صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

في الحاجة إلى الماضي البسيط الوعي بقضية المرأة في رواية " الماضي البسيط" لإدريس الشرايبي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

في الحاجة إلى الماضي البسيط الوعي بقضية المرأة في رواية " الماضي البسيط" لإدريس الشرايبي

مُساهمة من طرف عبدالله في الأحد 1 أبريل 2012 - 22:04



خصني الصديق المترجم والباحث محمد التهامي العماري*بشرف الإطلاع على مخطوطة ترجمته لرواية الماضي البسيط للمرحوم إدريس الشرايبي، التي ستصدر قريبا عن المركز الثقافي العربي. فلما قرأت الترجمة، بعد عقدين تقريبا على قراءة الأصل الفرنسي، لفت نظري الوعي النقدي الاجتماعي الذي تزخر به، والذي يعتبر متقدما جدا بالنظر لتاريخ صدورها(1954)، ذلك أن كتابنا، سواء بالعربية أو بالفرنسية، ما زالوا غارقين في أحلامهم الرومانسية، أو مستغرقين في حماسهم الوطني وحلمهم بالاستقلال.
وقد مكن هذا الحس النقدي المتأجج الكاتب من وضع أصبعه على مجموعة من الظواهر الاجتماعية، أعتبرها سبب ضعفنا وتخلفنا، ومن ثمة استعمارنا. ونحن هنا لن نستقصي كل تلك الظواهر الاجتماعية التي لامستها الرواية، بل سنقتصر على ظاهرة واحدة تتعلق بوضع المرأة في المجتمع المغربي في ذلك الإبان، لاسيما وأن العالم يحتفل هذه الأيام باليوم العالمي للمرأة، في أفق البحث في قضايا ذات علاقة بمجال التعليم والتربية في وقت لاحق.




ادريس الشرايبي



1
-رواية الماضي البسيط: الرواية التي ملأت الدنيا وشغلت الناس
صدرت هذه الرواية سنة 1954 عن دار "دانويل" الفرنسية. وقد أثار صدورها ضجة عنيفة دخل على إثرها صاحبها إلى عالم الأدب بطريقة صاخبة. فلأول مرة يجرؤ كاتب بدولة لاتزال مستعمرة على اعتبار البنيات الاجتماعية والإيديولوجية الجامدة والمتخلفة في بلده مسؤولة على استعماره.
وفي الوقت الذي استقبل قطاع واسع من النقد الفرنسي الرواية بالحفاوة والإطراء، باعتبارها نقلة نوعية في الكتابة الروائية بالفرنسية بالمغرب العربي، تصدى لها كثير من أبناء الوطن، متهمين صاحبها بخيانة القضية الوطنية، والعمالة للمستعمر، باعتبار أن الصورة التي عكسها في روايته عن المجتمع المغربي تقدّم للمستعمرين الذرائع لاستمرارهم بسط سيطرتهم على البلد. فما موضوع هذه الرواية؟ وما القضايا الاجتماعية التي تناولتها؟
تُسرد رواية "الماضي البسيط" بضمير المتكلم على لسان بطلها المسمى "إدريس فردي"1، وهو مراهق مغربي درس بالمدارس الفرنسية، يواجه أباه، وهو رجل متسلط ينعت في الرواية بـ"السيد" (seigneur)، حريص على التحكم في أفراد أسرته، وتوجيه حياتهم وفق مشيئته، مستعملا في ذلك كل أساليب التطويع من إذلال وقمع وتعنيف، حتى أن الأمر بلغ به إلى حد قتل أحد أبنائه، لمجرد أنه عصى أمره، كما أنه دفع زوجته إلى الانتحار في آخر الرواية، بعد أن أذاقها الأمرين.
أنجب هذا الأب من أم السارد سبعة أطفال ذكور. وإذا كانوا قد ظلوا كلهم خاضعين للأب على غرار أمهم، فإن السارد سيشق عليه عصا الطاعة، مدفوعا بما لقنه من أفكار ومبادئ وقيم في المدرسة الفرنسية التي حرص الأب نفسه على إرساله إليها. وهكذا سينتفض الابن المتعلّم على أسلوب أبيه في معاملة زوجته وأطفاله، وسيبلغ به الأمر إلى محاولة اغتياله، مما سيدفع بالأب إلى طرده من البيت. وأمام سلبية الأم والإخوة، وتنكر الأصدقاء له، سيضطر إلى العودة إلى بيت أبيه ليكتشف أن أمه انتحرت. لكنه هذه المرة سيلجأ إلى المداهنة والمداراة عوض المواجهة لينتزع من أبيه الموافقة على إرساله إلى فرنسا لمتابعة دراسته، لاسيما وأنه حصل على شهادة الباكلوريا بامتياز؛ وبذلك تنتهي الرواية وإدريس متوجه لفرنسا بالطائرة.
لقد وجه الكاتب في هذه الرواية سهام نقده اللاذع للمجتمع المغربي، معتمدا منظورا واقعيا، لكن دون أن يسقط في التسجيلية الساذجة. ومن القضايا الاجتماعية التي عالجها، والتي ستصير تيمات مركزية في الرواية المغربية، بل المغاربية، فيما بعد، نذكر:
-التمرد على المجتمع الأبيسي وسلطة الأب المطلقة.
-نقد الظلم والحيف الذي يمارسه المجتمع على المرأة.
-اضطهاد الأطفال وفساد المؤسسات التعليمية التقليدية.
-نقد العلاقات الفيودالية القائمة على الاستغلال البشع.
-نقد الطبقة البرجوازية وفضح فسادها ونفاقها ورجعيتها...
ونحن في هذه المقالة كما أسلفت لن نعنى إلا بتيمة واحدة هي صورة المرأة في الرواية.
2- صورة المرأة في الماضي البسيط
تحضر المرأة في الرواية بشكل كثيف من خلال شخصيات عديدة لعل أهمها هي شخصية الأم. وإذا كانت صورة الأب في النص تعكس القوة المتسلطة الغاشمة، الساعية لفرض هيمنتها على كل من حيط بها، فإن شخصية الأم تترجم الظلم والاستسلام والإذعان: إنها نموذج للسلبية، تقتصر حياتها على خدمة السيد وأبنائه، على الإنجاب وتربية النسل. ومثلما هي خاضعة لسلطة الأب، فهي خاضعة أيضا لسلطة الخرافات.
والواقع أن وعي إدريس الشرايبي الشديد بالاضطهاد الذي كانت تتعرض له المرأة ? ولا تزال- في المجتمع المغربي نابع من المفارقة التي عاينها بين تعامل المجتمع الغربي معها، في المتخيل على الأقل، وبين واقعها عندنا. يقول: "لاحظوا: كنت أقرأ لامارتين وهوغو وموسي... كانت المرأة في الكتب، في العالم الآخر، محتفى بها وتحظى بالإعجاب والتبجيل. وحين كنت أعود إلى البيت، كانت تقع عيني، وكذلك إحساسي، على امرأة أخرى، أي أمي التي كانت تبكي ليل نهار لأن أبي كان يرهق حياتها. أؤكد لكم أنها لم تخرج من بيتها لمدة ثلاثة وثلاثين عاما..."2
وتتخذ مظاهر قهر الأم في الرواية أبعادا متعددة، حرص الشرايبي على تصويرها بعناية، ويمكن إيجازها فيما يلي:
-بمجرد ما بلغت سن المراهقة، حبست ،على غرار كل البنات آنذاك، في البيت إلى أن حان موعد زواجها الذي لم يتأخر. فقد تزوجت وهي ابنة الخامسة عشرة عاما. لم تستشر في ذلك، بل قام الأهل بترتيب كل شيء إلى أن وجدت نفسها ببيت الزوجية. حينئذ أحكم الزوج قبضته عليها، وسجنها بين الأسوار طيلة حياتها "...فما هي إلا امرأة يستطيع السيد تقييد رجليها. هو من يتحكم في حياتها ومماتها. أسكنها دائما في بيوت بأبواب محصنة ونوافذ مسيجة، ولا ترى من أسطحها غير السماء والصوامع..."3 ،وهي لا تبرح هذا المعتقل إلا في ظروف استثنائية مثلما حصل لما أوشك السيد على الإفلاس، فبعثها مع ابنها إدريس من البيضاء إلى فاس لكي تتوسّل لجدها الولي الصالح لعله ينفّس عنه كربته. يقول السارد وهما في طريقهما إلى فاس في الحافلة: "وها قد مرّت فترة طويلة على تخليها عن البكاء والتوسل لكي يسمح لها بزيارة هذه المدينة ولو لمرة واحدة..."4
وعلاوة على هذا السجن المادي الذي حبست الأم فيه، هناك سجن آخر معنوي يتمثل في الجهل والأمية والإيمان بالخرافات والأباطيل. فعوض أن تقوم بشيء يحررها من الضيم الذي تعيش فيه، نراها طيلة الرواية تدعو الأولياء والصالحين عساهم يهبّون لنجدتها.
-ومن مظاهر قهر المرأة في المجتمع أيضا، هناك الوظائف التي أوكلت لها، وهي وظائف مختزلة في الجانب البيولوجي البدائي أساسا: سد حاجات السيد الأساسية: الأكل وما يرتبط به، الجماع، تربية النسل. هذه الوظائف الكبرى تتفرع إلى مهام صغرى جزئية يحرص الكاتب على تفصيلها بقوله: "...كل ما تقوم به في حياتها هو الأكل والشرب والنوم والجماع. وقد فرض عليها السيد برامج لا تحيد عنها: شاي السيد خمس ساعات في اليوم، مرتين في اليوم، وحسب مشيئته. وخلال الفاصل تطبخ وتنظف وتكنس وتغسل الملابس وتخيط وترقع وترتق وتنسج وتخبز وتقتل الفئران والصراصير وتطحن القمح وتغربله، وتتكلف بـ"الحساب الذهني"، وتطرز المناديل وتضرب على دف صغير وترقص حافية القدمين وتطارد الذباب..."5
يتبدى من هذه اللائحة المفصلة من المهام أن المرأة تضطر للقيام بمهام حاطة بكرامتها، توكل عادة للحيوانات، كقتل الفئران والصراصير ومطاردة الذباب... والأدهى من كل هذا أنها تجبر على القيام بأعمال هي في العادة من اختصاص الرجال، يقول السارد: "...فمن بين مهامها طلاء الجدران بالجير مرتين في السنة، فقد كانت تنجح في آخر المطاف في تبييض المنزل بفضل إصرارها وشجاعتها"6. ورغم قيامها بكل هذه المهام، فهي لا تسلم من تعنيف السيد وبطشه. "...لقد حل بالبيت يا ابني إدريس كالكارثة، وتجول في كل الغرف، ووجد أن الأعمال المنزلية لم تنجز، الغبار تحت الأسرة، والبق في الأفرشة، والجدران أسخن مما ينبغي، والبلاطة أبرد مما يلزم، والهواء ملوث، فلعن أجدادي وهددني بالطلاق."7
ورغم كل هذا الاضطهاد كان عليها أن تلوذ بالصمت، ولا تشتكي. لم يكن مسموحا لها حتى بالبكاء "...كانت تعض منديلا مخرما وهي تنتحب بلا دموع، بلا صوت وبلا ضجيج مثلما انتحبت النساء اللائي بكين لأربعين عاما..."8
-الأم منذورة أيضا للإنجاب. فقد أنجبت سبع مرات، بفارق سنتين بين المرة والأخرى، وبذلك قضت حياتها إما حاملا أو مرضعا "...نعم لقد كانت أمي ضعيفة وخاضعة وسلبية، أنجبت سبع مرات بفاصل عامين بين المرة والأخرى..."9 كل هذا جعلها تعيش للآخرين لا لنفسها، تخدم الزوج وأبناءه غير عابئة بنفسها، ومنكرة لذاتها: "...أما أمي، فهي حنون وخاضعة، طولها متر وستون سنتمترا، ووزنها أربعون كيلوغراما، وقدرها هو أن تهمل نفسها ووجودها. وخلال أربعين عاما عاشتها، ظلت كما هي، لم يتغير فيها شيء."10
- من مظاهر استعباد الأم واضطهادها أيضا أنها تعيش باستمرار تحت تهديد الطلاق الذي يمكن أن يحل بلا سبب معقول، وفي أي لحظة، فتجد المرأة نفسها منبوذة من ذويها، ملامة من كل محيطها، مدانة بجريرة التفريط في زوجها وبيتها! فالزوج يسب ويلعن ويضرب، فإن لم يشف كل ذلك غليله، لجأ للطلاق. وقد صورت الرواية هذا الوضع بطريقة ساخرة لما أشارت إلى حالة خالة السارد كنزة التي طلقها زوجها لا لشيء إلا لأنها قدمت له الحساء باردا في لحظة كان فيها مزاجه متكدرا بسبب الصيام "...في مساء اليوم السابق، قدمت كنزة صحنا من الحساء لزوجها، وكان الحساء باردا، وهو ما لم يرق لزوج خالتي، والنتيجة هو أنه التقط خفه ومضى يطرق باب جاره العدل، وطلق كنزة طبقا للأصول الجاري بها العمل..."11 لكن ما إن راق مزاجه حتى هرع إلى العدل لإرجاع زوجته، وهي بين الطلاق والزواج راضية. بل إنها اعترفت بأنها هي المخطئة، والتزمت بعدم تكرار الخطأ كما جاء في عقد الرجعة الذي صاغه العدل. فكنزة "...هي التي قصرت في أداء واجباتها المقدسة كما يحدث كثيرا في هذه الدنيا، لكنها سرعان ما ندمت على ذلك التقصير، وأقسمت طاهرة بالقرآن الكريم على أنها ستحرص طيلة حياتها على أن تحافظ على الحساء ساخنا حتى يصل سيدها، وهو ما شهد به زوجها ومولاها باركه الله على تيسيره وعفوه السريع..."12 وهكذا تنقلب الحقائق والمعايير، ويصير الظالم مظلوما والمظلوم ظالما يطلب الصفح.
هذه إذن بعض تجليات اضطهاد المرأة في المجتمع المغربي التقليدي آنذاك كما تعكسها الرواية. وينبغي التلميح إلى أن الشرايبي منذ ذلك الوقت المبكر من تاريخ المغرب، كان مدركا بأن جانبا كبيرا من تأخرنا وتخلفنا يعود إلى هذا الوضع المتردي الذي تعيشه المرأة. يقول: "في أساس كل مجتمع هناك الجماعة، ونواة الجماعة هي بالتأكيد الأسرة. فإذا كانت المرأة في هذه الأسرة سجينة ومحجبة ومعتقلة، كما فعلنا منذ قرون، وإذا لم تكن منفتحة على العالم الخارجي، وليس لها أي دور فعال، فإن ذلك ينعكس على المجتمع برمته، إذ ينغلق على نفسه، ولا يعود له شيء يمكن أن يفيد به نفسه أو غيره..."13
إن هذه الرؤية العميقة لوضعية المرأة في المجتمع، وارتباطاتها بالبعد الحداثي في فكر الشرايبي ? والحداثة هنا كمشروع مجتمعي لا كشعار- تضعه في مصاف الكتاب الكبار الذين يصغون لنبض مجتمعاتهم، فيهتدون بحسهم المرهف، ووعيهم التاريخي اليقظ إلى أعطابه ومظاهر القصور فيه.
إن قراءة رواية "الماضي البسيط" اليوم، أي بعد ما يزيد على نصف قرن من صدورها، تفرض علينا طرح سؤال جوهري قد يكون مناسبة لإعادة قراءة الضجة التي أثيرت حولها: ماذا تغير من وضع المرأة بمجتمعنا بعد نصف قرن من الاستقلال؟
إن المتأمل لوضع المرأة بمجتمعنا اليوم يلاحظ أن أمورا كثيرة تغيرت. تعلمت المرأة واشتغلت في كل مناحي الحياة، وتقلدت مسؤوليات في الإدارة والسياسة والاقتصاد... حصلت على كثير من الحقوق تجسدها اليوم مدونة الأسرة وما جاءت به من مراجعات وإصلاحات... لكن رغم كل ذلك، ما زالت العقلية الرجولية الأبيسية مهيمنة. لا تزال ثمة فجوة سحيقة بين الحقوق المسطرة في القوانين، وبين الممارسة الاجتماعية في الواقع. كل هذا يدعونا إلى التساؤل: ألا يعد تغيير العقليات عبر إعادة النظر في تمثلاتنا وتصوراتنا حول المرأة في التعليم والإعلام وإنتاجاتنا الرمزية إجمالا، هو المدخل الحقيقي للحداثة المجتمعية كما حلم بها الشرايبي؟

إحالات:

*-مترجم ممتاز صدر له في هذا المجال: سيميائيات الأنساق البصرية: أمبرتو إيكو، (بالاشتراك مع د.محمد أدادا) دار الحوار، سوريا، 2008؛ ومن الروايات التي ترجمها لكونديرا وصدرت عن المركز الثقافي العربي: كتاب الضحك والنسيان 2009 (حاز جائزة الأطلس الكبير للترجمة)، الهوية (2010)، رقصة الوداع (2010)، غراميات مرحة (2011)...
1 -التبس الأمر على كثير من النقاد بسبب تشابه اسمي بطل الرواية وكاتبها، فتعاملوا معها باعتبارها سيرة ذاتية، بالرغم من أن المؤلف نبه مرارا إلى أن الأمر يتعلق بتخييل روائي.
2-Entretien avec D.Chraibi, Revue Souffles- N?5, Mai 1967, p.5
3-Le passé simple- Driss Chraibi ; Danoel, Paris 1977, p.40/41
4-Ibid- p.65
5-Ibid- p.123.
6-Ibid- p.107.
7-Ibid- p. 28/29.
8-Ibid- p.24.
9-Ibid- p.40/41.
10-Ibid- p.33.
11-Ibid- p.87.
12-Ibid- p87/88.
13-Ibid- p.D.Chraibi- Un ami viendra vous voir- Danoel- p.106.
1/4/2012-العلم الثقافي
محمـــد أدادا



عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 1675
العمر : 46
تاريخ التسجيل : 26/06/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى