صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

الروائي والسيناريست يوسف فاضل لـ «الاتحاد الاشتراكي» : المهرج في الرواية هو الوجه الآخر للملك

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الروائي والسيناريست يوسف فاضل لـ «الاتحاد الاشتراكي» : المهرج في الرواية هو الوجه الآخر للملك

مُساهمة من طرف said في السبت 22 أكتوبر 2011 - 22:43

في روايته
الجديدة «قط أبيض جميل يسير معي»، يواصل يوسف فاضل تركيزه على عوالم
المهمشين وذوي الأثلام والعاهات. لكن هذه المرة من خلال استدعاء القصر
الملكي والصحراء والجيش، وأيضا شخصية بلوط (مهرج الملك) التي تملك وعيا
حادا بشذوذها واختلافها وتميزها عن الآخرين، كما تملك وعيا حادا بـ«الحافة»
التي تتهددها في كل وقت وحين، ما دامت تستمد هذا التميز من الملك الراحل
الحسن الثاني شخصيا. فبلوط هو الذي يسلي الملك وينسيه همومه ومتاعبه، لكن
رغم ذلك فهو عرضة للانحدار والكمائن والثأر من طرف المنافسين والحاشية و
الحراس الأوغاد والأصهار أيضا.
في المقابل هناك شخصية المجند حسن، ابن بلوط المهرج، الشاب اليساري
والفنان، الذي يندغم ويتعاكس مع والده وفق لعبة مرآوية تقودهما معا إلى
الانحدار (الذي قد يصل إلى الموت الفعلي أؤ الرمزي) رغم اختلاف المواقع
والمواقف، مما يثبت أن يوسف فاضل ظل وفيا لـ«الكروكي» الأول الذي رسمه
لشخصياته في أغلب رواياته. فهي شخصيات- كما قال عنه أحمد بوزفور- شديدة
الخصوصية، وجودية بشكل عام، عبثية أحيانا، متمردة أو فوضوية أحيانا أخرى
وهي، في كل ذلك فردية مستقلة تكابد بنبل قدرها الإغريقي دون انتظار أي
معونة، وأحيانا حتى دون أمل في الخلاص..


لنبدأ من البداية، أي من عنوان الرواية: «قط أبيض جميل يسير معي».. ما قصة هذا العنوان؟ وكيف وقع اختيارك على القط الأبيض الجميل..؟

عنونت الرواية، في البداية، بـ«أحد عشر يوما»، لأن الرواية تغطي أحد عشر
يوما. ولأنني تعودت أن أول من يقرأ رواياتي هو أحمد بوزفور. فلما قرأها
اقترح علي أن أعنونها ب «قط أبيض جميل يسير معي». سألته لماذا، فأجاب بأن
القط يستغرق المادة الروائية، كما أن القط في اللغة العربية القديمة- وهذا
ما لم أكن أعرفه- هو الحظ، وتلا علي الآية القرآنية التي تثبت ذلك «وقالوا
ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب».. هذه هي قصة العنوان.

في روايتك الجديدة استعراض فانطازي لأحداث غاية في الجرأة، كما أن موضوعها
غير مطروق من قبل.. هنا القصر الملكي حاضر بكل تناقضاته. هناك الجيش ونزاع
الصحراء وحياة الجنود.. هل تعتقد أن الوقت حان لطرق مثل هذه المواضيع؟

لم أطرح على نفسي هذا السؤال. فأنا حين كنت أكتب لم أعرف أين ستقودني
الأحداث. كنت أريد أن أكتب عن المهرج، ولم أكن أتوفر على التفاصيل. فموضوع
الصحراء، مثلا، لم يكن واردا إطلاقا، لكن شيئا فشيئا، بدأت الرواية تنكتب
لوحدها..

قبل الشروع في الكتابة أنت لا تملك أي خطاطة أولية عن الشخصيات، ولا عن بناء الرواية، ولا عن انعطافاتها ومساراتها..
- لا. البناء يأتي شيئا فشيئا، ولهذا أتأخر في كتابة الرواية، وقد يستغرق
الأمر عامين أو ثلاث سنوات. وأحيانا، فأنت تقوم بجمع العناصر دون أن تعرف
إلى أين ستقودك الرواية، والأساسي بالنسبة لي هو أن لا تضرب قيودا على نفسك
وأنت تكتب..

إذن أنت تعتبر الخطاطة قيدا؟

ليس بهذا المعنى، لكن من المهم أن تسير إلى أين تقودك الرواية..

لماذا قررت أن تكتب عن المهرج، وأيضا عن مهرج ملك معروف هو الحسن الثاني؟

لأن الملوك هم الذين يتوفرون على المهرجين. كما أن تلك الفترة يمكن
الكتابة عنها انطلاقا من عدة زوايا، وأنا أقصد فترة السبعينات والثمانينات.
وقد سبق لي أن كتبت عنها، في رواياتي السابقة، بأشكال مختلفة. وهذا ما
فعلته في الرواية الجديدة، فشخصية المهرج تتيح مثل هذا الأمر..

الجديد في روايتك الجديدة هي أنها تتحدث عن القصر من الداخل.. فنحن نرى
الملك في لحظات لهوه وغضبه. ويمكن القول أنك ترسم بورتريه مغاير للملك
الحسن الثاني من خلال ما ينقله المهرج عنه..

المهرج هو المؤهل الوحيد في القصر للدخول مع الملك إلى فضاءات ممنوعة على
غيره. يمكن أن يدخل معه غرفة النوم أو أن يأكل معه، وهو الوحيد الذي يمكن
أن يتجرأ عليه دون أن يخاف من العقاب. وهذا ما يمكن أن نلاحظه بكثرة في
مسرحيات شكسبير. فالمهرج هو الوجه الآخر للملك أو كما لو كان هو الملك بشكل
معكوس. فهو يتميز بنفس الحرية، والملك يعتبره مرآته.. هذا هو واقع
المهرجين في القصور في القرون الوسطى..

وماذا عن شخصية الجينرال أبو ريشة صانع الزيوت والمتاجر في السلاح الذي
يقف وراء حرب الاستنزاف، والذي ينتقم من الجنود ويرمي بهم إلى الموت، كما
أنه لا يظهر ولا يتكلم..

الجينرال لا يفوت أي فرصة. وأنبه أن هذا الأمر غير مفبرك، فربما هذا من
المسكوت عنه، لكن أشير إلى كتاب «جنرالات صاحب الجلالة» هو الوحيد الذي
أشار إلى هذا التلاعب الذي كان سائدا في الجيش..

لكن أنت تشير في الرواية إلى أن هذا الجينرال عرف نهاية شبيهة بنهاية
جنيرال مغربي معروف، هو الجنيرال الدليمي الذي مات في حادثة سير غامضة..

لا أعرف إن كان من الإيجابي أن نقرأ الرواية من خلال أحداث وقعت فعلا. لكن أعتقد أن الأمر لا يحتاج إلى ذلك..
الرواية، كما قلتُ في البداية، استعراض فانطازي لوقائع ليست بالضرورة
تاريخية أو تسجيلية أو توثيقية، لكن، مع ذلك، نسجل أن هناك إحالات تدل بقوة
على أحداث وقعت فعلا..
+ لا أريدها كذلك. لكن في هذه الرواية كما في غيرها من الروايات التي
كتبتها لا بد من عدد من الإشارات التي تدل على واقع ما حتى لا يضيع القارئ
ويبقى في الفانطازيا..

هناك أيضا الجنود: حسن، ابراهيم، محمد علي ونافع، كلهم مهمشون، وكلهم ينتظرون امرأة في مكان ما..

لا يتعلق الأمر بجنود، بل بمجندين تجنيدا إجباريا. وكل واحد من هؤلاء كأنه مقتلع من مكان ومرمي في مكان غريب..

الغريب أنهم مجندون بدون أسلحة، بل حتى السلاح الذي يتوفر عليه أحدهم هو
سلاح عتيق، وليس في مستوى سلاح العدو الرهيب (الكلاشينكوف والمدافع).. هل
هي مجرد باروديا أو محاكاة ساخرة للواقع، أم أن الأمر مستمد من حكايات
حقيقية رواها مجندون؟

لنطرح هذا السؤال: ماذا بإمكان شاب قادم من الكلية أن يفعل في الحرب؟ إذا
طلبنا منه تحرير الأرض، أي أرض سيحرر بدون سلاح؟ وحتى إن كان يتوفر على
سلاح، ماذا سيفعل به إذا لم يكن هناك أصلا عدو؟

المجندون كانوا في حرب مع الصحراء، مع الليل والكون والخوف والأصوات
الغامضة، وأيضا مع الطلقات التي لا نعرف من يسددها.. ألا يمكن الحديث هنا
عن العدو المقيم داخل الثكنة أو وراء جدران ضيعة الجنرال؟

العدو، كما تقدمه الرواية، هو في مكان آخر.. ونحن لا نعرف أين يوجد العدو..

إذا أردنا تحريك المعنى القصدي لدى الكاتب، بعيدا عن استراتيجيات التأويل التي يعتمدها القارئ لمطاردة المعنى، أين يتموقع العدو؟

العدو هو الذي نزع عن المجندين إنسانيتهم وجعلهم يضيعون في الصحراء..

الرواية تشير بشكل جلي إلى دسائس القصور، بين بلوط والأحدب.. وبين الوزارء
أنفسهم، إذ تقدم هؤلاء كحاشية منحنية ومتواطئة ومفزوعة وتركض وراء مصالحها
الخاصة.. كما تقدم الملك كحاكم مستبد ومطلق السلطة..

يوما بعد يوم، يثبت، في تصوري، أن الفساد كله يأتي من تلك الحاشية
أوالنخبة التي لا تنتظر الفرصة لتقبيل اليد فقط، بل تتمنى في كل لحظة
الانتماء إلى هذا الركب الفاسد والمنبطح. وأظن أن جزءا كبيرا من المشاكل
التي يتخبط فيها المغرب سببه هؤلاء..

لاحظنا في الرواية أن بلوط أحياه الملك وقتله الأحدب، علما بأن الملك
كحاكم هو الذي «يحيي ويميت».. أليس في ذلك إشارة إلى أن الأحدب هو صورة
عكسية للملك؟

تقصد المهرج الثاني. لكن للنظر إلى الأمر من زاوية أخرى، فهناك مثل يقول:
كلما كانت الشجرة عالية كلما كانت السقطة مدوية. فبلوط كان مصمما على
الاحتفاظ بمنصبه كمهرج قريب من الملك، ولهذا كانت السقطة مدوية، وكانت
يتوقع نهاية مأساوية، وهي نهاية المستبد. فبلوط أيضا كان مستبدا رغم أنه
صنيعة، وكان لا بد أن يسقط..

لكن نهايته كانت على يد الأحدب الذي دبر له مقلبا منعه من دخول القصر.

بلوط كان يتوقع دائما نهايته، لكنه كان يؤجلها، والحال أن في التأجيل
المتواصل عملية تفتت. وكان من الممكن أن تأتي النهاية من الأحدب أو من
غيره..

لاحظت بأن نهاية بلوط شبيهة بنهاية العبد مسعود في رواية «مجنون الحكم»
لبنسالم حميش، أي تسليط عاهرة مصابة بالزهري (السفلس) على الشخص المطلوب
نهايته. ألم تحضرك هذه الرواية وأنت تكتب؟

لا أبدا. أنا تناولت هذا الحدث من خلال ما رواه سجين بمعتقل تازمامارت.
وحكى هذا السجين أن رجلا وامرأة كانت تربط بينهما علاقة عاطفية، وفي أحد
اللقاءات أخبرها بأنه والدته تريد تزويجه بامرأة أخرى، ولكي تنتقم منه سلطت
عليه عاهرة مصابة بالسفلس. لكن لما اعتقل في تازمامارت لم يمت، بل زال عنه
المرض..

حسن، ابن المهرج، الفنان.. أليس هو الوجه الآخر لهزيمة المهرج؟

حسن شاب يساري، ليس يساريا بشكل مثالي، بل بطريقته الخاصة. والأزمة التي
عاشها هي طريقة في القول: أينما وليت وجهك في الظروف التي نعيشها، فلا
مهرب، لأننا كلنا نعيش في مصيدة»..

السقوط هو أهم موضوعة تحكم الرواية من أولها إلى آخرها، المجندون
والجنرال وحسن وبلوط وزينب والطبيب وزوجته.. لكن سقوط حسن المشبع بقيم
اليسار هو بؤرة هذا السقوط، مادام لم يستطع أن يفعل شيئا ضد موته سوى السير
في جنازته.. كيف يمكن تفسير هذه المفارقات؟

المجتمع بكامله يؤدي ثمن السياسات التي عشناها، والداء ينخر الجميع، ولم
يستطع أي أحد الإفلات.. هناك مصيبة ولا أحد يعرف الطريق إلى الخروج منها.
فمثلا نحن نتوجه إلى انتخابات لا معنى لها في رأيي.. فرغم كل شيء قيل
ويقال، فنحن نعيد تكريس ما نحاول تجاوزه، والجميع مسؤول عن ذلك..

حينما تشير إلى الجميع، فأنت تشير إلى «لا أحد»، وهذا بدوره يعزز الغموض.
لكن حينما نقرأ الرواية هناك تحديد قوي، فهناك الزبونية والمحسوبية
والرشاوى التي «تهدى» لحراس أو لأشخاص مجهولين في القصر..

المجتمع يعاني من أشكال متعددة من الأمراض..

ألا تعتقد بأن رواية «قط أبيض جميل يسير معي» هي رواية للاحتجاج والإدانة؟

(ضاحكا) أترك لك الأمر لإصدار الحكم على الرواية..

أنا مصر على توجيه هذا السؤال إليك باعتبارك كاتب الرواية..

لم أفكر في الرواية على هذا النحو. ربما هذه أشياء أحملها داخلي، لكنني
حينما كنت أكتب كنت أفكر في المهرج فقط.. ورواياتي كلها مكتوبة بالطريقة
نفسها، لأنني لا أجيد طريقة غيرها. هناك فعلا إشراقات شعرية وحديث عن الحب
في الرواية..
- نعم، خصوصا في الفصول الأخيرة: لغة شعرية لا يخطئها القلب، وكذلك الحضور
القوي والتراجيدي لزينب التي تركت حسن لأثلامه وتزوجت الطبيب وانخرطت في
الانتخابات..
- زينب أيضا ضائعة، وهي منذ البداية تبحث عن موطئ قدم. هل وجدت نفسها، أم أوجدوا لها نفسها؟ هذا هو السؤال..

والطبيب الذي لا يستقر على حال. كل يوم بعقيدة سياسية جديدة.. هل هو صورة لنخبتنا السياسية؟

نعم هو نموذج للفئة السياسية الحربائية المنتشرة الآن بشكل واسع، وهي فئة
ذكية تمكنت من التحايل على الجميع، لأنها استطاعت أن تدرك قواعد اللعبة..

لماذا كل شخصيات روايتك مشوهة، وخاصة في أعمالك الأخيرة.. ميترو محال.. حديقة الحيوان..

أفكر دائما في الشخصية التي تمكنني من أن أقول ما أود قوله. فلن أجد أفضل
من شخصية المهرج لأقول ما أريد أن أقوله حول اللائتمان و«الحكرة»
والاستبداد. ليس هناك أفضل من المهرج للتعبير عن هذا الإحساس والنظرة
الدونية والوجه الآخر للاستبداد.. ليس فقط لدى الملك، بل لدى المستبدين
الصغار..

في لحظة معينة، اختفى الملك من الرواية، ولم تعد هناك سوى الأسوار المنيعة..

شخصيتي الرئيسية ليست هي الملك، بل المهرج بلوط، وهو الذي يصف الملك. وحين خرج بلوط من القصر، اختفى الملك لأنه لم يعد يراه..

لكن رغم ذلك، يتولد لدينا انطباع بأنه موجود، ويراقب من مكان ما. هناك جدران القصر والحراس والرشاوى والتوصيات..

هذا تاريخ المغرب. فمنذ بداية هذا التاريخ، باب القصر مهم.. وربما باب القصر أهم من القصر نفسه..

في آخر الرواية، تولد لدي انطباع بأن إيقاعها أصبح سريعا.. لا أعرف إن كنت
قد ألزمت نفسك وأنت تكتب الرواية بأنك ستوقف في «اليوم الحادي عشر»، فأنا
وجدت أنها لم تشبع نهمي بالكامل، وكان بالإمكان الاستمرار في كتابتها مادام
أنها تغطي زمنا ممتدا في الماضي والحاضر..

لا. بالنسبة لـ« أحد عشر يوما» في طريقة لتقسيم الفصول.. كما أن الرواية
التي بدأت مع حسن تستغرق أحد عشر يوما.. أما بالنسبة للإيقاع ففي لحظة وأنت
تكتب تشعر بأنه من الضروري أن تنتهي..

ألم تشعر بأنك استعجلت في وضع نقطة النهاية؟

أبدا. فالنهاية تكتب نفسها، وأحيانا نرسم النهاية منذ البداية. وفي تصوري
أن أحسن كتابة هي حين تخطو نحو النهاية بسهولة، ولا ينبغي الإطناب أو اللف
حولها.. وهذا هو الإيقاع العادي للرواية..


سعيد منتسب

الملحق الثقافي - الاتحاد الاشتراكي

21-10-2011


said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مقتطفات من «قط أبيض جميل يسير معي»

مُساهمة من طرف said في السبت 22 أكتوبر 2011 - 22:45

قضيت الصبيحة
أحوم حول بيت الطبيب والطبيبة مرة أخرى. وعندما عدت إلى بيت الوالدة لم
يهتم بي أحد كالاهتمام الذي لقيته بالأمس. حالة من القلق غير عادية ظهرت
على الوجوه. وفي العيون. الوالدة وفضيلة كانتا جالستين في صحن الدار
وتتطلعان إلى الوالد و هو يمشي ويجيء في الغرفة، وينظر إلى صور معلقة على
الجدار. أصلع الرأس منتوف الحاجبين. كشخصية خارجة من رسومات أخرى. لم أكن
أنتظر مشهدا كالذي أرى أمامي. على الأرضية مجلات وصور عديدة مرمية في كل
اتجاه. لم أهتم كثيرا للأمر. جئت إلى بيته لأنني بحاجة ملحة إلى المال.
بالأساس من أجل زينب التي لا أعرف بأي أرض نزلت. عندما دخلت كان حافي
القدمين بجبة خفيفة على جسده، رأسه أصلع وحاجباه اختفيا. وعيناه منتفختان.
كأنما بات يسكر ولم يجد الوقت للنوم. لا، لقد قضى الليل وهو على هذه الحال.
لم ينم. بات يقص الصور التي يظهر فيها إلى جانب الملك ويعلقها على
الجدران. أو يوزعها على الزليج. أحيانا يقف أمام إحدى الصور ويعلق عليها
بكلمتين، ثم يردد بعض الآيات وينصرف إلى صورة أخرى. من الممكن كتابة قصص
مثيرة حول هذا المشهد. ولكنه لن يكون مضحكا. ماذا يمكن أن تقول عن رجل أصلع
الرأس منتوف الحاجبين، ويهذي أمام صور معلقة على جدار؟ اغرورقت عينا فضيلة
بالدموع فقالت: هل أحضر لك كأس شاي وكسرة خبز قبل أن تسقط مغشيا عليك من
الجوع؟ لقد لاحظت هزالي. وحالتي التي تضعضعت. ولكنني لا أرغب في الأكل.
طلبت قهوة سوداء. وجلست بينما قصدت فضيلة والوالدة المطبخ لتحضير القهوة.
وقفت من جديد وأنا أتساءل: ما الذي أتى بي؟ بدا لي أنني أخطأت. منظره مثير
للشفقة فعلا. كان واقفا لا يتحرك وينظر الى قدميه. لم يكن ينظر إلي. جاءت
فضيلة بصينية نحاسية وعليها فناجين من القهوة. ورشفت جرعة. القهوة باردة.
خرج الوالد من الغرفة. وقف أمامي. قال وعيناه لا تزيغان عن قدميه
الحافيتين: وإذن فقد صرت تكتب الاسكيتشات؟ تضحك الناس مثلي؟ هاهاها. هل
تتوقع أن يمر ملك البلاد ليأخذك إلى قصره؟ مضى ذلك الزمان. أمر كهذا لا
يحدث سوى مرة واحدة. وقد حدث والله يجعل فيه البركة. ينظر الآن إلى المائدة
بيننا. وإلى فاجين القهوة. هل تنوي فعلا أن تعيش من عمل كهذا؟ قال، ودون
أن يرفع بصره عن المائدة. لم يكن هدفي في الحياة أن أكتب اسكيتشات أسب فيه
الحكومة. ولكن الان مع كل هذه الفوضى.. انفجر في ضحك عال واتجه نحو المطبخ.
ثم عاد إلى مكانه وإلى وقفته. لماذا لا تكتب لي قصصا أسب فيها الحكومة ولو
مرة واحدة في حياتي؟ بدت لي وضعيته بئيسة. كنت أنظر إليه وأتساءل إن كنت
أستطيع الحصول على المال الذي أحتاج من رجل مثل هذا. هل قام في حياته بعمل
نافع واحد حتى أظن به خيرا؟ هل يعرف كيف قضينا طفولتنا عندما تركنا؟ هل
يعرف أننا كنا ننتظر فضلات الجيران؟ وما هي هذه الفضلات؟ بقايا بطاطس تعوم
في قليل من المرق. لم نحظ يوما بحبة بطاطس كاملة. دائما أنصاف بطاطس
وأحيانا كثيرة أجزاء صغيرة كحبات حمص تكون أصابع أخرى قد عجنتها ولعبت بها.
ولكنها كانت لذيذة بالنسبة لأطفال صغار لم يأكلوا شيئا طيلة النهار. بينما
أنت تهز بطنك في الحفلات وتسمن في الولائم. ما الذي أتى بي؟ كنت حانقا
وأنا أراقب حركاته ونظرته الفالتة. قال بعد لحظات: تريد أن تخلفني في
مهنتي؟ لهذا تسب الحكومة؟ حتى تضمن مستقبلك على حسابي. أنت محظوظ لأنك ستمر
من الباب الواسع. ستقول لهم عند الباب أنا ولد بلوط المهرج. وسيفتحون
الباب أمامك على اتساعه. كيف لا تعتبر نفسك محظوظا ولك والد مازال يشتغل
مهرجا في القصر. تقريبا. لولا هذه الانتفاضة. هل مرت؟ نعم لقد مرت بسلام.
وما عليك سوى أن تتقدم من أول باب وتعلن عن هويتك. لن تعرف قيمة الحظ الذي
وضعه الله بين يديك حتى اليوم الذي تفهم فيه أن العمل ليس ملٍقى على
الطرقات. ما الذي ينقصك حتى تعوضني في مهنتي؟ بالنسبة لي لا شيء. فقط
الرغبة والثقة في النفس. أما الحظ فأنا كفيل بتوفيره لك. غدا ستبدأ حياتك
الجديدة. سأتوسل إلى جلالته ليقبلك كمهرج ثان إلى جانبي. هكذا عندما أعتزل
تكون قد تعلمت الحرفة. إنهم في حاجة إلى مهرج جديد. ما الذي أتى بي؟ فعلا،
لقد أخطأت طريقي.
كنت قد ابتعدت عن البيت عندما سمعته يصيح خلفي. الهلع أوقفني. كأنما دمي
توقف عن السريان في ساقي. باللباس الصفيق نفسه والقدمين الحافيتين وشكله
الغريب غير الآدمي. وقف يصرخ إنني أجهزت على كل أمل في عودته الى العمل،
وفي الحياة: تريد أن تقتلني يا عدو الله؟ ترسلني إلى السجن؟ تتطاول على
الوزراء؟ تضحك علي الحكومة؟ تتهجم على أسيادك الذين يطعمونك أيها الكلب.
لعنة الله عليك إلى يوم الدين. سأتنقل بين بيوت معارفي من ضباط ووزراء
ورجال أعمال لأتبرأ منك. أنا أحب الملك والحكومة. أحب بلادي وأموت من
أجلها. سأشرح لهم كل هذا. الواحد بعد الآخر. تريد أن تقتلني يا عدو الله.
أنت هو السبب. ضيعتني يا عدو الله. لا يوجد ولد على ظهر الأرض يتلذذ برمي
والده في زنازين حبس منسي. سأشرح لهم أنه لا دخل لي فيما تفعل. لعنة الله
عليك. كنت ولدا عاقا منذ طفولتك. أمام الشهود سألعنك. لعنة الله عليه إلى
يوم الدين. لعنة الله عليه إلى يوم الدين. لا أنا و الدك ولا أنت ولدي.
عيناه حمراوان ورغوة بيضاء تعلو شفتيه اليابستين.
حمله بعض المارة إلى البيت بعد أن سقط مغشيا عليه. وضعناه على السرير.
لباسه اكتسى بلون التراب الذي تمرغ فيه. عندما استعاد وعيه بدأ يشتكي من
ألم في رأسه. كأنما شخص ما يشد عروق رأسه وينقر عليها لحنا يعذبه. مع حلول
الظهر تضاعف ألمه فبدأ يهذي. يقول إنه يتلقى رسائل مجهولة يهدده أصحابها.
زروال الأحدب الذي أصبح مهرجا خاصا يأمره بأن يغادر البلاد إلى اي منفي
يختاره. إن له أعداء كثيرين. للإيقاع به ينصبون له فخاخا عديدة. ويطلبون
منه أن يتخلى عن نكته التي قالها في حضرة الملك لكي يحرقوها. غاب مرة أخرى.
غيابه استمر نصف ساعة تقريبا. كان صديقه الحلاق قد وضع خرقة مبللة على
رأسه وهي التي أيقظته. قال له الحلاق: هل تعرفني؟ لم يهتم بالسؤال. لم
يفهمه. كان قد دخل مرحلة أخرى من الهذيان. محطته الأخيرة. قال: لو بدرت منه
أية غلطة كيفما كانت هذه الغلطة عليهم أن يستدعوه ويسألوه ويستنطقوه كما
يفعلون مع الجميع. بلوط ليس مجرما. ولكنه مستعد أن يخضع للاستنطاق حتى يبرئ
نفسه من أي تهمة قد تكون ألصقت به. ولكن بشرط، أن يستنطقه الملك بنفسه.
وابتسم كأنما أشرق في عقله بريق أمل بسبب قصة الاستنطاق هذه. لابد أن الملك
سيستدعيه للاستماع إليه. ذات يوم بعيد كان قد استمع إلى قصته عندما قتل
الجنود الثلاثة.

---
قد يضحك مرة أخرى، خصوصا أنه هذه المرة لم يقتل أحدا. جميعكم، جميع من في
الغرفة من الحلاق حتى بنته فضيلة تعرفون قصتي من أولها إلى آخرها وتلتزمون
الصمت. وتتظاهرون أن لا علم لكم بها. وربما كنتم مشاركين فيها بطريقة ما.
يتمعن في ملامحنا ويقول إنه يعرفنا واحدا واحدا. ويعرف الشراك التي نصبها
له كل واحد منا. يعرف كل شيء منذ البداية. ثم أمسك بتلابيب جلابية الحلاق
لأنه كان أقرب واحد إليه وبدأ يرجه رجا ويصرخ فيه أن يعترف بالمؤامرة. كان
بلوط يصرخ كواحد انتابته حمى مفاجئة. لماذا لا يأتون عنده مباشرة. بعد كل
هذه السنين، و يتهمونه في وجهه؟ أكلوا ماله وعروه حتى العظم وجرجروه أمام
المحاكم ولا يملكون حتى الشجاعة الكافية لمواجهته. إنه بلوط، المهرج الخاص
لجلالته. وكل شخص لايزال يشك في الأمر ليتقدم أمامه ويصرح بما يعرف وبما لا
يعرف. كان بلوط يهذي وبقي يهذي طيلة نصف ساعة أخرى.
جاء الطبيب. أعتقده مبعوثا من القصر. فبدأ يناديه سعادة الضابط، ويسأله هل
يقبل أ ن يكتب له كل ما يملك حتى لا يرث أولاده فلسا واحدا. والطبيب يهز
رأسه وهو يمسك بساعده ليقيس ضغطه. والوالد يحذره من آفة الزواج: لا
تتزوج.لاتنجب اولادا ثم يمسك بيده ويحلم انه سيعود إلى القصر . وأن كل شيئ
سيأخذ مجراه الطبيعي كما في السابق. بدأت الوالدة تبكي عندما قال إنه يشعر
بالبرد. هذ هي التعاسة التي حاولت أن تخفيها عنا قد عادت إلى الظهور. طلب
غطاء ولم يخف البرد الذي يشعر به. طلب الطبيب من الوالدة ألا تفقد الأمل.
وأن تضع ثقتها في الله. وعندما يتكلم طبيب على هذا النحو فمعنى ذلك أن
الموت لم يعد بعيدا عن البيت. ناوله الطبيب حقنة غفا بعدها لحظات.
بعدها دخل في مرحلته الأخيرة. كف عن الكلام. بالإشارة فقط يتكلم. نصفه
الأيمن شل. واعوجت شفتاه حتى لامستا أذنه. العجوز يبدو صغيرا وتافها.
ومشوها وكأنما لم يعرف الشباب طريقا إلى حياته. يحملق فينا بعينيه
الصغيرتين المشوهتين. كما لو كان يسخر. يبدو بالغ التشوه. ويبدو كما لو
كانت هذه صورته منذ الأول. وقد بلغت الآن حدها الأقصى. من المستحيل أن تكون
امرأة ما قد أحبته. أو حتى قبلته على فمه المنكمش المعوج والخالي من
الأسنان. واليائس. قد يكون ولد على هذه الصورة. عجوزا عاجزا وبدون أسنان.


يوسف فاضل: «من لا دارجة له لا عربية له»

دأب يوسف فاضل على القول إن الزاد الأول للكاتب هو طفولته. وفيما يخص
طفولته، فالصور الأكثر حضورا في هذه الطفولة هي صورة المخزن الذي كان يبث
الرعب والخوف في نفوس الجميع.
في ظل هذا العنف الذي نشأ في ظله الكاتب أضحت البلاد، بهذا العنف، تبدو له
كغابة. ولم يعمل كاتبنا في نظره، سوى على الكشف عن ظلال هذه الغابة.
أما الزاد الثاني الذي ركز عليه الكاتب فهو المدينة التي ينشأ فيها الكاتب
ويشب. وما دامت الدار البيضاء هي موطئ رأس الكاتب فلابد له، في كتاباته، أن
يواجه هذا الغول حيث يعيش الأغنياء الوقحون إلى جانب المعدمين والفقراء
المذلين. مدينة المتناقضات والمفارقات.
أما الزاد الثالث للكاتب فهم الكتاب المفضلون لديه. وبالنسبة للكاتب فهو
لا يخفي تعلمه من محمد شكري ومحمد زفزاف وآخرين، سواء على الصعيد العربي أو
العالمي.
والزاد الرابع للكاتب هو لغته. ويوسف فاضل يميل إلى لغة عارية تعري وتفضح
ولا تنافق أو تتقنع بأقنعة ما. والعربية في نظره لا متعة فيها إلا لأنها
تماحك الدارجة اللغة الأم. ولولا الدارجة، في نظر الكاتب، ما تحملت العربية
كلكل القرون الماضية فالدارجة، في نظره، تضعه في مكانه وزمانه المناسبين.
يقول: «من لا دارجة له لا عربية له«.


الأعمال الروائية والمسرحية ليوسف فاضل


1983، الخنازير (منشورات الجامعة)
1990، آغمات (منشورات الفنك)
1992، سلستينا (منشورات نجمة)
1996، ملك اليهود (منشورات الرابطة)
2001، حشيش (منشورات الفنك)
2006، مترو محال (منشورات الفنك)
2008، حديقة الحيوانات (منشورات الفنك)
إضافة إلى أعماله الروائية له مسرحيات:
« حلاق درب الفقراء» و«صعود وانهيار مراكش» (مطبعة الأندلس 1980)
«سفر السي محمد»: مؤسسة بنشرة (1984)
«جرب حظك مع سمك القرش» (منشورات عيون 1978)
.. إلخ.
كما كتب سيناريوهات أعمال تلفزية وسينمائية وخاض تجربة إخراج فيلم تلفزيوني بعنوان «طعم الصداقة»


الملحق الثقافي - الاتحاد الاشتراكي

21-10-2011

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى