صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

ميشيل سير و «قاتلة القمل الصغيرة»

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ميشيل سير و «قاتلة القمل الصغيرة»

مُساهمة من طرف said في الأربعاء 28 سبتمبر 2011 - 21:41

صغارا، ولغة
البداوة تهيمن على طفولتنا شبه الحضرية، كنا نسم أصابع اليد بأسماء بعيدة
كل البعد عن قواعد الأسماء الخمسة وجمع المؤنث السالم. كنا نسمي الخنصر
«صغير وزوين»، والبنصر «لحاس الكَصعة»، والوسطى «جباد العار»، والسبابة «بو
الخواتم» والإبهام «قتال القمل». اسم هذا الأصبع الأخير، الذي يكون اتجاهه
دائما مختلفا عن اتجاه بقية الأصابع، هو النعت الذي انتقاه الباحث الفرنسي
الكبير ميشيل سير لوسم أجيال اليوم المنغمسة فغي ثورة وسائل الاتصال
الحديثة.
ثمة «إنسان جديد» رأى النور، يقول الأكاديمي رفيق ميشيل فوكو، كائن «ألقبه
بـمؤنث (الإبهام الصغير) نظرا لقدرته على بعث الرسائل الهاتفية القصيرة
بواسطة إبهامه. إنه التلميذ وطالبة اليوم اللذان يعيشان في رحم تسونامي
حقيقي ناتج عن التحول الهائل الذي يعرفه العالم حولهما. نحن نمر بمرحلة
تتميز بانقلاب كبير مماثل لنهاية الإمبراطورية الرومانية أو لعصر النهضة».
ويضيف ميشيل سير، في الحوار الذي أجرته معه يومية «ليبراسيون» الفرنسية
ونشرته في عددها الصادر يوم 3 شتنبر الجاري، أن العالم عرف «ثورتين
كبيرتين: الانتقال من الشفوي إلى المكتوب، وبعده من المكتوب إلى المطبوع.
أما الثورةالحالية، وهي الثالثة، فتتمثل في الانتقال من المطبوع إلى
التكنولوجيات الحديثة، وهي أساسية مثل السابقتين. وقد رافقت كل واحدة من
هذه الثورات تحولات سياسية واجتماعية، وعلى سبيل المثال، فإن حقبة الانتقال
من الشفوي إلى المكتوب احتضنت ظهور البيداغوجيا. وتمثل هذه الثورات مراحل
أزمة أيضا، مثل التي نعيشها اليوم. الاقتصاد، السياسة، المدرسة، الدين...
ليس هناك مجال لا يعاني من أزمة!»
إن «قاتلة القمل الصغيرة» هي التي تتحمل وزر «كل هذه الأزمات، يقول سير،
ذلك أن المؤسسات أصبحت عاجزة لأن الركب فاتها تماما. وعلى « مؤنث الإبهام
الصغير» أن يتأقلم بسرعة فائقة، سرعة تفوق تلك التي كانت مفروضة على آبائه
وأجداده بكثير. إننا في حضرة تحول جذري!».
وقد انطلق هذا التحول الجذري، حسب عضو الأكاديمية الفرنسية، في سنوات 1965-
1975 «مع القطيعة الفلاحية، حين تحولت أمنا الطبيعة إلى بنتنا»، أي حين
أصبح أغلبية البشر مدينيين بعد أن كانوا يقطنون الأرياف أساسا ويشتغلون في
الحقول الفلاحية. هكذا إذن «تغير المجال الحيوي للإنسان، ومعه (الكائن في
العالم) الذي كان يعتبره الفلاسفة الألمان، مثل هايدغر، ثابتا لا يتغير.
البادية التي كانت مجالا للعمل المضني أصبحت فضاء للعطلة، ومن ثمة لم تعد
(قاتلة القمل الصغيرة) تعرف سوى البادية-المعبر التي صارت بالنسبة لها مجرد
مكان للترفيه والسياحة عليها الاهتمام به. لقد تزعزع كل شيء: مستقبل
الكوكب والبيئة والاحتباس الحراري... كل شيء أصبح مهددا إذن».
ميشيل سير جد قاس في حكمه على كل المؤسسات، وهو يعتبر أنها أصبحت متجاوزة
بكل المقاييس: «لنتذكر دومنيك الذي فشل فشلا ذريعا في تدريب المنتخب
الفرنسي خلال منافسات كأس العالم. علينا ألا نؤاخذه على ذلك إذ لم يعد يوجد
أستاذ أو زعيم حزب أو بابا يستطيع تكوين فريق! لقد صار لزاما إحداث
إصلاحات كبرى في جميع المؤسسات، لكن المشكلة تكمن في أن المكلفين بتسيير
هذه المؤسسات مصممون على الاستمرار في مرحلة الانتقال نظرا لأنهم تكونوا
وفق نماذج أكل الدهر عليها وشرب منذ مدة طويلة. لنأخذ مثالا على هذا: تم
تشييد المكتبة الكبرى الفرنسية في نفس الوقت الذي تم خلاله ابتكار
الإنترنيت! إن أبراجها الواقعة على نهر السين تذكرني ببرج المراقبة الذي
شيده أمراء الهند قرب دلهي في الوقت نفسه الذي اخترع أثناءه غاليليو
المنظار الفلكي. أجل، سيأتي يوم لن يتجول خلاله في المكتبة الكبرى سوى
القردة! أما السياسة، فهي ورش كبير: لقد انقرضت الأحزاب، وكل ما تبقى منها
آليات هدفها انتخاب الرؤساء بلا أهداف سامية. في القرن التاسع عشر، ابتكر
ألف نظام سياسي، من الماركسيين إلى اليوطوبيين. وبعدها، لا شيء، أليس هذا
غريبا؟ أجل، لقد تمخض عن هذه الأنظمة السياسية مقتل 150 مليون شخص بسبب
الشيوعية والمحرقة اليهودية والقنبلة الذرية، وهو واقع لن يعيشه «الإبهام
الصغير»، مما يشكل معطى إيجابيا. أعتقد عميقا أن العالم أفضل اليوم بالنسبة
لنا نحن الغربيين. لكن السياسة، كما نرى ذلك بالعين المجردة، أصبحت عاجزة
عن تقديم أدنى جواب، لقد صارت منغلقة بسبب اكتفائها بجرد الموجودات. ورغم
ما قلته، فأنا لا أتوفر شخصيا على أجوبة، لو كنت أمتلكها لكنت فيلسوفا
عظيما.»
ومن الأمثلة التي يسوقها الباحث لتجسيد معالم المنعطف الكبير الذي تعيش في رحمه «قاتلة القمل الصغيرة» مثال اللغة:
«لنتأمل، على سبيل المثال، اللغة التي تعتبر دائما وأبدا كاشفة للثقافة:
قبل مدة قصيرة، كان يطلب من المرشح للمدرسة العليا الإجابة حول نص يعود إلى
القرن التاسع عشر ويتمحور حول الحصاد والحرث. وكان المسكين يجهل المعجم
المستعمل في النص برمته! وبالطبع، لم يكن من حقنا معاقبته على هذا لأنه
«إبهام صغير» لا يعرف سوى المدينة. ومع ذلك، فهو ليس أقل معرفة من طلبة
الأجيال السالفة. وقد دفعنا الأمر إلى التساؤل حول طبيعة المعرفة ونقلها.
(...) علينا أن نعترف مسبقا أن «الإبهام الصغير» وجيله لم يعودوا يستعملون
لغة جيلنا. إن لغتهم أغنى، وهذا ما ألاحظه في الأكاديمية الفرنسية التي
دأبت، منذ عهد ريشوليو، على إصدار قاموس اللغة الفرنسية مرة كل أربعين سنة
تقريبا. في القرن الماضي، كان الفرق بين طبعتين متتاليتين من القاموس يتمثل
في 4 آلاف 5 آلاف كلمة. أما الفرق بين آخر طبعة حالية وبين التي ستليها
فيقارب 30 ألف كلمة. وتعني هذه الوتيرة أن الأجيال اللاحقة ستوظف لغة بعيدة
عنا بنفس قدر المسافة التي تفصل لغتنا الحالية عن الفرنسية القديمة.
وتنطبق هذه الملاحظة على كل الحقول. هكذا مثلا، كان أستاذ العلوم من الجيل
السابق، يدرس، في جامعة السوربون، حوالي 70 % من المعارف التي تلقاها هو
نفسه في نفس الجامعة قبل عشرين أو ثلاثين سنة. وبناء عليه، فقد كان
الأساتذة والطلبة يعيشون في نفس العالم. أما اليوم، فـ 80 % من المعارف
التي تلقاها هذا الأستاذ متجاوزة. وحتى بالنسبة للـ 20 % المتبقية، فإن
الأستاذ لم يعد ضروريا لأنه صار بإمكان المرء اليوم أن يتلقن كل ما يريده
دون مغادرة بيته! وأعتبر شخصيا أن الأمر هذا يشكل معجزة: حين يخطر ببالي
بيت شعر لاتيني، فإنني أرقن بضع كلمات منه لتتوفر لي كل المعطيات حوله:
القصيدة، مقطع الملحمة، الجزء... تخيلي الوقت الذي سيلزم للبحث عن كل هذه
المعلومات في الكتب! لقد انقطعت، شخصيا، عن الذهاب إلى المكتبات. إن
الجامعة تعاني من أزمة عميقة، ويعود السبب إلى كون المعرفة أصبحت متاحة
بسرعة خارقة في كل مكان، وهو ما غيّر وضعها الاعتباري، ومن ثمة غيّر
العلاقة بين الطلبة والأساتذة. ومع ذلك، فهذا الأمر لا يقلقني، ذلك أنني
أدركت، مع مرور الزمن وطوال أربعين سنة قضيتها في التدريس، أننا لا ننقل
شيئا للمتعلمين، بل نلقنهم ذواتنا. ولذا، فالنصيحة الوحيدة التي يمكنني أن
أسديها للأساتذة الذين خلفوني وللآباء هي: كونوا أنفسكم! لكنه ليس من
اليسير أن يكون المرء ذاته».
أجل، إن ميشيل سير صادق، بحكم تجربته وصرامة فكره، في حكمه على أزمة
التدريس حاليا، وهي أزمة تكتوي بنيرانها أجيال اليوم في المدرسة المغربية.
وهو صادق أيضا في حكمه على تحولات اللغة، تحولات تعرفها أيضا اللغة العربية
المتداولة. لكن هذه التحولات، في عالمنا العربي، لن تعرف بكل تأكيد طريقها
إلى القواميس، وسيظل أصدقاءنا الأساتذة يجهدون أنفسهم في شرح حكمة وجود
الأسماء الخمسة لتلامذتهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بل إنهم
سينتقلون إلى جوار ربهم وفي أنفسهم شيء من حتى! أما جمع المؤنث السالم،
فتلك قصة أخرى لا يحتاج «قتلة القمل الصغار» لمعرفتها لا جملة ولا تفصيلا.


سعيد عاهد/الاتحاد الاشتراكي/23.9.2011

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى