صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

هل تنجح الولايات المتحدة في البقاء كقوة عظمى وحيدة في العالم؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

هل تنجح الولايات المتحدة في البقاء كقوة عظمى وحيدة في العالم؟

مُساهمة من طرف منصور في الثلاثاء 8 مايو 2012 - 20:09




شكل
الغزو الأمريكي لأفغانستان في 7 أكتوبر 2001 فاصلا محوريا في معركة
الولايات المتحدة الأمريكية من أجل توسيع نطاق هيمنتها على العالم والسعي
وراء حلم بناء الامبراطورية العالمية. الرئيس الأمريكي في حينها جورج بوش
الأبن ومعه غالبية مخططي السياسة الأمريكية من المحافظين الجدد قدروا أنهم
نجحوا في وضع خطوط إستراتيجية المستقبل بعد نجاح قواتهم في السيطرة على
العاصمة الأفغانية كابل وأغلب مدن البلاد خلال حوالي أربعة أسابيع بتعاون
مع القوى المحلية أي قوات التحالف الشمالي التي دخلت العاصمة يوم 13
نوفمبر.
البيت الأبيض اعتبر أن النجاح في حرب أفغانستان أزال آخر
المعوقات والقيود التي تحكمت في مسار السياسة الأمريكية منذ هزيمتها في حرب
الفيتنام خلال العقد السابع من القرن العشرين، وهكذا تم فتح الأبواب
لتواصل الولايات المتحدة مسار التوسع عالميا لإتمام ما تعتبره رسالتها
التاريخية ولتنشر مبادئها.
قدمت سياسة واشنطن العالمية الجديدة في ثوب
مخالف لما كان متبعا في السابق، فلم يعد الهدف مقاومة المد الشيوعي خاصة أن
هذه الشماعة سقطت بإنهيار الاتحاد السوفيتي. الثوب الجديد كان الحرب
الأمريكية على الإرهاب. قدمت هذه الحرب أيضا على أنها الحرب العالمية على
الإرهاب وترافق ذلك تدريجيا مع مغالطة تعمم أكثر فأكثر فتقدم مطالب التحالف
الغربي في أي مجال على أنها إرادة المجتمع الدولي. محللون وصفوا الحرب على
الإرهاب بأنها حرب بلا نهاية منظورة، وهي عبارة عن حملة عسكرية واقتصادية
وإعلامية مثيرة للجدل تقودها الولايات المتحدة بمشاركة بعض الدول المتحالفة
معها، وتهدف هذه الحملة حسب تصريحات رئيس الولايات المتحدة السابق جورج
دبليو بوش إلى القضاء على الإرهاب والدول التي تدعم الإرهاب.
شكلت هذه
الحرب انعطافة وصفها العديد من السياسيين بالخطيرة وغير المسبوقة في
التاريخ لكونها حربا غير واضحة المعالم وتختلف عن الحروب التقليدية بكونها
متعددة الأبعاد والأهداف، ولأنها يمكن تستغل لضرب أي معارضة سواء كانت من
طرف دولة أو حزب أو تنظيم بمجرد نعتها بالارهاب وتهديدها الأمن الأمريكي
بشكل خاص والغربي بشكل عام.
من أفغانستان إلى العراق...
عقب أحداث 11
سبتمبر 2001 وغزو أفغانستان حصلت سلسلة من الأحداث التي أدت تدريجيا إلى
بلورة المخطط الأمريكي للحرب على العراق وإحتلاله ليكون كمفتاح لتجسيد
مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير.
بموازاة مع ذلك صنعت فكرة محور
الشر التي استعملها الرئيس الأمريكي بوش لوصف دول كالعراق وكوريا الشمالية
وغيرهما وأيضا نشأة المبدأ المثير للجدل وهي الهجوم مع سبق الإصرار لغرض
الدفاع عن النفس.
اعتبر مناهضون لمبدأ الحرب على الإرهاب أنها ليست سوى
إحدى المؤامرات السياسية التي تقودها قوة أو قوى غامضة لأغراض خاصة.
وإعتبروا أن أحداث 11 سبتمبر مثلت أبرز نظريات المؤامرة.
في سبتمبر
2000 ظهر تقرير أعدته مجموعة فكرية كانت تعمل في وضع مشروع القرن الأمريكي
الجديد، كان أبرز المساهمين بها هم ديك تشيني، ودونالد رامسفيلد، وجيب بوش،
وباول ولفووتز. سمي هذا التقرير إعادة بناء دفاعات أمريكا، وذكر به أن
عملية التغيير المطلوبة ستكون بطيئة جدا في غياب أحداث كارثية جوهرية بحجم
كارثة بيرل هاربر. في ظرف سنة وقع الهجوم على نيويورك وواشنطن، وإستطاعت
إدارة البيت الأبيض تجنيد الشعب الأمريكي في حربها الجديدة التي وصفها بوش
مرارا بالصليبية.
سقوط القوى العظمى
يقول محللون أن جزء من هجمة
المحافظين الجدد جاءت بسبب تنبؤات عدد من المؤرخين حول نهاية عصر تفوق
القوة الأمريكي وذلك كجزء من عملية التطور العالمي.
المؤرخ الأمريكي
بول كيندي في كتابه «صعود وسقوط القوى العظمى» الذي نشر عام 1987، تنبأ فيه
بسقوط الإمبراطورية الأمريكية بالمعنى التاريخي للكلمة الذي هو المصير
الحتمي لأي إمبراطورية، بما يعني اضمحلال قوتها تدريجيا نتيجة عوامل داخلية
بنيوية من ناحية، ونظراً لصعود قوى عظمى منافسة مثل الصين والهند
والبرازيل.
الملفت أنه إذا نظرنا إلى عنوان كتاب بول كينيدي، نجد أن
مؤلفه أراد أن يعطي لنفسه مجالا تاريخيا واسعا لاختبار أطروحته الرئيسية،
والتي مفادها أنه إذا زادت الالتزامات الإستراتيجية للدولة العظمى عن
إمكاناتها الاقتصادية فإنها تسقط، بالمعنى التاريخي للكلمة، بمعنى
الاضمحلال التدريجي لقوتها. وقد دلل كينيدي على صدق مقولته حين اختبرها على
تواريخ إمبراطوريات عديدة سبق لها في عصور شتى أن صعدت صعودا بارزا،
ومارست هيمنتها على العالم، ثم ما لبثت أن لحقتها من بعد عوامل التفكك.
غير
أن كينيدي، في تحديد الفترة الزمنية لبحثه إبتداء من عام 500 ولسنوات بعد
صدور مؤلفه يكون في الواقع قد تحول، بوعي من كونه مؤرخا مقتدرا يتقن
التعامل مع الحقيقة التاريخية، باحثاً مستقبليا أراد أن يمد بصر استشرافه
لكي يتحدث عن خمسة عشر عاما تلت انتهاءه من كتابه. وأهمية هذا المسلك أنه
يسمح له بأن يستخلص من خيوط التفاعلات الدولية المتشابكة تنبؤا باضمحلال
القوة الأمريكية في العقود التالية، وهو التنبؤ الذي أثار عليه الدوائر
الرسمية في واشنطن. ولم يكن هذا غريبا، فهو مؤرخ معترف به، يحترف تدريس
التاريخ في جامعة ييل العريقة، يفاجئ زعماء الإدارة الأمريكية بأن القوة
العظمى المهيمنة للولايات المتحدة إلى زوال.
إذا كان بول كينيدي قد توقع
انهيار الولايات المتحدة، فإن كتاب «عالم ما بعد أمريكا» الصادر في 2008،
وهو من تأليف فريد زكريا، وهو مسلم أمريكي من أصل هندي، ويعمل مسؤولا عن
ملف الشؤون الخارجية في مجلة نيوزويك إنترناشيونال، أقل تشاؤما.
ينتقد
الكاتب سلوك أمريكا وتوجهاتها وينبه إلى أن الأفق العالمي واعد بصعود قوى
جديدة تتخذ لنفسها مكانا ومكانة في ساحة العالم، وأن الساحة العالمية ستتسع
لأكثر من منافس، ويحلل دور أمريكا في العالم اليوم، ولكنه لا يتنبأ بسقوط
المكانة الأمريكية.
ويؤكد المؤلف في بداية كتابه، أنه لا يتحدث عن نهاية
أمريكا، وإنما عن بداية القوى الأخرى في العالم، بقوله: طال العهد بأمريكا
وهي في موقع القوة الأعظم.
تكاليف ضخمة
الحرب التي تصورها المحافظون
الجدد سهلة في كل من العراق وأفغانستان خاصة بعد أن سمحت بإحتلال هذين
البلدين خلال مدة شهر تقريبا، تطورت إلى حرب مكلفة وبدون نهاية، لأنه إن لم
يكن من الممكن مقاومة التفوق التكنولوجي الأمريكي في حرب نظامية، فقد تبين
أن هذا التفوق يذوب في حرب استنزاف.
كلفت حرب أفغانستان والعراق
الولايات المتحدة أكثر من 4000 مليار دولار زيادة على خسائر بشرية كبيرة.
مضاعفات الحرب إقتصاديا وعدم تمكن البيت الأبيض من تحقيق مخططه لتوفير سيل
من النفط العراقي الرخيص سرعت بإنفجار الأزمة الاقتصادية سنة 2007 والتي
أعتبرها البعض مؤشرا على قرب نهاية الامبراطورية.
في عدد أغسطس 2011
من مجلة «ذي وورلد توداي»، التي يصدرها المعهد الملكي للشؤون الدولية،
تشاتام هاوس، في لندن، يقارن البروفيسور، مايك كوكس، الزميل المشارك، في
المعهد، وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية،
بين وضع الولايات المتحدة في العالم، في مستهل القرن الحالي، بعد زوال
الاتحاد السوفييتي، وبروزها، كقوة عظمى وحيدة في العالم، وبين ما آل إليه
ذلك الوضع بعد تورطها في حربي أفغانستان والعراق، وبعد الأزمة الاقتصادية
التي عصفت بها سنة 2007 والأزمات التي تكابدها حاليا، مما يؤذن بأفول شمس
تلك الإمبراطورية التي لم يكن ثمة ما يوحي بأنها قد تغيب.
بعد أن ودعت
امريكا الاتحاد السوفييتي قبل عشر سنوات، ثم شهدت ما يمكن اعتباره واحدا
من أفضل العقود الزمنية الاقتصادية الناجحة خلال تاريخها الممتد على مدى
أكثر من مئتي سنة، بدت في مستهل القرن الجديد في قمة النجاح في نظام عالمي،
لا شك في أنها تواجه فيه تحديات ومشكلات، ولكنها لا تواجه تحديا جديا
يستحق الذكر. وكانت تبدو من القوة بمكان، بحيث إن قلة قليلة من الناس،
يتذكرون حتى تلك اللحظة القصيرة القلقة قبيل نهاية الحرب الباردة، عندما
كان كتاب مثل بول كنيدي يتحدثون بنزاهة عن انحدار الجمهورية الحتمي على
المدى الأبعد.
فدولة تعاني عجوزات بالضخامة التي تعانيها الولايات
المتحدة، وتحمل العبء الامبريالي الذي كانت تحمله، لم يكن بمقدورها أن
تستمر في إدارة شؤون العالم. ولم يكن أمامها سوى طريق واحد تسلكه وهو، كما
قال كنيدي، طريق الانحدار.
كم بدا مثل ذلك الخط في التحليل شاذا
وغريبا، عندما سلم الرئيس الأمريكي المتفائل دوما، بيل كلنتون، مقاليد
الرئاسة إلى جورج دبليو بوش سنة 2000 وكم بدت مثل تلك الآراء بعيدة عن
الواقع عندما بدأت الولايات المتحدة تعبىء مواردها الهائلة رداً على ما حدث
في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا في صباح ذلك الثلاثاء المشرق سنة 2001.
فحتى المنتقِدون شعروا بالإعجاب العميق، وحتى صاحب التحذير من الانحدار،
العجوز بول كنيدي، كتب في أوائل سنة 2002 وبأسلوب غنائي مفرط، مقالة عن
الطائر الأمريكي الجارح، مضرب المثل في الشجاعة، الذي ينتزع الاحترام من
أصدقائه، بل يرغم حتى أعداءه على الرضوخ لإرادته . . ومضى قائلاً، إن هذه
ليست قوة عظمى عادية، فهذا النسر المتفرد يحلق الآن ليبلغ ذرى لم يطرقها
أحد من قبل. ولم يكن ذلك رأيَه وحده. فعلى مدى الطيف السياسي برمته، من
الأوروبيين المنتقدين على اليسار، إلى المحافظين الأمريكيين الجدد على
اليمين، لم يكن سوى نفر ضئيل من المنتقدين، مستعدا لأن يماري في الفكرة
التي تقول إن الولايات المتحدة، تحمل أكثر من شبه عائلي مع إمبراطوريات
الماضي، بفارق بارز واحد: هو أن هذه الإمبراطورية الرومانية الجديدة على
نهر بوتوماك، لن تأفل شمسها في وقت قريب. فهنالك قرن آخر بانتظارها.
تغيير واضح
ويضيف
الكاتب قائلاً: يجدر بنا أن نتذكر هذا المزاج اليوم، لكي ندرك جيدا مدى
التغير الذي طرأ على الأمور منذ سبتمبر 2001. ففي بداية القرن، بدا
الأمريكيون واثقين بأنفسهم، وكانت الولايات المتحدة تتصرف وكأنه لا يوجد
شيء لا تستطيع أن تفعله، حتى أن تغزو العراق من دون أدنى قلق من الأثر
المربك الذي قد يخلفه ذلك في الشرق الأوسط، وعلى مكانتها ذاتها في العالم.
وها هي تبدو بعد عقد من الزمن، وقد تغيرت بما يفوق التقدير.
أولاً،
تغيرت سياسيا، كما يقول الكاتب، فهنالك عدة أسباب لانتخاب باراك اوباما في
أوخر سنة 2008. ولكن من بين أهمها، حقيقة بسيطة تتمثل في أن الأمريكيين لم
يعودوا يشعرون بالثقة بالاتجاه الذي تسير فيه البلاد بعد نوبتين من الإدارة
الجمهورية، التي جلبت لهم حرب العراق في البداية، ثم أتبعتها بالأزمة
المالية سنة 2007. وكون أوباما قد وفى بكل وعوده، أم لم يفعل، يظل مسألة
قابلة للنقاش. ولكن ما لا شك فيه، أن صعوده البارز، أصبح ممكنا بفعل إحساس
واسع النطاق بأن أمريكا كانت في أزمة، وأن شيئاً جديدا وربما جذريا لازم
لاستعادة مكانة الولايات المتحدة في العالم، وربما منعها من التردي في كساد
عظيم آخر.
ويثير ذلك بدوره سؤالاً أوسع عن الأمريكيين أنفسهم. فقد
وحدتهم لبرهة قصيرة، أحداث 11 سبتمبر والحرب في العراق ذاتها من دون ريب،
مثلما تفعل الحرب في العادة. ولكن، خلافا للحرب الباردة، أدى هذا «الصدام»
مع القتالية المقاومة إلى انقسام فعلي في البلاد، جعل الهوة العقائدية بين
الليبراليين من جهة، وبين المحافظين من جهة أخرى تكاد تكون غير قابلة
للردم. كما كان له أثر مدمر على الثقة الأمريكية بالنفس. فالخسائر في أرواح
الجنود في أفغانستان والعراق، والتكاليف الاقتصادية الباهظة التي ينطوي
عليها شن هاتين الحربين، والخوف من أن تكون الوسائل المستخدمة في قتال صنف
معين من الأعداء تقوض جوهر القيم الأمريكية، لم تقتصر على أنها فعلت الكثير
لتشويه الاحترام الأمريكي للذات، بل إنها جعلت الأمريكيين بالتدريج، غير
واثقين من غاية البلاد في العالم.
الأزمة الاقتصادية
ويضيف الكانب
هذا سيىء بما فيه الكفاية. ولكن ما فاقم إحساس الأمريكيين بأن العالم لم
يعد يتحرك باتجاههم هو أولاً الأثر الذي خلفته الأزمة الاقتصادية على ذلك
الشيء غير الملموس الذي يدعى الطريقة الأمريكية في العيش. ففي سنة 2011 كان
ربع الأمريكيين فقط يعتقدون بأن أطفالهم ستتاح لهم فرص أفضل منهم
بالإضافة إلى إحساس أقوى حتى بأن التغيرات التي تحدث في العالم تقوض بسرعة،
قدرة بلادهم على تشكيل ما يحدث من حولهم. لقد دار بطبيعة الحال حديث كثير
عن أن القرن القادم سيكون آسيويا وأن محور السلطة يتحرك سريعاً مبتعدا عن
الغرب إلى الشرق. ومع ذلك، وكما أشار اقتصاديون مثل جيم أونيل، وغولدمان
ساكس، قبل بعض الوقت، بينما تشن الولايات المتحدة الحرب في الشرق الأوسط،
وضد طالبان في أفغانستان، يبدو أن آخرين مستمرون في تنفيذ المشاريع وكسب
المال، وبناء شراكات جديدة، وانتزاع أنفسهم من الأزمة الاقتصادية بقدر من
السرعة أكبر من سرعة الولايات المتحدة وحلفائها عبر الأطلسي.
وهذا يقود
أخيرا إلى مسألة توازن القوى. عندما تسلم بوش زمام السلطة، لم يكن كثيرون
يجادلون في أن العالم أحادي القطب، أو أن الولايات المتحدة سوف تظل مهيمنة
لعقود كثيرة قادمة. فقد كانت هنالك فرصة ضئيلة لأن تغرب الشمس عن هذه
الصيغة من الإمبراطورية الليبرالية لعقود طويلة قادمة. وكان مستقبلها يبدو
مضموناً. ولكن كل شيء يبدو مختلفاً الآن. فمع صعود الصين، وحتى شرائها قدرا
كبيرا من دين أمريكا بالجملة، ومع صعود قوى جديدة مثل الهند، ومع تضاؤل
امكانات امريكا في عصر التقشف، لم يبق إلا قلة قليلة تتحدث بثقة كما كانت
تفعل ذات يوم عن تصَدرٍ أمريكي يدوم إلى الأبد. وقد يستمر البعض في الإشارة
إلى المزايا البنيوية الهائلة التي تتمتع بها الولايات المتحدة، وإلى
العدد الكبير من الجامعات العظيمة التي تزال تملكها، ومزجها النادر بين
القوة الصلبة والقوة الناعمة، وكونها ما تزال القوة الجدية الوحيدة القادرة
على وصول البقاع المختلفة في العالم، وأن شركاتها تشكل أكثر من نصف كبرى
الشركات في العالم، وأن الدولار ما يزال العملة المتداولة في أكثر من ستين
بالمئة من الصفقات التجارية العالمية. ولكن هذه الحقائق، تبدو غير مهمة
كثيراً في الأجواء الحالية، لدى مَن يصرون على أن الانحدار الأمريكي، واقع
لا محالة، نتيجة لحرب بوش على الإرهاب، التي اتسمت بسوء التخطيط، وما تبعها
من أزمة مالية سنة 2007.
ويقول الكاتب، في ختام تحليله: إن تحقق هذه
التنبؤات المفزعة، أو عدم تحققها، لا يزال مسألة لا تجد لها جوابا سهلاً،
فلا شيء مقرر سلفا. ولكن ما لا ريب فيه، أن الولايات المتحدة، بعد عقد من
سبتمبر 2001 باتت شيئا مختلفا تماماً عما ورثه جورج دبليو بوش عن سلفه في
أواخر سنة 2000 وأصبحت أقل جدارة بالثقة.
ثلاثة تحديات استراتيجية
يقول الخبراء ان هناك ثلاثة تحديات اقتصادية استراتيجية تواجه الولايات المتحدة وتنذر بافول نجم الأمبراطورية‏.‏
وهذه
التحديات هي‏:‏ تهاوي حصة الولايات المتحدة من التجارة العالمية‏،‏ وتراجع
القدرات الإبتكارية التكنولوجية الأمريكية ويتراجع الدور المهيمن للدولار
الأمريكي علي المشهد الإقتصادي العالمي خاصة علي صعيد ثقة البنوك المركزية
الكبرى في العالم في قدرة العملة الخضراء علي لعب دور عملة الإحتياطي
النقدي الإستراتيجي الأولي علي مستوي العالم‏.‏
فبحلول عام ألفين
وثمانية تراجعت الولايات المتحدة إلى المرتبة الثالثة علي صعيد قطاع
التصدير العالمي أي أصبحت ثالث أكبر مصدر للسلع في العالم بعد الاتحاد
الأوروبي والصين. وهوت حصة أمريكا من الصادرات العالمية إلى‏11‏ في المائة
فقط‏،‏ وذلك مقارنة مع ‏12‏ في المائة للصين و‏16‏ في المائة للاتحاد
الأوروبي ولا توجد أي بوادر اقتصادية أو سياسية تبشر بان هذا الاتجاه سوف
يعكس نفسه ان عاجلا او آجلا‏.‏ ونفس الكلام تقريبا يمكن أن ينسحب علي خطة
العلم ليشمل قضية الابتكارات التكنولوجية‏،‏ فبحلول عام ألفين وثمانية
تفوقت اليابان علي الولايات المتحدة في عدد طلبات براءات الاختراعات‏،‏
ورغم ان الصين في المركز الثالث أو الرابع في هذا المجال إلا أنها تتقدم
بسرعة البرق مع زيادة عدد طلبات براءات الاختراع لديها بنسبة هائلة تصل الى
‏400‏ في المائة منذ عام ألفين‏.‏ أكثر من ذلك فان المنتدى الاقتصادي
العالمي أكد أن الولايات المتحدة صارت تحتل المرتبة رقم ‏52‏ بين ‏139‏
دولة في مجال جودة ونوعية دراسة الرياضيات والعلوم في الجامعات خلال عام
ألفين وعشرة كما ان نحو نصف الطلاب الخريجين من الجامعات والمعاهد
التعليمية الأمريكية في مجالات العلوم هم الآن من الأجانب وان اغلبهم يفضل
العودة الى بلاده‏.‏ وباختصار فانه بحلول عام ‏2025‏ ستواجه الولايات
المتحدة نقصا حادا في العلماء العباقرة‏.‏
أسطورة الدولار
أما
بالنسبة للدولار الذي تعتبره الولايات المتحدة أداة من أدوات هيمنتها
السياسية والاقتصادية علي العالم‏،‏ فإن هناك مطالب عالمية متزايدة بأن تحد
البنوك المركزية في شتي ارجاء العالم من مشترياتها من الدولار ومن سندات
الخزانة الامريكية وذلك بعد ان وصلت قيمة حيازات هذه البنوك من هذه السندات
الى ما قيمته اربعة تريليونات دولار‏.‏ وقد دفع هذا الأمر الرئيس الروسي
ديمتري ميدفيديف إلى المطالبة بوقف هيمنة العملة الامريكية علي النظام
النقدي العالمي‏.‏
وسيؤدي هذا الامر الى عجز الولايات المتحدة عن سد العجز الهائل في موازناتها العامة وفي موازينها الاقتصادية‏.
هذا
الأمر سيؤدي علي الأرجح الى زيادة قيمة الواردات الأمريكية وستعجز واشنطن
عن تسويق سنداتها التي تبيعها الآن للعالم بسعر لا تستحقه وبفائدة بخسة‏.‏
أما النتيجة التالية فسوف تتمثل في اضطرار الإمبراطورية الأمريكية الى
الانكفاء علي ذاتها عسكريا وذلك عبر سحب قواتها من كل بقاع العالم بعد
تقليص الميزانيات العسكرية‏.‏
وسيأتي هذا كله فيما تواجه الولايات
المتحدة تحديات سياسية وعسكرية واقتصادية متنامية من جانب الصين والهند
وروسيا في البر والبحر والجو والفضاء‏.‏ ومع تراجع القوة الاقتصادية
للولايات المتحدة في عام ‏2020،‏ سيعاني الشعب الأمريكي من ارتفاعات هائلة
في الأسعار وفي معدلات البطالة‏، وهي المعدلات التي تدور حاليا حول عشرة في
المائة،‏ وهو ما قد يسفر عن اضطرابات اجتماعية وعرقية قد تهدد النسيج
الاجتماعي القومي الامريكي‏.‏ وقد يؤدي هذا الامر الى صعود اليمين المتطرف
الى سدة الحكم علي نحو قد يسفر عن تهديدات بحروب عسكرية واقتصادية‏.‏
صدمة نفطية جديدة
ومما
سيزيد الطين بلة بالنسبة للاقتصاد الامريكي تلك التوقعات التي تتكهن بأن
يتعرض العالم الى صدمة نفطية قد تماثل في شراستها وقوتها تلك الصدمة التي
تعرض لها العالم بعد حرب عام ‏1973‏ عندما قفزت اسعار النفط الى ثلاثة او
اربعة امثالها.
وبالنظر الى استمرار الاعتماد الامريكي علي النفط
المستورد‏،‏ فان الولايات المتحدة ستكون من اكثر المتأثرين بهذه الصدمة
التي ستحدث جراء تحكم الصين في الطلب العالمي علي النفط بعد ان اصبحت اكبر
مستهلك للطاقة علي وجه البسيطة‏.
هنا يتبين جوهر الصراع الحاد الذي
تخوضه الولايات المتحدة لفرض الهيمنة الكاملة على منطقة الشرق الأوسط
وأجزاء من أفريقيا. فالإدارة الأمريكية في البيت الأبيض تدرك أنه بدون
التحكم الكامل في منطقة المركز الجغرافي للمعمور، وتنفيذ مخطط الشرق الأوسط
الكبير الذي ينص على إعادة رسم حدود دول المنطقة لإقامة ما بين 54 و56
دويلة، لن يكون بإمكانها وقف أو تعطيل عجلة التطور التاريخي القاضي بنهاية
العصر الإمبراطوري.
إعادة بناء
يرى بعض المحللين أن ترجح النظريات
السلبية بالنسبة لمكانة القوة الأمريكية، كانت ربما وراء تصريحات الرئيس
الأمريكي باراك أوباما في خطابه الأسبوعي يوم 5 مايو 2012. فقد قال
أنه قد آن الأوان للتركيز على بناء الولايات المتحدة من الداخل بعد أكثر من عقد من الحرب في أفغانستان.
كما
أشار إلى أنه يمكن استخدام نصف ما يمكن توفيره من إنهاء الحروب في العراق
وأفغانستان على التنمية الداخلية والنصف الآخر على سداد ديون البلاد.
وأضاف
أوباما «ذهبت إلى أفغانستان الأسبوع الماضي لإنهاء الحرب وبدء صفحة جديدة
من الشراكة، لافتا إلى أنه يتعين على الأمريكيين أن يسالوا أنفسهم أي نوع
من الدول الذي يعود إليه جنودهم».
وقال «ادرك بأن الكثير من الامريكيين
سئموا من الحرب. بصفتي رئيسا، ولكنه وفي تحرك يثبت أنه لا زال يحلم بتحقيق
المستحيل أكد «لن اترك امريكيين في خطر يوما واحدا اكثر مما هو ضروري
لأمننا القومي. لكن علينا انهاء العمل الذي بدأناه في افغانستان وانهاء هذه
الحرب بطريقة مسؤولة».
وأشار إلى أن التعافي من أسوأ أزمة اقتصادية منذ
الكساد العظيم يتقدم إلى الأمام، موضحا أن الولايات المتحدة بحاجة إلى
الاستثمار في الوظائف والتعليم والطاقة النظيفة والبحوث الطبية ووسائل نقل
وشبكات اتصال أسرع، مشددا على أن أولويات البلاد لا ينبغي أن تشمل مزيدا من
التخفيضات الضريبية لأصحاب الملايين.
في الوقت الذي تحدث فيه أوباما
عن آماله في إنقاذ أمريكا، كشف استطلاع للرأي أن غالبية الأمريكيين يريدون
انسحاب قوات الاحتلال الأمريكية من أفغانستان ويعارضون التزاما كبيرا طويل
الأجل من جانب بلدهم بدعم الاقتصاد والأمن الأفغاني.
وذكرت وكالة رويترز
أن نحو ثلثي الأمريكيين الذي شاركوا في الاستطلاع الذي أجري عبر الإنترنت
قالوا: إنهم لا يريدون أن تلتزم واشنطن بدعم أمن واقتصاد أفغانستان حتى عام
2024، وذلك وفق ما يدعو إليه اتفاق وقع بين حكومتي واشنطن وكابل.
ورأى
77 بالمئة من المستطلعة آراؤهم أنهم يريدون سحب كل القوات الأمريكية
باستثناء المدربين والقوات الخاصة من أفغانستان مع حلول نهاية العام
الجاري، فيما أكد 73 في المئة أنهم لا يريدون أن تنشئ الولايات المتحدة أية
قواعد عسكرية دائمة لها في أفغانستان.
سراب وكذب
كذب الآن نيل
فيرجسون المؤرخ البريطاني وأحد أعمدة التحليل المالي «في مجلة الشئون
الخارجية التابعة لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكية خلال سنة 2011: كل
الكلام السعيد الذي نسمعه في الأخبار اليومية عن التعافي الإقتصادي
والأسواق الجديدة الصاعدة، و»الأمل» بعودة الـ»العظمة الأمريكية»، وأضاف
بإختصار كل الكلام الذي تسمعه من ساسة واشنطن وصيارفة وول ستريت كذب في
كذب.
يقول الفريد ماكوي أستاذ التاريخ في جامعة وسكنسون الأمريكية
ومؤلف كتب عديدة منها الامبراطورية الشرطية الأمريكية، وقضية التعذيب‏:‏ من
الحرب الباردة إلى الحرب علي الإرهاب: إن انهيار الولايات المتحدة كقوة
عظمي عالمية لم يسبق لها مثيل في التاريخ قد يكون أسرع مما قد يتخيله
كثيرون‏.‏
وثمة رؤية يتبناها ماكوي في تفسير تاريخ الإمبراطوريات
عموما وليس في تفسير قصة صعود وهبوط الإمبراطورية الأمريكية علي وجه
التحديد‏، ‏وتتمثل هذه الرؤية في أن الأمبراطوريات عموما عبر التاريخ هي
أشبه بكائنات حية هشة،‏ وذلك علي الرغم من أن هذه الإمبراطوريات بدت
تاريخيا وكأنها قوي سياسية واقتصادية لا حدود لسطوتها‏.‏
ويعني هذا
الأمر أن التاريخ يقول لنا إن البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية
التي تعيش عليها أغلب الأمبراطوريات عادة ما تكون ذات طبيعة حساسة ومرهفة
ودقيقة بل وهشه لدرجة أنه بمجرد حدوث أي شيء يمكن أن يعكر صفو هذه البيئة،‏
فانه سرعان ماينفرط عقد الامبراطورية التي تعيش وتتعايش عليها وبأسرع مما
قد نتخيله‏.‏
وإذا ما طبقنا هذه القاعدة علي الامبراطوريات السابقة التي
كان بعضها لا تغيب عنه الشمس سنجدها صحيحة إلى حد كبير‏..‏ فانهيار
الامبراطورية البرتغالية لم يستغرق سوي عام واحد وانهيار الاتحاد السوفيتي
لم يستغرق سوي عامين وانهيار الأمبراطورية الفرنسية استغرق ثمانية أعوام
فقط وانهيار الامبراطورية العثمانية لم يستغرق إلا احد عشر عاما‏.‏
أما
انهيار الامبراطورية البريطانية فلم يستغرق سوي سبعة عشر عاما‏.‏ وبالنسبة
للولايات المتحدة‏.‏ فان انهيارها حسب هذه النظرية سيستغرق علي الأرجح
اثنين وعشرين عاما وهي فترة محسوبة من ثاني أكبر مسمار في نعشها ألا وهو
حرب العراق في عام ألفين وثلاثة‏.‏
الحقبة الرابعة
إذا كان هناك كثير
من الجدل حول خلفيات الأحداث التي تشهدها الدول الواقعة بين الخليج العربي
شرقا والمحيط الأطلسي غربا منذ بداية سنة 2011، فإن لا أحد حتى في الغرب
ينكر أن الولايات المتحدة تحاول ركوب حركة التطور في المنطقة العربية
لتحويلها إلى فوضى خلاقة خدمة لمشاريعها.
في عدد نوفمبر 2006 من مجلة
«شؤون خارجية» الأمريكية كتب ريتشارد هاس رئيس أحد أهم مراكز الأبحاث
الأمريكية، وهو مجلس العلاقات الخارجية، مقالا تحت عنوان: «الشرق الأوسط
الجديد» تحدث فيه عن انتهاء الحقبة الأمريكية وضروريات إيجاد طرق لمنع مزيد
من تقلص النفوذ، وبعد أن استعرض الأهمية الإستراتيجية لمنطقة الشرق
الأوسط تناول بالدرس الحقب السياسية التي مرت بها بعد أكثر من قرنين على
غزو نابليون لمصر، وبعد حوالي 80 عاما على زوال الإمبراطورية العثمانية،
و50 عاما على نهاية الاستعمار، وأقل من 20 عاما على انتهاء الحرب الباردة.
واعتبر هاس أن انتهاء الحقبة الأمريكية في الشرق الأوسط، تشكل الحقبة الرابعة في تاريخ المنطقة الحديث.
واعترف
هاس بأنه إذا كانت الحقب الأربع قد تم تحديدها من خلال التفاعل بين القوى
الداخلية والخارجية الطامحة والمتنافسة مع اختلاف قدراتها وتأثيراتها
ونفوذها وتوازناتها في الشرق الأوسط، فإن الحقبة التالية تنذر بتأثير ضعيف
ومتواضع للقوى الخارجية إلى إذا تصرفت بشكل متقن، مقابل تنامي دور القوى
الداخلية، «حيث تصبح عملية تشكيل الشرق الأوسط الجديد من الخارج أمراً بالغ
الصعوبة..
وهو ما يعَد التحدي الأكبر لسياسة الولايات المتحدة الخارجية في العقود المقبلة بموازاة التعامل مع الديناميكية الآسيوية.
بقلم: عمر نجيب

7/5/2012- العلم


_________________
N'attends pas que les événements arrivent comme tu le souhaites.
Décide de vouloir ce qui arrive... et tu seras heureux.
Epictète

منصور
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 1944
العمر : 37
Localisation : loin du bled
تاريخ التسجيل : 07/05/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى