أسئلة ) ؟ هذا بالإضافة إلى أنها (
أسلوب في العيش والكتابة والتفكير والإبداع والنقد) 3
وهذه
الاحتفالية، ترى الوجود حلما ولا تراه وهما، وتراه فعلا أكثر منه كينونة،
وتراه مخاطرة ولا تراه مقامرة ، وهي تقبض على الكائن، وتتوق إلى الممكن،
ولا تؤمن بالمستحيل أبدا، وهي تؤكد في أدبياتها على أن ( كلمة مستحيل، لم
يعد لها وجود إلا في القواميس العتيقة) 4
ومن طبيعة هذه الاحتفالية أنها
لا تلتفت إلى الخلف، فهي تقول كلمتها وتمشي، وتمارس فعل التفكير وهي تمشي،
وتسجل مواقفها الصادقة وتمشي، ولا يمكن أن يحزنها أبدا، أن تكون غامضة،
وملتبسة، وغير مريحة ـ بالنسبة للبعض ـ أو أن تكون غير مفهومة ، وأن يكون
فعلها الإبداعي والفكري محرجا ومضايقا، لكثير من الأسماء، ولكثير من
الجهات، لقد أوقدت كثيرا من الشموع، وهذا هو دورها وقدرها، ولا يهمها أبدا،
أن يكون ذلك للمبصرين من الناس، أو يكون للعميان منهم، كما أنها أنشدت،
وغنت كثيرا من المواويل المسرحية، ولم تسأل أبدا ـ ولا يعنيها ذلك ـ إن كان
هذا الغناء لأهل السماع الحقيقيين، ولأهل الذوق، أم للصم، والذين لا
يسمعون ؟ إننا نؤمن، أن علينا أن نجتهد، وأن نفكر، وأن نكتب، وأن نذيع في
الناس ما كتبناه، وأن نبدع في كل المجالات الأدبية والفنية، وأن نكون
قريبين من نبض الحياة، ومن وجدان الناس، ومن القضايا الحقيقية، أما فهم هذا
الفكر، وتقبل هذا الإبداع، فتلك مسألة تتعلق بفعل القراءة، وليس بفعل
الكتابة، وهذا شيء يخص الآخرين ولا يخص الاحتفالية .



في
هذا الديوان ـ الكتاب ، تسعى العين الاحتفالية من أجل أن ترى عينها، وتريد
أن تقرأ كتاب وجودها، ولأنها تدرك، تمام الإدراك، أن ( العين لا ترى نفسها
إلا بمرآة) فقد التجأت إلى سحر المسرح، وإلى مسرح السحر، اقتناعا منها بأن
المسرح هو عيننا السحرية والخارقة، والتي فيه، ترى عيننا عينها، وترى
وجودها كله؛ في كائنه وممكنه، وفي ثابته ومتحركه، وفي أبعاده ومستوياته،
وفي أضوائه وظلاله، وفي وجوهه وأقنعته، وفي جوهره ومظهره، وفي سكونه
وحركاته، أما الاحتفالية، في هذه المرآة ـ المسرح، فإنها تشكل مرآة المرآة،
تماما كما تشكل عين العين، ولقد انحازت إلى المسرح، لتضمن بذلك القبض على
الحقيقة، ولتكون دائما في دائرة الضوء، وألا تتخلف عن عقارب الساعة ( ومن
يعتصم بحبل المسرح، ومن يستجير ببيته العامر، فإنه لا يمكن أن يشيخ ، ولا
يمكن أيضا، أن يعيش مرة واحدة، أو أن يموت مرة واحدة، ولعل هذا هو ما يفسر
عنف الاحتفالية الجديد، ويفسر عنفوانها المتجدد، ويفسر تعدد الأعمار في
حيواتها، وتنوع المحطات في مسيرتها الوجودية .
وهذه الكتابة المضاعفة،
بفعل مرآة المسرح، لا تستعير حروفها من أية أبجدية معروفة، ولا تستعير
كلماتها من أي كلام سابق، ولا تستعير معرفتها إلا من روح الحياة، ومن فلسفة
الوجود، وهي بهذا مع رأي النفري، ومع مقولته ( الحق لا يستعير لسانا من
أحد) وإذا لم تكن هذه الكتابة حقيقة كاملة، فهي ـ على الأقل ـ حقيقة نسبية،
أو أنها محاولة للسير في دروب الحق وفي شعاب الحقيقة .



يقول
الرجل ، في مسرحية ( صياد النعام) ( هذا المسرح مسرح آخر، وفيه اختلط كل
شي، والتبس كل شيء، وأصبح الرجل يقوم بدور المرأة، والمرأة بدور الرجل،
وعليه، فإنني أسأل ، وفي قلبي شك كبير، هل أنت فعلا امرأة، وهل أنا فعلا
رجل ؟) 5
وهذه الاحتفالية المسرحية، بنسبيتها الفكرية والجمالية، لها
بالتأكيد مركز، ولها مرتكز فلسفي، ولها محور نظري، ولها نهج واضح تمشي فيه،
ولها أفق بعيد تسعى إليه، ولها ذاكرتها التي تخبئ فيها صورها الحية، ولها
أدوات مادية تشتغل بها، ولها لغة جديدة ومتجددة تنطق بها، وتحاور بها،
وتكتب بها، ولها مناخ تحيا فيه وبه، ولها أعيادها واحتفالاتها الغنية
بالأشكال والألوان، وبالأضواء والظلال .
ونقطة الارتكاز هاته، في الكون
الاحتفالي، يمثلها الإنسان دائما، وذلك في فطريته الأساسية، وفي عذريته
الشفافة، وفي ابتعاده عن الجوانب الحيوانية والوحشية فيه، وإن من طبيعة هذا
الإنسان ـ المركز، أنه ليس منعزلا عن محيطه الطبيعي، ولا عن محيطه
الاجتماعي والتاريخي، ولا عن محيطه الثقافي والحضاري، ولا عن شبكة علاقاته
العنكبوتية الدقيقة والحساسة، وبهذا، فقد كانت مسيرته الوجودية دائما ـ
وسوف تبقى ـ مسيرة متجددة للتحدي والتجاوز، فهو مطالب بأن يتحدى محدوديته،
وأن يقفز على ضعفه وعلى بؤسه، وأن يتجاوز ذاته باستمرار، وأن يتحدى الطبيعة
بالثقافة، وأن يتحدى الظلمة بالنور، وأن يتحدى رتابة الأيام بالإحتفال،
وأن يتحدى الكائن بالممكن، وأن يتحدى المحسوس بالمتخيل، وأن يتحدى الواقع
بالحلم، وأن يتحدى الوهم الخرافي والأسطوري بالعقل العالم والشاعر .
إن
الإنسان إذن، هو مركز الكون الاحتفالي، تماما كما أن المسرح هو مركز
المدينة، وكما أن المدينة هي مركز البلاد، وكما أن الحوار هو مركز اللغة.
إن المسرح هو ملتقى الناس الأحياء، والحوار ملتقى الأفكار والآراء الحية،
وهو ملتقى التصورات والمواقف أيضا، أما هذه اللحظة ـ الآن، فهي ملتقى
الأزمان، وعندها يلتقي الذي كان بالذي سوف يكون .



والاحتفالية
تميز بين الواقع والحقيقة، وترى أن أغلب ما في هذا الواقع اليومي مزيف
وغير حقيقي، ويمتد موقفها النقدي والضدي، من نقد هذا الواقع، في بعده العام
والشامل، إلى نقد تمظهراته وتجلياته المتعددة والمتنوعة، ولعل هذا ـ بلا
شك ـ هو ما يفسر أن يكون لها موقفها ـ أو مواقفها ـ من الواقع السياسي، ومن
الواقع الثقافي، ومن الواقع المسرحي، ومن كل الظواهر المصنعة والمفبركة،
والتي تفتقر إلى الصدق والمصداقية، وتفتقر إلى نور الحق والحقيقة .
وما
يهم في هذه الاحتفالية، ليس هو سلطة الواقع، ولا هو واقع السلطة، وليس هو
تاريخ الملوك والأمراء أيضا، كما يمكن أن يرويه الرواة الرسميون وحدهم،
ولكنه روح الواقع قبل كل شيء، وهو روح التاريخ، والأساس هو التأريخ للأفكار
أولا، وهو التأريخ للوعي الإنساني وللوجدان الشعبي.
إن ما يهم إذن، في
هذا التأريخ الاحتفالي، هو ما يحسه ابن الرومي والمتنبي مثلا، وليس هو ما
يحكيه الطبري أو غيره، فالأساسي والجوهري، ليس هو ما يحدث في القصور
المغلقة من أحداث ووقائع، ولكنه ما يتأسس في النفوس من تصورات وخيالات ،
ومن حالات واكتشافات، ومن إضاءات وإشراقات، ومن شطحات ومشاغبات .
إن
هذه الأفكار الحية، تنشأ في الوجود، وترتقي سلم الوجود، وتدخل معركة
الوجود، وتتنازع الحق في البقاء فيما بينها، وتكون الحياة من نصيب الأفكار
الأكثر حقيقة، والأكثر صدقا، والأكثر ارتباطا بالزمن ، والأكثر انغراسا في
نسيج الوجود الإنساني، والأكثر تمثلا لجماليات الأشياء .



بهذا
الديوان ـ الكتاب، نعلن عن بداية مرحلة جديدة في المشروع الاحتفالي، ومن
خلاله أيضا، نعلن عن نهاية الأشغال الأساسية الكبرى، وذلك داخل الأوراش
الاحتفالية، والتي انطلق العمل فيها في أواسط السبعينيات من القرن الماضي .
إن
هذه الأوراش إذن، والتي قامت على أساس التطوع الفكري والإبداعي، وعلى أساس
المشاركة الوجدانية، وعلى أساس اقتسام نفس الفلسفة ونفس القناعات، قد كانت
في بداياتها الأولى تتوخى التأسيس العمراني، وكانت تهدف إلى وضع الأعمدة
الكبرى، وإلى غرسها في عمق الأرض، أما المرحلة التي تدشنها اليوم، فإنها
تدخل في مجال التفصيلات والجزئيات الصغيرة والدقيقة، وبها ننتقل إلى درجة
أخرى في سلم البناء والتأسيس والتأليف، والتي هي درجة التنويع الفكري
والجمالي على اللحن الاحتفالي الأساس، وفيها أيضا، نصل إلى عتبة الزخرفة
الأرابيسكية الداخلية، وعليه، فإن الأمر في هذا المفصل الحيوي، لا يتعلق
أبدا بالجديد، ولكن بفعل التجديد، وبفعل التنويع، ويتجلى هذا ـ بشكل أوضح ـ
في تجديد الكتابة الدرامية، وفي تحريرها من بنيتها النمطية التقليدية، كما
يتجلى في تركيب أجناس درامية أخرى مغايرة؛ أجناس مستحدثة، يكون فيها شيء
من المسرح، وأشياء أخرى كثيرة، مما يمكن أن يشبه المسرح، أو أن يقترب منه،
وفي هذا تدخل تجربة ( المقامة المسرحية ) 6



وفي هذا التنويع
الاحتفالي، يدخل الاهتمام بأدب الرحلة، وبالسيرة الذاتية الفكرية، ويدخل
الانتقال من الاهتمام بالصناعة المسرحية وحدها، إلى الاهتمام بالسياسة
الثقافية عامة ، وبالسياسة المسرحية بشكل خاص، ولعل هذا هو ما يبرر
الانتقال إلى العمل النقابي، سواء من خلال الانخراط في نقابة المسرحيين
المغاربة، أو من خلال تأسيس نقابة الأدباء والباحثين المغاربة، أو من خلال
النزول إلى الشارع، والمساهمة في الاعتصامات وفي الوقفات الاحتجاجية، أو من
خلال نشر بيانات أو وثائق لها علاقة بالاختلالات، وبالأعطاب، وبالتجاوزات
التي يعرفها تسيير الشأن الثقافي بالمغرب، والذي يغيب فيه الوضوح، وتغيب
فيه المصداقية، وتغيب فيه الكفاءة، وتغيب فيه النزاهة، ويغيب فيه الإيمان
بالحق في الإختلاف، وبالتعددية السياسية الفكرية والجمالية.
وفي إطار هذا التنويع، تندرج ( وثيقة المسرحيين المغاربة : فشل سياسية أم فشل مرحلة؟ ) 7
ويندرج أيضا، بيان نقابة الأدباء والباحثين المغاربة ( 8) والذي صدر بمناسبة الاحتفال بيوم 14 ماي ــ
وهو
محمل بكثير من التساؤلات المشروعة، وذلك بخصوص المكتسبات المسرحية التي
ضاعت ـ أو ضيعت ـ في السنوات الأخيرة، وإلى جانب كل ذلك، يمكن أن ندرج
البيان التضامني مع مسرحية ( يا ليل يا عين ) 9والذي وقعته كثير من الأسماء
الوازنة في حقل الإعلام وفي مجال الأدب والفن والفكر، ودائما، في إطار هذا
المنعطف التاريخي الجديد، وفي إطار فلسفته وسياسته الواقعية، يمكن أن نشير
إلى سلسلة المقالات التي تحمل عنوان ( من يخاف الاحتفالية ؟) 10 والتي
جاءت لتفضح سياسة المخزن الثقافي الجديد، ولترفع القناع عن كثير من النقاد
المخزنيين في المسرح المغربي، والذين يعملون على معاداة العقل، وعلى محاربة
النظر العقلي، وفي نفس هذا الإطار الجديد دائما، تدخل مسرحية (الحكواتي
الأخير) 11 ومسرحية ( يا ليل يا عين) التي قدمها مسرح المبادرة بمدينة سلا،
وأخرجها المبدع الاحتفالي عبد المجيد فنيش، والتي حركت بركة المسرح
المغربي؛ الراكدة والجامدة مياهه لحد التعفن، ولقد تحولت بالسؤال إلى أكثر
المواضيع حساسية وراهنية، وإلى أشدها صعوبة وخطورة، وإلى أكثرها قربا من
حياة الإنسان اليومية، والتي تتعلق أساسا بتنامي ظواهر مرضية مركبة وخطيرة،
ظواهر هي بالأساس انعكاسات لمرض المجتمع الإنساني المعاصر بشكل عام، ولمرض
المجتمع المغربي بشكل خاص، وأيضا، لفشل سياسة الأمن الثقافي، سواء في هذا
البلد، أو في كثير من البلدان الأخرى .



هو ديوان من وحي
اللحظة الاحتفالية الجديدة، وهو محاولة لإعادة قراءتها من جديد، وهو بهذا
مقتطع من نسيج الزمن الاحتفالي، ومن تاريخه، ومن كونه ومن عالمه، وكل الزمن
الاحتفالي ـ كما تؤكد عليه أدبياتها دائما ـ مختصر ومختزل في ساعة واحدة،
ولعل أهم ما يميز هذه الساعة العيدية، هو أنها حية في النفوس الحية، وأنا
غنية جدا ـ لحد البذخ ـ في النفوس الممتلئة والغنية، وعليه، فمن الممكن جدا
أن تكون لحظة هاربة، أو أن تكون عمرا عابرا، أو أن تكون دهرا ممتدا إلى ما
لا نهاية، ولقد حدثني عبد البصير بن عبد السميع، في ذلك الموال المسرحي
المزعج، وقال :
( أنا ساعة صدقني، تأتي ثم تمضي ، وتدور مع الفلك
الدوار، وهي ساعة، إذا كنا فيها تضحكنا، كما تضحك أنت الآن، وإذا غادرناها
تبكي الآخرين علينا) 12
إن هذه الاحتفالية إذن، من الممكن أن تخاصمها
أسماء، وازنة أو غير وازنة، ومن الممكن أيضا، أن تضطهدها جهات أو مؤسسات أو
وزارات أو منابر إعلامية مختلفة، ولكنها في المقابل ، لا تخاصم أحدا من
الناس، لأنها تشتغل في مجال الرمزيات، وتتحرك في دنيا المعاني، ولهذا قالت (
إن الاحتفالية، وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، تخوض بالفعل صراعا حقيقيا،
ولكن، مع الساعة، ومع .. الزمن ) 13
وفي صراعها مع الزمن، حاولت دائما
ألا تعتقلها الساعة، وألا تأسرها وقائع هذه الساعة، وبهذا، فقد حرصت على أن
تكون داخل هذه الساعة، وأن تكون خارجها في نفس الآن، و( .. أهم شيء تحاشته
الاحتفالية/ الحلم أو الوعد، هو أن تكون موسمية، وأن تكون تحت رحمة الزمن،
وأن تنفعل بالأيام عوض أن تفعل فيها ) 14


هذا الديوان ـ الكتاب، بأي عين يمكن أن يقرأ قراءة حقيقية وشاملة ؟
شيء
مؤكد، أن العين التي بها مرض، أو بها حول، أو بها عور، أو عليها نقاب أو
حجاب أو غشاوة، لا يمكن أن ترى هذا الديوان، ومن الممكن جدا أن ترى ما
حوله، أو ما خلفه، أو ما يمكن أن يشبهه، أو يقترب منه، قليلا أو كثيرا.
والعين
التي قد تكون نصف عين، أو ربع عين، وليست عينا كاملة، فإنه لا يمكن أن ترى
إلا أنصاف الأشياء، وأنصاف الكلمات، وأنصاف العبارات، وأنصاف المعاني،
وبذلك تخدع نفسها ـ أو تخدعها عينها ـ ولا تستطيع أن نحيط بالحقيقة الشاملة
لهذا الديوان .
والعين التي تنتقي مشاهداتها، وتختارها، وترى فيها ما
تشاء فقط، وتعمى عن رؤية كل ما لا تريد، فإنها ـ بالتأكيد ـ لا يمكن أن
تقرأ هذه الصفحات ـ ولا أية صفحات أخرى غيرها ـ وأقصى ما يمكن أن تقدر
عليه، هو أن تقرأ صفحات نفسها الداخلية، وأن تستظهر مخزونها من المعلومات
ومن المحفوظات، ومن الذكريات ، ومن الحكايات، ومن الصور التي تختبئ في
اللاوعي .
والعين التي تدرك في الكلمات معناها المعجمي العام، ولا تدرك معانيها الحية الخاصة، فإنه لا يمكن أن يتحقق لها إلا معرفة مدرسية
والعين
التي لا تتذوق الحروف ـ في طبعاتها الجديدة ـ ولا تتذوق الكلمات القديمة،
وهي بتوابلها الجديدة، ولا تتذوق العبارات أيضا، بحلوها ومرها، ومالحها
وحامضها، فإنها لا يمكن أن تتلذذ بهذه الكتابات، ولا يمكن أن تتحقق لها
المتعة الفنية .

الهوامش :

*- مدخل لكتاب جديد موجود تحت الطبع الآن ، يحمل عنوان ( زمن الاحتفالية)
1
ــ ع. برشيد ( يا ليل يا عين ) موال مسرحي قدمته فرقة مسرح المبادرة
بمدينة سلا ، في الموسم المسرحي 2004 ـ 2005 ، الإخراج لعبد المجيد فنيش
2 ـ ع. برشيد ـ غابة الإشارات ـ مطبعة تريفة ـ أبركان ـ ص 161
3 ــ ع. برشيد ـ قراءات في ديوان الاحتفالية ـ مجلة ( الثقافة المغربية ) هدد خاص بالمسرحـ المغربي ص 116
4 ــ ع. برشيد ـ ألف باء الواقعية الاحتفالية في المسرح ـ مجلة ( الثقافة الجديدة ) ع 7 ـ 1979 ـ ص 165
5 ــ ع. برشيد ( صياد النعام ) نص مسرحي ـ مخطوط ـ قدمت المسرحية فرقة مسرح المرآة بفاس ـ إخراج حسن علوي لمراني
6
ــ أنظر ( المقامة الحريرية ) في كتاب ( الصعود إلى فلسطين ) وانظر (
المقامة الكرنفالية ) وتدخل تجربة ( المقالة المسرحية ) أنظر ( كلمتني
الساعة قالت ـ مخطوط وتدخل تجربة عبد المجيد فنيش مع مسرحة شعر الملحون
أنظر كتابه مسرحة الملحون وملحون المسرح
7 ــ أنظر مجلة (الصحيفة ) وجريدة ( بيان اليوم )
8 ــ أنظر مجلة ( إيقاعات)
9 ــ أنظر جريدة ( الأحداث المغربية )
10 ــ أنظر جريدة ( النهار المغربية)
11 ــ أنظر مسرحية ( الحكواتي الأخير ) ـ منشورات إيدي سوفت ـ الدار البيضاء 2004
12 ــ المرجع السابق نفسه
13 ــ ع. برشيد ـ كتابات على هامش البيانات ـ مطبعة فضالة ـ المحمدية ـ ص 35
14 ــ المرجع السابق ـ ص 107



-العلم الثقافي13/7/2011
عبد الكريم برشيد



said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى