صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

يوميات معلم في الأرياف

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رد: يوميات معلم في الأرياف

مُساهمة من طرف nezha في الأحد 9 أكتوبر 2011 - 10:14

امل ان تتاح الفرصة للاخ محمد لمواصلة سرد هذه اليوميات وان كنا نعرف يوميات اكثر ماساوية مقارنة بالتي امامنا
avatar
nezha

ذكر عدد الرسائل : 6224
العمر : 54
Localisation : s/a/g
تاريخ التسجيل : 16/04/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

يوميات معلم في الأرياف (الجزء 2)

مُساهمة من طرف mohamed في الأحد 15 أبريل 2012 - 14:28



السعيد الدريوش

تتوارى خجولة وراء الجبال، غير آبهة بكبريائها وعنفوانها طوال النهار، أشعتها الخافتة توحي بمعالم الحزن والكآبة، شمس ليست كالشمس ونور يريد أن يكشف أسرار القادمات من هناك من بعيد، اللواتي تحملن على ظهورهن أكواما كبيرة من حطب الغابة، عرقهن يتقاطر على خدودهن كما يتقاطر الندى على الزهر، أو كما تتقاذف الشظايا من الجمر، أرجلهن المشقوقة الخشنة تنطق بآهات السنين والأعوام.
تأملت المكان، وأيقنت أني غريب في وطني، سجين في حريتي، مدرسة بواد غير ذي زرع ولا ضرع، تطل على مقبرة نسجت قبورها صدرا يريد أن يحضنني. الدوار هناك على بعد كيلومترين من المدرسة؛ أنا والأموات فقط هنا، تركني وطني وحيدا مع الأشباح وأدركت حينها أن الوطن الذي يشرد أبناءه لا يستحق كلمة الوطن.
أحسست بالرعب فهربت، توجهت صوب مسجد القرية الصغير، دلني إليه صوت آذان بطيء متقطع. استضافني الفقيه الثمانيني عمي العياشي بابتسامة عريضة أظهرت نواجده المتهالكة، وأكرمني بصحن من الفول وكوب شاي ساخن وهو يزمجر قائلا: “هؤلاء القوم لا يفقهون سوى الفول والحمص والفاصوليا، أما اللحم فهيهات هيهات لما توعدون”، أجبته وأنا أمضغ ما تبقى له من وجبة الغذاء: “لا بأس، المهم هو أن يمتلئ البطن.” لم يعجبه ردي و بادرني بقوله: (ولحم طير مما يشتهون)، وكررها مرارا حتى قلت يا ليته سكت.
انتهت وجبة الفول الشهية ليبدأ سمر ليلي ساهر استعاد فيه الفقيه ذكرياته الغابرة مع الاستعمار الفرنسي في المنطقة، وما قدمه من سنوات في خدمة المساجد بالدواوير، وعن مغامراته مع الجن التي لم تجد سكنا فاستأجرت أجساد العباد. آخر ما ذكرته من كلامه هو أنه ضرب جنديا فرنسيا بكرموصة من أعلى الشجرة، لأستيقظ على وقع آذانه لصلاة الفجر. صلينا نحن الإثنان فقط على ضوء شمعة محترقة أضحت مقوسة بفعل قساوة الدهر والزمان. فجأة جاء النادي الغلام الصغير، يحمل صينية بها براد شاي منعنع، وصحن زيت، وخبزة نصفها أبيض والآخر أسود. اشمأز الفقيه منها ليصيح: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه)، فخاطبت نفسي: “الحمد لله إذ نجانا من الفول”.

avatar
mohamed

ذكر عدد الرسائل : 1147
العمر : 45
Localisation : kénitra
Emploi : employé
تاريخ التسجيل : 02/09/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

يوميات معلم في الأرياف (الجزء 3)

مُساهمة من طرف mohamed في الأحد 15 أبريل 2012 - 14:31



السعيد الدريوش

تتراقص أرجلهم في الساحة كما تتراقص فراشات الربيع حول الأقاحي والورود، وتزهر أعينهم الشاحبة متطلعة إلى أفق سحيق قد يأتي وقد لا يأتي، يركضون فتتساقط أحلامهم ثكلى حزينة، لا يعرفون طعم الأحلام إلا في سباتهم، فتصير لهم كوابيس، أطفال بعمر الزهور، لهم ملامح الرجال وسواعد الأبطال، يضربون الأرض بمعاولهم فتهتز لهم ٱهتزازا، ويغترفون من العيون فتنفجر لهم ينابيع وأنهارا، اقتسمت معهم الألم والشجن فٱقتسموا معي خبزهم المملوء سمنا وزيتا، علمتهم أبجديات اللغة فعلموني أبجديات الحياة، أحببتهم فأحبوني، وأفرطوا في حبهم لي، قبلات كل صباح تترك على وجنتي لترات من عبق مخاطهم الندي، تراهم في ساحة المدرسة قبل أن يتنفس الصبح، ولا يغادرونها إلا بعد أن يعسعس الليل، هم زغرودة جبلية أنيقة، أعطيتهم نصيبا من العلم ففار تنورهم ليعطيني خبزا حافيا، بنكهة آهات البؤساء.
سمعت صياح السعدية الجالسة قرب النافذة، خلته في البداية عتروس عبسليمو الطائش، أو كلب جمعة الوفي الذي يشاركنا دروسنا بين الفينة والأخرى، أخرجت رأسي من النافذة لأتفقد الأمر، إنه المدير، إذا رأيته قادما من هناك، من أعلى التل يحمل على كتفيه مكنسة وعلب الطباشير حسبته بائعا متجولا متوجها إلى موسم سيدي بوعزة، بطنه منتفخة من غير سوء ولا أذى، بل من كثرة ٱلتهامها للمطعم المدرسي، ثار في وجهي قائلا: “وا فين هوما الجوضاضات؟”

avatar
mohamed

ذكر عدد الرسائل : 1147
العمر : 45
Localisation : kénitra
Emploi : employé
تاريخ التسجيل : 02/09/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

يوميات معلم في الأرياف (الجزء 4)

مُساهمة من طرف mohamed في الأحد 15 أبريل 2012 - 14:32



السعيد الدريوش

يوم واحد في الفرعية كألف سنة مما تعدون، فراغ قاتل رهيب، على الرغم من توفري على أجود التكنولوجيات الحديثة، مذياع مسن تهاوت أضلعه من فرط رقصه وتمايله، مذياع سئم من الغيبة والنميمة في عباد الله فصار يتعفف عن الحديث أو الثرثرة، تسامرنا، تناجينا، تشاجرنا، أضربه بلكمة على خده فيجيبني بطنين يكاد يمزق طبلة الأذن، أصبح معتزليا في زمن الخوارج؛ الحاجز الفصل بين العقل والجنون رقيق جدا، تارة نعد من أولي الألباب والنهى وتارات من المجانين والحمقى، كم مرة ولغ زعيم الكلاب الضالة في إنائي فغسلته سبع مرات أولاهن بالتراب، وكم مرة وجدت في سطلي مخلوقات غريبة فتوضأت لأن الماء لا ينجسه إلا التغير، وكم مرة مسحت على الخفين من شدة الزفزافي والنفنافي، أصبحت مجتهدا في المذهب، وأحيانا أصل إلى درجة المجتهد المطلق منافسا بذلك إمامي العلامة يوسف القرضاوي، ومن غرائب ما أنتجت جواز صلاة التراويح خلف المذياع لأن إمام المسجد كان يزرع الحشيش ويجمع محصوله وراء المحراب لهذا السبب تختلط عليه الآيات، كانت فتوى جميلة وأجمل ما فيها عندما يمتزج صوت الإمام بصوت الغناء والطرب، فنظهر حينها كأعضاء في فرقة الأحيدوس أو أحواش.
الفرعية عالم جميل وأجمل ما فيها ليلها، ندخل جحورنا مع شمس الأصيل؛ لم يعد هناك فرق بيننا وبين الدجاج والكتاكيت؛ تدخل إلى خمها فأدخل إلى غرفتي، أناجي مذياعي لعله يتسامح معي ويلتقط لي موجة تضيء لنا سمرنا، لا يهم إن كانت عربية أو أمازيغية أو أجنبية، المهم هو أن يتكلم. ذات ليلة ممطرة، والسيول تجرف كل ما يعترض طريقها، وبينما أنا منهمك في التخطيط العسكري لأحد الأصدقاء في لعبة البارشيي جوج فخيط وكوخ، إذا بي أسمع طرقا شديدا على الباب، تفاجأنا، الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، قلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هل جاء ملتهم المطعم المدرسي يطلب الجوضاضات؟ هل ضرب أحد التلاميذ جحش الليل فجاء يسأل عن حل تمرين في الرياضيات؟ هل خرجت عائشة قنديشة من المقبرة المجاورة للمدرسة؟ تعددت الأسئلة والجواب واحد: فتحُ الباب. تشجعت وعقدت العزم لا على فتحه، وإنما على إعطاء الأوامر لصديقي عبد العالي ليقوم بذلك، فتح الباب فإذا بثلاثة أشخاص يحملون على أكتافهم أكياسا كبيرة من الحشيش وطابا يريدون أكلا ومبيتا، هم قادمون من أقصى الشمال ومتوجهون إلى وسط المغرب، يسلكون طريقا غير الطريق، الجبال والوديان والغابات، قلت لهم: “لماذا لم تطرقوا بابا غير هذه؟” أجابوني بقمة الأدب: “الله كرم المعلم وأعلى قدره وشأنه فقصدنا الدار الكبيرة”، أبهرتني حجتهم وآلمتني في نفس الوقت، لأن الدار الكبيرة ليس فيها ما يسد الرمق بسبب الأمطار الغزيرة التي حالت بيني وبين دكان القرية، كل ما أتوفر عليه هو كسرة خبز وقليل من الزيت وست بيضات سرقهم النادي من لعريشة ديال الشيخ، أتى بهم إلي يخبرني أنهم من عند لعزيزة، لأكتشف لاحقا أنه زعيم عصابة متخصصة في سرقة البيض من الدوار، وأحيانا يسطو على الفول والجلبانة، أصدرت فتوى بقطع يده، إلا أنني راعيت سنه فأعطيته من الفلقة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
الفرعية عالم جميل، وأجمل ما فيها أنها عالم بدون حواجز ولا حدود ولا تخوم، يتساوى فيها الإنس والجان والدواب.

avatar
mohamed

ذكر عدد الرسائل : 1147
العمر : 45
Localisation : kénitra
Emploi : employé
تاريخ التسجيل : 02/09/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

يوميات معلم في الأرياف (الجزء 5)

مُساهمة من طرف mohamed في الأحد 15 أبريل 2012 - 14:34



السعيد الدريوش

حرب ضروس خضتها البارحة مع بعض الغزاة المتسللين، تعالت فيها أصواتنا من ضراوة العراك والشجار، انتهت بجريمة قتل بشعة، راح ضحيتها أربعة فئران من فصيلة بونقوب، هم كيهود بني قنيقاع؛ دوما سباقون لنقض العهود والمواثيق، هادنتهم على السلم أياما طويلة فأبوا إلا أن يعلنوها حربا شمطاء، التهموا لي غطائي فأحدثوا فيه ثقبا أفسد علي أحلامي الجميلة، لم تنفع معهم لا المصيدة الحديدية، ولا الحبة السامة، ولا حتى اللصاق الخشبي. أفرح مرارا عندما أحس بشيئ ما سقط في الفخ، ألتفت بسرعة فإذا بي أجد رِجْل صديقي عبد العالي السمينة وقعت في الأسر، لم تُجدِ معهم حيلة ولا حرب ولا مكيدة، المهم هو أن نقتسم الأرض ونترقب الأوضاع، فإن أحسنوا أحسنا، وإن أساؤوا الأدب استعملنا أعتى أنواع الأسلحة للدفاع عن أنفسنا.
غرفة واحدة تتسع لجميع الكائنات: المعلم، البونقوب، الضفادع، العقارب، أم الأربع والأربعين، وبين الفينة والأخرى يزورني ثعبان أو أفعى، هم أيضا يقصدون الدار الكبيرة، لا يمكنك أن تنام في هناء وصفاء كسائر خلق الله وإلا لنمت طويلا إلى يوم القيامة، ويزداد ترقبك حدة عندما تسمع أحدا لدغته حية أو عقرب، الوضع خطير بكل المقاييس، أصبحت غرفتي كوكر ساحر أو كاهن، القطران في كل جانب، المصيدة في كل مكان، خطة عسكرية محكمة فاقت خطط الروس والأمريكان.
ذات صباح ناعم جميل، وعلى غرار الأخطاء القاتلة التي ترتكب من قبل الشاطر الحاذق، لبست حذائي بسرعة البرق، فإذا بي أحس بشيء أملس يقبل أصابع رجلي، اصفر لوني، اقشعر بدني، وتسارع نبض قلبي فرددت الشهادتين، ثم بدأت أسحب رجلي شيئا فشيئا، كم كانت المفاجأة سارة: ضفدعة عجوز تنظر إلي بابتسامة جميلة وكأنها تقول لي: “آو حضي راسك ليفوزو بيك القومان يا فلان”. ظهر الرعب في البر والجو والحيطان، تغفو قليلا وعندما تفتح عينيك تجد حرباء أعلى السقف، ليس بمقدورك قتلها أو حتى التأفف من وجودها، فهي كما قالت العجوز فطيمو ذات يوم: “راها شريفة آ أُزداد، ويلا قتلتيها ماشي تفلس”، سمعت نصيحتها فالدين النصيحة، وكل ما أقوم به تجاهها هو أنني أهش عليها وأطلب منها الانصراف طوعا وعن طيب خاطر، فإن أبت انصرفت أنا.
التعايش مع الحشرات والزواحف في غرفة واحدة يحتم عليك معرفة لغتهم حتي تتمكن من التواصل معهم بشكل أفضل، فمثلا زيو ليست هي غواق غواق.

avatar
mohamed

ذكر عدد الرسائل : 1147
العمر : 45
Localisation : kénitra
Emploi : employé
تاريخ التسجيل : 02/09/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

يوميات معلم في الأرياف (الجزء 6)

مُساهمة من طرف mohamed في الأحد 15 أبريل 2012 - 14:35



السعيد الدريوش

للمعلم فرحتان: فرحة عند ترقيته، وفرحة عند حلول العطلة المدرسية. تأبطت أغراضي، وامتطيت جرارا أقرعَ أصلعَ، بدون سقيفة تقينا أشعة الشمس الملتهبة، وتوجهت صوب مدينتي الصغيرة، منتصب القامة أمشي مرفوع الهامة أمشي، وفي فؤادي لوعة الشوق والحنين، أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي، أحن إلى الجلوس في المقهى وعلى طاولتي قهوة الصباح وجريدتي اليومية وعود الثقاب؛ لا أدخن وإنما أستعمله في تنقية أسناني من مخلفات نقانق الجموعة، أحن إلى الحمام الشعبي وحلاق الحي.
مضت ساعات ونحن نجوب البراري والربى، مخترقين الحقول والمروج، أنا وسائق الجرار عمي التهامي، لم يصمت طوال الوقت، حديثه كله عن السياسة والفساد والظلم، عن أولئك الذين يلتهمون ولا يشبعون، يفترسون ولا يملون، ينهبون ولا يرحمون، هو جندي متقاعد، حدثني أيضا عن مغامراته في الثكنات العسكرية، وعن دوره في حماية الجبهة الجنوبية للوطن، وعن الساعات التي قضاها يطبخ ويكنس في فيلا قائده عوض أن يقضيها مرابطا على الحدود، حدثني عن معاشه الهزيل الذي يتقاضاه، لذلك التجأ إلى خدمة الوطن والمواطنين بزرعه نبتة الحشيش وطابا لعلها تخفف من معاناة الشباب عن طريق التبواق والتقرقيب.
وأخيرا وصلت إلى مدينتي الحبيبة وزان، استقبلتني أمي بزغرودة جميلة، قلت لها: “توحشثك آيما، شكيفنهي لحالا، حميثي ولا مازالا؟” ضحكت وحسبتني أمزح معها، ولم تدر أنني قلت ذلك بعفوية متأثرا بحياتي الجبلية البسيطة، معتزا بأناس بسطاء بصموا التاريخ بعبق القناعة وعمق الانتماء، نسيت كل شيء حتى كيفية المشي على الطريق المعبدة، أصبحت أمشي كطفل في محاولاته الأولى للوقوف، صار صوتي جهوريا مندفعا، أنادي على أمي بأعلى صوتي وكأنني أنادي على التلاميذ الذين يسرقون السفرجل من أعلى الربوة، اعتبروا الأمر عاديا ولم ينتبهوا للتغيير، الأمر الوحيد الذي لفت انتباههم هو شعر رأسي الكثيف ولحيتي الطويلة، وأنا على يقين أنهم انتبهوا أيضا لرائحة رجلي الباريسية، المشتقة من عصارة البوط البدوي الأنيق، إلا أنهم آثروا الصمت وٱكتفوا فقط بالسعال وٱلعطس. سألتني أختي: “لماذا لم تذهب عند الحلاق هناك؟” قلت لها: “مسألة وقت”، وأنا أعلم أن الذهاب إليه يتطلب أربع ساعات مشيا على الأقدام لكي تصل إلى السوق الأسبوعي، ثم تنتظر دورك أمام الخيمة ساعات حتى يتسنى لك الولوج عند حجام متعدد ٱلاختصاصات: حلق الرأس، نزع ضرس أو ناب، طلسومة أو تميمة توقع بها شخصا في شراكك، أو تتسبب له في عاهة مستديمة، أو تلقي به في القبر. توجهت بسرعة عند الحلاق ثم بعدها مباشرة إلى الحمام لإزالة الطبقات الكلسية الجاثمة على جسمي بسبب الطباشير الذي يشبه القنابل المسيلة للدموع، أصبحت إنسانا آخر بملامح دوبلفي، تاركا ورائي الفرعية وماضيها، لكن مع ذلك أرى في المنام تلميذي النادي بمخاطه المتدفق، وسرواله الفضفاض، وطربوشه الأكبر من رأسه يقول لي: “معاياش داخلين غدا آأزداد؟”


avatar
mohamed

ذكر عدد الرسائل : 1147
العمر : 45
Localisation : kénitra
Emploi : employé
تاريخ التسجيل : 02/09/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

يوميات معلم في الأرياف (الجزء 7)

مُساهمة من طرف mohamed في الأحد 15 أبريل 2012 - 14:37



السعيد الدريوش

المعلمون حائرون، يتهامسون، يتساءلون في جنون عن ٱلأوضاع في جزر ٱلواقواق، عن أخبار ٱلفرعيات ومآسيها، ملتفون حول مائدة مستديرة في ٱلمقهى، يرتشفون قهوة ٱلصباح كٱلعادة، يشربون ٱلعصائر وٱلشاي ٱلمنعنع، ترى في وجوههم نظرة ٱلنعيم وٱلارتياح بعد شهور عجاف قضوها في أدغال ٱلأرياف، هذا قادم من فيافي فيفي، وذاك آت من فجاج تلمبوط، وآخر عائد من أعماق بني دركول، دون أن أنسى ٱلوافدين من ٱلأقاليم ٱلصحراوية، تعرفهم بسيماهم من أثر ٱللسع وٱللدغ وٱلعض، عنكبوت جنوبي يضاهي خنزيرا بريا هنا في غابة إيزارن. جيش عرمرم من ٱلمعلمين ٱلشباب، جلهم من ٱلذين كتب على جبينهم ٱلقسم ٱلوطني ٱلفرعي، إلا واحدا من أصحاب ٱلبطولة ٱلإحترافية، أنعم الله عليه بتعيين يطلق عليه في عرفنا نحن أصحاب طباشير ٱلقالب لانافيط، يجلس بيننا وكأنه شهريار زمانه، أيقونة عصره، يتحدث بٱفتخار عن عودته كل يوم إلى ٱلمدينة، وعن ملامسة رجليه للكودرون، وٱستمتاعه بألوان ٱلتلفاز ٱلزاهية، أما نحن فقد أصبنا بعمى ٱلألوان من شدة ٱفتقارنا للكهرباء وكثرة مشاهدتنا للواقع ٱلأسود.
الرفاق تائهون، يدخنون، يتحدثون عن سرقتهم للكهرباء من ٱلأسلاك ٱلعمومية، يخطفونها خلسة إلى مساكنهم ٱلمظلمة حتى يتمكنوا من مشاهدة ٱلتلفاز، منهم من يقتصد على ٱلجماعة ٱلقروية، ومنهم من ينتقم منها شر ٱنتقام فيشغل أيضا ٱلريشو ومولينكس وعصارة ٱلبرتقال. الكهرباء بٱلمجان، وماء ٱلعيون وٱلآبار بٱلمجان، وسكن ٱلميكروصاطليط بٱلمجان، إنها ٱلبورجوازية ٱلمتوحشة، وٱلأرستقراطية ٱلغابوية، وٱلأبهة ٱلبدوية.
يخططون للهرب من قطران بلادي إلى عسل ٱلبلدان، ينسجون خططا محكمة للهجرة إلى ٱلخارج، هذا يفكر في ٱلزواج من شمطاء أوروبية شاب وليدها، وآخر يريد ٱلتسلل عبر قارب من قوارب ٱلموت؛ وذاك عن طريق ٱلقرعة إلى أمريكا. سئموا وملوا من حياة بئيسة مرعبة؛ لم يتفوه زميلنا ٱلمعلم بأية كلمة مدة مكوثنا في ٱلمقهى، سألته: “ما ٱلأمر؟” أجابني بأسى وأسف دفينين: “لقد غادرت ٱلفرعية يومين قبل ٱلعطلة، حتى يتسنى لي ٱلذهاب في ٱلشاحنة ٱلوحيدة ٱلمتوجهة إلى ٱلمدينة، فعلم ملتهم ٱلمطعم ٱلمدرسي بٱلأمر، وأخبر ٱلمسؤولين بغيابي”، أصبت بٱلذهول وٱلدهشة، فقلت له: “إذن سيخصم خمسة عشر يوما من راتبك، وبناء عليه أنت من سيدفع ثمن ٱلمشروبات ٱليوم”.

avatar
mohamed

ذكر عدد الرسائل : 1147
العمر : 45
Localisation : kénitra
Emploi : employé
تاريخ التسجيل : 02/09/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

يوميات معلم في الأرياف (الجزء 8)

مُساهمة من طرف mohamed في الثلاثاء 17 أبريل 2012 - 10:28



السعيد الدريوش

ما أضيق ٱلعيش لولا فسحة ٱلأمل، وما أعذب ٱلإصباح بعد ليل
شديد ٱلعتمة والظلمة. كنت دائما شديد ٱليقين وٱلإيمان بأن ٱلمؤمن ٱلقوي هو
قضاء ٱلله وقدره، وأنك إذا لم تزد شيئا في ٱلحياة كنت زائدا عليها، فكرة
رائعة ٱستحوذت على مشاعري وأنا أسبح بعينيّ في سهول مخضرة مترامية ٱلأطراف
بٱلفرعية، أستنشق هواء ممزوجا بدخان ٱلكوشة، ينتظر ٱلتهامي محصولها من
ٱلفحم، حتى يبيعه في ٱلسوق ٱلأسبوعي، هي مصدر رزقه ٱلوحيد، يعيل بها أبناءه
ٱلستة. هو إنسان شديد ٱلقناعة وٱلإيمان، دائما يردد قولته ٱلأبدية: “أن
تعيش بٱلقليل ٱلحلال خير من ٱلكثير ٱلحرام”. لا يملك سوى كوخ بسيط معزول
هناك في ٱلغابة وسط أشجار ٱلزيتون ذي ٱلعطر ٱلأريج، وحمار كهل يحمل عليه
أثقاله.


فكرة ٱنبثقت من أعماق ٱلقلب، ضاربة عرض ٱلحائط أنين ٱلحزن
وشوك ٱلأسى، قررت أن أتابع دراستي ٱلجامعية، وأن أداعب ٱلقرطاس وٱلقلم عوض
ٱلكارطا وٱلبارشي وٱلكوامل وٱلدكوك، قررت أن لا أستسلم للواقع وأن أقتحم
ٱلصعاب، فما نيل ٱلمطالب بٱلتمني ولكن تؤخذ ٱلدنيا غلابا. بينما أنا تائه
بفكري، أسبح داخل أروقة ٱلعلم وٱلمعرفة، إذا بتلميذ قادم من ٱلمركزية يحمل
رسالة خطية من ٱلسيد معشوق ٱلجوضاضات، يخبرني فيها بضرورة ٱلتوجه إلى زومي
قصد ٱلتكوين، ٱرتبكت في ٱلبداية، فٱلوقت ضيق، ولا توجد وسيلة نقل إلى هناك،
فكرت مليا في ٱلأمر، لكنني لم أصل إلى حل سديد، فجأة خطرت ببالي فكرة: بغل
صديقي مصطفى، جهزه جيدا حتى قد يخيل للناظر من بعيد أنه فرس عربي أصيل.


وضعت ٱلوثائق في ٱلشواري ٱلأيمن، وما تيسر من ٱلمأكولات في
ٱلشواري ٱلأيسر، وٱلوزرة ٱلبيضاء على رأسي تقيني أشعة ٱلشمس ٱلملتهبة،
وٱنطلقت على بركة ٱلله، تارة أناجي نفسي، وتارات عديدة أدردش مع ٱلفرس
ٱلبغل. قلت له: “هل تعلم أيها ٱلبغل ٱلوسيم لقد حصلت على ٱلبكالوريا بميزة
حسن وعلى ٱلرغم من ذلك فأنا هنا وسط ٱلأدغال وٱلبراري”، تابع مسيره ولم
يتفوه بأية كلمة أو إشارة تدل على أنه مهتم بكلامي. قلت له مرة ثانية: “كيف
يعقل أن تظل ٱلبوادي هكذا مهمشة، فقيرة، معزولة، أليس في ٱلبلد رجل رشيد؟”
ٱنتفض صديقي ٱلبغل ٱنتفاضة شديدة، ليتغوط بعدها بكل أريحية، علمت حينها
أنه تغوط على ٱلمسؤولين ٱلذين أفسدوا أكثر مما أصلحوا، ونهبوا عوض أن
يعمروا، وأخلفوا وعودهم ٱلانتخابية تجاه ساكنة ٱلدواوير.


أثناء طريقي إلى زومي، مررت بحقول شاسعة من ٱلقنب ٱلهندي،
حشود هائلة من ٱلشباب وٱلنساء يعملون بهمة ونشاط في موسم ٱلهجرة إلى
ٱلشمال، يقومون بتنقيته من ٱلطفيليات ٱلضارة، ونسوا أن ٱلضرر فيما بقي لا
فيما ٱقتلع، منتشرون كٱلجراد وسط ٱلحقول وٱلسهول، هؤلاء هنا، وآخرون هناك،
مختبؤون في ٱلبيوت ٱلمتناثرة بعيدا عن أنظار ٱلمارة، تسمع لهم صوتا
متناغما، يضربون ٱلبانيو بكل إتقان وإحكام لٱستخلاص ٱلسموم ٱلمصدرة إلى
أبنائنا وشباب أمتنا. تنهدت تنهيدة عميقة، وصحت بأعلى صوتي: “أين أنت يا
حكومة؟” ما إن سمع ٱلبغل ٱلوسيم هذه ٱلكلمة حتى توقف، وٱلبقية تعرفونها،،،


أخيرا وصلت إلى ٱلمدرسة، لم أتوقف عند بابها بل دخلت ممتطيا
صهوته حتى وصلت إلى ٱلأقسام غير مكترث لنظرات ٱلجميع ٱلتي توحي بٱلدهشة
وٱلاستغراب.


avatar
mohamed

ذكر عدد الرسائل : 1147
العمر : 45
Localisation : kénitra
Emploi : employé
تاريخ التسجيل : 02/09/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى