صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

الأدب والإسلام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الأدب والإسلام

مُساهمة من طرف said في السبت 14 يناير 2012 - 16:54

بِمَا أن الإسلامَ دِينٌ سَمَاويّ، وبِما أنه منهجُ حياة، فإنه لَمْ يُقَيِّدِ الأدبَ بالنظريات كما فعلتْ الفلسفةُ في الغرب. وإنّما اقْتَصَرَ على رَسْم مَعَالِمَ كبرى للأديب، باعتبارها أمرا ثابتا؛ لكن، في الوقت ذاته، سَمَح للأدبِ بأن يعرف تحولاتٍ عديدةً، لكنها تحولاتٌ فِي إطار ثابت.
إن التحولَ في إطار الثبات، هو روح الإسلام. فهذا الدينُ يُقَدِّمُ للفرد أصولا، وفروعا. تَتَّسِمُ الأصولُ بالثبات، والفروعُ بالتحول تَبَعاً للتحولات التِي تَطْرَأُ على المجتمع الإسلامي. فهذه الروح هي سِمَةُ الإنجاز الحضاري الإسلامي.

لِنأخذ
على سبيل المثال، اللغةَ. فالعربيةُ التِي نتحدثُ بِها اليوم، لا تَختلفُ
كثيرا عن اللغة العربية التِي كان يتحدث بِها أسلافُنا.والدليل على هذا
القول أننا لا نزال نقرأ أمرأَ القيس، ونفهمُه، بخلاف القارئ الغربي الذي
لا يستطيع أن يَنْعَمَ بتراثه الأدبي، انطلاقا من قُدُرَاتِهِ المعرفية
الذاتية، وإنّما هو بحاجة إلى وسيط. فلكي يقرأ القارئُ الفرنسي أنشودة
رولان la chanson de Roland1 ،فإنه بحاجة إلى من يترجمها له، من فرنسيتها
القديمة إلى فرنسية معاصرة. وذلك لأن اللغةَ في الغرب تتطور باستمرار. وهذا
لا يعنِي أن العربيةَ جامدةٌ، بل هي لغةٌ تتطور، ولكن في إطار ثابت. وهذا
الإطار الثابتُ هو من سِمات الحضارة الإسلامية. وقد انعكس هذا على الإنجاز
الأدبي. فهذا الأدبُ هو أيضا يعرف تحولاتٍ في إطار ثابت. وهذا ما يُفَسِّر
غيابَ المدارس الأدبية. مِمّا يجعلنا نقول: إن دراستنا هذا الأدبَ ينبغي أن
تَتِمَّ بشكلٍ يختلف عَمّا هو قائمٌ في الغرب، حيث يُدْرس الأدبُ حسب
العصور. وقد استوردنا هذا المنهجَ، فتحدثنا عن أدب جاهلي، وأدبٍ إسلامي،
وأدب أموي، وأدب عباسي، وأدب حديث (...) وكأن الأدبَ العربي في كل عصر من
هذه العصور، يُمثل تيارا متميزا .في حين أن هذا الأدبَ، في مختلِف عصورنا
السياسية، قائمٌ على عناصرَ ثابتةٍ . ولَمْ يتصرف العصرُ إلا في العناصرِ
القابلةِ للتحول، وهي قليلةٌ. فهل يَحق لنا أن نَضَعَ الأسئلة التالية؟:
- في أيِّ عصر سياسيٍّ ظهر أدبٌ عربِيٌّ قائم على العقل، ومُخَاطِبٌ النخبةَ ،مع التمسك بالعقل؟
- في أيّ عصر ظهر أدب عربي يَهْتَمُّ بالخيال، وبالخوض في أعماق النفس البشرية؟
- في أي عصر ظهر أدب عربي يهتم بلغة الإيحاء، والإشارة، بدل اللغة الواصفة المباشرة؟
- (...)
لو
كان الأمر يتعلق بالأدب الغربي، لَكانَ بإمكاننا أن نُجيب بسهولة عن
الأسئلة السابقة، وذلك بأن نُحَدّد العَصْرَ الذي اتَّسَمَ أدبُه بالخضوع
للعقل، والعَصْرَ الذي تأججت في آدابه روحُ الخيال... لكنّ هذا صعبٌ، حين
يتعلق الأمر بالأدب العربي ، لماذا؟.
إن حضارتنا الإسلامية لا تقوم على
الثنائية كما في الغرب، وإنّما تقوم على الزَّوْجِيَة2. فالثنائيةُ جوهرُها
الصراع، وهو من خصائص الحضارة الغربية. وتقوم الزوجيةُ على التكامل بين
عنصري المادة ،والروح. وهذا من خصائص الحضارة الإسلامية.
فالعقلُ،
والحسُّ، يتكاملان في الإنتاج الأدبي العربي الإسلامي. وهذا أَنْتَجَ
بلاغةً مُخالفةً للبلاغة الغربية. حيث تقوم البلاغةُ العربية الإسلامية على
أصل ثابت؛ وهو الاهتمام بالْمُخَاطَبِ. فالتحولاتُ التي تطرأُ على النص
الأدبي، مَرَدُّها إلى تَحولاتٍ تَطْرَأُ على المخاطَب نفسِه، باعتباره
ذاتا، وواقعا. وقد تَمَظْهَرَ هذا فِي النص الدينِيِّ أولاً، ثُم في النص
الأدبِّي ثانيا.
أ- النص الدينِي

1- القرآن الكريم:إِنَّ
الْمُطَّلِعَ على القرآن الكريم، سيلاحظ ، من حيث بلاغتُه3 ،أنه يقوم على
أسلوبين متكاملين، أسلوبٌٍ يُخاطب الوجدان، وآخَرَُ يُخاطب العقل. وخصائصُ
الأسلوب الأول تَختلف بالطبع عن خصائص الأسلوب الثاني. ففي الأول نَجد
الإيجاز، والعنايةَ بالموسيقى اللفظية، مع لغة تتسم أكثر بالإيحاء. وقد
خاطبَ اللهُ سبحانَه وتعالى بِهذا الأسلوب المؤثِّر في الوجدان العربي
الإنسانَ بِمكة، وهو أسلوبٌ مناسبٌ للحالة الانتقالية التِي عليها هذا
الإنسانُ المخاطَبُ، الذي يستعد للانتقال من الكفر إلى الإيمان بالله. فِي
حين اتسم الأسلوبُ الثاني بلغةِ العقل المدعومةِ بالوجدان، ، و هِي لغةٌ
صريحةٌ في أغلبها، تُناسب المخاطَب الذي انتقل إلى دور جديد في حياته
الإيمانية، وأصبح في المدينة المنوّرةِ مستعدا لتلقي التشريع الإلهي،
وبناءِ الدولة الإسلامية. وبِهذا تَحقق البيانُ في الأسلوبين معا.
2-السنة
النبوية:وقامت السُّنَّةُ النبويةُ على البيان القرآنِي، وأعطتْ المخاطَبَ
الاعتبارَ اللازم له، فَكَيَّفَتْ لغتَها تَبَعاً لطبيعته ومستواه.
ولتوضيح هذا الأمرِ نقرأ النصين التاليين:
(أ)-كتب ( إلى أهل فارس4:
"مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى كِسْرَى أَبْرَوِيز عَظِيمِ فارس:
سَلامٌ عَلَى مَن اتَّبَعَ الْهُدَى، وَآمَنَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ.
فَأَدْعُوكَ بِدَاعِيَةِ اللهِ. فَإِنِّي أَنَا رَسُولُ اللهِ إِلَى
الْخَلْقِ كَافَّةً لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ
عَلَى الْكَافِرِينَ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ. فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِثْمُ
الْمَجُوسِ عَلَيْكَ."5
(ب)-وكتب لِوَائِل بن حُجْر الحضرمي :"مِنْ
مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى الأَقْيَالِ6 الْعَبَاهِلَةِ7 مِنْ أَهْلِ
حَضْرَمَوْتَ بِإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ على التِّيعَةِ8
الشَّاةُ9، والتِّيمَةُ10 لِصَاحِبِهَا. وَفِي السُّيُـــوبِ11
الْخُمُـــــسُ،
لا خِلاَطَ12 وَلاَ وِرَاطَ13 وَلاَ شِنَـــــــاقَ14
وَلاَ شِغَارَ15. وَمَن أَجْبَى16 فَقَدْ أَرْبَى17 وَكُلُّ مُسْكِرٍ
حَرَام."18
فنحنُ أمام نصين مختلفين من حيث اللغةُ. فانطلاقا من مسيرة
الأدبِ في ظل الحضارة الغربية، فإن النصَّ الأول، إذا افترضنا أنه نصٌّ
أدبٌّي، نَصٌّ لا نعرف صاحبه،نَصٌّ ينتمي إلى عصرٍ ساد فيه ذوقٌ أَدَبِيٌّ
قائم على اللغة البسيطة، التي تُخاطب عامة الناس. بينما النصُّ الثاني،
لابُدَّ أن يكون، قد قِيل في عَصْرٍ مختلف،عَصْرٍ يَميل الذوقُ فيه إلى
الجزالة في اللغة، وإلى مخاطبة النخبة، كالعصر الكلاسيكي. ولكن نَعْلَمُ أن
النصين معا من إنْجاز فرد واحد، فِي عصر مُحَدَّدٍ، وفي فترة زمنية واحدة.
فلماذا جاءت لغةُ النص الأول بسيطةً، وسهلةً. وجاءت لغةُ النص الثاني
بدويةً جَزْلَةً؟
إن الأمرَ بسيط، ذلك بأن الاختلافَ بين اللغتين، راجعٌ
إلى الاختلاف الملموس، والواضح، في المخاطَبين. فقد خاطب الرسولُ الكريمُ
بالأسلوب الأولِ كسرى، وهو أسلوب مناسب لِمَقامه، يقوم على "اللغة
اليومية". بينما خاطبَ بالأسلوب الثاني أعرابياً، لا يناسبه سوى تلك اللغةِ
الجزلة. فالبيانُ حاصلٌ في النصين معا، لكون بنائهما اللغوي منسجما مع
المخاطَب.
ب- النص الأدبِي
لم يَخرج النصُّ الأدبي المنجَزُ في
الحضارة الإسلامية عن بلاغة القرآن، والسنة. فقد قيل لبشارِ بنِ بُرْد:
"إِنَّكَ لَتَجِيءُ بِالشَّيْءِ الْهَجِينِ الْمُتُفَاوِتِ. قَالَ: وَمَا
ذَاكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَيْنَما تَقُولُ شِعْراً تُثِيرُ بِهِ النَّقْعَ
وَتَخْلَعُ بِهِ القُلوبَ مِثْلَ قَوْلِكَ:
إِذَا مَا غَضِبْنَا غَضْبَةً مُضَــــرِيَّةً
هَتَكْنَا حِجَابَ الشَّمْسِ أَوْ تُمْطِرَ الدِّمَا
إِذَا مَا أَعَرْنَا سَيِّداً مِـنْ قَبِيلَـــةٍ
ذُرَى مِنْبَرٍ صَلَّـى عَلَيْنَا وَسَلَّمَــا

تَقُولُ:

رَبَابَــةُ رَبَّةُ الْبَيْتِ
تَصُبُّ الْخَلَّ فِي الزَّيْتِ
لَهَا عَشْرُ دَجَاجَـاتٍ
وَدِيكٌ حَسَنُ الصَّوْتِ

فَقَالَ
: لِكُلِّ وَجْهٌ وَمَوْضُوعٌ. فَالْقَوْلُ الأَوَّلُ جِدٌّ. وَهَذَا
قُلْتُهُ فِي رَبَابَةَ جَارَتِي، وَأَنَا لاَ آكُلُ البَيْضَ مِنَ
السُّوِقِ. وَرَبَابَةُ هَذِهِ لَهَا عَشْرُ دَجَاجَاتٍ وَدِيكٌ. فَهِيَ
تَجْمَعُ لِي الْبَيْضَ وَتَحْفَظُهُ عِنْدَهَا. فَهَذَا عِنْدَهَا مِنْ
قَوْلِي أَحْسَنُ مِنْ:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ"19
يتضحُ
من هذا النص، أَنَّ لتائيةِ بَشّارٍ، ولاميةِ أمرئ القيس، قيمةً أدبيةً
واحدةً، على ما بينهما من اختلافٍ واضحٍ، من حيثُ مكوناتُهما الجمالية.
وهذا الاختلاف مَرَدُّهُ إلَى اختلافِ مُخَاطَبِ كلِّ نص. فلو خاطبَ بشارٌ
ربابةَ بأسلوب ميميتِه، أو بأسلوب لامية امرئ القيس، لَمَا كان في التائية
بيانٌ. ومثلُ هذا الوعي لَم يكن حاضرا، في تقديري ، عند بعض المتصوفةِ
الذين خاطبوا الجمهورَ بلغةِ الخاصة؛ فكانت النتيجةُ أن اتُّهم بعضُهم
بالكفر. يقول الحلاج:

كَفَرْتُ بِدِينِ اللهِ وَالْكُفْرُ وَاجِبٌ
عَلَيَّ وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ قَبِيـــحُ

فالمخاطَب،
من خارج دائرة القوم ، مُحِقٌّ إذا اتَّهم الشاعرَ بالكفر. فالكُفر صريح
في النص. لكن أَمَجنون هذا الشاعرُ فَيُصَرِّحَ أمام الملأ بكفره؟ ! لاشك
أنه كان يعلم عاقبة من يُصَرِّح بكفره، بعد إسلامه. هذا يَجعلنا نَميل إلى
أن للكفر في النص دلالةً غيرَ الدلالة المعروفة التِي جاء بِها الإسلام،
وذلك بأن الشاعرَ استعمل "كفر" بِمعناها اللغوي فـ "يكفر بدين الله" أي:
يغطيه ولا يبوحُ به. ومُخاطَبُ الحلاج لا يفهم هذا. من هنا فإن البيت ليس
فيه بيانٌ؛ لكونه تَجاهَلَ الْمَقام، وتَجاهلَ طبيعةَ الْمُخاطَب.
هذا لا يعنِي أن لغةَ الإشارةِ مرفوضةٌ في حضارتنا، وإنّما هذه اللغةُ لا تَحضرُ إلا حين يكون المخاطَب من أهل الإشارة.
فهذا
عبدالله بن سَلاّم رأى "على رَجُلٍ ثوبا مُعَصْفَراً20 فَقَالَ لَهُ: لَوْ
أنَّ ثَوْبََكَ فِي تَنُّورِ أَهْلِكَ أَوْ تَحْتَ قِدْرِهِمْ كَان
خَيْراً. فَذَهَبَ الرَّجُلُ وَأَحْرَقَهُ نَظَراً إِلَى حَقِيقَة قَوْلِ
عَبْدِاللهِ، وَظَاهِرِ مَفْهُومِهِ. وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمَجَازَ
مِنْهُ، وَهُوَ : لَوْ صَرَفْتَ ثَمَنَهُ إِلَى دَقِيقٍ تَخْبِزُهُ أَوْ
حَطَبٍ تَطْبَخُ بِهِ كَاَن خَيْراً".21
فعبد الله هذا، صاغ نَصَّه
بلغةٍ أدبية راقية، لكنَّ مُخاطَبَهُ لَمْ يكن قادرا على إدراكها.وبِهذا،
فهذا النص، على ما به من مكونات بلاغية جيدة، ليس نصا مبينا؛ لأن الرسالةَ
التِي يَحملها، لَم تصل إلى المتلقي المقصود.
وجاء في سِمط اللآلئ
"أَنَّ بَكْراً وَتَغْلِبَ لَمَّا سَئِمُوا الْحَرْبَ وَطَالَ ذَلِكَ
عَلَيْهِمْ اتَّخَذَ مُهَلْهِلُ بْنُ رَبِيعَةَ عَبْدَيْنِ، فَكَانَ يُغِير
بِهِمَا عَلَى قَبَائِلِ بَكْرٍ. فَسَئِمَ الْعَبْدَانِ أَيْضاً ذَلِكَ.
فَأَجْمَعَا عَلَى قَتْلِ سَيِّدِهِمَا. فَلَمَّا تَيَقَّنَ مُهَلْهِلٌ
أَنَّهُمَا قَاتِلاهُ، قَالَ: إِنْ كُنْتُمَا لابُدَّ فَاعِلَيْنِ
فَأَبْلِغَا الْحَيَّ وَصِيَّتِي. ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُول:
مَنْ مُبْلِغُ الأَحْيَاءَ أَنَّ مُهَلْهِلاً
للهِ دَرُّكُمُو وَدَرُّ أَبِيكُمُــو
فَقَتَلاهُ.
ثُمَّ رَجَعَا إِلَى الْحَيِّ، فَقَالا: إِنَّ مُهَلْهِلاً مَاتَ،
وَدَفَنَّاهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا. قَالُوا: فَهَلْ وَصَّى بِشَيْءٍ،
قَالا:نَعَمْ. قَال: وَأَنْشَدَا الْبَيْتَ فلَمْ يَدْرِ الْقَوْمُ مَا
مَعْنَى ذَلِكَ حَتَّى أَتَتْ ابْنَتُهُ، وَكَانَتْ غَائِبَةً عِنْدَ
زَوْجِهَا فِي بَعْضِ الأَحْيَاءِ. فَأَنْشَدُوهَا مَا قَالَ أَبُوهَا.
فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي يُخْبِرُكُمْ أَنَّ الْعَبْدَيْنِ قَتَلاهُ. ثُمَّ
قَالَتْ إِنَّمَا أَراَدَ:

مَنْ مُبْلِـغُ الأَحْيَاءَ أَنَّ مُهَلْهِلاً
أَمْسَى صَرِيعاً فِي الضَّرِيحِ مُجَدَّلا
للهِ دَرُّكُــمُ وَدَرُّ أَبِيكُــمُ
لا يَبْرَحِ الْعَبْدَانِ حَتَّى يُقْتَـلا 22

إن
المهلهلَ الذي عَرَفَ أنه سَيَمُوت، كتب وصيتَه شعرا، وبلغة إيحائية. وفي
ذهنه مُخاطَب مُعَيَّن، عالِمٌ بأسرار شِعْرِه. ولَمْ يكن هذا المخاطبُ سوى
ابنتِه. فلو كَتَبَ الوصيةَ بلغةٍ واضحة لَفَهِمَ العبدان المدلولَ،
وكَتَمَا السِّرَّ... وبِهذا ستكون الوصيةُ عاجزةً عن أداء رسالتها.

اَلْخَاتِمة

اِتَّضح من خلال هذا العرض، أن الحضارةَ الغربية تقوم على الصراع بين عنصري كلِّ ثنائية على الشكل التالِي :

العقل/الحس
الجسد/الروح
المجتمع/الفرد
الواقعية/المثالية
النخبة/العامة
السيد/العبد
المضمون/الشكل
الثبات/التحول
القواعد/الحرية
الموضوع/الذات
الوضوح/الغموض
(...)/(...)

وهذا
الصراعُ قائمٌ على مستوى المجتمع، وعلى المستوى الفلسفي. والغَلَبَةُ لابد
أن تكون لأحد العنصرين. فحين يغلب (أ) فإن قِيَمَهُ هي التِي تسود في
المجتمع، وفي الفلسفة، وفي الأدب. وحين يَضْعُفُ يَسْتَوِلِي (ب) على
السلطة، فيفرضُ قِيَمَهُ على المجتمع، والفلسفة، والفكر الأدبي. وحين يضعف
يتولى الحكم من جديد (أ) ولكن في ثوب جديد. وبِهذا فإن هذه الحضارةَ تقمع
المجتمعَ عامةً، والفردَ خاصة؛ لأن عليه أن يسير مع التيار، وإلا رفضته
المدينةُ الفاضلة التي شَيَّدَتْهَا هذه الحضارة.
أما الحضارةُ
الإسلامية فهي لا تعرف هذا الصراع؛ ذلك بأنّها تنظر إلى عنصري العقل والحس
باعتبارهما زوجين. وهذا أَسَّسَتْهُ العقيدة، ذلك بأن الإسلامَ حاضرٌ في أي
نشاط يقوم به المسلم، ولأن الأمرَ كذلك، فإن الأدبَ الْمُنْجَزَ في ظل هذه
الحضارة، يتحول باستمرار، لكن في إطار ثابت، وهذا ما يفسر غياب المدارس
الأدبية.
ثَمَّةَ ثنائيةٌ هامة في الحضارة الغربية، وهي:
-الذات والموضوع
-الأنا والآخَر.
فالذات/الأنا
هي دائما في صراع مع موضوعها/الآخَر. بينما هما في الحضارة الإسلامية
متكاملان، والذات تدخل في زواج مع موضوعاتِها المتعددة؛ أي: إن الأنا في
حضارتنا الإسلامية تتكامل وذوات الآخرين.
يقدم هذا العرضُ ، بطريقة غير
مباشرة ، إجابةً عن ماهية الأدب الإسلامي ،كما ندعو إليه بِمجلة المشكاة .
فهو الأدبُ الخاضع لروح حضارتنا الإسلامية ، كما وضحنا في ثنايا هذه
الدراسة.
تَحدثنا عن أهمية الْمُخَاطَب في البلاغة العربية، وبَيَّنا
أن النص الدينِي يُولي اهتماما كبيرا لِهذا الْمُخَاطَب ؛ لأن الرسالة جاءت
من أجله . فَلابُدّ أن يَتَحَوَّل أسلوبُ الخطاب تبعا للمخاطَب المستهدف .
وكان الشعرُ العربي الْمُنْجَزُ في ظل حضارتنا، قائما على البلاغة
الدينية نفسها . ذلك بأن أغراضَ الشعر العربي، تتطلب التمسكَ بِهَذه
البلاغة . فكان النقدُ العربي يقدم للشاعر القواعدَ التِي تساعده على
تَجويد صناعته؛ لتنال قَبُولَ مَنْ تُوَجَّهُ له. وهذا واضح في العمدة
خاصة، حيث يقدم ابنُ رَشِيق سُبُلَ المدحِ، وهي كثيرة. فَلِمَدْحِ
الْمَلِكِ سَبِيلٌ غَيْرُ سبيلِ مَدْحِ السُّوقَة23....
لكن الشعر
العربي، في العصر الحديث، عرف تحولاتٍ كبرى، أَهَمُّها تَخليه عن أغراض
الشعر المعروفة ، وأصبح يهتم بذات الشاعرِ في علاقتها بِذَاتِها، أو في
علاقتها بالآخر . ولهذا لَم تَعُدْ هناك حاجةٌ إلى ربط بلاغة النص الشعري
بالمخاطَب، وإنّما أصبحت الحاجة إلى ربط النص بالتجربة . فالتجربة هي
المتحكمة في شكل النص، وبلاغته. ويتحقق البيانُ حين ينسجم النصُّ الشعري ،
بِمعناه ومبناه ، والتجربةُ الْمُعَبَّرُ عنها به .

تم انجاز هذا العمل بوجدة سنة 2004
(ملاحظة : هذا العرض هو القسم الثاني من كتيب معد للنشر بعنوان : الأدب بين الفلسفة والإسلام )
هوامش:
1
- ألفت هذه الملحمة حوالي سنة 1170م لمؤلف مجهول ، سماه بعضهم Turoldus،
تتألف هذه الملحمة من 4002 بيتا، ألهمت فكتور هوجوVictor Hugo ( 1802م
-1885م ) مطولته أساطير القرون La Légende des sièclesولعل هذا الشاعر
الرومانسي هو الذي أوحى لأمير الشعراء بكتابة مطولته كبار الحوادت في وادي
النيل التي قالها في المؤتمر الشرقي الدولي المنعقد في جنيف في شتنبر عام
1894 ومطلعها:
هَمَّتِ الْفُلْكَ وَاحْتَوَاهَا الْمَاءُ وَحَـدَاهَا بِمَنْ تُقِلُّ الرَّجَاءُ
2 - سبقني الصديق الشاعر حسن الأمراني إلى استعمال هذا المصطلح
3
- القرآن كتاب الله ؛ لهذا لا ينبغي اعتباره نصا أدبيا ؛ لأنه يقوم على
الحق، في حين يقوم الأدب على الكذب.ونحن في هذه الدراسة، نتحدث عن بلاغته ،
وليس عن أدبيته.
4 - حديث رسول قمة في البلاغة ، ومع هذا فهو ليس أدبا.الحديث إلهام من الله، والأدب مصدره ذات المبدع، والذات تتحكم فيها الأهواء
5 - كتاب الصناعتين للعسكري .تح : علي محمد البجاوي وأحمد فضل إبراهيم.
دار عيسى البابي الحلبي وشركاؤه. ص : 161
6 - الأقيال ، جمع قَيل: الملك ، أو من ملوك حمير.
7 - العَبَاهِلَة : الأقيال المقرون على ملكهم فلم يزالوا عنه
8 - التِّيعَةُ :الأربعون من الغنم أوأدنى ما تجب فيه الصدقة من الحيوان
9 - الشاة : الزائدةعلى الأربعين حتى تبلغ الفريضة الأخرى
10 - التِّيمَةُ :الشاة تكون لصاحبها في منزله يَحتلبها وليست بسائمة.ما يُعلق على الصبي
من تميمة أو خَرَزة.الشاة تُذبح في المجاعة
11 - السُّيُوب : الرِّكاز لأنها من سَيْب الله وعطائه ( والركاز مارَكَزَهُ الله تعالى في الأرض
من المعادن في حالتها الطبيعية
12 - خِلاط : اختلاط الإبل
13 - الوِراط : الخديعة في الغنم وهو أن يجمع بين متفرِّقين أو يفرَّق بين مجتمعين.
الخديعة والغش.، وقيل : إن معناه كقوله لا يُجمع بين متفرق ولا يُفرق بين مجتمع
خشية الصدقة
14 - الشِّناق :من أَشْنَقَ الرجلُ ماشيتَه إلى ماشية غيره أي : خَلَطَها لتقليل الزكاة، كأن
يكون لكل واحد منهما أربعون شاة فيجب عليهما شاتان، فإذا أَشْنَقَ أحدهما غنمه
إلى غنم الآخر فوجدها المصدِّق في يده أخذ منها شاة فقط.والشناق المشاركة في الشَّنَق
15 - الشِّغار أن يُزوِّج الرجلُ قريبتَه رجلا آخَر، على أن يزوجه هذا الآخر قريبته بغير مهر منهما
16 - أَجْبَى : الإجباء أن يُغَيِّب الرجل إبلَه عن المصدق من أجبأته إذا واريته
17 - أَرْبَى : أتى الربا، أو عَمِل به
18 - كتاب الصناعتين . ص:161
19 - الأغاني . دار الكتب.3/162
20 - عَصْفَرَ الثوْبَ: صبغَه بالعُصْفُرِ(والعصفر نبات يثستخرج منه صِبْغ أحمر ) فالثوب معصفر
21 - المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لضياء الدين بن الأثير . تح: د.أحمد الحوفي
و ذ.بدوي طبانة.دار نهضة مصر للطبع والنشر، الفجالة ? القاهرة.3/65 وما بعدها
22 - سمط اللآلي، يَحتوي على اللآلي في شرح أمالي القالي للوزيز أبي عبيدة البكري .
نسخه وصححه ونقحه: عبد العزيز الميمني.مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر
1354/1936 ـ الجزء الأول ص:27 . وانظر العمدة بتحقيق قرقزان 1/524
23 - العمدة 2/771 وما تلاها
13/1/2012 - العلم الثقافي

محمد علي الرباوي


said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأدب والإسلام

مُساهمة من طرف احمد البقيدي في السبت 14 يناير 2012 - 19:42

لله درك يا سعيد
احسنت الاختيار والادراج
نص غني ممتع ولاغرو فهو للدكتور الشاعر المتميز محمد علي الرباوي يرصد من خلاله خصوصيات اللغة والادب العربي والحضارة الاسلامية
انصح بقراءة النص اكثر من مرة
شكرا سعيد
احمد البقيدي

_________________
ياأهـيل الربع مرحى=في صدى الفكرالمصان
الزواقــــــين تنـــادي = فادخــــلوها بأمــان
من فرنسا وهلــــــندا =لربــــــاط وعمــــان
فهي تدعــو كل صب = لمغانيها الحســــان


احمد البُقيْدي
من قصيدة (تحية صدى الزواقين
)

احمد البقيدي
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 269
العمر : 60
Localisation : المغرب ــ وزان ــ
تاريخ التسجيل : 25/02/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى