صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

البحور والأوزان في القصيدة الحرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

البحور والأوزان في القصيدة الحرة

مُساهمة من طرف said في السبت 1 أكتوبر 2011 - 21:49

(1)

تعد
نازك خير من نظر لعروض الشعر الجديد من خلال كتابها "قضايا الشعر
المعاصر"، ومن خلال مقدمات دواوينها. فقد حددت البحور التي تصلح لهذا
الشعر، والبحور التي على الشاعر المعاصر أن يتجنبها. لقد قسمت بحور القصيدة
الحرة إلى قسمين:
1-البحور الصافية: وهي تلك البحور التي تقوم على
تفعيلة واحدة تتكرر حسب الحاجة النفسية للشاعر. وهذه البحور هي: الكامل،
والرمل، والهزج، والرجز، والمتقارب، والخبب، والمتدارك.
2-البحور
الممزوجة: وهي بحور تقوم على تفعيلتين. التفعيلةُ الأولى تتكرر حسب رغبة
الشاعر، وينهي هذا التكرار بالتفعيلة الثانية. وهذه البحور هي السريع(1)،
والوافر، والكامل الأحذ(2).
السريع = (مستفعلن Xx) + فاعلن (أو: +فاعلان،أو فعْلن،أو فعْلان)
الوافر = (مفاعلتن Xx) + فعولن
الكامل الأحذ = (متفاعلن Xx) + فعْلن (أو فعِلن) (3).
وترى نازك أن ثمة بحورا لا تصلح لهذا الشعر. وهي: الطويل والمديد
والبسيط والمنسرح؛ لأن الوحدة الوزنية لكل بحر من هذه البحور مكونة من
تفعيلتين(4).
اعتبر بعض النقاد والشعراء هذه التحديدات قيودا. والحق
أن السيدة نازك كانت مصيبة في ما ذكرته. ذلك بأنه ينبغي التمييز في هذا
الشعر الجديد بين صنفين من الشعر: صنف ينبغي أن نطلق عليه اسم: شعر
التفعيلة، وهو الشعر الذي يتخذ من التفعيلة وحدة تتكرر بحسب ما تتطلبه
الحالة النفسية للشاعر. وهذا الصنف، وهو الغالب على إنجازات الشعراء
المعاصرين، يصدق عليه ما ذكرته نازك. أما الصنف الثاني، فلا يقوم على وحدة
التفعيلة، وإنما يقوم على وحدة الشطر. وهذا قليل الاستعمال، لم نجد له
حضورا إلا في شعر أدونيس، والسياب، والطبال، والسرغيني وحجازي 5(...)
ولهذا، سندرس أوزان القصيدة الحرة من خلال هذين الصنفين:
1-وحدة التفعيلة:
إن بحور هذا الصنف، كما ذكرت نازك الملائكة، هي: الكامل والرمل، الهزج
والرجز والمتقارب والخبب والمتدارك. يضاف إليها البحور الممزوجة: السريع
والوافر، والكامل الأحذ. كما حددت نازك استعمالها. لأن لهذه البحور
استعمالا آخر في ما أسميناه:وحدة الشطر، وسنعرض له في المبحث الثاني.

ونحن لن نقف عند كل هذه البحور، لأن غيرنا سبقنا إلى دراستها. ولكن
سنقتصر على بحرين اثنين هما: [الرجز/ السريع] و[الخبب/ المتدارك]،
لأهميتهما في الإنجاز الشعري المعاصر. تقول نازك الملائكة: »كان البحر
الأثير خلال السنوات 50-1954 هو الكامل، ثم اختفى في السنتين الماضيتين،
وبرز في مكانه بحر الرجز، وكثر استعماله كثرة عجيبة، حتى لم يعد المرء يجرؤ
على استعماله خوفا من الوقوع في الرتابة. أما في هذا العدد من الآداب [=
دجنبر 1957]، فإن البحر الذي يتصدر هو الخبب الذي كتبت به أربع قصائد من
مجموع عشر، يليه الرجز الذي كانت منه ثلاث قصائد. ولعل في هذا إرهاصا
بمستقبل للخبب«(6). وهذا الكلام قائم على واقع الشعر، حيث إن القصيدة
الحرة، منذ ميلادها إلى اليوم، موزعة على هذين البحرين. ساد الرجز المرحلة
الأولى، ويسود الخبب/ المتدارك المرحلة الثانية التي ما تزال مستمرة إلى
يومنا هذا. وقد لاحظ الأستاذ أحمد المجاطي الملاحظة نفسها(7).
*الرجز/ السريع:
يرى الدكتور محمد أحمد وريث أن الرجز الذي يجيء تاما ومنهوكا ومجزوءا
ومشطورا، ويأتي متعدد القوافي هو الإرهاص الحقيقي للشعر الحر(8). والحق أن
هذا الشعر أخذ من الأراجيز لا من الرجز. لأن الرجز بحر كباقي البحور، وقد
لاحظت نازك أن »الشعر الحر كلُّه مزالقُ، ويَنْصِبُ شركا، فإذا لم يكن
الشاعر على حذر، كان من السهل أن ينتقل فجأة من الرجز إلى السريع أو
المنسرح لمجرد أن مستفعلن تتصدر البيت«(9). وهذا أمر طبيعي، لأن هذه البحور
هي أوزان الأراجيز، وطبيعي أن يتم التداخل بينها، فقول الشاعر:
يَا صَاحِبَيْ رَحْلِي أَقِلاَّ عَذْلِي
هو من السريع. ويراه البعض من الرجز. وقول الشاعر:
وَيْلُمِّ سَعْدٍ سَعْدَا
هو عند البعض من المنسرح، ولا يمانع آخرون من عده رجزا. أما الشعراء، فيبدو أنهم يعدون كل هذا بحرا واحدا. يقول أحمد شوقي:
يَحْكُونَ أَنَّ رَجُلاً كُرْدِيّا
كَانَ عَظِيمَ الْجِسْمِ هَمْشَرِيّا (..)
بَلْ قَالَ لِلْغالِبِ قَوْلاً لَيِّنَا
اَلآنَ صِرْنَا اثْنَيْنِ أَنْتَ وَأَنَا(10)
فالنص به أبيات من السريع السادس، وأخرى من الرجز الرابع. فهل يعني هذا
أن النص من بحرين؟ لا نظن أن شوقيا يريد هذا، وإنما تفسير وجود هذين
الوزنين في نص واحد أن الشاعر يعتبرهما وزنا واحدا. صحيح في النص ضربان
مختلفان. وهذا أمر طبيعي، لأن الشاعر يكتب المزدوج، وهذا الشكل الشعري
تتعدد أضربه.
ويقول كذلك:
مَرَّتْ عَلَى الْخُفَّاشِ
مَلِيكَةُ الْفَرَاشِ(...)
صِفْ لِي الصَّدِيقَ الأَسْوَدَا
اَلْخَامِلَ الْمُجَرَّدَا(11)
فالنص يشتمل على المنسرح الرابع، والرجز الخامس. والشاعر معروف عنه
التزامه بتقاليد الشعر العربي لا يرغب في أن يعدد البحور في النص الواحد،
وما قام به هنا ليس خروجا عن التقاليد. وإنما يعني أنه يعتبر الوزنين وزنا
واحدا، خلافا لما يراه بعض العروضيين.
والقصيدة الحرة عدت كل هذه
الأنماط رجزا، لكن السريع يبقى متميزا حين ينتهي إما بفاعلن أو بفاعلان.
فهل يؤكد هذا الكلام الإنجاز الشعري؟
إن الرجز عند الشعراء الرواد نوعان:
نوع=(مستفعلن Xx) + فعولن أو فعولْ أو فعو، أو فعْلان، أو فعْلن، أو مفعولن
وهذا النوع يمكن أن نطلق عليه اسم السريع. وقد مارسه البياتي، وأدونيس،
والسياب، والمجاطي، وخليل حاوي؛ أي: إن هؤلاء الشعراء، حين يختارون هذا
النوع، لا يدخلون "مستفعلن" في ضربه. وللتمثيل، نقدم النماذج التالية:
يقول أدونيس:
مَزَجْتُ بَيْنَ النَّارِ وَالثُلُوجْ
لَنْ تَفْهَمَ النِّيرَانُ غَابَاتِي وَلاَ الثُّلُوجْ
وَسَوْفَ أَبْقَى غَامِضاً أَلِيفَا
أَسْكُنُ فِي الأَزْهَارِ وَالْحِجَارَهْ
أَغِيبُ، أَسْتَقْصِي، أَرَى، أَمُوجْ
كَالضَّوْءِ بَيْنَ السِّحْرِ وَالإِشَارَهْ(12)
ويقول المجاطي(13):
اَلْكِلْمَةُ الصَّغِيرَهْ
تُقَالُ أَوْ تُخَطُّ فَوْقَ الْمَاءْ
تَمْشِي بِهَا الرِّيَاحُ أَوْ تَبُثُّهَا الرِّمَالُ فِي الصَحْرَاءْ
تُولَدُ أَوْ تَكُونُ أَوْ تَصُوغُهَا مُصَادَفَاتُ الصَّخْبِ وَالضَّوْضَاءْ
اَلْكِلْمَةُ الصَّغِيرَهْ
يَسْكُبُهَا الصَّبَاحُ أَوْ تَهْمِي بِهَا الظَّهِيرَهْ
مَا بَالُهَا تَكْبُرُ فِي الْهَوَاءْ
تَحْجُبُ وَجْهَ الشَّمْسِ؟ تُلْقِي ظِلَّهَا؟ تَغْمُرُنِي بِالرَّجْعِ وَالأَصْدَاءْ؟
مَا بَالُهَا؟ مَمْلَكَتِي مَمْلَكَةُ الصَّمْتِ، اخْسَأُوا أَمْقُتُهَا كَلِمَةً
قِيلَتْ لِغَيْرِ الْمَدْحِ وَالْهِجَاءْ(14)
ويقول السياب:
عَيْنَاكِ غَابَتَا نَخِيلٍ سَاعَةَ السَّحَرْ
أَوْ شُرْفَتَانِ رَاحَ يَنْأَى عَنْهُمَا الْقَمَرْ
عَيْنَاكِ حِينَ تَبْسِمَانِ تُورِقُ الْكُرُومْ
وَتَرْقُصُ الأَضْوَاءُ.. كَالأَقْمَارِ فِي نَهَرْ (...)(15)
هذه النماذج تشترك في كونها حافظت على القافية. فالنموذج الأول اتخذ
الشكل القافوي التالي: أ أ ب ج أ ج. واتخذ النموذج الثاني الشكل التالي: أ ب
ب ب أ أ ب ب ب. أما الثالث، فهو عبارة عن مقطع من قصيدة طويلة على الشكل
القافوي التالي: أ أ ب أ أ ب ج د ج د د د أ ب أ ب أ أ أ أ أ (...) ولعل حرص
هؤلاء الشعراء، وبعض شعراء جيلهم على القافية هو الذي أدى إلى التزامهم
بوحدة الضرب في هذه القَصائد الحرة، وهي دعوة روجت لها الشاعرة نازك
الملائكة.
إن النموذج الأول يقوم على/ فعولْ/ ضربا، وهي صيغة لم
تتغير رغم تنويع القافية. وهذا ينسجم مع الطابع الغنائي للشعر العربي. أما
النموذج الثاني، فيقوم على قافيتين، وعلى ضربين، هما: فعولن/ مفعولن/. أما
النموذج الثالث، فيجمع بين ضربين هما: / فعو/ و/ فعولْ/.
النوع الثاني = (مستفعلن Xx) + مستفعلن [أو+ فعولن، أو + فعولْ أو+ فعْلن، أو + فَعو إلخ].
وهذا يعني أن هذا النوع متعدد الأضرب، مارسه بعض الشعراء الرواد، أمثال
صلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي ونازك الملائكة ! والخمار
الكنوني، ثم جل شعراء الأجيال اللاحقة الذين كتبوا على الرجز. وظهورُه أو
انتشاره يعود في تقديرنا إلى صلاح عبدالصبور الذي كان، بالنسبة لشعراء
جيله، الشاعرَ الوحيد الذي لا يعتني بالقوافي، حيث غلب الإرسال على أكثر
أبيات قصائده الحرة. وحين تغيب القافية، تتعدد الأضرب، فقد لاحظنا مثل هذا
في ما أنجزه الزهاوي من شعر مرسل. لكن هذا لا يعني أن من خصائص هذا النوع
أن تكون القصيدة الحرة مرسلة، فقد تكون أيضا مقفاة، كما في شعر حجازي
والخمار مثلا. ونمثل لهذا النوع بما يأتي:
تقول نازك الملائكة:
اَلْحُبُّ وَالْعَذَابُ أَقْبَلاَ
تَبَسَّمَا فِي وَلَهٍ عَذْبٍ وَذَابَا خَجَلاَ
يَداً بِيَدْ
خَدًّا لِخَدّْ
اَلْحُبُّ وَالْعَذَابُ فِي فِنَاءِ قَلْبِي نَزَلاَ
طِفْلَيْنِ قَادِمَيْنِ فِي مَجَاهِلِ الأَبَدْ (...)(16)
ويقول صلاح عبدالصبور:
لَحْنُ الْخِتَامِ يَا حَبِيبَتِي هُوَ السَّلامُ وَالدُّعَاءْ
وَأَنْ تَكُونِي لِي... إِلَى الأَيَدْ
وَأَنْ يَكُونَ حُبُّنَا مُبَارَكاً كَمَا الْحَيَاهْ
وَنَامِياً عَمِيقَةً جُذُورُهُ فِي نَفْسِنَا
وَأَنْ نَعِيشَ هَذِهِ الأَيَّامَ طَاهِرَيْنِ شَامِخَيْنِ
مَمْزُوجَةٌ أَقْدَارُنَا فِي كَاسَةٍ نَعُبُّهَا مَعَا (...)(17)
ويقول عبدالكريم الطبال:
اَلشَّرْخُ فِي الْجِدَارْ
اَلْكَلِمَاتُ شَاخَتْ فِي الْجَرِيدَةِ الْمُصَوَّرَهْ
اَلسَّاعَةُ الَّتِي تَهْذِي تَمُوتُ فَجْأَةً بِالسَّكْتَةِ الْقَلْبِيه
اَلصُّورَةُ الْمَطْلُوبَةُ عَلَى الْحِيطَانِ صَاغَ مِنْهَا الْوَجْهَ وَالْحَقِيقَهْ
اَلاحْتِضَارُ فِي دِمَاءِ الْحَدْسِ وَعُرُوقِ الذَّاكِرَهْ(18).
النموذج
الأول يقوم على النظام القافوي التالي: أ أ ب ب أ ب. وأضربه هي: فعو/
مستعلن/ مستفعلن/ مستفعلن/ مستعلن/ فعو. وهذا أمر غريب في قصيدة حرة من
إنجاز شاعرة كنازك الملائكة التي تدعو إلى وحدة الضرب. فليس في هذا النموذج
انسجام بين ضربي البيت الأول والبيت الثاني، وحتى على مستوى القافية؛ إذ
بينهما تنافر. فالأولى متدارك، والثانية متراكِب. وهذه لا تنسجم إلا مع
قافية البيت الخامس. أما البيتان الثالث والرابع، فلهما ضرب واحد وقافية
واحدة. لكن البيت الأخير الذي له الرويُّ نفسه لا ينسجم معهما، لأن به علة
النقص.
النموذجان الثاني والثالث يتفقان في كونهما مرسلين. وهذا الإرسال
شجع تعدد الأضرب، حيث نجد النموذج الثاني يجمع بين: فعولن/ فعو/ متفعلان/
مستفعلن/ فعولن/. وفي النموذج الثالث، نجد: فعولن/ مستفعلن/ مفاعيلاتن/
مستفعلن/.
وهذا النوع أكثر حضورا من النوع الأول. لكن ثمة نوعا آخر،
وهو نادر، يجمع بين فعولن ومشتقاتها وبين فاعلن. وهذا وجدناه في بعض نماذج
خليل حاوي. من ذلك ما يلي:
1= ضَحِكْتُ مِنْ بَصَّارَةِ الْحَيِّ
وَمَاذَا ؟ عُدْتُ مِنْ مُفْتَرَقٍ
يَغْلِي بِمَوْجِ الرَّمْلِ وَالأَصْدَاءِ وَالْبُرُوقْ
مُشَوَّشَ الْعَيْنَيْنِ
أَسْتَرْحِمُ مَا تَحْكِي لِعَيْنَيْهَا
خُطُوطُ الْغَيْبِ فِي رَاحَتِي
وَلَحْمُ عُمْرِي مَا نَوَايَا ضَوْئِهِ السَّحِيقْ
إِصْبَعُهَا الْمُقَوَّسُ الْعَتِيقْ
ضَوْءُ عَصاً بَيْضَاءَ فِي عَتْمَتِي
يَمْسَحُ فِي جَبْهَتِي
زَوْبَعَةَ الشَّوْكِ الَّتِي تَعْصِبُهَا
الأَصْدَاءُ وَالْبُرُوقْ(19)
2=بَلَوْتُ ذَاكَ الرِّوَاقْ
طِفْلاً جَرَتْ فِي دَمِهِ الْغَازَاتُ وَالسُّمُومْ
وَكُنْتُ فِيهِ وَالصِّحَابَ الْعِتَاقْ (إلخ) (20)
واضح من هذين النموذجين أن السريع قد دخل في سياق الرجز. ومن خلال
إنجازات خليل حاوي الرجزية، أشرنا إلى أنه يكتب النوع الأول من الرجز.
وهذان النموذجان يؤكدان أنه يعتبر هذا الرجز سريعا. وللسياب، نموذج يتيم
يذكِّر بعمل خلل حاوي، وهو قوله:
سَمِعْتُهُ يَضْحَكُ فِي مَسْمَعَيْكْ
يَهْتِفُ يَا جَمِيلَهْ
يَا أُخْتِيَ النَّبِيلَهْ
يَا أُخْتِيَ الْقَتِيلَهْ
لَكِ الْغَدُ الزَّاهِي كَمَا تَشْتَهِينْ(21)
وكأن فعولن هي فاعلن. لكن الفيتوري ذهب إلى ما هو أبعد من هذا، حيث يقول:
اَلسِّجْنُ لاَ يَسْمَعُ يَا جَمِيلَهْ
إِلاّ انْقِضَاضَ الْمَعَاوِلْ
إِلاّ دَوِيَّ الزَّلاَزِلْ
إِلاّ انْفِجَارَ الزَّلاَزِلْ
اَلسِّجْنُ سَكْرَانُ قَاتِلْ
وَأَنْتِ لاَ فَأْسٌ وَلاَ مِعْوَلْ
لاَ خِنْجَرٌ مَاضٍ وَلاَ مِنْجَلْ
أَنْتِ هُنَا حَمَامَةٌ تَحْجِلْ
فِي قَدَمَيْهَا السَّلاَسِلْ(22)
فهذا النص يجمع بين فعولن وفاعلن وفاعلاتن، مما يوحي بوجود أبيات من
المجتث. والحق أن بعض صور المجتث، كما مر بنا، يمكن عدها وزنا من أوزان
المنسرح. والمجتث في هذا النص ليس غريبا على الرجز/السريع؛ لأن فاعلاتن هي
فاعلن المرفلة.
والملاحظ أن هذه الخروقات لم يقم بها سوى هؤلاء الشعراء الرواد. إذ لم تتسرب إلى زملائهم، ولا إلى الأجيال التي جاءت بعدهم.
*الخبب/ المتدارك: هل الخبب والمتدارك بحر واحد؟ أو أن كلا منهما بحر قائم بذاته؟ وأيهما تداركه الأخفش على الخليل؟
إن كتب العروض المتأخرة التي تناولت المتدارك أجمعت على أن الأخفش هو
الذي استنبطه من الدائرة الخامسة، على أساس أن وحداته هي نفسها وحدات
المتقارب، لكنها في المتدارك، يتقدم السببُ الخفيف الوتدَ المجموع.
والنماذج التي تقدمها كتب العروض عن هذا البحر هي عبارة عن أبيات تتكرر
بنصها من مصدر لآخر، وكأن الشواهد من نظم العروضيين. فهل يعني هذا غياب
إنجازات شعرية قديمة على هذا البحر؟ إذا كان الجواب بنعم، فكيف يقال إن
الأخفش تداركه على الخليل؟ هل تداركه اعتمادا على الواقع الشعري؟ أو
اعتمادا على التأمل النظري؟
وتحدث العروضيون عن الخبب باعتباره
مشتقا من المتدارك. والحق أن ما وصلنا على الخبب يعود إلى القرن الخامس
للهجرة. لكن بعض المصادر قدمت لنا نماذج أقدم. فقد جاء في إنباه الرواة ما
يلي »وَلِلْخلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ، قَصِيدَةٌ عَلَى فَعِلُنْ فَعِلُنْ
ثَلاَثَةِ مُتَحَرِّكَاتٍ وَسَاكِنٍ. وَلَهُ قَصِيدَةٌ أُخْرَى عَلَى
فَعْلُنْ فَعْلُنْ مُتَحَرِّكٍ وَسَاكِنٍ. فَالَّتِي عَلَى ثَلاَثَةِ
مُتَحَرِّكَاتٍ وَسَاكِن، قَصِيدَتُهُ الَّتِي فِيهَا:
سُئِلُوا فَأَبَوْا فَلَقَدْ بَخِلُوا
أَبَكَيْتَ عَلَى طَلَلٍ طَرَباً


فَلَبِئْسَ لَعَمْرُكَ مَا فَعَلُوا
فَشَجَاكَ وَأَحْزَنَكَ الطَّلَلُ

وَاَّلِتي عَلَى فَعْلُنْ سَاكِنَةِ الْعَيْنِ، قَوْلُهُ:
هَذَا عَمْرٌو يُسْعِفُنِي مِنْ
فَانْهَوْا عَمْراً إِنِّي أَخْشَى
لَيْسَ الْمَرْءُ الْحَامِي أَنْفاً


زَيْدٍ عِنْدَ الْفَضْلِ الْقَاضِي
صَوْلَ اللَّيْثِ الْعَادِي الْمَاضِي
مِثْلَ الْمَرْءِ الضَّيْمَ الرَّاضِي

فَاسْتَخْرَجَ الْمُحْدَثُونَ مِنْ هَذَيْنِ الْوَزْنَيْنِ وَزْناً
سَمَّوْهُ الْمُخَلَّعَ، وَخَلَطُوا فِيهِ مِنْ أَجْزَاءِ هَذَا
وَأَجْزَاءِ هَذَا«(23). وذكر الدكتور مصطفى هداره أن شعراء القرن الثاني
قد استحدثوا وزن الخبب أو المتدارك أو دق الناقوس كقول أبي العتاهية:
هَمُّ الْقَاضِي بَيْتٌ يُطْرِبْ
قَالَ الْقَاضِي لَمَّا عُوتِبْ
مَا فِي الدُّنْيَا إِلاّ مُذْنِبْ
هَذَا عُذْرُ الْقَاضِي وَاقْلِبْ(24)
ويروى
أن عليا (ض) مر بالْحِيرة، وهي كثيرة النصارى، فسمع صوت الناقوس. فقال: ما
يقول الناقوس؟ فقال له أصحابه: ما يقول يا أمير المؤمنين؟ فقال:
إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَغْوَتْنَا
وَاسْتَغْوَتْنَا وَاسْتَهْوَتْنَا
لََسْنَا نَدْرِي مَا قَدَّمْنَا
مِنْهَا إِلاَّ لَوْ قَدْ مُتْنَا
تَفْنَى الدُّنْيَا قَرْناً قَرْنَا
يَا ابْنَ الدُّنْيَا مَهْلاً مَهْلاَ
زِنْ مَا يَأْتِي وَزْناً وَزْنَا
مَا منْ يَوْمٍ يَمْضِي عَنَّا

إِلاَّ أَوْهَى مِنَّا رُكْنَا(25)
وأغرب من هذا أن محقق ديوان امرئ القيس أورد بيتا لهذا الشاعر نقله من كتاب "الحور العين" لنشوان الحميري، وهو التالي:
اَلشَّحْطُ خَلِيطُكَ إِذْ بَكَرُوا وَنَأَوْا فَمَضَى بِهِمُ السَّفَرُ(26)
هل
هذه النماذج صحيحة النسبة إلى أصحابها؟ لا نستطيع أن نتأكد من هذا. لكن
نقول مع ذلك إن ما ينسب إلى الخليل يمكن رده على أساس قانونه. لأن هذا
الخبب لا يخضع لقانون الشعر العربي فإن نظم عليه العرب، فالخليل أهمله لقلة
ما نُظم عليه. فلا يعقل أن ينظم الخليل على وزن أهمله، وفي الوقت ذاته، لا
يخضع لقوانينه. وقد قيل إن هذا الوزن لا يراه شعرا، حيث نص على طرحه(27).
لكن هل هذه النماذج التي أشرنا إليها هي المتدارك؟ هل اطلع الأخفش عليها، فأطلق على وزنها اسم المتدارك؟
جاء في "وفيات الأعيان" ما يلي: »هُوَ [=الخليل] الَّذِي اسْتَنْبَطَ
عِلْمَ الْعَرُوضِ، وَأَخْرَجَهُ إِلَى الْوُجُودِ، وَحَصَرَ أَقْسَامَهُ
فِي خَمْسِ دَوَائِرَ، يُسْتَخْرَجُ مِنْهَا خَمْسَةَ عَشَرَ بَحْراً،
ثُمَّ زَادَ فِيهِ الأَخْفَشُ بَحْراً آخَرَ وَسَمَّاهُ الْخَبَبَ«(28).
فهذا هو المصدر الوحيد، حسب علمنا، الذي صرح بأن الأخفش سمى ما تداركه على
الخليل خببا. وهذا الكلام ينسجم مع تلك النماذج المنسوبة إلى الخليل ولأبي
العتاهية، ولعلي (ض)، ولامرئ القيس، لكن هل ينسجم هذا الوزن مع ما وصف به
المتدارك من أنه منفك من المتقارب؟
يرى أكثر الدارسين أن الخبب مشتق
من المتدارك. يقول ابن رشيق: »وَالْمُتَدَارَكُ الَّذِي ذَكَرَهُ
الْجَوْهَرِيُّ مَقْلُوبٌ مِنْ دَائِرَةِ الْمُتَقَارِبِ. وَذِلكَ أَنَّ
فَعُولُنْ يَخْلُفُهُ فَاعِلُنْ، وَيُخْبَنُ فَيَصِيرُ فَعِلُنْ (...)
وَهَذَا الَّذِي يُسَمِّيهِ النَّاسُ الْيَوْمَ الْخَبَبَ«(29). وهذا
الكلام يعني أن الأصل هو المتدارك. وفي عهد ابن رشيق أو قبله بقليل، اشتق
منه الخبب عن طريق خبن فاعلن. لكن يفهم العكس من كلام الجوهري الذي ذكر أن
المتدارك قديم ومحدث. فالقديم هو المثمن، والمحدث هو المسدس. وبيت مسدسه
كما رواه هو:
قِفْ عَلَى دَارِسَاتِ الدِّمَنْ بَـــيْنَ أَطْلاَلِهَا وَابْكِيَـنْ
وبيت مثمنه هو:
أَشَجَاكَ تَشَتُّتُ شِعْبِ الْحَـــيِّ فَأَنْتَ لَهُ أَرِقٌ وَصِبُ(30)
فالنموذج الأول على "فاعلن"، وهو المحدث. والثاني هو "فعِلن"، وهو
القديم، وعليه وزن ما نُسب إلى امرئ القيس مما يجعلنا نميل إلى أن الجوهري
يرى أن المتدارك هو المشتق من الخبب.
وسواء أكان [أ] من [ب] أو [ب]
من [أ]، فإن أكثر العروضيين اعتبروا [أ] و[ب] وزنا واحدا. فحين يتحدثون عن
الخبب، يطلقون مصطلح المتدارك(31).
لكن ثمة جماعة من الباحثين تعترف
بأن الخبب غير المتدارك. وتم هذا الاعتراف على مستوى الإنجاز الشعري. إذ
جاءت بعض الدواوين منذ القرن الخامس تشتمل على قصائد ?على قلتها- على وزن
فعِلن فعْلن. وتأكد هذا في العصر الحديث حين ظهرت قصائد مستقلة بفاعلن/
فعِلن أو بفعِلن/ فعْلن. وفي القصيدة الحرة، نجد نصوصا إما من المتدارك،
وإما من الخبب، بل قد نجد قصائد حرة طويلة موزعة على مقاطع يستقل كل مقطع
إما بالمتدارك، وإما بالخبب، كقصيدة "المسيح بعد الصلب"(32) للسياب. وهو نص
حر على المتدارك تخلله مقطع على الخبب. وكنص لعبدالله راجع بعنوان "الأرض
الخراب تتمة حديثه"(33). تشتمل على خمسة مقاطع، لكل مقطع عنوان، موزعة على
الشكل التالي: خبب- متدارك- خبب- متدارك- خبب. هذا الإنجاز جعل بعض
المهتمين بالعروض يؤكدون أن الخبب بحر خاص لا علاقة له بالمتدارك، رغم
اعتراف بعضهم باشتقاق الأول من الثاني. يقول الحساني حسن عبدالله: »أما
الخبب، فهو شكل مزحف للمتدارك (فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن). وحدته الموسيقية
فعِلن أو فعِلن. والملاحظ أن الشكل المزاحف للمتدارك لا يمت موسيقيا إلى
الشكل الأصلي. ولذا، فمن الدقة أن تعتبرهما بحرين مستقلين، وبخاصة أن شعراء
المدرسة الجديدة قد ميزوا بينهما تمييزا واضحا«(34). فهو رغم اعترافه
بالتمييز بين البحرين، إلا أنه يعتبر الخبب شكلا من أشكال المتدارك. ويقول
كمال خير بك: »بالرغم من التقارب التدويني بين المتدارك (أو المحدث) (فاعلن
فاعلن...) والخبب (فعِلن فعْلن...) هذا التقارب الذي، ربما، كان ناتجا عن
التطبيق الْمُلْتَبِس لمبدأ الاشتقاق العروضي وولادة تفعيلة معينة من أخرى،
فسيكون من أشد الخطإ في رأيي ألا نميز بينهما بنحو أساسي، ونعتبرهما بحرين
مختلفين. ونذكر بأن الخبب يقدم نفسه في شكلين اثنين قلما يُميّز بينهما
بحسب تكونه من فعِلن، أو فعْلن كلاًّ على حدة. مع هذا، فإن الصيغة الأكثر
شيوعا لهذا البحر تمثل مزيجا من هاتين التفعيلتين أو لهذين الشكلين
الأخيرين(35). ويقول عبدالصاحب المختار: »لا علاقة للمتدارك ببحري دق
الناقوس والخبب«(36). وهذا الكلام امتداد لما ذكره خير بك الذي ميز هو أيضا
بين فعْلن باعتبارها وحدة البحر وفعِلن باعتبارها وحدة لبحر آخر. وكلاهما
غير المتدارك. ولعل حازما، من القدماء، الوحيد الذي اعتبر الخبب بحرا خاصا.
إذ جعل شطره مبنيا على جزأين "تساعيين"(37) كلاهما مركب من سبب ثقيل، ووتد
مفروق ووتد مجموع: مُتَفَاعِلَتُنْ(38). وعنده أن الإضمار قد يلحقه في
الفاصلتين فيصير على مفعولاتن(39). وهو، لذكره هذا الجزءَ المضمر، يلتقي
بالخطيب التبريزي الذي يقول عن الخبب: »إِنْ شِئْتَ تَقْطِيعَ هَذِهِ
الأَبْيَاتَ عَلَى فَعْلُنْ فَعْلُنْ فَتَكُونُ عَلَى ثَمَانِيَةِ
أَجْزَاءٍ. وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ تَقْطِيعَهَا عَلَى مَفْعُولاَتُنْ،
فَتَكُونُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ(40)«(41). وهذا الجزء المضمر ?كما مر
بنا- سيكون أهم الأجزاء في الموشحات الأندلسية.
يستنتج من هذا أن
حازما الذي عد جزء الخبب مُتَفَاعِلَتُنْ قد قطع كل صلة ممكنة بين الخبب
والمتدارك؛ لأن هذا الجزء لا يمكن فكه من دائرة المتقارب.

إحالات:

(1) قضايا الشعر المعاصر. ص: 64و 67و 68و 71.
(2) انظر نماذج منه: أحبك: صلاح عبدالصبور: 1/144. ?نامت أمي. ص: 69 ? لغة السكون والحلم. ص: 123 لأدونيس (قصائد أولى).
- ترانيم لسنبلة العمر. ص: 12.
- وغدا سألقاها. ص: 55. السياب.
(3) نفسه.
(4) قضايا الشعر المعاصر. ص: 68-69.
لصاحب هذه الدراسة قصائد عديدة تقوم على وحدة الشطر. راجعها في رياحين الألم ( الأعمال الشعرية الكاملة)) - 5
(6) العروض والشعر الحر. نازك. م. الآداب. ع2. فبراير 1958. س. 6.
(7) البنية الإيقاعية الجديدة للشعر العربي. المجاطي. م. الوحدة. ص: 70.
(8) حول النظائر الإيقاعية للشعر العربي. محمد أحمد وريث. المنشأة العامة للنشر والتوزيع. طرابلس. ليبيا، ط1: 1985. ص: 165 و170.
(9) قضايا الشعر المعاصر. ص: 40-41.
(10) الشوقيات: 4/94.
(11) الشوقيات: 4/116.
(12) كتاب التحولات. ص: 16.
(13) السقوط. المجاطي. ص: 10.
(14) أنشودة المطر. السياب. ص: 142.
(15) كتبنا البيت حسب وزنه خلافا لما في الديوان.
(16) محلة الشعر القاهرية. ع. 35. يوليو 1984.
(17) ديوان صلاح عبدالصبور: 1/77.
(18) الطريق إلى الإنسان. منشورات أصدقاء المعتمد. تطوان. ص: 56.
(19) ديوان خليل حاوي. ص: 151 وما بعدها.
(20) ن.م. ص: 238.
(21) أنشودة المطر. ص: 67.
(22) ديوان الفيتوري: 1/299.
(23) إنباه الرواة. القفطي. تح/محمد أبو الفضل إبراهيم. دار الفكر العربي. ط1: 1986. 1/377 وما بعدها.
(24) اتجاهات الشعر العربي. هداره. دار العلوم العربية. بيروت. ط1: 1988. ص: 571 وما بعدها.
(25) الوافي للتبريزي ، ص: 178
(26) ديوان امرئ القيس. ص: 460.
(27) المعيار. الشنتريني. ص: 93.
(28) وفيات الأعيان. تح/ إحسان عباس. دار الثقافة. بيروت. 2/244.
(29) العمدة: 1/137.
(30) عروض الورقة. ص: 68-69.
(31)
انظر منهاج البلغاء. ص: 230. وهذا الشعر الحديث. ص: 61. وقضايا الشعر
المعاصر. ص: 316. البنية الإيقاعية للمجاطي. ص: 59. الشعر العربي الحديث.
بنيس: 3/131-132. النقد الأدبي وقضايا الشكل الموسيقي. ص: 116-117. إلخ.
(32) أنشودة المطر. ص: 128.
(33) الهجرة إلى المدن السفلى. دار الكتاب. البيضاء. ط1: 1976. ص: 87.
(34) نازك وعروض الشعر الحر. الحساني. م. الآداب. ع6. يونيو 1959. ص: 52.
(35) حركة الحداثة. ص: 334.
(36) دائرة الوحدة. عبدالصاحب المختار. ص: 85.
(37) إن هذا الجزء من ثمانية ولا نفهم كيف عده تساعيا.
(38) منهاج البلغاء. ص: 231.
(39) ن.م. ص: 229.
(40) إنه على ثمانية أحرف، ولا ندري كيف عده من أربعة حروف.
(41) الوافي. التبريزي. ص: 197.
30/9/2011-العلم الثقافي

محمد علي الرباوي


said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: البحور والأوزان في القصيدة الحرة

مُساهمة من طرف said في الإثنين 24 أكتوبر 2011 - 14:15


(2)


رأينا في الموضوعSadالمعالج في الحلقة السابقة)
بعد هذه الآراء التي استعرضناها، نقول:
-المتدارك: هو بحر منفك من المتقارب، لأن "فاعِلُنْ" هي "لُنْ فَعُو".
ويلحقه زحاف واحد هو الخبن في مقابل زحاف القبض الوحيد أن يلحق المتقارب.
وكلا الزحافين من الزحافات الحسنة. وبهذا، فالبحران يتسمان بالخصائص نفسها،
كل واحد منهما يتألف من سبب خفيف ووتد مجموع، أحدهما يبدأ بالسبب الخفيف،
والآخر بالوتد المجموع. وبهذا، نستطيع أن نحول، عند القراءة، نصا من
المتقارب إلى المتدارك، سواء أكان النص قصيدة أو قصيدة حرة، نحو قول حسان
التالي:

فَلاَ/ تَدْعُهُمْ لِقِرَاعِ الْكُمَاةِ
إِلَى/ تَغْلِبٍ إِنَّهُمْ شَرُّ جِيلٍ


وَنَادٍ إِلَى سَوْءَةٍ يَرْكَبُوا(1)
فَلَيْسَ لَكُمْ غَيْرُهُمْ مَذْهَبُ(2)

وقول صلاح عبدالصبور:
يَعْتَرِينِي الْمِزَاجُ الرَّمَادِيْ تَصِيرُ
السَّمَاءُ رَمَادِيَةً، حِينَ تَذْبُلُ
شَمْسُ الأَصِيلِ/ وَتَهْوِي عَلَى خِنْجَرِ
الشَّجَرِ، النُّقَطُ الشَّفَقِيَةُ تَنْزِفُ
مِنْهَا تَمُوتُ بِلاَ ضَجَّةٍ، وَيُوَارِي
أَضَالِعَهَا الْعَارِيَاتِ التُّرَابُ الرَّمِيمْ(3)

ويقول محمد السرغيني:
أَصَابِعُهُ لُغَةٌ وَحْدَهَا/ وَأَصَابِعُهُ بِاحتِمَالاَتِ بُعْدِ الْمَسَافَةِ أَوِ قُرْبِهَا
خَارِجَ الشَّوْقِ، شَاهِدَةٌ يَتَثَاءَبُ فِيهَا الرُّخَامُ، وَلاَ يَنْطِقُ النَّعْيُ وَالْقَرْمَطِيُّ
الْمُرِيبُ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ شَاهِدَةٌ تَذْرِفُ الْكَلِمَاتِ الصَّغِيرَةَ مِنْ ذَيْلِهَا... (4)

النموذج
الأول من المتقارب، لكن إذا بدأنا قراءته من قوله: "تَدْعُهُمْ" إلى آخر
البيت حصلنا على المتدارك. والنموذج الثاني من المتقارب إذا حذفنا من أوله
حرف الجر، صار متداركا. أما النموذج الثالث، فمن القصائد الحرة على بحر
المتدارك، فإننا نستطيع أن نخرج منه إلى المتقارب حين نقف عند كلمة
"الأصيل" ثم نستأنف الإنشاد من قوله "وتهوي" إلى آخر المقطع. ويُلاحظ كثرة
الفواصل داخل هذا الوزن الجديد، مما يدل على علاقة المتقارب بالمتدارك.
ويدخل النموذج الأخير في إطار القصيدة الحرة، وهو على المتقارب، لكن حين
نقف على كلمة "وحدها"، ونستأنف الإنشاد، نحصل على المتدارك.
ولهذا، لا
يجوز أن ترد فعْلن في حشو المتدارك. وهذا ما أكده الإنجاز الشعري في
القصيدة الحرة وفي غيرها من الأشكال الشعرية المنجزة في عصرنا الحديث. لكن
شذ عن هذه القاعدة قصائد كثيرة لبعض الشعراء المغاربة، ولعلهم تأثروا بنازك
الملائكة التي تعاملت مع المتدارك تعاملا خاصا، إن في شعرها المقطوعي أو
في شعرها التفعيلي، وكذا علي أحمد باكثير في مسرحه الشعري.
فالمتدارك عند نازك يخضع لوزن فاعلن التي قد يلحقها الخبن، لكنها تسمح بعلة القطع في بعض أضرب هذا الوزن، نحو قولها:

فِي جَدَاوِلِنَا فِي شِفَاهِ رَوَابِينَا
رِيبَةٌ وَظَلاَمْ
وَسُؤَالٌ تَحَرَّقَ مِلْءَ أَغَانِينَا
أَيْنَ عَبْدُالسَّلاَم
وَالْعُرُوبَةُ تَسْأَلُ أَيْنَ أَضَعْنَاهُ
صَوْتُهَا مَحْزُونْ
هَلْ نَقُولُ لَهَا إِنَّنَا قَدْ رَمَيْنَاهُ
فِي ظَلامِ السُّجُونْ(5)
وقولها:
بِجَنَاحَيْنِ مِنْ حُرْقَةٍ وَحَنَان
صَوْتُ أُمِّي أَتَى عَاقِباً مِنْ وَرَاءِ الزَّمَان
مِنْ وَرَاءِ مَدَى اللاّنِهَايَةِ مِنْ شُرُفَاتِ مَكَان
خَلْفَ أُفْقِ رُؤَايَ وَخَلْفَ العِيان
مِنْ وَرَاءِ حُطامِ الْمَزَارِعِ مِنْ عَطَشِ الإِنْسَان(6)

فالنموذج
الأول من الشعر المقطوعي على النظام القافوي التالي: أ ب أ ب. فأضرب[أ]
على فعْلن. وهي أضرب، رغم دخول هذا الجزء في سياق "فاعلن"، تتصف بالانسجام.
أما [ب] في الرباعية الثانية، فإن لها ضربين: الأول على فعْلان، والثاني
على فاعلان، وليس بهما أي انسجام. إذ الأول يعطي وزنا قريبا من الرمل أو
المتئد كما في الموشحات الأندلسية، أما الثاني، فيبقى من منهوك المتدارك
المذال. وكأن القطع عند نازك الملائكة يقابل البتر في المتقارب. لكن البتر
يُلتزم في حين إن القطع في نص نازك غير ملتزم، سواء في النموذج الأول، أو
في النموذج الثاني. وهذا شيء غريب لصدوره عن هذه الشاعرة التي تصف أذنها
بأنها الميزان السليم لقبول أي إيقاع غريب أو رفضه.
أما علي أحمد
باكثير، فقد نظم مسرحيته "أخناتون ونيفرتيتي"، كما يقول، على المتدارك سنة
1938. وقدمها للقراء عام 1940. وهي على نظام شعر التفعيلة. لكن القطع يدخل
حشو هذا البحر، حتى لكأن النص متدارك وخبب في الوقت ذاته. وهذا يوضحه
النموذج التالي:
يَا حِزْبَ الرَّبِّ أَمُونُ وَيَا إِخْوَانِيْ الْكِرَامْ
أَيْنَ أَنْتُمْ؟ أَرَى النَّارَ تَأْكُلُ فِيكُمْ وَأَنْتُمْ نِيَامْ
وَيْلِي ! أَيَمُوتُ أَمُونُ وَأَنْتُمْ تَعِيشُون؟
أَيَكَادُ الرَّبُّ وَأَنْتُمْ عَلَى نَصْرِهِ قَادِرُونْ؟
أَوَ مَا تُبْصِرُونَ الْمَصِيرَ الذي يَتَهَدَّدُ أَيّامَكُمْ؟
أَوَ مَا تُبْصِرُونَ الْعَدُوَّ الذِي سَيُزَلْزِلُ أَقْدَامَكُمْ؟
وَكَأَنِّي بِحِزْبِ رَعٍ يَشمَتُونَ بِكُمْ
وَيُدِيلُونَ مِنْكُمْ وَيَسْتَوْلُونَ عَلَى مَا لَدَيْكُمْ
إِنَّ فِي قَصْرِ فِرْعَوْنَ هَذَا القَصْرِ الْجَمِيلْ
حَيَّةً رَقْطَاءَ نَمَتْهَا بَرَارِى الشَّآم (...)(7)
وهذا المقطع يقطع على الشكل التالي:
فعْلن فعْلن فعِلن فعِلن فعْلن فاعلان
فاعلن فاعلن فاعلن فعِلن فاعلن فاعلان
فعْلن فعِلن فعِلن فعِلن فاعلاتان
فعِلن فعْلن فعِلن فاعلن فاعلن فاعلان
فعِلن فاعلن فاعلن فاعلن فعِلن فعِلن فاعلن
فعِلن فاعلن فاعلن فاعلن فعِلن فعِلن فاعلن
فِعلن فاعلن فعِلن فاعلن فعِلن
فعِلن فاعلن فاعلن فعْلن فعِلن فاعلاتن
فاعلن فاعلن فاعلن فعْلن فاعلان
فاعلن فعْلن فعِلن فاعلن فاعلان.

إن
هذا المقطع، ومعه كل المسرحية، لا يمكن إرجاع بعض أبياته إلى المتقارب كما
فعلنا مع المتدارك في ما سبق. إن هذا الاستعمال هو الوحيد الذي وفقفنا
عليه في إنجازات المشارقة، لكن بعض الشعراء المغاربة قد ساروا على هذا
النهج الغريب، نذكر منهم: البوريمي(8)، والشيخي(9)، وغرباوي أحمد
إدريس(10)، والخمار الكنوني(11). وإن كان هذا الأخير قد ظل يسير في ركاب ما
أنجزته نازك في هذا الباب. لكن الأكثر عند بعضهم هو إدخال فاعلن في سياق
الخبب. وخاصة ما نلاحظه في إنجازات بنيس(12)، ومفدي(13)، والودغيري(14)،
وهناوي(15)...

وننهي حديثنا عن المتدارك بالملاحظة التالية: وهي أنه
إذا كان هذا البحر موجودا في الدائرة الخامسة، فإننا نستطيع أن نعتبره بحر
الرمل مع حذف السبب الخفيف آخر كل جزء من أجزائه:

فاعلا تن فاعلا تن فاعلا تن (...)
فاعلن فاعلن فاعلن

الخبن جائز الخبن جائز الخبن جائز

ولهذا، فإن المتدارك، سواء في القصيدة، أو في أي شكل من أشكال الشعر العربي، بحر خاضع لقوانين عروض الشعر العربي. لكن ماذا عن الخبب؟
-الخبب :-A-مر هذا الوزن بالمراحل التالية:
1.فعْلن فعْلن (...) وهذا الوزن عند الصاحب المختار أساس كل أوزان الشعر العربي(16).
2.فعِلن فعِلن (...).
فالأول
عبارة عن توالي الأسباب الخفيفة. والثاني عبارة عن توالي الفواصل الصغرى.
وقد مر بنا أن الخليل يُنسب إليه نصان على هذين الوزنين.
أما المرحلة الثالثة لهذا الوزن، فهي مرحلة تم فيها الجمع بين الوزنين في بحر واحد أطلق عليه: الخبب.
إن
هذا البحر يختلف عن بحور الشعر العربي. فهو البحر الوحيد الذي خلا من
الأوتاد، وقد سبقنا إلى هذه الملاحظة الدكتور كمال خير بك(17)، والأستاذ
مصطفى حركات(18). وغياب الوتد أمر غريب في هذا البحر. ولعل حازما قد لمس
هذا الغياب، فاخترع له جزءا جديدا سماه "مُتَفَاعِلَتُنْ" واعتبره مكونا من
سبب ثقيل (مُتَ) ووتد مفروق (فاعِ) ووتد مجموع (لَتُنْ). ومع ذلك، صار هذا
الجزء أغرب أجزاء الشعر العربي، لأنه مكون من وتدين متتاليين ! على أن
الإضمار الذي يلحقه يفقده وتديه.
وينتِج عن اعتبار الخبب بحرا بلا
وتد أن نستنتج أنه البحر العربي الوحيد الخالي من الإيقاع. كيف؟ سبق أن
أشرنا إلى أن الإيقاع يقوم على عنصرين اثنين هما: الثقيل والخفيف اللذين
يدخلان في نسق معين. وفي كل بحر، وفي كل جزء من أجزاء البحور العربية،
يلاحظ وجود هذا النسق، ما عدا الخبب. فحتى إذا سلمنا بأن الثقل والخفة
تتجسدان في السبب الثقيل والسبب الخفيف المكونين للفاصلة باعتبارها وحدة
هذا البحر فإن هذا لا يثبت؛ إذ يغلب الإضمار على أجزاء الخبب، حيث إنه
غالبا ما تكون التفعيلة مكونة من مقطعين طويلين. وهذه النتيجة تذكرنا بما
لاحظناه عن النظم المقطعي في الشعر الفرنسي خاصة، حيث لاحظنا، خلافا للنظم
الكمي وللنظم النبري، أنه نظم بلا إيقاع. وليحقق الشاعر الإيقاع في هذا
النظم، فإن عليه أن يستنجد بمكونات جمالية خارج تفاعيل هذا النظم. ولم يقل
?حسب علمنا- أحد صراحة بافتقار الخبب إلى الإيقاع، لكن قيلت عباراتٌ ذات
طابع معياري هي نتيجة لغياب هذا العنصر فيه. فالخبب، عند المعري، وزن
ركيك(19) وعند عبدالله الطيب »الخبب بحر دنيء للغاية، وكله جلبة وضجيج
(...) ولا يخفى أن هذا الوزن رتيب جدا«(20). ولعل هذا ما جعل عبدالصبور يرى
أن تفعيلة الخبب أقرب إلى لهجة الحوار من الرجز(21) وأنها التفعيلة التي
آثرها المداح الشعبي في قوله (الْحَمْدُ لِرَبٍّ مُقْتَدِرٍ) (22) وقريب من
هذا قول عبدالله الطيب التالي: »وقد استفاد منه الصوفية في بعض منظوماتهم
التي تنشد لتخلق نوعا من الهستيريا، مثل الكلمة المنسوبة للغزالي في دلائل
الخيرات«(23).
ولعل غياب الإيقاع في الخبب هو ما جعل الدكترو محمد
النويهي يخلق له إيقاعا خارج التفاعيل عن طريق الإنشاد، فاعتبره لذلك وزنا
نبريا. يقول: »إن بحر الخبب (...) أشد البحور الستة عشر ارتباطا بنظام
النبر وتأثرا به، ولعل هذا هو السبب الذي جعل العرب القدماء يتحاشونه حين
أسسوا النظام السائد لإيقاعهم الشعري على الأساس الكمي، حتى فات الخليل أن
يحصيه بين البحور الخمسة عشر التي قيدها«(24). وقريب من هذا قول الدكتور
كمال خير بك إن هذا الوزن يظل »قادرا (...) على أن يُفلت من إسار النظم
الكمي«(25).
والحق أن هذا البحر، إلى جانب الكامل والوافر، بحر شبيه بالنظم الكمي؛ لأن الزمن لا يتغير سواء أجاءت تفعيلته مزاحفة أو سالمة:
فعِلن = - UU = 1-1-2 = 4
فعْلن = - - = 2-2 = 4
ونحن
نرى رأي الأستاذ مصطفى حركات أن هذا البحر هومن صنف الكامل والوافر، فهو
كامل فقد أوتاده(26)؛ ولهذا، نعتبر [فعِلن] هي أصل الوزن لا [فعْلن] خلافا
لما يراه الدكتور أحمد مستجير(27).
-B-رغم أن الشعر العربي لم يُنظم على
الخبب، لكن كانت له إمكانية الحضور داخل بحور معينة وهي: البسيط، والمديد،
والهزج، والرجز، والرمل، والسريع الرابع والخامس والسادس، والمنسرح الثالث
والرابع، والمتقارب، والمتدارك. فالبسيط، إذا طويت أجزاؤه السباعية، وخبنت
أجزاؤه الخماسية، أعطى الخبب.
-ه-ه- -ه|-ه- -ه|-ه-ه- -ه|---ه|
-ه---ه|---ه|-ه---ه|---ه|
فاعلُ فاعلُ فعْلن فعِلن فعِلن
لكن
هذا لم يحدث على مستوى الإنجاز، لأن الشاعر يدرك أن هذه الصورة تجعل
البسيط بحرا بلا أوتاد، أي تجعله بحرا بلا إيقاع؛ ولهذا، يظل الجزء الثالث
سالما من الخبن ومن الطي كما مر بنا. وسلامته هذه تمنع البسيط من إمكانية
فقدانه إيقاعه.
إن نموذج البسيط يدل على أن الخبب، على مستوى الإنجاز،
لا يلحق البحور التي أشرنا إليها. فالواقع الشعري يؤكد أن الزحاف لا يكثر
في البيت كثرة تجعله يتحول إلى بحر آخر. فالمتقارب مثلا، الذي يمكن قبض كل
أجزائه؛ ليتحول إلى خبب مخروم، لا يقبل، على مستوى الإنجاز، أن يرد هذا
الزحاف في البيت أكثر من مرة أو مرتين. وقد مر بنا وصف قصائد لامرئ القيس
دليلا على هذا الرأي.
من كل ما تقدم، يبدو واضحا أن الخبب بحر ليس من
فصيلة المتدارك. ومع ذلك، نجد باحثا كالمجاطي، في دراسته، لا يميز بينهما
ويعتبرهما بحرا واحدا. يقول، وهو يرد على نازك، في موضوع [فاعِلُ] الذي لحق
خَبَبَهَا: »لا صحة لما زعمته السيدة نازك من أن استخدام فاعل في حشو
الخبب يزيد إيقاع البحر سعة وليونة. يكفي للتدليل على ذلك مقارنةُ البيت
المستشهد به من شعرها، وهو:
(كَانَ الْمَغْرِبُ لوَن َذَبِيحِ)
وَالأُفْقُ كَآبَةُ مَجْرُوحِ
بِهذا المقطع لأحمد عبدالمعطي حجازي حيث يستخدم التفعيلة الطبيعية للبحر:
وَأَنَا خِنْجَرٌ طَالِعٌ أَمْ هِلاَلٌ تَحَدَّرَ بَيْنَ التَّرَائِبِ
حَتَّى اخْتَفَى فِي الذَّوَائِبِ
ثُمَّ اغْتَدَى جَسَداً وَارْتدَى جَسَدَا
ليتبين كيف يترقرق النغم في أبيات حجازي حتى لتكاد كلُّ كلمة أن تتجسد
إيقاعيا في تفعيلة (...) وكيف يتعثر الإيقاع في مثل قولها: مَغْرِبُ لَوْنَ
ذَبيح«(28). وهذا معناه أن الباحث يعتقد أن نص نازك ونص حجازي من بحر
واحد. والحق أنه لا مجال للموازنة بين النصين؛ لأن الأول على بحر الخبب،
والثاني على بحر المتدارك. هذا معناه أن الأول غير موقع، لكنه يعبر بصدق عن
حالة نفسية تعانيها الشاعرة، والثاني موقع، ولعل التجربةَ المعَبَّرَ عنها
به هي التي أملت على الشاعر هذا الإيقاع.
وهذا الأستاذ علي يونس
يتحدث عن الخبب، ويرى أن [فاعلُ] تدخله كما تدخله كذلك فعولن. يقول: »أما
فاعلن وفعولن، فورود كل منهما أقل كثيرا من فاعلُ. ولعل عملية استقراء
واسعة تدلنا على أن شعراء بعينهم هم الذين يُدخلون إحدى التفعيلتين أو
كلتيهما في الخبب. وأدونيس واحد من هؤلاء فمن قوله:
يَجْهَلُ أَنْ يَتَكَلَّمَ هَذَا الْكَلامْ
وَيَجْهَلُ صَوْتَ الْبَرَارِي
إِنَّهُ مُثْقَلٌ بِاللُّغَاتِ الْبَعِيدَهْ
ومن قوله:
أَفْتَحُ بَاباً عَلَى الأَرْضِ أُشْعِلُ نَارَ الْحُضُورْ
وَالْغُيُومُ الَّتِي تَتَعَاكَسُ أَوْ تَتَوَالَى
فِي الْمُحِيطِ وَأَمْوَاجِهِ الْعَاشِقَهْ
فِي الْجِبَالِ وَفِي غَابَاتِهَا فِي الصُّخُورْ
ففي الأبيات السابقة، نجد فاعلن أو فعولن، أو نجدهما معا ضمن وزن
الخبب«(29). والحق أن أبيات أدونيس على المتدارك، وسنعود إليها في الفصل
الموالي من هذا الباب.
2-وحدة الشطر:
مارس شعراء القصيدة الحرة الشعر
الذي يقوم على وحدة التفعيلة بكثرة، وقليل منهم مارسوا وحدة الشطر، منهم:
يوسف الخال، وأدونيس، والسياب، وحجازي، والسرغيني، والطبال، وسعدي يوسف،
وقاسم حداد، وبنسالم الدمناتي،وأحمد دحبور، وأحمد بنميمون (..) وهذا يعني
أن هؤلاء الشعراء نظموا على بحور مُحَرَّمَة على شعر التفعيلة، وهي السريع،
والطويل، والبسيط، والمنسرح، والخفيف، والمجتث، والمديد. لأن هذه الأبحر
أكثر ارتباطا بالتراث.
*السريع: حددت نازك الملائكة الطريقة التي ينبغي
للشاعر أن ينظم على هذا البحر، وذكرت أنها: (مستفعلن Xx) + فاعلن .وقد طبقت
هذا الشكل في ما أنجزته من شعر على هذا البحر، لكن السياب وأدونيس، بصفة
خاصة، تعاملا مع هذا البحر تعاملا خاصا.
لنأخذ قصيدة "إلى جميلة
بوحيرد" للسياب نموذجا(30). إنها قصيدة طويلة، بها أبيات قصيرة، وأبيات
طويلة، موزعة على الشكل التالي [الأرقام تدل على عدد التفاعيل في البيت]:
3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-2-3-3-3-3-9-6-3-3-6-6-3-3-6-3-3-6-3-3-3-6-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-3-2.
تقوم
هذه القصيدة الطويلة على وحدة الشطر، وهذه الوحدة، إما قصيرة، وهي:
(مستفعلن فاعلن)، وإما طويلة، وهي: (مستفعلن مستفعلن فاعلن). والطويلة
تتكرر في البيت إما مرة واحدة، وإما أكثر. وللتمثيل، نقدم البيت الطويل
التالي من هذه القصيدة، وهو:
حَيْثُ الْتَقَى الإنْسَانُ وَالله ُواَلأمْواتُ وَالأحْيَاءُ فِي شَهْقَةٍ
فِي رَعْشَةٍ لِلضَّرْبَةِ الْقَاضِيَهْ
فهذا البيت يساوي [(مستفعلن?2) + فاعلن]?3. حيث يمكن كتابته على الشكل التالي:
حَيْثُ الْتَقَى الإنْسانُ والله ُوَالْــ
ـأَمواتُ والأحياءُ فِي شهقــةٍ
فِي رعشةٍ للضربةِ القاضـيَــه
وهذا
معناه أن البيت يساوي ثلاثة أشطر السريع. لكن للسياب، ولأدونيس نصوصا أخرى
تشتمل بعض أبياتها على شطر+الوحدة القصيرة التي لا تتكرر، نحو:
-إِنِّي لَأَبْكِي مِثْلَمَا أَنْتَ تَبْكِي فِي الدُّجَى وَحْدِي(31)
-أَلْفَيْتَنِي أَحْسِبُ مَا ظَلَّ فِي جَيْبِي مِنَ النَّقْدِ(32)
-سَأَطْرُقُ الْبَابَ عَلَى الْمَوْتِ فِي دِهْلِيزِ مُسْتَشْفَى(33)
-فِي بُرْهَةٍ طَالَ انْتِظَارِي بِهَا فِي مَعْبَرٍ مِنْ دِمَاء(34)
فكل
بيت من هذه الأبيات هو عبارة عن: [(مستفعلن?2)+فاعلن]+(مستفعلن+فاعلن) لكن
الوحدة القصيرة، سنجدها في القصائد الحرة القائمة على البسيط، وهي في
الوقت ذاته، خاصةً حين يلحق جزأها الأخيرَ القطعُ، إحدى الوحداتِ الأساسية
في الموشحات الأندلسية، وأحيانا
قد تصير وحدة تتكرر أكثر من مرة في النص، نحو قول السياب:
نَاحِلَةٌ كَالصَّدَى
أَنْغَامُهُ البِلَّوْرْ
كَأنَ فِيهَا مَدَى
يَجْرَحْنَ قَلْبِي فَيَسْتَنْزِفْنَ مِنْهُ النُّورْ
وَتَغْرُبُ الشَّمْسُ وَهذا الْمَسَاءْ
أَمْطَرَ فِي جَيْكُورْ(35)
ففي هذا النص، نلاحظ أن الشاعر قد اتخذ وحدتين لقياس قصيدته. الوحدة
الأولى هي: (مستفعلن فاعلن) Xx، والثانية هي: (مستفعلن مستفعلن فاعلن) Xx.
فالوحدة القصيرة نجدها في الأبيات: 1-2-3-4-6. والوحدة الكبرى، نجدها في
البيت الخامس. ومثل هذا ،نجده عند صلاح عبدالصبور في قوله:
هَلْ كَانَ مَا بَيْنَنَا
حُبًّا وَعِشْنَاهُ
أَمْ كَانَ حُلْماً عِنْدَمَا
أَدْرَكَنَا الصُّبْحُ نَسِينَاهُ
أَمْ أَنَّنَا خِفْنَا عَلَى قَلْبِنَا
لَوْ عَاشَ لَوْ فُتِّحَتْ لِلشَّمْسِ عَيْنَاهُ
كنَّا رَعَيْنَاهُ
لَمَّا تَرَكْنَاهُ
فِي مَهْمَهٍ قَاسٍ رَمَيْنَاهُ
فِي قَلْبِهِ أَنْفَاسُهُ تَبْكِي
أَنَّا هَجَرْنَاهُ
يَا أَيُّهَا الْحُبُّ الذي مَاتَا
لَوْ يَرْجِعُ الْيَوْمَ الذِي فَاتَا
لَوْ عَادَ يَوْمٌ مِنْكَ عِشْنَاُه(36)
إذن، فللسريع وحدتان للقياس:
أ= (مستفعلن ? 2) + فاعلن
ب= مستفعلن + فاعلن
وللبيت في هذا البحر، أربع صور، وهي أ Xx أو( أ Xx) + ب أو (أ + ب) أو (بXx).
والملاحظ أن السياب حافظ على خصوصية السريع. فقد جعل الجزء الذي يسبق
فاعلن سالما من الخبن. إذ لم يشذ عن هذا سوى النماذج التالية:
- أنْ يُرْسِلَ الْفُراتُ طُوفَانَهُ(37)
- كَأَنَّهُ الشَّقِيقُ إِذْ يُزْهِرُ(38)
- وَأَنْتَ فِي سَفِينَةِ الْقُرْصان(39)
أما أدونيس، فلم يحفل بهذه القاعدة، إن في قصائده الحرة، أو في غيرها.
-المنسرح: يقول الدكترو شعبان صلاح: »نستطيع (...) أن نقرر (بعد قراءة
متأنية لكم هائل من الشعر الحر- أن هناك خمسة أبحر تراثية لم ينظم عليها
الشعراء أية قصيدة من الشعر الحر، وهي: المنسرح، والمديد، والمجتث،
والمضارع، والمقتضب«(40). ويهمنا من كلامه في هذه الفقرة إقراره بعدم دخول
المنسرح القصيدة الحرة. وهذا يكذبه ما أنجزه الشاعر أدونيس. ولعله الشاعر
الوحيد الذي نظم على هذا البحر. من ذلك قوله:
يَبْتَكِرُونَ الْحَيَاةَ بِالْعَدَدِ
بِوَاحِدٍ جَائِعٍ بِدُونِ يَدِ
وَآخَرٍ نِصْفُهُ مِنَ الزَّبَدِ
لا يُبْدِعُ الرَّمْلُ أَيَّ أُغْنِيَةٍ
وَلا تُحِسُّ الأَشْيَاءُ بِالأَبَدِ(41)
فهذا
النص موزع قافويا على الشكل التالي: أ أ أ أ. أي إنه على أربعة أبيات.
الأبيات 1-2-3-. يقوم كل واحد منها على شطر واحد. في حين، يقوم البيت
الرابع على شطرين اثنين. إذن، فوحدة الوزن هي: (مستفعلن مفعولات مستعلن) ?
2. وقد حافظ الشاعر على خصائص هذا البحر، حيث التزم بطي الجزء الثالث. كما
في القصيدة.

هوامش

(1) ديوانه. ضبط عبدالرحمن البرقوقي. دار الأندلس، بيروت. ط: 1386/1966. ص: 118.
(2) ن.م. ص: 119.
(3) ديوانه: 1/507.
(4) ويكون إحراق أسمائه الآتية. ص: 35.
(5) شجرة القمر. نازك. دار العلم للملايين ومكتبة النهضة. بغداد. ط1. يناير 1968. ص: 75.
(6) للصلاة والثورة. نازك. دار العلم للملايين. بيروت. ط1: 1978. ص: 58.
(7) أختاتون ونفرتيتي. دار مصر للطابعة. ص: 18.
(8) مليلية في القلب. انظر قصائده المكتوبة على الخبب/ المتدارك.
(9) حينما يتحول الحزن جمرا. انظر خاصة قصيدته "غرناطة". ص: 5.
(10)
قلب في العراء. انظر القصائد التالية: على هامش اذكار. ص: 33. رحلة. ص:
35. فلب في العراء. ص: 36. انتظار. ص: 67. مات وجدا. ص: 76.
(11) رماد هسبريس..
(12) انظر مثلا مجموعته "هبة الفراغ" خاصة القصائد التالية: متاه-توأم-سؤال- أشباه- فقدان ? كتابة- سفر ? حيرة...
(13) انظر مجموعتيه: "في انتظار موسم الرياح" و"الوقوف في مرتفعات الصحو". وكل قصائده من بحر الخبب، وأغلبها تقبل دخول فاعلن.
(14) الموت في قرية رمادية. انظر على سبيل المثال: "الغصون والفتائن". ص: 9. و"هيلوبوليس المنتظرة" ص: 20. الخ.
(15)
انظر على سبيل المثال مجموعته: أحزان هذا العصر. مع التركيز على القصائد
التالية: رؤيا ثانية. ص: 4 و"دفاعا عن حب قدسي". ص: 57 و"سندريلا". ص: 87.
و"هذا زمن العمرين". ص: 15.
(16) دائرة الوحدة .ص: 314 وما بعدها.
(17) حركة الحداثة. ص: 334 و335 و339.
(18) كتاب العروض. حركات. ص: 96.
(19) رسالة الصاهل. ص: 528.
(20) المرشد: 1/80.
(21) ديوان عبدالصبور. 610.
(22) ن.م. ص: 690.
(23) المرشد: 1/80 وما بعدها.
(24) قضية الشعر الجديد. ص: 316.
(25) حركة الحداثة. ص: 293.
(26) قواعد الشعر. حركات. ص: 140.
(27) في بحور الشعر. أحمد مستجير. ص: 103.
(28) البنية الإيقاعية الجديدة. المعداوي. مجلة الوحدة. ص: 79.
(29) النقد الأدبي. علي يونس. ص: 158.
(30) أنشودة المطر. ص: 62.
(31) منزل الأقنان. دار العودجة. بيروت. ط: 1971. ص: 63.
(32) ن.م.ص: 64.
(33) نفسه.
(34) نفسه.
(35) شناشيل ابنة الجلبي. دار العودة. بيروت. ط: 1971. ص: 43.
(36) ديوان اصلاح: 1/131 وما بعدها.
(37) أنشودة المطر. ص: 103.
(38) ن.م. ص: 111.
(39) شناشيل ابنة الجلبي. ص: 78.
(40) موسيقى الشعر بين الاتباع والإبداع. ط. 2: 1409/1989. ص: 301.
(41).أوراق في الريح ، ص :14 ، وانظر كذلك ص: 82 من قصائد أولى
24/10/2011- العلم الثقافي

محمد علي الرباوي




said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى