صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل

غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الثلاثاء 31 يوليو 2012 - 15:04



ينشد مؤلف هذا الكتاب غابرييل كامب (1927-2002) أن يحيط بعالم البربر في
كليته، بدءاً من مصر وحتى جزر الكناري، مروراً بالنيجر والسنغال، بالتوسل
بالكثير من العلوم ، من حفريات وجغرافيا وعراقة ولسانيات وفنون...
والبربر قد عُرفوا من زمن الفراعنة في مصر، باسم الليبو، واحتلوا المنطقة
الشاسعة بين الأبيض المتوسط وجنوب النيجر ومن البحر المحيط إلى مشارف
النيل. وأما اليوم فلم يتبق من بلاد البربر هذه مترامية الأطراف غير مزق
لغوية ومجموعات بعضها كثيرة العدد، متفرقة منعزلة عن بعضها.
والمؤلف ينطلق في بحثه من العصور الموغلة في القدم، ساعياً إلى فهم كيف
تعرض البربر للتأثيرات الخارجية، من بونيقية ورومانية وإفريقية وعربية...
وكيف أمكن لهم أن يظلوا على وفائهم لعاداتهم وتشبثهم بلغتهم واستمرارهم على
أساليبهم في العيش.
1 ) ينتشر حالياً أقوام من متكلمي البربرية في اثنى عشر بلداً إفريقياً
تمتد من البحر المتوسط إلى جنوب النيجر ومن المحيط الأطلسي إلى مشارف
النيل:
نحن في سنة 1227 قبل الميلاد، وهي السنة الخامسة من حكم مينبتاح. وقد أمر
الفرعون بإقامة الصلوات في سائر أنحاء المملكة وتقديم قرابين استثنائية إلى
الآلهة التي تقوم على حماية أرض بتاح، وتقديمها إلى بتاح نفسه، وتقديمها
خاصة إلى آمون رع وإلى الإلهات الطيبات وإلى الساحرة الكبيرة إزيس والى
الخيِّرة نفتيس.
لم يسبق الأرض المحبوبة من رع أن تعرضت لخطر بذلك العظم. فلأول مرة يتحالف
برابرة الشمال القادمون من الجزر والأراضي المباركة من (ترى فرت) (البحر
الأبيض المتوسط)، وبرابرة الغرب ، ساكنو الصحراء، حيث ينتشر هبوب التيفون
المؤذي، تحت قيادة مري ابن دد ملك الليبو (الليبيين) الملعون من آمون،
واجتاحوا أراضي حورس. فقد صعدت سفن الشماليين الفرع من النيل حيث خوابي
الأموات، وانتشر الآخرون بأعداد هائلة كأنهم حبات الرمل في الصحراء في
الدلتا مرادهم ممفيس.
لم يكن مري وأتباعه من الليبو أول البربر الذين جاء ذكرهم في التاريخ. فمنذ
قرون، بله منذ آلاف السنين، اتصل المصريون بعلاقات من المحاربة وعلاقات من
المسالمة بجيرانهم من الغرب، أولئك الليبو أو الليبيون، والتحنو والتمحو
والمشواش، المنقسمين إلى قبائل عديدة. لكن اجتياح الدلتا والانتصار الذي
أعقبه قد مكنا لنا الوصول على معلومات دقيقة، وجاءانا بأسماء لشخصيات
وتصاوير عن طريق الصور أو الكتابات الهيروغليفية ذات القيمة التاريخية
والعراقية. وقد كنا توصلنا من خلال بعض الوثائق أكثر قدماً ببيانات دقيقة
كأنها مصورة فوطوغرافية عن الجوانب الجسمانية لليبو وعن معداتهم ولباسهم
وأسلحتهم؛ بل وجاءتنا كذلك بتصاوير للأوشام عندهم.
وعلى الرغم من مرور آلاف السنين ومن التقلبات التي حفل بها تاريخ حافل
بصنوف الغزو والاحتلال ومحاولات التذويب والاستيعاب [التي وقعت على البربر]
من المجموعة العرقية الواحدة، فإن البربر قد بقي لهم وجود في إقليم شاسع
مترامي الأطراف يبتدئ من غرب مصر. وفي الوقت الحاضر ينتشر أقوام من متكلمي
البربرية في اثنى عشر بلداً إفريقياً تمتد على نطاق من البحر المتوسط إلى
جنوب النيجر ومن المحيط الأطلسي إلى مشارف النيل.
إن هذه المنطقة التي تغطي الربع الشمالي الغربي من القارة [الأفريقية] لا
يتلكم جميع سكانها البربرية، بل العكس هو الصحيح! فاليوم قد صارت اللغة
العربية في هذه المنطقة هي اللغة السائدة، في الاتصالات فهي لغة التجارة
ولغة الدين ولغة الدولة، إلا في الطرف الجنوبي الممتد من تشاد إلى السنغال؛
حيث الفرنسية هي اللغة الرسمية. فتكون المجموعات الناطقة بالبربرية
مجموعات منعزلة عن بعضها البعض وتسير في تطورها على صور متباينة. وهي
تتباين كثيراً في أحجامها كما تختلف في أهميتها. فالمجموعات القبايلية في
الجزائر والبرابر والشلوح في المغرب تتكون من مئات الآلاف من الأفراد،
بينما لا يزيد عدد المتكلمين ببعض اللهجات البربرية في الواحات بضع عشرات
من الأفراد. ولذلك فالخرائط المبينة لانتشار اللغة البربرية ليست لا تفيدنا
شئاً ذا بال. فالمجال الصحراوي الشاسع الناطق باللهجات الطوارقية
(التماشق) في الجزائر وليبيا ومالي والنيجر لا يكاد عدد الرحل المتنقلين
فيه والمزارعين القليلين الناطقين جميعاً بالبربرية عن 250 ألف إلى 300 ألف
شخص، وهو عدد لا يزيد إلا قليلاً عن سكان مزاب الذين يشغلون في شمال
الصحراء مجالاً أقل بما لا يقاس عن النطاق الذي يشغله الطوارق. كما أن
منطقة القبايل تضم ساكنة تزيد بعشرة أضعاف عن ساكنة منطقة الأوراس، التي
تفوقها اتساعاً بكثير، وحيث يتحدث أهلها لهجة بربرية مختلفة.
وعليه فلا توجد اليوم لغة بربرية، بمعنى أن تكون هذه اللغة انعكاساً
لمجموعة بشرية واعية بوحدتها، كما لا يوجد شعب بربري، وأحرى أن يكون وجود
لعرق بربري. وإن جميع المختصين لمتفقون حول هذه الجوانب السلبية.... ومع
ذلك فالبربر موجودون.
إن المجموعات والمجتمعات الناطقة حالياً بالبربرية، وندخل في جملتها الأقوام الناطقة بلغتين، ليست سوى بقايا من عالم متشظ.
ومن المحتمل أن اللغة البربرية، تلك اللغة المشتركة الموغلة في القدم،
التي لم توجد في غير أذهان اللغويين، والأرجح أنها لم تكن تزيد عن مجموعة
من اللهجات المتقاربة في ما بينها بخلاف اللهجات [البربرية] الحالية، قد
كانت تتداول في مجموع المجال الترابي الذي بينا نطاقه وحدوده، لا نستثني
منه غير تيبستي وهي المجال الذي تسوده لغة التيدا (التي يتكلمها التوبو).
وقد استعمل الأفريقيون القدامى في بلدان المغرب نظاماً في الكتابة، هو
الليبي، تولدت عنه أبجدية التيفناغ المتداولة عند الطوارق، والحال أنه قد
تم الوقوف على الكثير من الكتابات الليبية ومن التيفناغ القديمة في مناطق
قد باتت اليوم معربة بالكامل (في تونس والشمال الشرقي من الجزائر وفي الغرب
ومنطقة طنجة من المغرب وفي شمال الصحراء...). وقد تعرضت هذه الكتابة في
بلدان الشمال للمنافسة من البونيقية ثم من اللاتينية. ويسلم البعض بأن هذه
الكتابة كانت قد نسيت تماماً وقت أن أُدخلت الكتابة العربية في القرن
السابع الميلادي. وفي المقابل بقي للكتابة الليبية وجود وعرفت التطور حسب
ما لها من خصوصية في البلدان الصحراوية؛ حيث لم يكن لها أن تلقى منافسة. بل
إن نطاق هذه الكتابة قد اتسع وصولاً إلى جزر الكناري التي كان سكانها
القدامى، الغوانش، من الناطقين بالبربرية.
وعليه يمكننا التأكيد بأن الأسلاف البربر قد كان لديهم في وقت من الأوقات
نظام خاص في الكتابة، ثم انتشر هذا النظام، كما انتشروا هم أيضاً، من البحر
المتوسط إلى النيجر.
والحجة الأخرى التي يمكن أن ندفع بها في مواجهة أولئك الذين ينكرون ضداً
على كل الأدلة، عن اللغة البربرية أن تكون عرفت التوسع منذ القدم،
وتساءلون، بأكثر مهارة، عن القرابة الفعلية بين اللغة البربرية واللغة
الليبية التي كانت متداولة عند الإفريقيين القدامى، هذه الحجة نجدها في
أسماء الأماكن؛ فحتى البلدان التي عُربت بالكامل لا يزال فيها وجود لأسماء
أماكن لا يمكن تفسيرها إلا باللغة البربرية.
وعليه فإن اللغة البربرية التي كان لها من قبل الانتشار الواسع قد صارت
خلال قرون إلى تراجع أمام اللغة العربية، لكن هذا التعريب اللغوي الذي ساعد
عليه دخول الإسلام إلى شمال أفريقيا والصحراء، قد صاحبه ابتداء من القرن
الحادي عشر الميلادي تعريبٌ اجتماعي وثقافي أدى إلى استيعاب حقيقي لغالبية
سكان الدول المغاربية. وقد كان استيعاباً هائلاً إلى درجة أن كل السكان في
بعض هذه البلدان (كتونس وليبيا) يقول السواد الأعظم منهم ويعتقدون أنهم
عرب، فيكونون بالتالي عرباً. والحقيقة أن القلة القليلة منهم من يجري في
عروقها شيء من الدم العربي، ذلك الدم الجديد الذي حمله الفاتحون في القرن
السابع الميلادي أو جاء به البدو الغزاة في القرن الحادي عشر الميلادي؛ بنو
هلال وبنو سليم وبنو معقل، وهم الذين لم تكن أعدادهم تزيد عن 000 200 حسب
التقديرات أشدها تفاؤلاً.
لكن المغاربين، وإن عُربوا، لا يزالون يتمايزون عن عرب شبه الجزيرة
العربية وعرب الشام الذين عُربوا قبلهم بكثير. والحقيقة أنه توجد في
المجتمع المسلم في شمال أفريقيا وفي الصحراء يوجد مغاربيون يتكلمون العربية
أو خليط من العرب والبربر ومغاربيون ناطقون بالبربرية قد احتفظوا باسم
البربر الذي سماهم به العرب.
والأقوام الذين هم خليط من العرب والبربر والذين لا يشكلون كياناً
مجتمعياً، كمثل ما هم البربر، نميز فيهم مجموعة قديمة، حضرية، معظمها مختلط
الأصول، إذ ينبغي أن نعتبر في المدن بالعناصر التي انضافت إليهم قبل
الإسلام واللاجئين المسلمين من أسبانيا (الأندلس)، والقادمين الجدد الذين
جرت العادة على تسميتهم بالأتراك من غير تمييز، وهم الذين كانوا في معظمهم
من البلقانيين والإغريق سكان الأرخبيل اليوناني. وهنالك مجموعات أخرى من
المزارعين المقيمين. وأخيراً هنالك الرحل، ويعتبرون في شمال الصحراء
(الركيبات والشعامبة وأولاد سليمان) الأقرب لغوياً وثقافياً إلى القبائل
العربية من البدو. فبين هؤلاء يمكننا أن نقع على أحفاد حقيقيين لبني سليم
وبني معقل.


ترجمة : عبد الرحيم حزل

فسحة - الاتحادالاشتراكي

02-07-2012
avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الثلاثاء 31 يوليو 2012 - 15:08


2) يندر أن تجد أقواماً قد جرى البحث في أصولهم من المثابرة والتلفيق بقدر ما حدث مع البربر.

يندر أن تجد أقواماً قد جرى البحث في أصولهم من المثابرة والتلفيق بقدر
ما حدث مع البربر. فقد كانت الروايات تُتداول من أقدم العصور في أوساط
العلماء ولدى رواة الأساطير عن أصول سكان إفريقيا. وأكثر ما يعرف الناس من
هذه الروايات هي تلك التي جاء بها سالوست؛ لأن تلاميذ الثانوي كانوا لا
يفتأون طوال أجيال يدرسونها على صفحات «حرب يوغرطة».

أساطير قديمة وحديثة
هرقل وأسطورة الأصلين الفارسي والميدي

كان سكان إفريقيا الأوائل حسب ما يذكر سالوست، هم الجيتول والليبيون، وهم
قوم أجلاف وبرابرة يطعَمون لحوم الوحوش أو يعيشون على أعشاب المراعي أشبه
ما يكونون بالمواشي. وانتقل بعض الميديين والأرمن والفرس في وقت لاحق تحت
قيادة هرقل إلى إسبانيا، ثم جازوا إلى إفريقيا، واختلط الميديون والأرمن
بالليبيين واختلط الفرس بالجيتول. فأما الميديون والليبيون فسرعان ما صاروا
يعرَفون بالموريين دون تمييز، ولم يلبثوا أن اتخذوا لهم بعض المدن، وصاروا
يتبادلون منتجاتهم مع إسبانيا. وأما الجيتول والفرس فقدّر عليهم أن يحيوا
حياة الترحال فسُموا بالرُّحل Nomades. لكن سرعان ما تعاظمت قوة هؤلاء
الأخيرين، فأمكن لهم تحت اسم «النوميديين» Numades أن يبسطوا سيطرتهم على
سائر البلاد وصولاً إلى مشارف قرطاج.
أورد سالوست هذه الأسطورة حسب ترجمة قيل إنها نُقلت إليه من الكتب
البونيقية للملك هيمبسال. ويعتقد سـ. كسيل أن الملك هيمبسال هو مؤلف تلك
الكتب، فلم يكن مجرد ممتلك لها؛ وقد كانت الأسرة المسيلية وسائر الأسر
الإفريقية الكبرى شديدة تشبع بالحضارة واللغة البونيقية بحيث لم يكن شيءٌ
ليمنع ملكاً نوميدياً أن يهتم بتوثيق بعض الروايات الأسطورية بالكتابة أو
يقتصر على النقل الحرفي من الأرشيفات القرطاجية التي استنكف منها العسكر
الروماني وتركها بين أيدي أسلافه.
لقد جاء سالوست للعصر الأول، السابق على هرقل Hercules ، أو هو على
وجه الدقة ملقرت، الإله الفينيقي الذي اختلط على الناس بابن ألكمينا،
بالصورة المعتادة التي يرسمها الباحث غير الخبير بطريق الخطإ للعهود
البدائية. إن أولئك الليبيين والجيتول المشتغلين بالصيد والقطاف ينتمون
بطبيعة الحال إلى ما قبل التاريخ، وسالوست، أو بالأحرى هيمبسال، يردّهم إلى
الأزمنة الأسطورية. لكن ينبغي لنا أن نقر بأن سكان إفريقيا كانوا في
الأزمنة الغابرة من عنصرين. وأي شيء قد أجاز القول بهذا التمييز غير
الاختلاف في أنماط العيش الناجم هو نفسه عن الظروف الجغرافية، وبالتالي عن
المواطن التي عاش فيها هؤلاء الأقوام؟ لكن يجمع المؤرخون القدامى والمحدثون
على أن الجيتول كانوا رحلاً لا تزال تجد لهم بقايا وآثاراً دارسة بدءاً من
شواطئ المحيط وحتى خليج سرت. وحيث إن الجيتول كانوا رحلاً فهذا يدفعنا إلى
استنتاجٍ أن من أسماهم هيمبسال بالليبيين، وقال عنهم إنهم «أقاموا لهم
مدناً في وقت مبكر»، كانوا هم أسلاف السكان المستقرين.
هذا التمييز البسيط والشائع يعود إلى ما قبل سالوست وهيمبسال بوقت
طويل، فقد وجدنا أبا التاريخ هيرودوت نفسه جاء بوصف لسلسلة طويلة من
الأقوام كانوا يقطنون في المناطق من مصر وحتى بحيرة تريتون. فقد كتب :
«لقد تحدثت عن الليبيين الرحل القاطنين على امتداد البحر. ومن بعدهم
في الأراضي الداخلية توجد ليبيا حيث الحيوانات المتوحشة... لكن في غرب
بحيرة تريتون (أي في الشمال، بسبب من الخطإ في تحديد الساحل من أراضي
قرطاج) يقيم الليبيون؛ فقر تركوا حياة الترحال وتخلوا عن عادات الرحل... بل
صاروا من المزارعين... فهم يؤون إلى منازل ويسمون بالمكسيس». وجاء هيرودوت
بحديث آخر على اختصار وتبسيط شديد، لكنه حديث صحيح، يقابل فيه بين «ليبيا
الشرقية (حيث) يقطن الرحل (وهي) أرض منخفضة ورملية تمتد حتى نهر تريتون،
وليبيا الواقعة غرب هذا النهر ويسكنها المزارعون و(هي) [أرض] كثيرة الجبال
والغابات...».
والجملة الأخيرة بالغة الدلالة؛ فهي لا تنطبق على أراضي قرطاج
الساحلية وحدها، وهي سهول شديدة استواء، بل تصح كذلك على سائر أراضي شمال
إفريقيا؛ بلاد الأطلس.
والافتراضات الأكثر معقولية تجعل موقع بحيرة تريتون في منطقة محدودة
جداً، نعرف أن هيرودوت نفسه حدّد موقعها بين كنبس (وهو نهر يوجد في لبسيس
ماجنا شرق) وجزر قرقنة (جزيرة كيرانيوس).
وما زال الجغرافيون يجعلون الحد الجنوبي لمنطقة شمال إفريقيا عند شط
الجريد التونسي؛ وقد كان هذا التوافق سيكون شيئاً يدعو إلى الاستغراب لو لم
يكن هو ما أملت الطبيعة على وجه التحديد.
لكن ما الذي أتى بالفرس والميديين والأرمن في رواية تدور حول الأصلين
النوميدي والموري؟ لقد جرت العادة في النصوص القديمة على العودة بأصول
الأقوام إلى المشرق؛ للاعتقاد الذي كان لدى القدماء بأن لحضارتهم جذوراً في
شرق المعمور، وأن في غرب هذا العالم كان يمتد المحيط حتى حدود العالم غير
المعروفة على وجه الدقة. ولكن لماذا الفرس والميديون؟ فلنعد لنزيد تمعناً
في نص سالوست، فنحن نقرأ فيه : «جاز الميديون والفرس والأرمن الذين كانوا
[في جيش هرقل، هو الذي ستكون وقاته في إسبانيا] إلى إفريقيا على مراكب
واحتلوا البلدان المجاورة لبحرنا. واستقر الفرس أبعد من الآخرين، بإزاء
المحيط [...] ثم أخذوا ينصهرون رويداً رويداً عن طريق الزواج في الجيتول».
ونجد في استيطان من سُموا الفرس في المناطق الجنوبية تفسيراً لوجودهم غير
المتوقع في الجزء الغربي من موريتانيا. وقد قال العديد من المؤلفين الإغريق
والرومان، كسترابون وبلين، نقلاً عن بوليب وبومبونيوس ميلا وبطليموس
وجغرافي رافينا المجهول، وبريسيان القيصري نقلاً عن دونيس البيريجي، وسواهم
كثر ممن أعاد ج. ديسانج قراءتهم بكثير من التمعن، قال هؤلاء المؤلفون
بوجود قومين هما الفاروسيون والبيرورسيون، كانا يعيشان في جنوب المغرب،
واحتمالاً في المناطق بين الأطلس ودرعة وغِير. وقد كان التشابه في أسميهما
وتقارب مكانيهما مما دفع ببعض المؤلفين - خاصة منهم سـ. كسيل ? إلى التسليم
بأن هذين القومين إن هما في الحقيقة إلا قوم واحد.
وليس من المحقق، لكن من المسوغ، أن يكون التشابه أو التجانس المصطنع
بين [الكلمات] فاروسي وبيرورسي وبيرساي هو الذي كان من وراء الزعم بوصول
الفرس إلى موريتانيا. ولهذا السبب يذكر بلين الأكبر عرَضاً أن الفاروسييين،
الذين يسميهم أحياناً بيروسيين ، «قد كانوا من قبل فرساً».
وهنالك جناس آخر، وهو طريقة قياسية في التفكير كانت أثيرة على
المؤلفين القدامى، انبنى عليه التفسير نفسه الذي جيء به لوجود الميديين في
إفريقيا. وكما سنرى في ما يُقبل من هذا الكتاب فإن الكثير من القبائل
البربرية القديمة كانت تُعرف في العصور القديمة باسم مازيس، وهو في الحقيقة
اسم يطلقه أغلب البربر على أنفسهم : إمازيغن (مفردها أمازيع). وقد نقل
الأجانب هذا الاسم في صور شتى؛ فجعله المصريون مشوَش وجعله الإغريق مازيس
أو ماكسيس وجعله اللاتين «مازيس» و»ماديس». وذكر المؤرخ العظيم ابن خلدون
في القرن الرابع عشر الميلادي أن فرعاً من البربر هم البرانس ينحدر من
مازيغ. وليس من الغريب في شيء أن يكون بعض سكان إفريقيا في العصور القديمة
قد رجعوا بسلاسل أنسابهم إلى بعض الأسلاف من مازيغ أو ماديغ، ذلك بأنهم قد
كانوا بين الحين والآخر يتخذون لأنفسهم هذا الاسم. وليس ببعيد أن تكون هذه
التسمية هي التي كان منها ظهور [اسم] الميديين، أسلاف الموريين، مع الفرس
الذين أصبحوا يُعرفون بالفاروسيين.


03-07-2012


avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الثلاثاء 31 يوليو 2012 - 15:09


3)
«والحق الذي لا ينبغي التعويل على غيره في شأن البربر أنهم من ولد كنعان
بن حام بن نوح، وأن اسم أبيهم مازيغ وإخوتهم أركيش وفلسطين».

الأصـول الكنعـانية

الروايات السابقة تفوقها شهرةً تلك الروايةُ، الأقرب عهداً منها، إذ تعود
إلى القرن السادس الميلادي، وهي الرواية التي جاء بها بروكوب عن أصل
الموريين. و»الموريون» لفظ عام كان يطلق في ذلك العهد على سائر الإفريقيين
الذين حافظوا على تقاليدهم وأسلوبهم في العيش، بمعزل عن الثقافة الحضرية
التي أشاعتها روما. ويقول بروكوب إن غزو يوشع للأرض الموعودة أدى إلى رحيل
الأقوام الذين كانوا يقطنون على الساحل. وقد سعى هؤلاء إلى الاستقرار في
مصر، لكن وجدوها كثيرة السكان، فتوجهوا صوب ليبيا التي احتلوها وما حولها
من المناطق إلى أعمدة هرقل (مضيق جبل طارق) وأنشأوا لهم عدداً كبيراً من
المدن. ويزيد بروكوب مبيّناً : «ولبث فيها خلَفهم وما زالوا يتكلمون لغة
الفينيقيين حتى اليوم. وقد أقاموا لهم كذلك حصناً في نوميديا ، في الموضع
حيث تقوم مدينة تيجيسيس. وهنالك على مقربة من العين الكبيرة تنتصب مسلتان
من حجر أبيض قد نُقش عليهما بحروف فينيقية وفي لغة الفينيقيين ما معناه :
«نحن الذين هربنا بعيداً من وجه الشرير يوشع ابن نافي.
وكان بروكوب رافق إلى إفريقيا الجنرال البيزنطي بيليزير وخلَفِه سولومون
اللذين حاربا في منطقة تيجيسيس، إلى الجنوب من سريتا (قسطنطينة). وليس
ببعيد أن يكون رأى مسلات بونيقية، أو هي على الأرجح ليبية، أو سمع بوجودها؛
ذلك بأن هذه المنطقة (سيقوس وسيلا وتيجيسيس) عامرة بالمسلات الكبيرة،
وبعضها عبارة عن مناهير حقيقية منحوتة قد كُتبت عليها إهداءات ليبية. هذه
الحجارة العظيمة (يوجد منها اثنان في متحف قسطنطية) الحاملة لكتابات غامضة
أو أساء فهمها رجال الدين المساكين في وسط نوميديا، ربما كانت هي المصدر
الذي أنشأ عليه بروكوب روايته «التاريخية».
وتستند هذه الرواية كذلك إلى معطى آخر وجدنا له أثراً، قرناً قبلُ، في رسالة للقديس أغسطين.
فقد جاء في تلك الرسالة : «اسألوا فلاحينا من يكونون، وسيجيبونكم
بالبونيقية أنهم شنانيون. أفلا يكون هذا الشكل المحرف في طريقة نطقهم يتفق
و»شانانيسي» (كنعانيون)؟».
ولقد تداول الدارسون كثيراً حول ما إذا كان الفلاحون الإفريقيون سكان
المناطق المجاورة لهيبون قد استمروا يتكلمون باللغة البونيقية إلى القرن
الخامس الميلادي - أي بعد ما يزيد عن خمسمائة سنة من تخريب قرطاج. وتساءل
كـ. كورتوا هل كان القديس أغسطين يريد باللفظ «punice» لهجة من لهجات
البربر. غير أن الحجج التي جاء بها كورتوا في هذا الصدد لم تكن بالمقنعة.
وإنني لأعتقد، مثل شـ. سومان وأ. سيمون، أن القديس أغسطين إنما كان يريد في
الحقيقة لهجة سامية، غير أني لن أستغرب إذا ما جيء في يوم من الأيام
بالبرهان على أن لفظ «بونيقي» «Punique» كان يُجعل في التراث الثقافي
الإفريقي في ذلك العصر ومن غير تمييز لوصف كل ما ليس رومانياً أو إغريقياً.
وسنرى في ما يقبل من كتابنا كيف أن الحضارة البونيقية كانت شديدة التأثير
على أسلاف البربر. ومن المرجح أن يكون الفينيقيون هم أنفسهم الذين أدخلوا
الاسم «كنعانيون» إلى إفريقيا، مع أننا لا نجد نصاً واحداً يدعم هذا
الافتراض. بل إن علماء كُثراً أمثال أ. دي فيتا، يعتقدون أن رواية بروكوب
ينبغي ردها إلى ذكرى مشوشة عن أقدم تغلغل كان للفينيقيين في الغرب، وهو
الذي وقع قبل تأسيس قرطاج بوقت طويل.

أصول أخرى أسطورية
من العصور القديمة

إن الأصل الذي ذكرنا [للبربر] لم يكن هو الوحيد الذي جاءنا من العصور
القديمة. ويعود الفضل في تصنيف هذه الأصول إلى سـ. جسيل وسعة معرفته
وخبرته. فلنتوقف عند أهم تلك الأصول. فهذا سترابون يقول إن الموريين كانوا
هنوداً قدموا إلى ليبيا تحت قيادة هيرقل الجبار. وسنرى أن بعض المؤلفين قد
سعوا في تعضيد هذا الأصل الأسطوري بالحجج العلمية. وجاء المؤرخ اليهودي
فلافيوس جوزيف للجيتول بأصل مشرقي أقرباً عهداً. فقد أكد جازماً لدى تعليقه
على الإصحاح العاشر من سفر التكوين أن حويلة، أحد أبناء كوش، هو أبو
الأويلايوا، الذين أصبحوا يعرفون اليوم بالجيتولوا، أي الجيتول». وضمّن
فلافيوس جوزيف روايته اشتقاقات أخرى على القدر نفسه من الشذوذ؛ ومن ذلك
قوله إن أوفران، حفيد إبراهيم، قد ذهب لغزو ليبيا، وإن من اسم خلفه جاء اسم
إفريقيا.
لكن جيء للبربر بأصول أخرى، خاصة من لدن المؤلفين الإغريق. فهذا هيرودوت
يقول إن المكسيس الذين يمكن اعتبارهم من البربر المستقرين والمزارعين،
يزعمون أنهم ينحدرون من الطرواديين. وقد كانت لهذه الرواية الشائعة في
العالم الكلاسي أصداء في تأكيدات كثيرة. فهذا هيكاتي يذكر أن مدينة تسمى
كوبوس بناها الأيونيون على مقربة من هيبو أكرا، في منطقة عنابة حالياً. وفي
المنطقة نفسها كانت مدينة مشالة التي قال ديودور الصقلي إن من بناها
الإغريق. وقد توسمت أن في إمكاني اقتراح تفسير لهذا الوجود الإيوني على
الساحل الجزائري والتونسي. ففي شمال نوميديا وفي غرب تابراكا (طبرقة
حالياً) - أي في المنطقة نفسها - يموضع بطليموس قبيلة إيونتي، فليس ببعيد
أن يكون التشابه في الأسماء كان سبباً في وقوع شيء من الخلط جعل الرجحان
للاسم الأكثر شهرة لدى بعض نساخ هيكاتي، ويكون هذا الخلط زيّن لديودور بوجه
من الوجوه أن يقول إن هذه المدينة التي توجد في موطن من يُعتقد أنهم
إيونيون تعود إلى الإغريق. ويبدو أن هذا التقارب بين «إيونتي» و»أيونيين»
يدخل في سلسلة من الاستيهامات والأخلاط التاريخية واللغوية التي تكاثرت منذ
العصور القديمة حول أصول البربر.
ومن ذلك أن بلوتارك في ما استوحى، حسب ما يبدو، من يوبا الثاني، ملك
موريتانيا، ذلك الملك العالم الذي كان معاصراً للإمبراطور أوغست، قد قال إن
هيراقليس ? الحاضر على الدوام! ? ترك في شمال موريتانيا الطنجية بعض
الأولبيين والميسينيين. والحال أن بطليموس يذكر من بين الأقوام الذين سكنوا
هذه الناحية الموسينيين الذين يبدو أن اسمهم كان السبب في نشوء هذه
الأسطورة الأخرى. ولا أجرؤ على الدفع بتقريب آخر... وهو الذي يطالعنا بين
الأولوبيليانيين (سكان فوليبيليس [وليلي حالياً] الذين ورد ذكرهم عند
بطليموس) والأولبيين الذين ذكرهم بلوتارك. وإذا لم يكن في الإمكان أن نتخذ
لنا هذه التقريبات نظاماً نعوّل عليه، فإننا وجدنا المؤلفين أكثرهم جدية في
العصور القديمة، بمن فيهم آباء الكنيسة، كانوا يقنعون من غير تكلّف أو
عناء بالقياسات والاشتقاقات الشاذة مهما كانت واهية ضعيفة، بما لا يدع لنا
مناصاً من أن نتشبع في نقدنا للنصوص بهذه العقلية البعيدة عن تصوراتنا
اللغوية والتاريخية الحالية.

أساطير قروسطية عن أصول البربر

لقد استمر مؤرخو القرون الوسطى على الطريقة القديمة في التفكير من خلال
ملامح عديدة، وجاءوا، وهم المشرقيون المحكومون بالنظام الأبوي والمولعون
كثيراً بسلاسل النسب التي لا تنتهي، بأساطير كثيرة حول أصول البربر أو
اقتصروا على ترديدها. فهذا ابن خلدون، وهو أعظم هؤلاء المؤرخين، قد أفرد
فصلاً كاملاً من كتابه الكبير «تاريخ البربر» للعديد من سلاسل نسب [البربر]
التي أوردها قبله كتّاب من اللغة العربية معظمهم من أصل بربري. وجميع
هؤلاء المؤلفين قد جاءوا بأصل مشرقي لمختلف أقسام البربر وفروعهم. وأشهر
تلك السلاسل من الأنساب هي التي ذكرها بروكوب. وقال البكري إن اليهود
طردوهم من سوريا وفلسطين بعد موت جالوت. وهو يتفق مع المسعودي في القول
إنهم أقاموا مدة قصيرة جداً في مصر. ويذهب آخرون إلى أن البربر ينحدرون من
جالوت. ولا يعدم فائدة أن نشير إلى أن جالوت وأكليد، ومعناه «الملك» في
لهجات بربر شمال إفريقيا، هما اسمان لأسرة واحدة. وقد يكون إفريقوس، ابن
جالوت، ذهب بالبربر إلى إفريقيا، التي من اسمه استُمد اسمها (إفريقية).
وابن خلدون نفسه يتخذ له موقفاً قاطعاً قال فيه : «والحق الذي لا ينبغي
التعويل على غيره في شأنهم [البربر] أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح كما
تقدم في أنساب الخليقة، وأن اسم أبيهم مازيغ وإخوتهم أركيش وفلسطين إخوانهم
بنو كسلوحيم بن مصرايم بن حام، وملكهم جالوت سمة معروفة لهم. وكانت بين
فلسطين هؤلاء وبين بني إسرائيل بالشام حروب معلومة. وكان بنو كنعان
وواكريكيش شيعاً لفلسطين، فلا يقعن في وهمك غير هذا، فهو الصحيح الذي لا
يعدل عنه». وعلى الرغم من هذا التشديد من ابن خلدون فينبغي لنا أن نأخذ في
الحسبان كذلك رأياً آخر عنده، لأنه لا يخلو من توابع، وقد ساقه إلينا بكثير
من البيان، إذ كتب : «ولا خلاف بين نسابة العرب أن شعوب البربر التي
قدمنا ذكرهم كلهم من البربر إلا صنهاجة وكتامة. فإن بين نسابة العرب خلافاً
والمشهور أنهم من اليمنية، وأن إفريقش لما غزا إفريقية أنزلهم بها. وأما
نسابة البربر فيزعمون في بعض شعوبهم أنهم من العرب، مثل لواتة يزعمون أنهم
من حمير...». ولقد بقي المؤلفون الأوربيون المعاصرون شديدي انقسام لوقت
طويل حول أصول البربر. ومهما اصطنع هؤلاء المؤلفون من الحجج العلمية في دعم
ما جاءوا به من فرضيات فإنهم لبثوا على قدر سابقيهم من المؤلفين في العصور
القديمة والقرون الوسطى ركوناً إلى الخيال، وربما فاقوهم جموحاً فيه.
ويمكن تصنيف مختلف الشروح والمقترحات التي [جاء بها المؤلفون] خلال القرن
التاسع عشر وبداية القرن العشرين إلى نوعين من الأبحاث؛ فأما النوع الأول
فتكونه أبحاث ذات طبيعة لغوية ويمثله خاصة البحاثة الألمان، وأما الثاني
فتكونه أبحاث ذات طبيعة حفرية وإناسية، وهي من إنجاز فرنسيين.


4/7/2012

avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الثلاثاء 31 يوليو 2012 - 15:13


4) ألأساطيرة تدخل البربر في
الأوروبيين بناة الميغاليثات، أو في المرتزقة الغاليون، أو في الغاليين
الرومان المجندين في فيالق الإمبراطورية.
كنعانيون أم هنود ؟
سعى
فقهاء اللغة والمستشرقون إلى تعزيز قولهم بالأصل المشرقي [للبربر] بحجج
جديدة، فبعضهم اعتمدوا على الروايات الإغريقية واللاتينية وبعضهم اعتمدوا
على النصوص العربية. فهذا موفر يعول كلياً على روايات سالوست وبروكوب. وهو
يرى أن الكنعانيين الهاربين قد جازوا إلى إفريقيا على مراكب الفينيقيين
واختلطوا بالليبيين البدائيين وأن هؤلاء علموهم الزراعة وصاروا الليبيين
الفينيقيين الذين ورد ذكرهم في العديد من النصوص القديمة. ورأينا أن بعض
المؤلفين من العصر الحالي، أمثال أ. دي فيتا، يعتقدون بالفعل أن الرواية
الكنعانية تحتفظ بذكرى قد باتت باهتة لتوسع فينيقي سابق على تأسيس قرطاج.
وكان
في الانتشار الذي تحقق لعلم المصريات كذلك ما عزز من جانب الرواية
المشرقية، ذلك بأن علماء كثراً قد ذهبوا إلى الاعتقاد بأن قسماً من
الهيكسوس، وهم المنحدرون من سوريا ومن آسيا الصغرى، قد التجأوا بعد طردهم
من مصر إلى إفريقيا، ومن المحتمل أن يكونوا اختلطوا بالليبيين.
وأما
كالتبرونر وريتر فقد جاءا ب «الحجج» التي تعضد القول بالأصل الهندي
للموريين، وهو الأمر الذي قال به سترابون. فهما يريان أن اسم البربر نظير
لاسم الوارليفارا، وهم الأقوام الذين سكنوا منطقة دكان في قديم العصور.
ورأى هذان المؤلفان في اسم «بربيرا»، وهو ميناء في الصومال، واسم باربارا
Barbara (مفردها بربري Berberi)، وهم أقوام يقطنون بين الشلال الأول
والشلال الرابع على النيل، واسم الموضع «بربر» في السودان، إشارات لغوية
على الاتصال بين شبه القارة الهندية والمغرب الكبير.
وفي المقابل دافع
الدكتور بيرثولون بكثير من الحماس في السنوات الأولى من القرن العشرين [عن
القول إن للبربر] أصلاً إغريقياً أو إيجياً. وقد انبرى في غير تروٍّ يعدّد
الأسماء والكلمات البربرية التي يراها تعود إلى أصل إغريقي أو ما قبل
هيليني. وأنشأ بيرثولون بتعاون مع إ. شانتر كتاباً كبيراً أسمياه «أبحاث
إناسية في بلاد الربر الشرقية»
(1913) ، وفيه عزز رأيه الذي قال به في أصول هؤلاء الأقوام من الحجج
الإناسية، وحتى العرقية. ولم يتردد المؤلفان عن كتابة ما يلي : «ينقسم
الخزف البربري إلى ثلاث مجموعات كبرى : 1- خزف خشن يصنع بالأيدي، ويذكرنا
بالخزف الذي على الدلمنات، وهو نوع أكثر ما تختص به القبائل من العرق
الكبير مستطيل الرأس، ويتوافق المجال الذي انتشر فيه هذا النوع من الخزف
والمجال الذي عاش فيه هذا العنصر العرقي. و2- خزف يُصنع بالأيدي ويذكرنا
بالنماذج البدائية التي عُثر عليها في بحر إيجة... وهذا النوع من الخزف
يتوافق والتوزيع الذي عرفه الأقوام المشتملون على نسبة لا يستهان بها من
ذوي الرؤوس المستطيلة قصار القامة. و3- خزف ذو حواش ومزيّن بحزوز، يعود
بأصله إلى جربة، وهي الموطن لقصيرى الرؤوس، وقد انتشر إلى نابل ثم إلى مدينة تونس، وهو مستوحى من خزف قبرصي، ويقل خشونة عن الخزف السابق».
فما أغربها من استنتاجات خلصت إليها أبحاث تقوم على افتراضات وعلى يقين باستمرارية ثابتة لأنواع بشرية وتقنيات لآلاف السنين!
البربر والغاليون والدلمنات
كان
يمكن للبحث في أصول [البربر] في ما يبدو أن يفيد فائدة أأْمن من التطور
الذي تحقق للأبحاث الحفرية التي تناولت شمال إفريقيا، وخاصة التنقيب الذي
وقع على النصب الجنائزية الضخمة، الموجودة بكثرة في شرق الجزائر وفي وسط تونس.
لكن ويا للأسف! ففي هذا المجال أكثر مما في أي مجال آخر أدت الأحكام
المسبقة العرقية وحتى القومية إلى أفدح الأخطاء. وقد أثارت دلمنات ما قبل
التاريخ في شمال إفريقيا إليها اهتمام الرحالة الأوربيين في وقت مبكر. فهذا
شو قد أشار منذ منتصف القرن الثامن عشر إلى الدلمنات التي في بني مسوس
بالقرب من مدينة الجزائر.
وهذا القبطان روزي في سنة 1883 قد أسماها «النصب الدرويدية بجوار سيدي
فرج». وكان الجرّاح كويون أول من باشر التنقيب عليها في سنة 1846. وقد رفع
تقريراً في غاية الإحكام إلى أكاديمية الفنون والآداب جاء فيه : «إنها أشبه
ما تكون بالنصب الدرويدية التي رأيتها في سومور وفي مواضع أخرى من فرنسا.
ولذلك ينسب بعض علماء الآثار هذه النصب إلى الغاليين الذين كانوا يخدمون
في الجيوش الرومانية، لكن يجوز لنا كذلك أن ننسبها إلى الوندال....» .
وإن
رغبة [الباحثين] في العثور على أشياء حفرية متماثلة على جانبيّ البحر
الأبيض المتوسط قد كان هو المفسر والمبرر بوجه من الوجوه لقولهم بوجود
السلتيين ثم الفرنسيين في الجزائر.
وهذا أمر يقول به كذلك واحد من أفضل علماء الآثار والمستعربين من
الإمبراطورية الثانية؛ ذلك هو ل. ش. فيرو، الذي بدأ أبحاثه في سنة 1860.
وثلاث سنين بعدُ باشر فيرو رفقة عالم الحفريات والمستحثّات القديمة
الأنجليزي كريستي (وقد كان هو نفسه شرع بمعية إ. لارتي في التنقيب عن آثار
ما قبل التاريخ في وادي فيزير) بالتنقيب في المقبرة الميغاليثية الشاسعة في
رأس عين بومرزوق بجوار قسطنطينة، وتولدت لديه قناعة بأن الدلمنات هي مقابر
ل «الغاليين الرومان» الذين استوطنوا إفريقيا.
وفي هذا العصر الذي شهد
أكبر ازدهار لعلم آثار ما قبل التاريخ جيء بكل الحجج، حتى أشدها مدعاة
للارتياب، للتأكيد على الأصل السّلتي للدلمنات الجزائرية،
بما يعني أنها ذات أصل فرنسي. وقد ظهرت في سنة 1862 ضمن سلسلة مرشدات جوان
الشهيرة كتيّب «المسار التاريخي والوصفى للجزائر» لصاحبه ل. بييس. وقد جاء
هذا الكتيّب في صفحته 71 واشتمل على وصف مختصر لدلمنات بني مسوس التي
نسبها المؤلف إلى فيلق أرموريكي. وزاد ل. بييس قوله إنها فرضية يمكن أن
نستند فيها إلى كتابة مما يُجعل على القبور عثر عليها في أومالي. وقد جاء
في هذه الكتابة أن شخصاً يدعى غارغيليوس مارتياليس، وهو محام وقائد لحملة
الأعلام ولفيلق من الأهالي، كان كذلك قائداً لكتيبة بروتونية وعضواً بلدياً
عن أوزيا ورشقون في سنة 263 للميلاد...». والحال أن غارغيليوس تولى في
الحقيقية قيادة أول كتيبة من الأستيريين في إقليم
بريطانيا (أي بريطانيا العظمى) قبل أن يأتي إلى إفريقيا؛ حيث سيلقى حتفه
تحت ضربات البافار المتمردين. فلذلك نرى أن التقريبات التي جاء بها ل. بييس
لم تكن تعدو عن سلسة مضحكة من التناقضات.
أصول أوروبية
أخذت الفكرة
القائلة إن الدلمنات سابقة زمناً على السلتيين والغاليين في الانتشار
رويداً رويداً، لكن هذه الفكرة وإن كانت أصحّ من الناحية الزمنية فإنها لم
تُرفق بتفحص متمعن للوقائع. فهذا أ. بيرتران (1863)، كمثل عدد كبير من
معاصريه، يعتقد بوجود «شعب الدلمنات» الذي طُرد تدريجياً من آسيا ومن شمال
أوروبا ومن الجزر البريطانية ومن بلاد الغال وإسبانيا، ثم جاء ليستقر في
شمال إفريقيا. ويدخل في إطار هذا التيار نفسه من الآراء، [ما قال به] ه.
مارتان، الذي استند إلى علم المصريات الوليد [حينذاك]، والذي كشف أن بين
الأقوام الليبيين الذين هاجموا مصر على عهد منيبتاح ورمسيس الثالث كان
هنالك بعض التمحو الشقر؛ فقد بين ه. مارتان أن «الغاليين» احتلوا شمال
إفريقيا بعد اجتيازهم جبال البرانس ومرورهم بإسبانيا، وأنهم أقاموا الحضارة
الميغاليثية قبل أن يهاجموا مصر.
وإن الوجود المحقق لأقوام، أو بالأحرى لأفراد من الشقر ذوي العيون
الفاتحة، في كثير من المناطق الجبلية القريبة إلى الساحل والناطقون اليوم
بالبربرية، قد أعطى لزمن طويل مصداقية للأسطورة القائلة بأصل شمالي لهؤلاء
الأقوام؛ ففريق قال إنهم أوروبيون بناة للميغاليثات، وفريق أخر قال إنهم
مرتزقة غاليون من قرطاج،
وفريق ثالث قال إنهم غاليون رومان جنِّدوا في فيالق الإمبراطورية، وقال
آخرون كذلك إنهم أحفاد للقراصنة الفرنجة الذين كانوا في القرن الثالث
يترددون على نواحي مضيق جبل طارق، وقال سواهم إنهم من الوندال الذين لا
يُتصور أنهم زالوا ولم يتركوا أثراً في السكان بعد قرن من السيطرة. أوَلم
نجد كذلك من ذهب إلى حد القول إن في اسم فصيل غير معروف، هو جرمانا، ما
يذكرنا بأولئك الجرمان الذين التجأوا إلى منطقة القبائل الصغرى بعد أن حاقت
بهم الهزيمة؟
وجيء بحجج إناسية أخرى لزيادة هذا الهذيان التاريخي
الحفري؛ ومن ذلك أن ج. بوركينا، قد أقر من بعد عالم الإناسة برونر بي أن
الدلمنات التي في الركنية هي من إنشاء قبائل بربرية اختلطت بالمصريين
والزنوج «الذين كانوا تحت حكم جنس من أرياس نزل من إيطاليا إلى صقلية
وانتقل من صقلية إلى إفريقيا» (1868).


05-07-2012
avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الثلاثاء 31 يوليو 2012 - 15:32

5) إن ما يسمح اليوم بالتعرف على المجموعات
البربرية في الربع الشمالي الغربي من إفريقيا هو من خاصية ثقافية أكثر مما
هي خاصية جسمانية
من القوقاز إلى الأطلانطيد
تستأثر شبه الجزيرة
الإيبيرية بمكانة مرموقة في الأبحاث الأوروبية حول الأصول الأوروبية
للبربر. وإن بعض التطابقات المثيرة في أسماء المواقع بين ضفتيّ المضيق،
كأسماء الأنهار والمدن، لمما يدعم هذه الحجة. وتسمح بعض التقريبات، وإن
تكن أوهى منها بكثير، مع اللغة الباسكية بالتذكير بأن البربر والإيبيريين
متقاربون في الاسم بقدر ما هم متقاربون في الجغرافيا. وبما أن العصور
القديمة قد عرفت كذلك إيبيريين في القوقاز، وهم الذين يعتبرهم بعض المؤلفين
أسلافاً لإيبيريّي الغرب، فربما كان في هذا أصلٌ آخر محتمل للبربر. وجاء
فقهٌ للّغة يقوم على المقارنة والتقريب، وعرف الازدهار خاصة في أوساط أنصاف
البحّاثة في المغرب، بدعوى شديدة الحماسة، بالاعتماد على تقريبات ومقارنات
شديدة الارتجال.... وهي أن البربر ينحدرون من... السومريين!
وبذلك يكون الحديث عن أصول البربر قد نسبهم إلى المشرق بمعناه الواسع (الميديون والفرس)، وإلى سوريا وبلاد كنعان والهند وجنوب
شبه الجزيرة العربية وطراقيا وبحر إيجة وآسيا الصغرى، كما نسبهم إلى شمال
أوروبا وشبه الجزيرة الإيبيرية وجزر [الكناري] وأشباه الجزر الإيطالية...
وأصعب من ذلك بكل تأكيد أن نبحث عن البلدان التي لم يأت منها البربر!
والحقيقة
أن بعض المشتغلين بالأدب من مدّعي العلم يتأدون بسهولة إلى حل لهذه
المسألة؛ إذ يقولون إن البربر هم بكل بساطة بقايا الأطلانتيين. ولم تعوزهم
الحجج على هذا القول؛ فقد كانت الأطلانطيد تقع في القسم من المحيط القريب
إلى ليبيا، فتكون جزر الكناري إنما هي بقايا منها. ثم ألم يكن السكان
الأوائل لهذه جزر الكناري، وهم الغوانش، يتكلمون اللغة البربرية؟
ويفضل
آخرون أن يجعلوا موقع تلك الإمبراطورية الأسطورية في قلب الصحراء؛ في
الهُقار الملغز (فالهقار كان ملغزاً على الدوام، وإلا لما كان هو الهقار)،
وهو بلد آخر للبربر. وحسب القارئ أن يتذكر الصفحات العجيبة من كتاب
«الأطانتيد» لصاحبه ب. بونوا؛ فقد لا تكون أنتينيا، أو أطلانتيا الجديدة، غير ابنة الغانية كليمونتينا الجديدة وهيتمان جيتومير. لكن ما همَّ، فالقصة فائقة الجمال!
المعطيات الإناسية
لا
يزال تكوّن الساكنة البربرية، أو بتعبير أدق، تكوّن مختلف المجموعات
البربرية، موضوعاً لخلاف وجدال، لأنه طُرح بشكل خاطئ. وقد كان للنظريات
القائلة بانتشار [البربر] تأثير قوي منذ البداية على الأبحاث [الداخلة
في هذا الباب]، حتى لقد صارت كل محاولة للتفسير تستند تقليدياً إلى
الاجتياحات والهجرات والغزوات وأشكال الهيمنة. وماذا لو كان البربر لم
يأتوا من أي مكان؟
وبدلاً من البحث عن تشابهات مبهمة من شتى الأصناف
والألوان، وهو بحث قليل توفّق، أو الجمع والدمج بين معطيات ودلالات مختلفة،
بلهَ متناقضة، أليس يحسن البدء بالتمعن في البربر أنفسهم وتفحص البقايا
البشرية المتخلفة من عصور ما قبل التاريخ؛ وهي الحقبة كان السكان الحاليون،
كما نعلم، قد تشكلوا فيها؟
وباختصار فالمنطق يقتضي أن نجعل الأولوية للإناسة. غير أن هذا العلم لا يسعف اليوم في التعرف على أقل خاصية «بربرية» أصيلة في مجموع سكان جنوب
البحر الأبيض المتوسط. وأما ما يسمح اليوم بالتعرف على المجموعات البربرية
في الربع الشمالي الغربي من إفريقيا فهو من خاصية أخرى؛ إنها خاصية ثقافية
أكثر مما هي خاصية جسمانية. وتبقى اللغة هي العنصر الأساس بين هذه
المعطيات الثقافية.
ولذلك سنعرض بالحديث إلى المعطيات الإناسية ومن بعدها المعطيات اللغوية.
الإنسان العاقل في المغرب الكبير : الإنسان العاتيري
ليس
علينا أن نتكلف البحث عن أصول الإنسان نفسه في شمال إفريقيا، بل علينا أن
نرتد بسرعة إلى الوراء آلاف السنين لنفهم كيف تكوّن سكان هذه المنطقة
الشاسعة التي باتت اليوم محصورة بين الصحراء والبحر الأبيض المتوسط. وليكن
مبتدؤنا من بداية العصر الذي يسميه مؤرخو ما قبل التاريخ في أوروبا
بالباليوليث الأعلى؛ أي حوالي 000 30 سنة قبل الميلاد. ففي تلك الحقبة تأكد
بشكل نهائي نوع الإنسان العاقل وشكله الأكثر شيوعاً، وربما كان الأقدم، في
أوروبا هو إنسانُ كرومانيون. وقد ظهر إنسان كرومانيون من بعد إنسان
نياندرتال الذي يُدخله علماء الحفريات اليوم في نوع الإنسان العاقل؛ لكن لا
يبدو، في أوروبا على الأقل، أنه ينحدر منه مباشرة. وأما في شمال إفريقيا
فلا يبدو أن الوقائع قد سارت على الرسيمة نفسها. فههُنا لا يمكن أن ننسب
الصناعات والثقافات التي ظهرت في الفترة نفسها إلى الباليوليث الأعلى كما
وقع في أوروبا الغربية.
ففي تلك الفترة كانت التقنيات التي يسميها مؤرخو ما قبل التاريخ بالتشذيب
الرقائقي والتهذيب غير المتناسق لا تزال نادرة جداً، بينما كل التقنيات
الموستيرية والليفالوازية من عصر الباليوليث الأوسط كان لا يزال لها وجود.
ومع ذلك ففي سائر البلدان التي سيقطنها البربر، وليس في أي مكان آخر، ستتطور صناعات أصيلة
سيكون فيها امتداد وتجويد للتقنيات الموستيرية، سميت بالعاتيرية. وقد تم
في الشمال الغربي من إفريقيا، وربما على الساحل القريب من هران على وجه
التحديد، ابتكار شكل من أشكال وضع المقابض مميز لهذه الصناعة، وهو المتمثل
في إبراز ما يشبه الرُجيل أو سويقة بلمسات متتالية في الجزء الأسفل من
الأداة الحجرية. وهذه التقنية في تثبيت الأداة إلى مقبضها، وهي شيء غير
معروف في الصناعة الموستيرية الأوروبية، تم إعمالها في سائر أنواع الأسلحة
والمعدات، من أسنة ومكاشط ومحاك وأزاميل ومثاقب...
ولقد بقينا إلى هذه
السنين الأخيرة لا نعرف إلى أي نوع بشري تنتمي هذه الصناعة. فمظهرها العام
الشبيه بالمنتجات الموستيرية قد دفع بالمتخصصين إلى الاعتقاد بأن الأمر يخص
كذلك إنسان نياندرتال ذا الشبه الكبير بالإنسان الذي تم اكتشافه في وسط
موستيري واضح، وذلك في جبل إرحود (في المغرب). وقلة قليلة من العلماء
(كامب، 1974) من قالوا إن الإنسان العاتيري قد يكون بداية لإنسان عاقل من
النوع الحديث. وقد كان في الاكتشاف الذي قام به [أندري] ديبيناث في دار
السلطان (منطقة الرباط)
سنة 1975 دليل على أن الإنسان العاتيري هو بالفعل نوع من الإنسان العاقل
أقدم من إنسان كرومانيون، وله قواسم شبه كثيرة مع الإنسان الموستيرى من جبل
إرحود، بما يحمل على التسليم أنه ينحدر منه. وأكثر أهمية مما ذكرنا كذلك
أن نتعرف على صلة لهذا الإنسان العاتيري وخلَفه الذي عُرف منذ زمن بعيد في
بلدان المغرب تحت اسم إنسان مشتى العربي.
أصول إنسان مشتى العربي
لإنسان
مشتى العربي شبه بإنسان كرومانيون، فهو يشترك وإياه في الملامح الجسمانية
المائزة : طول القامة (1،74 متر في المتوسط عند الرجال)، وشدة سعة الجمجمة
(1650 سم3)، وانعدام التناسق بين الوجه العريض والقصير بمحجريه ذاتي الشكل
المستطيل اللتين يفوق عرضهما ارتفاعهما وبين الجمجمة ذات الشكل المستطيل
إلى متوسط الطول.
ارتبط إنسان مشتى العربي في بداياته بنوع من الصناعة
هي المسماة «الإيبيرية المورية»، وقد كان لها انتشار في سائر المناطق من
الساحل والتل. وكانت الصناعة الإيبيرية المورية، المعاصرة للصناعتين
الأوروبيين المكدلينية والأزيلية Azilien، توفرت لها منذئذ خصائص صناعة مما
يدخل في العصر الحجري الأعلى، بحكم صغر قطعها الحجرية. فأكثر هذه القطع
نصيلات قد طُرِّق أحد جانبيها بحيث يشكل ظهراً وأُبقى على الجانب الآخر
حاداً قاطعاً. وقد كانت هذه الأشياء عبارة عن أدوات، من قبيل قطع الغيار،
فهي تُثبت إلى أذرع من الخشب أو من العظام فتصير معدات أو أسلحة فتاكة.
ولقد
درج الناس على الاعتقاد بأن إنسان مشتى العربي القريب إلى إنسان كرومانيون
كانت له جذور خارجية. فقد خيّل إلى البعض أن إنسان مشتى العربي جاء من
أوروبا ثم اجتاز إسبانيا
ومضيق جبل طارق لينتشر بالتزامن في المغرب وفي جزر الكناري، وأن سكانهما
الأوائل، الغوانش، ظلوا يحتفظون بمعظم خصائصه الجسمانية قبل أن يختلطوا
بالغزاة الإسبان.
وحسب آخرون أن إنسان مشتى العربي ينحدر من الإنسان العاقل الذي ظهر في المشرق (إنسان فلسطين)، وأن من هذا المواطن الأصلي خرجت هجرتان؛ ففرع أوروبي نشأ عنه إنسان كرومانيون، وفرع إفريقي نشأ عنه إنسان مشتى العربي.


06-07-2012
avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الأربعاء 1 أغسطس 2012 - 18:08




6) من الواضح أن إنسان مشتى العربي لم يكن له أن ينتح الإنسان ما قبل
المتوسطي. فهذا الإنسان الذي سيأخذ يخلفه بالتدريج قد ظهر أولاً في الشرق.

إن الأصل المشرقي والأصل الأوروبي عنصران للتخيّر بينهما قد سبق لنا أن
تعرفنا عليهما في الروايات الأسطورية للعصور القديمة وفي الشروح الارتجالية
التي ظهرت في الزمن الحديث، كما نجدهما في الفرضيات العلمية التي يؤتى بها
في الوقت الحاضر. ومما يؤسف له أن الأطروحتين تعانيان اثنتاهما من عيوب
ونواقص تجعل من الصعب القبول بهما. فلا سبيل إلى ترسّم هجرة إنسان
كرومانيون عبر إسبانيا، بل وأكثر من ذلك؛ فالجماجم التي تعود إلى العصر
الحجري الأعلى في أوروبا تبين عن خصائص أقل بروزاً من الخصائص المميزة
لجماجم من يقال إنهم أحفاد المغاربيين. ويمكن أن نسوق الحجج نفسها في رد
الفرضية القائلة إن إنسان مشتى العربي يعود بأصله إلى الشرق الأدنى؛ فليس
هنالك وثيقة إناسية واحدة في ما بين فلسطين وتونس من شأنها أن تدعم هذه
الفرضية. ثم إننا نعرف بسكان الشرق الأوسط في أواخر العصر الحجري الأعلى،
فهم النطوفيون من النوع المتوسطي القديم، وهو نوع يختلف أيما اختلاف عن
إنسان مشتى العربي. ولو سلمنا بأن إنسان مشتى العربي يعود بأصوله إلى الشرق
الأدنى فبِمَ نفسر أن يكون أسلافه رحلوا جميعاً عن هذه المناطق من دون أن
يتركوا فيها أي أثر من طبيعة إناسية؟
يتبقى لنا إذاً الأصل المحلي، أي أن يكون إنسان مشتى العربي يعود إلى منطقة
شمال إفريقيا نفسها، وهي الفرضية الأبسط (ولربما تكون بساطتها هي التي
منعت من الأخذ بها!)، وهي اليوم قد صارت الأكثر بداهة؛ منذ أن كان اكتشاف
الإنسان العاتيري. ويسلم اليوم علماء الإناسة المتخصصون في شمال إفريقيا؛
أمثال د. فيريمباخ ومـ. كـ. شاملا بوجود نسب مباشر وموصول من
النياندرتاليين في شمال إفريقيا (ومثالهم إنسان جبل إرحود) وحتى أشبه
الكرومانيون (ومن جملتهم إنسان مشتى العربي). ولا يبعد أن يكون الإنسان
العاتيري المكتشف في دار السلطان هو الوسيط بينهما، لكن بعد أن اكتسب خصائص
الإنسان العاقل.

تطور إنسان مشتى العربي
بين أيدينا عدد وافر من بقايا إنسان مشتى العربي، ويمكن تقدير عدد
الأفراد الداخلين في هذا النوع البشري لما قبل التاريخ بخمسمائة فرد، قد تم
أخذها أو التعرف عليها في مواضع شتى من شمال إفريقيا. ولا يعود هؤلاء
جميعاً إلى العصر الإيبيري الموري؛ فحوالي المائة منهم إلا قليلاً قد
عاصروا صناعات أحدث عهداً، وأعمارهم دون العشرة آلاف سنة. وقد كان الأفراد
المنتمون إلى إنسان مشتى العربي كثيري العدد في العصر الحجري الحديث، خاصة
في غرب الجزائر وعلى الساحل الأطلنتي. ففي تلك الحقبة عبرت إحدى المجموعات
الشرم الذي يفصل القارة الإفريقية عن جزر الكناري واستوطنت هذا الأرخبيل.
وقد عرف إنسان مشتى العربي التطور في ذلك المكان. فأما الأفراد منه الذين
استوطنوا الساحل (كما في كهوف وهران ونواحي مدينة الجزائر) فقد ظلوا أشداء
حتى النهاية، وأما أولئك الذين استقروا في المناطق الداخلية (كما في
كولومانتا وجبل فرطاس وداموس الحمار) فهم يبينون عن ميل واضح إلى النحافة
وقد نقصت قاماتهم وصارت عظامهم أقل سمكاً وجماجمهم أقل استطالة والنتوءات
العظيمة أقل بروزاً والأسنان أصغر حجماً. وقد أظهرت الأبحاث التي قام بها
مـ. سـ. شالما منذ وقت قريب أن تلك النحافة ليست نتيجة للاختلاط مع أنواع
بشرية أحدث عهداً، بل هو بفعل تطور داخلي. وهذه ظاهرة ليست مقصورة على
إنسان مشى العربي ولا على شمال إفريقيا.
وما يزيد في الاستغراب اكتشاف أ. ديتور لقوم من العصر الحجري الحديث بملامح
لإنسان مشتى العربي لا تقبل الشك، وذلك في حاسي الأبيض، في عمق الصحراء
المالية.
وقد أخذ نوع إنسان مشى العربي في الاندثار رويداً رويداً أمام أنواع أخرى
من البشر، لكنه لم يختف بالكلية. فلا نزال نجد نسبة 8% من الجماجم الشبيهة
بما عند إنسان مشتى العربي بين من مجموع الجماجم التي احتُفظ بها من مقابر
قبيل التاريخ والجماجم البونيقية (شاملا، 1976). وكذلك نتعرف في العصر
الروماني الذي لطالما لقيت البقايا البشرية التي تعود إليه التجاهل من
علماء الحفريات «الكلاسيين» على بعض الجماجم في شرق الجزائر لها خصائص
شبيهة بما عند إنسان مشتى العربي. ولا نزال إلى اليوم نستبين بعض العناصر
النادرة من نوع مشتى العربي لدى السكان، هم الذين تنتمي غالبيتهم العظمى
إلى مختلف أجناس النوع المتوسطي. فبعض الأفراد [حذف كثير] من ذوي الرؤوس
المتوسطة أو المستطيلة والوجوه الخفيضة والقامات العالية وغير المتناسبين
في الجماجم والوجوه تذكرنا بأهم خصائص إنسان مشتى العربي. وهؤلاء يمثلون
نسبة لا تكاد تزيد عن 3 % من سكان بلدان المغرب، وهي نسبة أكثر بكثير مما
فيوجد منهم في جزر الكناري.
غير أننا لا نستطيع مع ذلك أن ندخل إنسان مشتى العربي في أسلاف البربر المباشرين.

المتوسطون القفصيون الأوئل
آكلوا الحلزونات
ابتداء من الألف الثامنة ظهر في القسم الشرقي من بلدان المغرب نوع
جديد من الإنسان العاقل قد تكونت لديه خصائص بعض السكان المتوسطين كما
نعرفهم في الوقت الحاضر. وهو كذلك طويل القامة (1,75م للرجال في المجاز
إثنان، و1,62م للنساء)، لكنه يتمايز عن إنسان مشتى العربي في أنه دونه
صلابة بكثير وأنه يفوقه تناسقاً في الجمجمية والوجه؛ إذ أن الجمجمة
المستطيلة تتناسب والوجه المرتفع والمائل إلى الضيق، وأن محاجره يغلب عليها
شكل المربع والأنف أضيق. والنتوءات العظيمة لدى هذا النوع البشري الجديد
غير بارزة؛ وأخص ما يميّزه أن زاوية الفك لديه ليست بمنحرفة إلى الأمام.
وهذه خاصية كانت شائعة جداً، بله ربما كانت ثابتة، لدى إنسان مشتى.
أطلقت على هذا النوع صفة ما قبل المتوسطي. وقد وجدت مجموعات على شبه كبير
به من الناحية الإناسية في الحقبة نفسها أو قُبيلها في المشرق (هم
النطوفيون)، وفي مختلف البلدان المتوسطية، وهي تنحدر في ما يبدو من نوع
كومب كابل (الذي يسمى في وسط أوروبا إنسان برنو)، وهو يتمايز عن إنسان
كرومانيون.
ومن الواضح أن إنسان مشتى العربي لم يكن له أن ينتح الإنسان ما قبل
المتوسطي. فهذا الإنسان الذي سيأخذ يخلفه بالتدريج قد ظهر أولاً في الشرق،
وأما إنسان مشتى العربي فقد كان إلى العصر الحجري الجديد لا تزال أكثر
أعداده في غرب البلاد. وإن في هذا التقدم المتدرج من الشرق صوب الغرب ما
يدعو بالفعل إلى ضرورة أن نبحث عن ظهور هذا النوع البشري ما قبل المتوسطي
في ما يتعدى نطاق بلدان المغرب. ويظهر اليوم إجماع لدى المتخصصين من
إناسيّين ومؤرخين في ما قبل التاريخ على أن إنسان مشتى العربي إنما كان
مقدَمه من الشرق الأوسط.
ويمكن أن نتعرف اليوم في الإنسان ما قبل المتوسطي، وحسب ما يرى مـ.
سـ. شاملا، على نوعين اثنين. فأما أكثرهما شيوعاً فهو نوع فرعي من المجاز
II، ويتميز بجمجمة مرتفعة، وهو نوع يغيب لديه الدفق في الفكين، وأما النوع
الثاني، وهو أقل انتشاراً، فيمثله إنسان عين دكّارة، وهو ذو جمجمة منخفضةِ
قبّة القحف أكثر، وبعضه يكون طويل الفكين، لكن دون أن يبين عن خصائص أشبه
بما عند الزنوج، وهي الخصائص التي أخطأ الباحثون بالتنويه إليها.

الحضارة القفصية
كان هذا الإنسان حاملاً لصناعة ما قبل تاريخية جُعل لها اسم القفصية،
نسبة إلى الاسم القديم لكافصا (قفصة) التي عُثر بالقرب منها لأول مرة على
العناصر المكونة لهذه الثقافة. والعصر القفصي يمتد على زمن أقل طولاً من
العصر الإيبيري الموري؛ فهو يمتد من الألف الثامنة إلى الألف الخامسة [قبل
الميلاد.
وقد مكنت لنا المواقع الكثيرة التي عُثر فيها على تلك المكونات والتي
سميت على سبيل التلطُّف بالحلزونيات، كما أتاحت لنا جودة التنقيبات التي
جرت في تلك المواقع، أن نكوّن معرفة مُرضية بالقفصيين وأنشطتهم. فيمكننا أن
نتحدث في ما يخصهم عن حضارة تبين لنا مكوناتها الجهوية العديدة، التي تم
التعرف عليها في أنحاء تونس والجزائر، عن بعض الملامح والخصائص الثابتة.
ولا نريد أن نطيل التوقف عند صناعة الحجر، وهي التي تتميز بأدوات ذات شفرات
أو نصيلات أحد طرفيها مطرَّق ومناقيش وهياكل ذات أشكال هندسية (فيها
الأهلة والمثلثات والمربعات المحرَّفة)، ويجدر بالإشارة أنها في غاية
الجمال، ومثيرة للاهتمام بجودة التقطيب الذي كان يُنجز أحياناً خلال العصر
القفصي الأعلى عن طريق الضغط، فتتحصل عنه نصيلات متقنة خلو من أي نشاز. وهي
تلفت الأنظار كذلك بما فيها من دقة التنميق، كما نراه على بعض القطع فائقة
الصنع. لكن [الفن] القفصى يتميز بخصائص أخرى لها أهمية أكبر عند علماء
الآثار وعلماء السلالات؛ وأريد الأعمال الفنية. وهي تعتبر الأقدم في
إفريقيا، ويمكننا أن نؤكد أنها كانت الأصل في العجائب الفنية التي ظهرت في
العصر الحجري الحديث. بل إنها كانت، وهذا شيء له أهميته، هي الأصل للفن
البربري. وتتوزع هذه الأعمال إلى نوعين؛ النحت والنقش. والأحجار القفصية
المنحوتة في غاية الندرة، وأكثر ما عُرف منها في موقع المقطع بالقرب من
قفصه (في تونس). وهي عبارة عن لويحات مخروطية من الجير الناعم بعضها مزين
بحزوز وأقنعة بشرية أو رؤوس لحيوانات. والأثر الأكثر لفتاً للانتباه بينها
هو تمثال صغير بشري صغير لا يزيد عن رأس وعنقه وينتهي بشكل مخروطي. وملامح
الوجه غير مبيّنة، لكن الوجه يحمل بعض الحزوز، وأما الشعر فطويل قد اعتُني
بمعالجته. ومن فوق الجبين خصلة شعر كثيفة مقطعة بعناية وهي تتصل بخصلتين
ثقيلتين تنحدران من الجانبين وتغطيان الأذنين.
وأكثر إثارة للاهتمام هي النقوش القفصية، ونادراً ما تطالعنا على
حيطان المخابئ، وأكثر ما تكون على الألواح الجيرية. والشائع فيها كذلك أنها
تُجعل على مادة قد كان لها دور مهم لدى بعض المجموعات القفصية؛ ألا وهي
قشور بيض النعام. وبعض هذه النقوش تكون رسوماً وصوراً على غير إتقان كثير
لبعض الحيوانات، وقد كانت ممهدات للفن الكبير لرسوم الحيوانات الذي تميز به
العصر الحجري الحديث في إفريقيا، لكن معظم تلك الرسوم يغلب عليها الطابع
التجريدي والهندسي. وذلك هو الشأن في معظم الزخارف التي تُرى على قشور بيض
النعام. ونلاحظ بين مجموعات الخطوط المستقيمة والمنحنيات والمنقطات كثرة
التربيعات والشاريات والمثلثات. ويلوح أن هنالك قرابة معينة بين بعض هذه
الزخارف القفصية، أو الزخارف التي تعود إلى العصر الحجري الحديث، والزخارف
التي لا تزال متداولة لدى البربر في ما يصطنعون من أوشام وأنسجة أو يأتون
من رسوم على الفخار أو على الجدران، بحيث نستبعد ألا يكون هنالك من
استمرارية في هذا الميل الفطري إلى الديكور الهندسي، ولاسيما أننا لا نعدم
الشواهد الدالة على وجود تلك الاستمرارية من عصور قبيل التاريخ إلى العصر
الحديث.




7/7/2012

avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الأربعاء 1 أغسطس 2012 - 18:11


7)
النوع القوي من الإنسان أكثر من حافظ عليه البربر الرحل في الصحراء
(الطوارق)، كما نجده لدى مجموعات الرحل المستعربة في الغرب (الركيبات) ولدى
المغاربة في الوسط وخاصة في الجنوب (لدى آيت عطا والشلوح).

استقرار البربر القدامى
لا تكاد العناصر البشرية القفصية تختلف إلا قليلاً عن السكان الحاليين
لشمال إفريقيا؛ من بربر و»عرب»، وهم الذين أهمل علماء الحفريات، في بداية
أبحاثهم، أن يحتفظوا لنا بهياكلهم العظمية المكتشفة في المحلزات، لاعتقاد
منهم أنها لدخلاء ومتطفلين دُفنوا في زمن متأخر. بل إن إحدى تلك الجماجم قد
بقيت لبعض الوقت في قلم محكمة عين مليلة، وهي مدينة صغيرة في شرق الجزائر،
إذ اشتُبه في أنها إنما تعود إلى عملية دفن سري وقعت لقتيل.
ومهما يكن من أمر فإننا ندخل في أوائل المتوسطيين القفصيين أوائل
المغاربيين، وهم الذين يمكن لنا من غير ما تهور أن نجعلهم على رأس سلسلة
النسب البربري. أي إلى 9000 سنة تقريباً! وجميع المعطيات تتفق على التسليم،
وكما ذكرنا من قبل، بأن هؤلاء القفصيين يعودون بأصولهم إلى المشرق. ولكن
هذا الوصول هم من القدم بحيث لا يبالغ في شيء من يصف أحفادهم بالأهالي
الحقيقيين.
فإذا ما انتقلنا إلى العصر الحجري الحديث لم يعد في الإمكان أن نقف على
[أي] تغير واضح في سياق التحول الإناسي الذي عرفه المغرب الكبير. فنحن
نلاحظ استمراراً لنوع مشتى العربي في الغرب، بل ونلاحظ تقدمه صوب الجنوب
بطول سواحل الأطلسي، وأما ما تبقى من الصحراء، أو على الأقل في جنوب مدار
السرطان فلا يقطنه غير الزنوج. وقد سار أوائل المتوسطيين في انتشار حثيث.
فإذا جئنا إلى فجر التاريخ فإننا نلاحظ أن المدفونين من بني البشر تحت
الجثوات وغيرها من نصب الحجارة العظيمة هم من النوع المتوسطي على اختلاف
مواقعهم، في ما عدا المناطق الجنوبية، وهي التي يمكن أن نميز فيها العناصر
من ذات الأشكال الزنجية. فيكون المغرب الكبير من الناحية الإناسية قد
«توسّط»، بل وتبربَر منذ ذلك الزمان.
لكن هنالك ملاحظة أخرى تفرض نفسها في الحال؛ وهي أن بعض هؤلاء المتوسطيين
ذوو قامات أقصر، وخصائصهم العضلية أقل وضوحاً وعظامهم أقل سمكاً؛ وصفوة
القول إن هياكلهم أكثر نحافة. والحقيقة أن اختلافاتهم عن أوائل المتوسطيين
القدماء ليست بالاختلافات البيِّنة؛ فهنالك أشكال وسيطة ومراحل انتقالية
عديدة بين المتوسطيين الأشداء والمتوسطيين الضعفاء. كما أنه لم يقع زوال في
بعضهم بسبب من البعض الآخر؛ فلا يزال لهذين النوعين الفرعيين من العرق
المتوسطي هما الاثنان وجود إلى اليوم. فأما الأوائل فيكونون النوع الفرعي
المتوسطي الأطلسي الذي يحضر بوضوح في أوروبا بداية من شمال إيطاليا وحتى
كاليسيا، وأما النوع الثاني فهو المعروف باسم الإيبيرى الجزيري، وله غلبة
في جنوب إسبانيا وفي جزر [الكناري] وشبه الجزيرة الإيطالية.
ولهذا النوع الفرعي انتشار واسع في شمال إفريقيا، وذلك في منطقة التل،
وخاصة في المرتفعات الساحلية في شمال تونس وفي منطقة القبائل وفي الريف
شمالي المغرب، وأما النوع القوي فأكثر من حافظ عليه البربر الرحل في
الصحراء (الطوارق)، كما نجده لدى مجموعات الرحل المستعربة في الغرب
(الركيبات) ولدى المغاربة في الوسط وخاصة في الجنوب (لدى آيت عطا والشلوح).
لكن هذين الفرعين ظلا يتعايشان إلى اليوم في المناطق المذكورة. ففي منطقة
القبائل، وحسب ما تفيدنا دراسة حديثة لم. كـ. شاملا، يمثل النوع المتوسطي
70% من السكان، لكن ينقسم إلى ثلاثة أنواع فرعية : النوع الأول هو الإيبيرى
الجزيري، وهو الغالب، ويتميز بقامة بين قصيرة ومتوسطة ووجه ضيق وطويل،
والنوع الثاني هو الأطلنتي المتوسطي ويحضر كذلك بأعداد كثيرة، وهو أقوى من
الأول وأطول منه قامة وله رأس متوسطة الطول، والنوع الثالث هو النوع الفرعي
الصحراوي وهو أقل عدداً (15%)، ويتميز بقامته الطويلة ورأسه المستطيلة
ووجهه الطويل.
وهنالك عنصر ثان يسمى بالألبينى ويتميز بقصر جمجمته ووجهه القصير وقامته
القصيرة نسبياً، وهو يمثل حوالي 10% من السكان. ولكن م. كـ. شاملا ترفض أن
تدخلهم في الألبيين الحقيقيين، وتميل بالأحرى إلى أن تضمهم إلى فرع «قصير
الرأس» من النوع المتوسطي.
وهنالك عنصر ثالث ذو صلة بالشكل الأرمينى وعلى قدر العنصر السابق من التواتر؛ وهو يتميز بوجه مستطيل وجمجمة قصيرة.
وينضاف إلى هذا الخزان بعض الأفراد المعدودين الذين حافظوا على خصائص
من إنسان مشتى العربي، وبعض المولدين المنحدرين من عنصر زنوجي قديم نسبياً
وبعض الأفراد من ذوي اللون الفاتح في البشرة والعيون والشعر.

تعقيد وتنوع
هذا المثل يبين لنا التنوع في سكان المغرب الكبير. لكننا ما عدنا بعدُ
في الزمن الذي كانت فيه الصنافة العرقية هي الهدف النهائي للبحث الإناسي.
وقد كان الباحثون حينها يُغرون بأن يحملوا «الأنواع «أو»الأعراق» على
مجموعات بشرية قد اندمجت على مر القرون في نوع أو أنواع كثيرة أقدم منها
عهداً. ولقد بينت الأبحاث الحديثة في العالم أجمع مدى القابلية الكبيرة
التي كان يتمتع بها جسم الإنسان للتأثر بالتغيرات، وقابليته خاصة للتلاؤم
مع التحسن الذي يطرأ على ظروفه المعيشة. وتعتبر الزيادة في طول القامة التي
وقعت خلال الأجيال الثلاثة الأخيرة ظاهرة عامة قد لمسها وعرفها الرأي
العام، وهي كذلك ظاهرة بالإمكان قياسها بسهولة بفضل سجلات مجالس المراجعة.
فخلال أقل من القرن من الزمن زاد متوسط طول القامة عند الفرنسيين بسبعة
سنتيمترات، وهو زيادة مهمة، ولا يمكن تفسيرها لا بغزو ولا بهجرة منظمة
لأناس من قصار القامة. إن مرد هذا النمو إلى تحسن ظروف العيش وإلى تغذية
صارت أغنى من ذي قبل، وهو يعود خاصة إلى زوال الأعمال الشاقة التي كانت تقع
على الأطفال واليافعين. ولذلك فهذه الزيادة في القامة غير متناسبة بين
الأمم، ولا هي متناسبة في صلب الأمة الواحدة بين الجهات، بل على علاقة
مباشرة بالتنمية الاقتصادية. ومن ذلك أن متوسط الطول في تيزى أوزو (منطقة
القبائل، الجزائر) قد زاد خلال بضع سنين، [وتحديداً] من 1927 إلى 1958، من
164,6 سم إلى 167,4 سم، بينما لم يزد متوسط الطول في المنطقة المجاورة،
الأخضرية (بالسترو سابقاً)، وهي منطقة أفقر من الأولى، إلا بـ 1,2 سم خلال
المدة من 1880 إلى 1958، وهي زيادة لا تبدو بذات أهمية.
وبينت أعمال أخرى أن شكل الجمجمة كان يأخذ في التباين بفعل «حيْد وراثي
، كما يسميه الحياويون، ولا يكون في الإمكان الرجوع إلى أي مساهمة أجنبية
مهما كانت زهيدة لتفسير هذه الظاهرة.
هذه الليونة وهذه القابلية للتأثر بالعناصر الخارجية مثل الظروف
المعيشية وتوجه غير متوقع وليد للصدفة الوراثية [عوامل] تبدو لغير قليل من
الإناسيين الحديثين كافية لتغنيهم عن الأخذ بالهجرات والاجتياحات الوهمية
الكثيرة التي يُقال إنها كانت من وراء تكون الأقوام القدامى [التاريخيين].
ويبدو لنا اليوم أن الراجح أن يكون التطور وليد المكان نفسه [وليس خارجي
المنشإ].
على هذه الصورة تفسر م. كـ. شاملا ظهور الفرع الإيبيري الجزيري في صلب
المجموعة المتوسطية الإفريقية بمجرد حدوث عملية ضمور بسيطة [في هذه
المجموعة]. فلم يظهر أي اختلاف في أشكال الجماجم بين تلك التي تعود إلى
العصور القفصية والتي تعود إلى عصور قبيل تاريخية والتي تعود إلى العصور
الحديثة؛ وما تتباين في غير الأحجام وفي مظهر عام هو وليد [ذلك] الضمور.
وأما أن يظل التغير المجرد والمقصور على عين المكان هو العامل الأساس
فذلك شيء لا يمكن أن يتفق ومجموعة كبيرة من المعطيات الثقافية والإناسية
التي لا يمكن الجدال في أنها ذات منشإ خارجي.

الضغط المستمر من المشرق
إذا كان أوائل المتوسطيين القفصيين هم الأساس لسكان المغرب الكبير
الحاليين فإن الحركة التي جاءت بهم من الشرق الأوسط إلى شمال إفريقيا ظلت
موصولة لم تتوقف، ولو للحظة، طوال عصور ما قبل التاريخ. فما أولئك
المتوسطيون القفصيون غير أسلاف لسلسلة طويلة من المجموعات، بعضها قليلة
العدد وبعضها كثيرته. إنها حركة ظلت موصولة لم تكد تتوقف طوال آلاف السنين،
وقد جرى تقسيمها للاستجابة إلى حاجات البحث الإناسي أو التاريخي، إلى
«اجتياحات» أو»غزوات»، وما كانت إلا لحظات في ديمومة مسترسلة.
فقد أُدخلت [إلى شمال إفريقيا] بعد الأزمان القفصية، وخلال العصر
الحجري الحديث، الحيواناتُ الأليفة، كالأغنام والماعز ذات الأرومات
الغريبة، كما أُدخلت إليه أولى النباتات المزروعة وكانت كذلك ذات مصدر
خارجي. لكن تلك الحيوانات والنباتات لم تصل لوحدها، حتى وإن كان الأناسي
الذين جاءوا بها قليلي العدد. وقد كان القسم الأكبر من الصحراء يعمره في
ذلك العصر رعاة من أشباه الزنوج. ومن المحتمل أن تكون بعض المجموعات انتقلت
نحو الشمال وصولاً إلى المغرب الكبير بدفع من الجفاف الذي حدث بعد الألف
الثالثة. وقد تم التعرف على [بقايا] بعض النماذج الشبيهة بالزنوج في
المواقع التي تعود إلى العصر الحجري الحديث في الجنوب التونسي. وأشار
ديودور الصقلي في روايته في القرن الرابع قبل الميلاد إلى أقوام يشبهون
الأثيوبيين (أي أنهم أقوام سود البشرة) في منطقة التل التونسية، في ما
يُعرف حالياً بكروميري. لكن هذا الإسهام الإفريقي الخالص يبدو شيئاً زهيداً
بالقياس إلى الحركة الكتيمة، لكنها موصولة، وهي الحركة التي تواصلت في عصر
المعادن بظهور مربي الخيول، الذين عرفوا في البداية بـ «الخيليين»، وسائقي
العربات ثم الفرسان الذين غزوا الصحراء واستعبدوا الأثيوبيين.
بل نحسب أنه قد وقعت خلال الحكم الروماني ثم الوندالي والبيزنطي
انسلالات طويلة لقبائل على شيء من المشاغبة إلى خارج الحدود الرومانية، بل
بلغت كذلك إلى الأراضي التي كانت تكوّن الإمبراطورية. فالتجمع القبلي الذي
أسماه الرومان «ليفاتاي» (ونطقه «ليواتاي»)، والذي كان يوجد في القرن
الرابع في طرابلس الغرب، قد صار في العصور الوسطى يتسمى «لواتة» ويوجد بين
الأوراس والونشريس. ولواتة هؤلاء، كمثل قبائل أخرى عديدة، تنتمي إلى مجموعة
زناتة، وهي الأحدث بين المجموعات الناطقة بالبربرية والتي تختلف لغتها
كثيراً عن لغة المجموعات الأقدم والتي يمكن تسميتها أوائل البربر. وقد كان
في الاضطرابات التي أثارها ظهور زناتة، كما كان في الاضطرابات السياسية
والدينية والاقتصادية التي نابت الأقاليم الإفريقية ما ساعد كثيراً على
نجاح مشاريع الغزو العربية في القرن السابع. ثم وقعت الاجتياحات المتعاقبة
من البدو من بني هلال و[بني] سليم ومعقل أربعة قرون بعدُ، هي الأخرى، وقد
حفظها لنا التاريخ بسبب ما كان لها من نتائج لا تعد ولا تحصى، وهي لم تكن
تزيد عن لحظات في حركة واسعة ابتدأت قبل ذلك بعشرة آلاف سنة.


09-07-2012


avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الأربعاء 1 أغسطس 2012 - 18:13


8) إذا لم تكن الليبية شكلاً قديماً من البربرية فكيف يا ترى ومتى تكون تكونت اللغة البربرية؟

الإسهامات المتوسطية
إذا كان سكان المغرب الكبير قد حافظوا على أصالة محققة عن سكان الشرق
الأوسط، سواء من الناحية الجسمانية أو من الناحية الثقافية، فلأن تياراً
ثانياً قد جاء من الشمال والجنوب وتداخل مع التيار الأول، وترك بصماته
بارزة على هذه الأراضي الغربية.
يعود ظهور هذا التيار المتوسطي إلى العصر الحجري الحديث. وقد عرف الساحل
المغاربي يومئذ كمثل الزراعات وأساليب الخزافة التي كانت متداولة في
المناطق الأخرى في غرب المتوسط. وبينما ظهرت في جنوب مضيق جبل طارق تقنيات
مائزة كمثل الزخرف الصدفي الذي يستعمل فيه صدف الرخويات البحرية، وهو أسلوب
أوروبي امتد إلى شمال المغرب، فإن في شرق [المضيق] انتشرت صناعات السبج
التي جيء بها من الجزر الإيطالية. وإن توزيع النصب الجنائزية كالدلمنات
والنواويس المكعبة في عصور أقرب إلينا شيءٌ لا يمكن تفسيره إلا بالاستقرار
الدائم [في هذه المنطقة] لمجموعة أو مجموعات متوسطية جاءت من أوروبا.
والحقيقة أن تلك المساهمة المتوسطية الخالصة قد كانت لها أهمية ثقافية أكثر
مما كانت لها أهمية إناسية. لكن إذا كان يمكن لبعض العناصر الثقافية، إذا
جاز لنا التعبير، أن تتنقل لوحدها فإن النصب والطقوس المقابرية تبدو لي
أوثق ارتباطاً بالمجموعات العرقية بما لا يمكن أن نتصور لبناء الدلمنات أو
حفر النواويس أن يجوز مضيق صقلية وينتشر في شرق المغرب الكبير من دون أن
يكون حملها أقوام على قدر كبير من الانسجام.
وإذا لم يكن في نيتنا أن ننتقص من شأن الأسبقية الأساسية التي كانت لمجموعة
أوائل المتوسطيين، وهي مجموعة قارية تعود بأصولها إلى المشرق ثم اغتنت بما
دخلها من إسهامات متعاقبة، فلا ينبغي لنا كذلك أن نهمل تلك المساهمات
المتوسطية الخالصة، وهي أحدث منها عهداً وأقل أهمية على الصعيد الإناسي،
لكن تفوقها ثراء من الناحية الثقافية.
لقد تشكلت ساكنة بلدان المغرب كما تشكلت حضارته القروية من تداخل هذين
العنصرين الرئيسَين، بالإضافة إلى مساهمات ثانوية ظلت تتلقاها من إسبانيا
ومن الصحراء طوال قرون.

المعطيات اللغوية
لا يمكن أن نغض الطرف عن الإسهام الذي كان من الدراسات اللغوية في
السعي إلى تحديد أصول البربر، بحكم أن اللغة تعتبر اليوم الخاصية الأكثر
أصالة والأشد تمييزاً للمجموعات البربرية المتناثرة في الربع الشمالي
الغربي من القارة الإفريقية.
تحوط لازم
ما أسهل ما تتبنى اللهجات البربرية الكثير من الكلمات الأجنبية وتسبغ
عليها الطابع البربري. فنحن نجد اللغة البربرية قد احتوت على كلمات لاتينية
وكلمات عربية (تمثل المفردات العربية في لغة القبائل نسبة 35% من هذه
اللغة البربرية)، وفرنسيه وإسبانيه... ويبدو أن اللغة الليبية كانت على
القدر نفسه من سهولة التأثر بالغزو اللغوي.
ولذلك ينبغي لنا أن نتحفظ كثيراً بشأن التقريبات الكثيرة والعشوائية بين
البربرية ومختلف اللغات الأجنبية القديمة، والتي جاء بها دارسون من الهواة
أو بحَّاثة من غير المتمرسين. فهذا بيرثولون يرى أن اللغة الليبية كانت
لهجة هيلينية أدخلها الثراسيون. ويرى آخرون أن هذه اللغة تعرضت لتأثيرات من
اللغة السومرية أو اللغة الطورانية. وظهر في وقت أقرب من يعتد بالنموذج
المثالي الباسكى ويستند فيه إلى حجج أقل سخافة. فقد كان الهواة من الدارسين
في بداية القرن العشرين يعتقدون أن في إمكانهم أن يأتوا لما يسوقون من
علاقات قرابة بأساس من خلال تكوينهم لقوائم طويلة من مفردات اللغة
[الباسكية] ومقابلتها بمفردات من اللغة موضوع المقارنة. وإن من اليسير أن
نأتي بمثل هذه المقارنات؛ ومن ذلك أن في الإمكان أن نسجل وجود توافقات
غريبة للمفردات اللغوية البربرية مع اللهجات الهندية الأمريكية كما توجد
تلك التوافقات بينها واللغة الفنلندية.
يفسر هذا الهذيان الثقافي الموقف شديد التحفظ للمتخصصين في البربر، الذين
يذهبون أحياناً إلى حد التشكيك في العلاقة بين البربرية والليبية، أو على
وجه الدقة، إن التحوط قد بلغ بهؤلاء المتخصصين حداً أن دفعهم إلى التأكد من
أن اللغة المكتوبة بحروف ليبية هي شكل من أشكال البربرية القديمة.
يظهر هذا الموقف الحذر في نص شهير لـ. أ. باسي، جاء فيه : «وباختصار فإن
المفهوم السائد القائم على اعتبار اللغة البربرية لغة محلية واللغة المحلية
الوحيدة حتى فترة ممّا قبل التاريخ [...]، يستند في المقام الأول إلى حجج
سالبة، فلم تقدم لنا البربرية أبدا بكونها لغة تم إدخالها، ولا يؤت لنا
أبداً بما يثبت وجود أي لغة محلية أخرى أو اختفاءها».

الكتابات الليبية
لا تزال معظم الكتابات الليبية عصية على القراءة والفهم، على الرغم من
الأبحاث الكثيرة التي تناولتها وعلى امتداد قرن من الزمان. وهذا، كما أشار
سـ. شاكر منذ وقت قريب، وضعٌ في غاية الغرابة، ولاسيما بعد أن تهيأت
للغويين الكثير من الإمكانيات المساعدة، كالكتابات ثنائية اللغة التي تجمع
بين البونيقية والليبية أو بين اللاتينية والليبية، والمعرفة بالشكل الحديث
للغة، ذلك بأننا إن كنا لا نملك الدليل القاطع على الوحدة اللغوية لدى
الأقوام الذين سكنوا شمال إفريقيا قديماً فإن المعطيات التاريخية والمعطيات
المتعلقة بأسماء الأماكن وأسماء الأعلام والمفردات اللغوية وشهادات
المؤلفين العرب تثبت مجتمعة وجود قرابة بين اللغتين الليبية والبربرية.
وبالعودة إلى الحجة النافية التي تناولها أ. باسي بالتفنيد، لكني أراها
حاسمة قاطعة! فإذا لم تكن الليبية شكلاً قديماً من البربرية فكيف يا ترى
ومتى تكون تكونت اللغة البربرية؟
وإن من اليسير علينا أن نقطع بالأسباب من وراء الفشل النسبي الذي مُنيت به
الدراسات الليبية؛ فالمهتمون باللغة البربرية، وما هم بالكثيرين، قد صرفهم
انشغالهم بإحصاء مختلف اللهجات البربرية عن أن يولوا، إلى اليوم، اهتماماً
موصولاً إلى اللغة الليبية، إذ لا يرون لكتاباتها المكرورة فائدة كبيرة.
وفي المقابل فإن [الباحثين] الهواة والجامعيين من غير المهتمين باللغة
البربرية والمهتمين بتلك النصوص بحكم قيمتها التاريخية أو الحفرية لم
يكونوا بالمؤهلين لمثل هذه الدراسة.
ولسوء الحظ فلا يسعفنا النظام الكتابي للغة الليبية، المكون من الحروف
الصامتة فقط، في إعادة تكوين اللغة التي ينقلها بالتمام والكمال.

قرابة البربرية [إلى لغات أخرى]
على الرغم مما تقدم فإن وجود قرابة للغة البربرية بلغات أخرى قريبة
إليها من الناحية الجغرافية أمرٌ قد ظهر القائلون به في وقت مبكر جداً، بل
ربما أمكننا القول منذ بداية الدراسات [التي اهتمت بالبربر]. فهذا
شامبوليون قد قال في سنة 1838 بوجود قرابة بين البربرية واللغة المصرية
القديمة، وذلك في سياق المقدمة التي وضعها لـ «معجم اللغة البربرية» لصاحبه
فينتور دي بارادي . وقال آخرون - وهم أكثر عدداً ? بوجود علاقة للغة
البربرية باللغة السامية. ولزم أن ننتظر التقدم الحاسم الذي تحقق في دراسة
اللغة السامية القديمة لكي يخرج علينا م. كوهين في سنة 1924 باقتراحه دمج
البربرية في أسرة كبيرة هي المسماة الحامية السامية والتي تضم كذلك اللغة
المصرية القديمة (والقبطية وهي شكلها الحديث) والكوشية والسامية. ولكل
واحدة من هذه المجموعات اللغوية عناصر تشكل أصالتها، لكن توجد بينها عناصر
قرابة كثيرة، بما حمل مختلف المتخصصين على الانحياش الى الأطروحة التي قال
بها م. كوهين.
وليست هذه التوازيات مجرد تشابهات معجمية، بل إنها لتبلغ بتأثيرها إلى بناء
اللغة نفسها، ما تعلق بنظام الأفعال والتصريف والهيأة الثلاثية في جذور
الكلمات، وذلك على الرغم من أن الكثير من الجذور في البربرية هي جذور
ثنائية، لكنه مظهر مصدره «البلى» الصوتي الذي وقع بشكل بالغ القوة في
البربرية، وهو أمر يقر به جميع المتخصصين. ولقد أدت هذه الظواهر من
الانحتات الصوتي في البربرية إلى صعوبة مقارنتها من الناحية المعجمية مع
اللغة السامية، ولذلك استأثرت طويلاً باهتمام دارسي البربرية، في سياق موقف
«انعزالي» يبدو أنه بات اليوم من الماضي.
ومهما يكن من أمر فإن القرابة التي نلاحظها في صلب المجموعة الحامية
السامية بين اللغة البربرية واللغة المصرية واللغة السامية لا يمكنها إلا
أن تؤكد المعطيات الإناسية التي تزيد هي أيضاً في تعزيز الفكرة القائلة إن
البربر يعودون بأصولهم البعيدة إلى المشرق.

غزو البربر القدامى للصحراء
تحد بلدان المغرب اليوم أكبر صحاري العالم. وفي الوقت الذي بدأت فيه
المغامرة البربرية بوصول المتوسطيين القفصيين القدامى قبل حوالي سبعة آلاف
سنة من ميلاد المسيح، كانت الصحراء لا تزال لم تصر بعد قاحلة تماماً. بل
إنها كانت في الوسط منها مركزاً لحضارة أكثر أهمية مما كان في شمال بلاد
البربر.

الصحراء في العصر الحجري الحديث
بدأت الظواهر الثقافية شديدة التعقيد، التي يجمعها مؤرخو ما قبل
التاريخ في عبارة، في البروز في مرتفعات وسط الصحراء قبل نحو ألفي سنة من
ظهورها في الجهات الشمالية. ولئن كانت مناطق شاسعة، خاصة من أكثرها
انخفاضاً، قد صارت قاحلة ماحلة، فإن في جنوب تيبستي وجنوب تاسيلي نعاجر،
إلى الجنوب والغرب من الهُقار، كما في الجزء الجنوبي من موريتانيا كانت
هنالك بحيرات يصل عمق بعضها إلى عشرات الأمتار، تغطي مساحات شاسعة قد باتت
تغمرها كثبان من الرمل وجرُف من الصخر الرملي. كما توجد مواقع على ضفاف هذه
البحيرات القديمة أو بطول الأودية التي كانت تغذيها بدفق شبه مستمر، قد
اشتمل بعضها على بقايا أسماك معظمها من ذات الأحجام الكبيرة ومعدات للصيد؛
كالصنانير والمخاطيف العظمية، وهي أشياء قلما نتوقع العثور عليها في مثل
هذا البحر من الرمال. ويُتبين من تحليل حبوب اللقاح، وإن كانت لا تقدم لنا
نتائج محققة في الصحراء، أن في الألف السابعة كان يسود الجبال [في هذه
المنطقة] مناخٌ شديد الرطوبة، بحيث إن القمم الجبلية، وهي بحق شديدة
الارتفاع (يصل ارتفاع جبل تاهات إلى 2910م) كانت تغطيها الأشجار الوارفة؛
أشجار البلوط والزيزفون والجوز والمغث والدردار، بينما كان صنوبر جبال
الألب يمتد على السفوح والمناطق المنخفضة، وفيها كانت تنمو كذلك أشجار
الوزال والميس والمصطكا والزيتون.
في هذا الإطار الطبيعي قامت أول حضارة قد تهيأت لها صناعة الخزف، ولا يبدو
أنها أخذت شيئاً [من مكوناتها] من الخارج. إنها حضارة سابقة على العصر
الحجري الحديث (فأغلب تواريخها الأقدم تقع بين 7000 و6000 قبل الميلاد)، أو
هي على الأقل في قدم العصر الحجري الحديث في بلدان حوض النيل. وفي جميع
الأحوال فإن هذه الحضارة ليس لها من جذور متوسطية، وكان الأقوام ساكنو وسط
الصحراء حينئذ من أشباه الزنوج. وقد جدت هذه البقايا البشرية في جنوب خط
يتراوح بين 25 درجة و27 درجة شمالاً، وتفصل العصر الحجري الحديث ذا الطابع
القفصي عن العصر الحجري الحديث الصحراوي السوداني.


10-07-2012
avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الأربعاء 1 أغسطس 2012 - 18:15



9) لا يبدو أن بلدان المغرب كانت بالضرورة مجرد محطة توقف عندها الأقوام البيض أسلاف البربر قبل أن يتوغلوا في الصحراء.

الفنانون «البقريون». وظهور المتوسطيين

في العصر الحجري الحديث المتوسط، الذي يوافق في الفن الحجري المرحلةَ
المسماة البقرية لكثرة رسوم قطعان الأبقار الأليفة فيها، ظهر تغيُّر ملحوظ
في السكان. فقد ظهر أقوام من الجنس الأبيض في تاسيلي، وإليهم تعود أجمل
الجدرانيات (أسلوب إهرير). لكن الغلبة من الناحية الكمية كانت لذوي البشرة
السوداء؛ فالرجال عامة ممشوقو القوام ومعظمهم ذوو لحي صغيرة، فهم على شبه
كبير بالفلانيين المتنقلين في منطقة الساحل. وبعض النساء قد جعلن شعورهن
على هيأة خوذة شبيهة بتلك التي لا نزال نراها عند سكان حوض النيل إلى
اليوم. لكننا نتعرف في هذه المجموعة كذلك على زنوج حقيقيين طويلي الفكين
وبارزي الأسنان ومقلوبي الشفاه وقصيري الشعر ومجعَّديه.
في المجموعة الأخرى، التي تبدو أقرب عهداً، تطالعنا الوجوه ذات ملامح
متوسطية بارزة. فالرجال ذوو شعور طويلة، ومعظمهم ذوو لحي رقيقة ومقرَّنة.
وتظهر وجوه الرجال والنساء والأطفال في بعض التصاوير، كتلك التي في ناحية
إهرير (أبري كين)، وقد غطيت برسوم أو أوشام. وبينما لا يزيد الرجال في
لباسهم عن تنورات، وقد يزيدون إليها أحيانا قبعات مستديرة، ترتدي النساء
أثواباً توحى زخارفها بأنها مصنوعة من النسيج. وتبدو النساء في بعض
المناسبات وقد تزيَّن على نحو باذخ وارتدين تنورات ذات دوائر وأوشحة طويلة
الأطراف. فإذا أقبلن على الأشغال المنزلية ثبّتن إلى لباسهن عند مستوى
العجيزة ما يشبه الميدعة من جلد الماعز أو جلد الغزال.
إن هذه الرسوم تجيئنا بصورة واضحة لأوائل السكان المتوسطيين الذين
توغلوا في الصحراء. ولا يزال يصعب تحديد تاريخ معلوم لوصول هؤلاء الأقوام
[إلى الصحراء] أو تحديد أماكنهم الأصلية. وقد عمرت المرحلة البقرية من
الألف الرابعة إلى منتصف الألف الثانية [قبل الميلاد]، ولا نزال غير عارفين
في أي لحظة من تلك الفترة كان أول ظهور للبيض. والذي يبدو (غير أننا لا
نملك من إحصائيات في هذا الموضوع) أنهم قد اشتغلوا بتربية الماشية الصغيرة
وفاقوا فيها ذوي البشرة السوداء. ولما كانت تربية الماشية الصغيرة أقل
تطلباً من تربية الأبقار فإن هذا الأمر يحملنا على الاعتقاد بأن وصولهم
[إلى الصحراء] إنما كان في أواخر الفترة الأسلوبية لدى البقريين؛ مع بداية
اشتداد الجفاف.
وأما عن أصولهم فالاعتقاد يذهب إلى أنهم ينحدرون من الشمال. فيكون هؤلاء
الرعاة حسب هذا الرأي قد صعدوا من المنخفضات الصحراوية الجزائرية التونسية
وصاروا باتجاه المرتفعات في وسط الصحراء؛ حيث قد يكونون اتصلوا بأحفاد
أشباه الزنوج من العصر الحجري الحديث في الصحراء السودانية. لكن هنالك معطى
من طبيعة حيوانية يتعارض بوجه من الوجوه مع هذا الرأي، لأن البقر الذي
يربيه «البقريون» البيض أو «السود» ينتمي إلى فصيلتين، الفصيلة الأولى هي
طويلة القرون، وتتميز بالقرون الطويلة والمشيقة ذات الشكل القيثاري،
والفصيلة الثانية هي قصيرة القرون، وتتميز بقرونها القصيرة والغليظة،
والنوعان معاً ذوا أصول شرقية وقد كان لهما وجود في مصر خلال الفترة ما قبل
الحكم الفرعوني. وفي المقابل قام الرعاة المغاربيون بتدجين الفصيلة
الصغيرة المحلية، التي لا نكاد نجد تمثيلاً لحضورها في الصحراء؛ بل إن
تصاوير عديدة للفصيلة قصيرة القرون قد تم التعرف عليها في المحطات الصخرية
في جبال الأطلس، ووجِدت خاصة في جنوب المغرب.
فلا يبدو أن بلدان المغرب كانت بالضرورة [مجرد] محطة توقف عندها الأقوام
البيض قبل أن يتوغلوا في الصحراء. ومن الممكن أن يكون هؤلاء الأقوام جاءوا
مباشرة من الشرق، وأنهم التفوا على تيبستي من جهة الشمال، بل ربما يكونون
إنما جاءوا إلى وسط الصحراء عبر فزان بعد أن ساروا بمحاذاة شواطئ برقة.

«الخيليون»، سائقو العربات

لقد صارت الأهمية الاجتماعية، وربما الديموغرافية، للأقوام المتوسطيين في
تزايد خلال المرحلة اللاحقة التي توافق العصر الحجري الحديث الأخير
والأزمان شبه التاريخية. وتعرف هذه المرحلة على الصعيد الفني بالعصر الخيلي
ويسمى بالخيليين الأقوام صاروا منذ ذلك الوقت يربون الخيول، ويعنون
بتصويرها في رسوماتهم الجدارية.
ويشكل ظهور الحصان في إفريقيا ظاهرة تاريخية سابقة بقليل على غزو الهكسوس
لمصر، وهو أمر كشفت عنه أعمال التنقيب التي وقعت في النوبة. وقد صار الحصان
معروفاً على نطاق واسع في مصر ابتداء من القرن السادس عشر قبل الميلاد.
ويسلم الباحثون بأنه أخذ في الانتشار سريعاً من هناك عبر الصحراء ليصل
بعدئذ إلى شمال إفريقيا. ومن هذا الحصان الأول بقي نوعان متشابهان إلى
اليوم؛ أحدهما على النيل السوداني وهو نوع الدونجولا، والآخر في بلدان
المغرب وهو النوع البربري. وهذا الحصان الإفريقي، بنوعيه الدونجولي
والبربري، يمتاز ببعض الخصائص؛ فليس له مثل الحمار غير خمس فقرات في العنق
بخلاف سائر الخيول التي تكون عندها ستاً. ورأس هذا الحصان بالغة الكبر
ومحدبة الجانب وكفله قصير وضامر ومنبت الذيل واطئ. والحصان يفتقر إجمالاً
إلى الرشاقة، لكن صفات التحمل والصبر على الجوع والعطش وتأمين السير في
الأراضي الجبلية قد جعلت منه رَكوبة ثمينة. والحصان البربري كان هو الركوبة
للخيالة الخفيفين البارعين الذين اضطلعوا، من ماسينيسا وإلى الأمير عبد
القادر، بدور حاسم على امتداد تاريخ المغرب الكبير!
ويسلم مدجنو الحيوانات وغالبية علماء الحفريات بأن الحصان البربري يعود
بأصوله إلى الشرق الأوسط. لكن منهم من زعم أن هذا الحصان هو ذو أصل محلي في
شمال إفريقيا أو يعود إلى أصول أوروبية. وهما مقترحان لا يمكن القبول
بهما. فالمواقع التي تناولتها الحفريات والتي تعود إلى العصر الحجري القديم
والعصر الحجري الأعلى في بلدان المغرب لم تسفر قط عن بقايا أحفورية غير
تلك التي تعود إلى حصان زردي وحصان حماري. وأما النقوش الكثيرة الموجودة في
جبال الأطلس، والتي تمثل صوراً لخيول معظمها مركوبة، فهي نقوش تعود إلى
أزمنة متأخرة، وإلى ما بعد الألف الثانية بوقت طويل.
ومن اليسير التعرف على الرسوم والنقوش التي أنجزها الخيليون، وذلك بفضل
أسلوبهم شديد الخصوصية. ومع ما تمتاز به هذه الأعمال من جودة فنية كبيرة
فإنها أقل واقعية من المشاهد البقرية الكبيرة. فهيئات الحيوانات وحركات
الأشخاص المرسومة أكثر تصلباً، وهنالك جزئية مهمة وهي أن الوجوه غير مبيّنة
بل تُستبدل دائماً بألواح أو أعواد مفلوقة؛ فالأمر يتعلق بمحظور حقيقي.
وأصبحت البقريات بنقص أعدادها الناجم عن اشتداد الجفاف تصوَّر وهي واقفة
على قوائم متصلبة، أما الخيول فمعظمها مرسومة وهي في حالة «عدْو طائر» وعلى
هيأة قارة لا تتبدل لكن فيها حيوية، وقد شُدت إلى عربات خفيفة يقودها حوذي
واحد.
ولقد أولى المؤرخون اهتماماً إلى هذه العربات الصحراوية، ويمكننا القول إنه
اهتمام يعود إلى بدايات التاريخ؛ فهذا هيرودوت قد أشار إليها مرتين. المرة
الأولى في قوله إن الجرمنت الذين سكنوا فزان الحالية وتاسيلي نعاجر كانوا
يطاردون الإثيوبيين وهم ركوب على عرباتهم ذات الأربعة خيول. والمرة الثانية
ليؤكد أن الليبيين هم من علم الإغريق كيف يشدون إلى العربات أربعة خيول.
وربما كانت هذه الدعوى [الأخيرة] لا تخلو من أهمية، بالنظر إلى التشابهات
المثيرة بين رسوم المزهريات لدى الإغريق في المرحلة الهندسية (خاصة مزهريات
ديبيلون)، والرسوم «الخيلية»؛ بل إن الرسوم العامة غير المبينة لملامح
الخيول وجهاز سائقي العربات لا تعدم تشابهات مثيرة.
ومع ذلك فالعربات الصحراوية تكون بجوادين، وليس في غير فزان، وهي بلاد
الجرمنت على وجه التحديد، توجد نقوش نادرة تظهر عليها عربات من ذات الأربعة
جياد. وإن خفة العربات الصحراوية ذات الجوادين لتفند الفكرة القائلة إن
هذه العربات كانت تستعمل في نقل البضائع؛ بل إن من المتعذر أن يركبها شخصان
اثنان بسبب من ضيق المقعد المصنوع من سيور الجلد المضفورة. وما يزعم أنها
«طرق العربات»، والمرسومة بصورة عشوائية على الخرائط من خلال ربط النقاط
حيث توجد رسوم العربات، ليست حتى سبلاً للسير فيها على الأرجل. والواضح أن
العربات قد رسمت في مواضع لا يمكن أن تكون مرت بها؛ مثل الأنقاض والمرتفعات
التي لا تقدر الجمال والحمير على بلوغها إلا بعسر ومشقة.
فمن هذا الذي ذكرنا يوحى إلينا أن العربة الصحراوية كانت آلة للتباهي أكثر
مما كانت وسيلة للاستخدام النفعي. أوَلم يكن كذلك شأنها في «الإلياذة»؛
التي تصور لنا الأبطال وهم يركبون عرباتهم ليذهبوا إلى ميدان القتال، لكنهم
يتقاتلون راجلين؟


11-07-2012

avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الأربعاء 1 أغسطس 2012 - 18:16



10) سكن السود الصحراء من غابر الأزمان، لكنهم خضعوا بالتدريج لسيطرة أوائل البربر؛ من خيليين وجرمنت وجيتول وطوارق.

إن الطريقة الصحراوية في شد الخيول إلى العربة طريقة في غاية الفرادة وهي
تختلف عن الطريقتين المصرية والإغريقية، وقد كانت تلك الطريقة موضوعاً
لدراسة تفصيلة منذ وقت قريب من لدن ج. سبرويت كما جاء لها بإعادة تكوين.
والطريقة الصحراوية في شد الخيول إلى العربة في منتهى البساطة؛ فالدواب ليس
لها أكاليل على الأكتاف ولا لها لبب. وعريش العربة مثبت إلى نير الرأس
(وهذا هو الرأي الذي أراه) أو مثبت إلى قضيب عرضاني يمر من تحت رقبة الحصان
حسب ج. سبرويت، والوثاق ليس واضحاً كفاية في الرسوم، بحيث يبدو كأنه حبل
على قدر من المرونة. والأعنة تتصل مباشرة من شدق الحصان إلى يديّ سائق
العربة، فهي لذلك تكون متهدلة إذ لا تمر بحلقات. ولعل هذا هو السبب في أننا
نرى الخيليين (حسبما يظهر من الرسوم) كثيراً ما يقطعون ذيول خيولهم حتى لا
تشتبك أعرافها بالأعنة. والسبب نفسه كان يجعلهم في ما يبدو يقصون أعراف
الخيول فيجعلونها شديدة القصر. لكن ربما كانوا يقطعون تلك الأعراف كذلك
ليدخلوا شعرها في بعض الاستعمالات.
كان الخيليون مسلحين بالحراب والرماح، وكان الرجال يلبسون تنانير أو جلاليب
قصيرة متصلبة تتوقف عند منتصف الفخذ وتتوسع في طرفها. تبدو هذه التنانير
متشابهة في كل شيء مع التبتك التي كان حتى وقت قصير يلبسها الفقراء والعبيد
في الهقار. وكانت النساء يرتدين أثواباً طويلة تتسع أحياناً، وتبقى
مستقيمة في أحيان أخرى، وتمتد حتى العرقوب. وتوحي بعض الرسومات مثل رسومات
كهف تامجرت بأن الفتيات كن يلبسن تنانير قصيرة بثنيات مثيرة.
فالذي يبدو أن الخيليين، سائقي العربات، قد كوّنوا طائفة محاربة فرضت
هيمنتها على الأقوام من أشباه الزنوج، أو بتعبير أدق، من سود البشرة، الذين
سبقوهم إلى الظهور وكان لا يزال لهم وجود. وقد صار هؤلاء الأقوام لا
يظهرون في الرسوم والنقائش الصخرية، لكنه أمر ليس فيه ما يدعو إلى
الاستغراب؛ فالقاعدة العامة تقوم على أن العرق الحاكم هو وحده الذي يظهر في
الفن الرسمي. ولا نزال إلى اليوم نرى النقائش في الصحراء تصور جمَّالين من
العرب البربر قد تسلحوا بالحراب والبنادق، ولا يظهر عليها مزارعو الواحات
السود، وهم الذين يمثلون ثمانية أعشار سكان الصحراء.


الفرسان الليبيون البربر،
أحفاد الطوارق
ترك الخيليون العربة وما عادوا سوى فرسان [مشاة]، وسيصيرون يُعرفون
عند المؤرخين القدامى [مؤرخي العصور الوسطى] بالجيتول والجرمنت. وقد صار
هؤلاء الفرسان من الجنس المتوسطي يزيدون في إحكام سيطرتهم على سكان
الصحراء، بينما بات أسلافهم ذوو البشرة السمراء لا يستطيعون بسبب الجفاف أن
يستمروا على تربية قطعانهم العظيمة من البقر، فنزلوا بها صوب البلدان
المنخفضة، وهي النيجر والسنغال وتشاد، أو انحصروا بأنفسهم في مجالات ضيقة
من الواحات النادرة وارتضوا أن يدخلوا تحت سيطرة الرحل البيض من أوائل
البربر القدامى.
ترك هؤلاء المسيطرون، وهم محاربون مسلحون بالحراب والخناجر ذات
المقابض، ثم بسيوف الطوارق الكبيرة، آثارَهم على صخور الصحراء. وقد كانوا
أصحاب فن شديد البساطة؛ فهم يكثرون فيه من تصوير دوابهم التي يركبونها
وعمليات صيدهم للنعام والوعول أو الأسود. وأكثر ما يحبون أن يرسموا أنفسهم
على شكل جبهيات ساذجة قد أهملوا فيها دقائق الأسلوب البقري وحتى الخيلي
القديم؛ والرأس يجعلون فوقها من ريش النعام، ويلبسون قمصاناً ضيقة جداً عند
الخصر فيظهرون بها في شكل غريب كأنهم الساعات الرملية. ويكون هؤلاء السادة
على الصحراء، والأسلاف المباشرون للطوارق، مسلحين دائماً، أو بشكل شبه
دائم.
وسننسب إلى هؤلاء الرؤساء، عن طيب خاطر، النصبَ المقابرية أو التعبدية
المهمة المصنوعة من الحجر المجفف، في تاسيلي نعاجر، والبالغ طولها 300
متر. وهي بين بلاطات ضخمة على هيأة هلال مفتوح إلى الشرق ويزيدون إليها في
بعض الأحيان تفرعات، ونصبٍ ذات نطاقات دائرية أو بيضاوية تكون ممراتها
الموصلة إلى الجثوة المركزية موجهة كذلك ناحية الشرق، وبازينات كبيرة على
تناسق كثير، ومزودة بمختلف المكونات التعبدية؛ من ممرات وكوى ومذابح وحجارة
منتصبة... والنصب الجنائزية كثيرة جداً ومتنوعة في وسط الصحراء وغربها،
فقد كان بسطاء الناس يكتفون بالجثوات أو ببعض النصب الصغيرة الدائرية.

المزارعون السود
نصل إذاً إلى خلاصة بأن السود قد سكنوا الصحراء من غابر الأزمان، لكنهم
خضعوا بالتدريج لسيطرة أوائل البربر؛ من خيليين وجرمنت وجيتول وطوارق، كما
خضعوا لسيطرة البربر في شمال الصحراء. ولم يختف الصحراويون سود البشرة لما
قبيل التاريخ، والمؤكد أن أحفادهم الحاراثين (الذين يسمون في التماشق
«إزغارن»، ومعناها «الحمر») لم يكن لهم أن يحتفظوا بخصائص الأثيوبيين دون
تبديل، وهي خصائص كثيرة وغير واضحة. ومن المؤكد كذلك أنهم قد اندخلوا عبر
القرون بمكونات كثيرة جاءتهم خاصة من الزنوج من ذوي الأصول السودانية. وإذا
كان علينا أن نبحث بين المجموعات البشرية الحالية عن تلك التي حافظت على
خصائص الإثيوبيين القدامى من غير تبديل فينبغي أن نبحث عنها بين التبو
والفولانيين.
يعيش هؤلاء الأقوام على وجه التحديد في المنطقة الواقعة مباشرة إلى الجنوب
من مدار السرطان، وهو المدار الذي يقسم الصحراء بمعنى من المعاني إلى
جناحين؛ أحدهما يغلب فيه البيض والآخر يكاد قطانه يكونون جميعاً من السود.
وقد ساد الاعتقاد لوقت طويل بأن هاتين المجموعتين يدخل فيهما مولَّدون
تكونوا من الاتصال الذي تم بين المجموعين الكبيرين؛ المتوسطيين
والسودانيين، ومنهم اكتسبوا خصائصهم المائزة. وعلى هذا الوجه يقال إن التبو
تجري لديهم دماء بربرية في أجسام سودانية. والحقيقة أن الدراسات الأقرب
عهداً تهتم كثيراً لفرضية قد باتت قديمة (فالوا، 1951)، وهي التي كانت تسلم
بأن هذه المجموعات على اختلافها تكون «مخزوناً بدائياً لم تطرأ عليه
اختلافات لا باتجاه المكون الأسود ولا باتجاه المكون الأبيض. وأن التزاوجات
[بين هذين المكونين] لم تقع إلا في وقت لاحق، فألحقت التغير في مواضع شتى
بالجنس المحلي لتصيّره قريباً أحياناً إلى السود وأحياناً أخرى إلى البيض».
وعليه فنحن نعتقد بأن الحاراثين إنما هم من أصول محلية خالصة، وأنهم أحفاد
الإثيوبيين الذين تهجّنوا بنسبة معينة خلال الآلاف الأخيرة مع عناصر من
البيض المتوسطيين (الليبيين البربر ثم العرب البربر) في شمال الصحراء
ووسطها، ومع أشباه الزنوج السودانيين في قسميها الجنوبي والغربي.
وليس في نيتنا أن ننكر النصيب الذي كان للدم السوداني في الصحراء على
امتداد قرون أو نبخسه. لكن ينبغي مع ذلك أن نميز مناطق كانت لها حظوة معينة
في نطاق هذا المجموع الممتد على مساحة قارة. ومهما يكن الرق بلغ عظماً
وشناعة في كل من موريتانيا وتوات وفزان، فلا ينبغي أن ننسى أن الغالبية
الساحقة من الرقيق السود إنما كانت تمر بتلك الواحات للوصول إلى المدن وإلى
موانئ بلدان المغرب.
فيكون الجغرافيون وعلماء الأعراق بتعميمهم للفظ «الحراثين» على جميع ذوي
البشرة السوداء في المناطق الصحراوية إنما كانوا يؤثرون جانب السهولة في
تلك التسمية وكانوا إنما يقعون في ما وقعت فيه الإدارات من زيغ ومن ضلال.
وأياً ما يكن الأصل في كلمة «الحراثين» فلا أعتقد أننا ينبغي لنا بالضرورة
أن نعطي محتوى عرقياً للفظ ذي مدلول اجتماعي اقتصادي، فالحرثاني هو
البستاني الذي وقع إلى حد ما في الاستعباد من لدن الغزاة البربر ثم من لدن
العرب البربر. وقد اتفق أن كان هؤلاء الغزاة (الذين يقول الكثيرون إن
هيمنتهم تعود إلى نهاية العصر الحجري الحديث) من الجنس الأبيض وإن
المُستعبَدين كانوا ملونين يختلفون عن الزنوج الحقيقيين ساكني المناطق
السودانية.
إن الحراثين أقوام مقيمون قد قضت الظروف المناخية والسياسية عليهم
بالانحصار الضيق في الواحات، بينما لم يعرف أسلافهم الإثيوبيون، الذين لاشك
أنهم كانوا مختلفين في ما بينهم، حياة على ذلك القدر من الاستقرار الصعب
الشديد. وخضع الحراثين فضلاً عن ذلك لعمليات تهجين عديدة، فصاروا بها
يتميزون عن المجموعات الأخرى من ذات البشرة السوداء من غير الشبيهة بالزنوج
في شمال القارة الإفريقية.
ولا ينبغي لنا أن نستغرب لهذه الاختلافات المحسوسة بين الحراثين
والفولانيين والتبو، وهي مجموعات نراها ترجع ثلاثتها إلى الإثيوبيين من
العصر الحجري الحديث والعصر قُبيل التاريخي والعصر القديم؛ فالوثائق
الأدبية والفنية والعظامية النادرة التي في حوزتنا تبين أن أولئك
الإثيوبيين القدامى كانوا هم أنفسهم شديدي اختلاف في ما بينهم. وعلاوة على
ذلك فالتباين في أنماط العيش (وبالتالي في الأنظمة الغذائية) بين الحراثين
المستقرين في واحات شمال الصحراء ووسطها والتبو البدو في تيبستي،
والفولانيين الرعاة في منطقة الساحل، لا يمكن إلا أن تكون له نتائج جسمانية
متباينة على هذه المجموعات الثلاث المنحدرة من أقدم السكان الصحراويين.


12-07-2012


avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الخميس 2 أغسطس 2012 - 18:55


11) على الرغم من كل شيء توجد وحدة جغرافية لدى بلدان الأطلس، وتوجد كذلك وحدة عرقية، كما تتجلى في اللهجات البربرية.

البربر القدامى في الأزمان قبيْل التاريخية
تسمح المعطيات الإناسية واللغوية بالتعرف على مبلغ قدم الأقوام البربرية.
فهل من الممكن أن نزيد تعمقاً في معرفتنا عن هؤلاء الأقوام من قبل أن
تجيئنا النصوص المكتوبة ببعض الإيضاحات؟ إن علم آثار قُبيل التاريخ لا
يتوفر في شمال إفريقيا إلا على مصدر واحد؛ هو المتمثل في التنقيب في
المقابر والمدافن. ومن حسن الحظ أن تلك المقابر والمدافن كثيرة وعديدة؛
فالجثوات والدلمنات والنواويس توجد فيها بالآلاف.

النصب الجنائزية
تتوزع الجثوات بانتظام في سائر مناطق شمال إفريقيا، وهي في ما يبدو ذات
أصول محلية. وبعضها ذو تنسيق خاص يضفي عليها أحياناً طابعاً معمارياً،
فكذلك هو الشأن في «البازينات» ذات الأدراج أو البازينات الأسطوانية
المخروطية. وأما الدلمنات والنواويس فلا تجدها في غير مناطق محدودة في شرق
الجزائر وفي تونس، وهي ذات أصول خارجية متوسطية. ولا ترى أثراً لهذه
الدلمنات في الصحراء ولا في الجزء الأكبر من المغرب الكبير. والدلمنات التي
نلاقيها على الساحل بسيطة ليس فيها غير ممر رمزي من دون غطاء، وأما في
المناطق الداخلية فتجدها ملتحمة بالبازينات المحلية ذات الأدراج؛ مكونة
الدلمنات ذات القاعدة والدلمنات ذات الغلاف وحتى «الشوشيت» برجية الشكل
الموجودة في الأوراس. والنصب الصخرية الكبيرة التي تعود إلى أزمنة أحدث
يتصف بعضها بكثير من التعقيد؛ فالحجرات فيها كثيرة وتتصل بأورقة ومقصورات
مخصصة للتعبد، كما نلاقيها في مكثر وفي إليز في وسط تونس.
وأما النواويس فهي ذات شكل مكعب، وتُحفر في المنحدرات الصخرية أو في الجرف،
وتُعرف في العربية باسم «الحوانيت» (جمع : «حانوت»)، ومعناها الدكان. وهي
شبيهة من كل الوجوه بالمدافن التي في صقلية المجاورة، ونلاقيها على الساحل
من بلاد البربر.

الأثاث المقابري وأساليب في العيش
سيتجه اهتمامنا إلى الأثاث الذي كان يوضع في مقابر الفترة قبيل
التاريخية أكثر مما سنهتم لأصناف هذه المدافن شديدة التنوع. فذلك الأثاث
يشهد على شدة قدم ما يمكن أن نسميه منذ الآن بالحضارة القروية البربرية.
ومعظم الأثاث الموضوع في المقابر يتألف من فخاريات مجسمة، علاوة على الحلي
غير المألوفة والمشتملة على الأساور والخواتم والأقراط المصنوعة من النحاس
أو من البرونز، وبعض الأسلحة القليلة جداً من الحديد أو البرونز والمقتصر
وجودها على المدافن التي في وهران وفي شرق المغرب.
وعلى الرغم من أن هذه الفخاريات قد جرى تشكيلها وحرقها تخصيصاً لتُجعل في
بعض المدافن فإنها تشمل على نماذج شديدة تنوع ومختلفة التوظيفات. وسنتجاوز
مؤقتاً عن الأشياء النذرية المتمثلة في القطع الخزفية الصغيرة جداً والتي
نجد لها اليوم أشباهاً ونظائر موضوعة في الأضرحة القروية، والأواني
الطقوسية من قبيل المزهريات البيضية التي في قسطل والأواني على هيأة كؤوس
والتي نجدها في تيديس، غير أنها تتميز بزخرفة صباغية مطابقة للزخرفة التي
تحملها الفخاريات الريفية في الوقت الحالي (انظر الفصلين الرابع والخامس).
وسنتوقف قليلاً لتقليب النظر في أشكال هذه الفخاريات المحاكية للأواني
المنزلية في المغرب الكبير. وأكثر هذه الفخاريات تكونها أقداح بينها نوع ذو
شكل انسيابي يسمى «جفنة»، ونوع آخر أغور يسمى «كأساً». إنها أوان بدائية
لا تزال تشكل الوحدة الأساس للفخاريات المنزلية في المغرب الكبير. وهنالك
صحون واسعة جداً وذات حواف مرتفعة وتظهر على قيعانها نتوءات حلقية كمثل ما
نرى في «الطواجين» الحالية، وتلك هي الأطباق التي ما زالت تستخدم إلى اليوم
في إعداد الظُّلْميات.
وهنالك عدد كبير من الصحون والكؤوس وأغطية الأواني وبعض الأقداح والقصعات
تتميز بأن على حوافها قد توزعت بعض الثقوب مثنى مثنى. فقد جُعلت تلك الثقوب
لتعلق منها تلك الأواني، ولها عند علماء الآثار وعلماء السلالات قيمة
استدلالية. وحسبك أن تدخل أي منزل في القرى التونسية أو الجزائرية أو في
جنوب المغرب فترى على جدرانه قد عُلق الجزء الأكبر من الأواني المنزلية
التي بقيت تقنياتها وأشكالها وزخارفها كمثل ما كان في الأزمنة قبيْل
التاريخية لم تكد تُبدَل عنها. وهذه الجزئية التي لا تتعدى مسألة التعليق
تسمح بأن ننسب القبور التي وُجدت فيها هذه الفخاريات إلى أقوام من
المستقرين [غير الرحل].
ويزيد في تعزيز هذه الملاحظة أن النصب الجنائزية للفترة قبيل التاريخية لا
تشتمل جميعاً على فخاريات، وأن التي تحتوي منها على تلك الفخاريات لا تراها
موزعة بصورة اعتباطية. فالمقابر الكبيرة الستون قبيل التاريخية التي تحتوي
نصبها على فخاريات إذا ما وضعناها على خريطة شكلت سلسلة من الأخلاط، يندرج
أولها في مثلث واسع رؤوسه خليج الحمامات في تونس وجنوب نمنشة على الحدود
الجزائرية التونسية ومدينة الجزائر. فإذا زدنا اتجاهاً إلى الغرب وجدنا
مجموعة أقل اتساعاً تمتد من الشلف الأعلى إلى منطقة وهران. ثم إذا تجاوزنا
عن فراغ يوافق شرق المغرب وجدنا نصباً تحتوي على فخاريات في منطقة تحدها
تازة وطنجة ومصب وادي سبو. فتكون هذه المقابر تقع جميعاً، في ما عدا أربعٍ
كبيرة، في نطاق حد معلوم للجغرافيين وعلماء الزراعة؛ إنه النطاق الذي تكونه
الزراعة الجافة للحبوب. وهو توافق كبير بما يجعل من المستبعد أن يكون
نتيجة للصدفة. فهذا يفرض علينا أن نخلص إلى استنتاج واضح وصريح بما يجعله
يتأبى عن أي تفنيد؛ وهو أن المزهريات التي تم العثور عليها في النصب
الجنائزية للفترة قبيل التاريخية تحمل خصائص الأواني المنزلية للساكنة
الحالية المستقرة في هذه المناطق، وأن القبور التي تحتوي على هذه الأواني
توجد داخل منطقة الزراعة الجافة للحبوب؛ ولذلك فالسكان الذين قاموا بصنع
هذه المزهريات وكانوا يضعونها في قبورهم قد كانوا من السكان المستقرين، أو
أكلة القمح كما أسماهم هيكاتي دو ميلي.

الخصائص الأقاليمية في بلاد البربر قبيْل التاريخ
يظهر علم الآثار كما تظهر النصوص أن منطقة شمال إفريقيا لم تشهد وحدة
سياسية أو ثقافية طوال عصور ما قبل التاريخ والفترة قبيل التاريخية أكثر
مما عرفت منها خلال الأزمة التاريخية.
ومع ذلك توجد وحدة جغرافية لدى بلدان الأطلس. وتوجد كذلك وحدة عرقية، كما تتجلى في اللهجات البربرية.
لكن تلك الوحدة العرقية لم يتسنّ لها أبداً أن تحقق وحدة ترابية أو سياسية،
إلا من بعض العقود في أواخر القرن الثاني عشر تحت سلطان الموحدين. فماذا
كان السبب الحقيقي وراء هذا العجز المتأصل؟
تبدو الجغرافيا هي وحدها المسؤولة عما يُنسب عادة إلى بني البشر. فليس
لبلاد البربر مركز مؤثر يقدر على أن يجمع من حوله الأقاليم الواقعة على
الأطراف؛ فلا تزيد المنطقة الزراعية بين البلدان المتوجهة صوب شرق المتوسط
والبلدان المحاذية للمحيط عن شريط ساحلي ضيق تقطعه الجبال، وما عداه مجموعة
من الهضاب العليا التي تعمرها السهوب وتشكل سبلاً مواتية للمرور... فكان
الغزاة لا يفتأون يترددون عليها. وقد كانت المسافات الهائلة التي تفصل بين
الإقليمين المتميّزين تقضي بالفشل على كل محاولة من أحد هذين الإقليمين
لاحتلال مجموع البلاد، بفعل بعد المسافات وإعاقتها لسبل الاتصال وبسبب من
العقبات التي تطرحها الخصوصيات، ولن يُكتب النجاح لتلك المحاولات إلا أن
يكون مأتاها من الخارج. ثم إنه متى أفلحت قوة من القوى الأجنبية في بسط
سيطرتها على شمال إفريقيا كله لزمها أن تحسب حساباً للخصوصيات فيه، بل وأن
تحسب حساباً للطباع المتعارضة بين مختلف أقسام المغرب الكبير.
وإذا كانت الحدود لم تعرف من ثبات عبر القرون، وكانت الأسماء تتغير حسب
التقلبات التاريخية، فقد كانت هنالك على الدوام جهة شرقية من بلاد للبربر
تمتد في حدها الأقصى حتى الحضنة والبابور، وجهة وسطى يحدها من الغرب ملوية
والأطلس المتوسط، وجهة غربية تنتظم فيها السهول الأطلنتية والجبال الأطلسية
العظيمة في تناسق، وجهة شبه صحراوية تتصل هضابها السُّهبية بالقارة
الإفريقية.
شرق بلاد البربر
كانت بلاد البربر الشرقية منذ العصر الحجري الحديث على علاقة ببلدان شرق المتوسط، وخاصة بجارتها المباشرة صقلية.
وقد عَبَر من الجزر الإيطالية وشبه الجزيرة الإيطالية إلى إفريقيا نوعان من
المدافن المميزة؛ ذانكما هما الحوانيت والدلمنات، وبعض الأشكال الخزفية
والفخاريات المزوقة التي ما زالت تصنع حتى اليوم بأيدي كثير من السكان
القرويين.
وتتميز الجهة الشرقية من بلاد البربر بالقبور المحفورة على هيأة نواويس،
خاصة في الوطن القبلي وبلدان شمالي مجردة وفي القسم من الجزائر الواقع بين
الحدود وسيبوس. وتظهر هذه القبور في صقلية وسردينيا بداية من العصر الحجري
النحاسي، وقد كانت لا تزال تُحفر كذلك في العصر الحديدي.
ُتذكرنا الحوانيت التي في الجزائر وتونس، بأحجامها الضيقة وأشكالها
المكعبة وغياب المداخل المستطيلة فيها (أو ما يقوم مقامها من ممرات قصيرة
جداً)، بشكل خاص بقبور السيكول في أواخر العصر البرونزي المتأخر (المقبرة
الكبيرة بنتاليكا والمقبرة الكبيرة كاسيبيل). ولذلك فهذه الحوانيت تفصح عن
إحدى العلاقات التي كانت للأقوام ما قبل الفينيقيين بصقلية.
وإن في الإمكان تبيّن عمليات مبادلة أخرى سابقة كانت مع صقلية
وسردينيا وجنوب إيطاليا. فمن المحتمل أن تكون دخلت بعض أنواع الخزف من
العصر البرونزي ذات أشكال مميزة ولا تزال تلمس لها بقايا إلى اليوم في
الأواني المنزلية في الأوراس. وبينما تتوافق الحوانيت مع القبور السيكولية
التي تعود إلى أواخر العصر البرونزي وبداية العصر الحديدي تعتبر الدلمنات
الجزائرية والتونسية نسخاً من نماذج أصلية تتمثل في المدافن الصخرية
العظيمة المتوسطية من العصر الحجري النحاسي، بل ومن العصر البرونزي.
لقد تغلغلت الدلمنات، مثل الحوانيت، في المناطق الداخلية، لكن إنما
أمكن لها بطول الساحل أن تصل إلى المواقع أبعدها عن المنطقة التي كان منها
دخولها، والتي يبدو من المرجح أنها تقع على سواحل شرقيّ الجزائر وشمالي
تونس. ولذلك يمكننا أن نميز في «بلاد الدلمنات» مناطق عديدة تتمايز عن
بعضها بأشكال النصب كما تتمايز في التنظيم الذي يُجعل للمقابر.
وقد كانت أول منطقة تصل إليها الدلمنات هي منطقة النفيضة في شرق تونس،
والدلمنات التي في هذه المنطقة صغيرة الحجم ومسبوقة جميعاً بممر وأكثر ما
تكون متجاورة. وأما الدلمنات التي على الساحل الشمالي فهي تغطى بصورة
متقطعة شريطاً يمتد من طبرقة إلى جيجلي، ثم تنقطع فجأة في غرب هذه المدينة.
والدلمنات التي في هذه الناحية أكبر حجماً ومجمّعة في مقابر صغيرة. وينبغي
أن نضم المنطقة الثالثة، وهي ملاصقة للمنطقة السابقة في الداخل، لنقع على
المقابر الشاسعة التي تحتوي على آلاف الدلمنات (في الركنية وبونوارة).
وتمتد هذه المنطقة كذلك إلى وسط تونس، وتتميز بالنصب الصخرية الكبيرة ذات
الحجرات الكثيرة والأروقة.
فإذا وجب أن نصف هذا القسم من شمال إفريقيا خلال الفترة قبيل
التاريخية بإيجاز فيمكننا القول إنها كانت بوابة بلاد البربر المفتوحة على
الحضارات المشرقية على الرغم من تضاريسها العسيرة وغاباتها، خاصة في شرق
الجزائر. وإذا كانت قرطاج قد وسمت بميسمها العميق الجزءَ الأبعد إلى الشرق
من هذا المجموع فلأنها وجدته مجالاً ممهداً من قبلُ. فالاتصالات التي كانت
لهذه المنطقة خلال عصور ما قبل التاريخ مع صقلية ومالطا وإيطاليا وسردينيا
قد أتاحت دخول العناصر الأولى من حضارة متوسطية إليها. وأنت ترى الفخاريات
القروية البسيطة، التي ما زالت تُصنع وتُلون إلى اليوم في قسم كبير من شمال
إفريقيا، تقوم ذكرى حية لهذه العلاقات ما قبل البونيقية.


13-07-2012


avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الخميس 2 أغسطس 2012 - 18:57



12) كان البربر ينتظمون في ممالك صغيرة أو يتجمعون في اتحادات أو قبائل،
وقد بقوا خارج الحضارة اللاتينية، ومعظمهم وثنيون وبينهم المتهوّدون.

غرب بلاد البربر
وأما صورة القسم الغربي من بلاد البربر فهي أقل وضوحاً بكثير؛ فهي منطقة
[أخرى] تمتاز بمناخها وقربها إلى شبه الجزيرة الإيبيرية. وقد تعرضت منطقة
طنجة منذ بدايات العصر الحجري الحديث لتأثير الحضارة الكرديالية من جنوب
إسبانيا، وأدخلت في بداية العصر الحجري النحاسي أوان جرسية الشكل ذات أصل
برتغالي إلى منطقة أكثر اتساعاً تمتد حتى المغرب الأطلنتي. ولقد شهد عصر
البرونز في مرحلة أوجه اتساع نطاق التغلغل الإيبيري [إلى هذه المنطقة]؛ فقد
اكتُشفت الأسلحة من نوع الأركار من قبيل الأطبار والخناجر ذات الدسارات
مرسومة بالعشرات على الصخور القصية في جبال الأطلس الكبير.
وأما النصب المقابرية فإن ما يميز هذه المنطقة منها هي الجثوات الكبيرة،
ومن جملتها الجثوة التي في مزورة وتتميز بالحزام الذي يحيط بها من صخور
أحادية، وهي تبدو الأقدم بين تلك الجثوات. وأما الجثوة التي في سيدي سليمان
فهي تعود إلى القرن الرابع، وهي تخفي قبراً حقيقياً مستطيل الشكل ذا ممر
وفناء وحجرة مغطاة بجذوع أشجار العرعر. وهنالك نوع آخر من القبور ذات الأصل
الإيبيري يكثر وجودها في وهران، وهي عبارة عن آبار مدفنية على هيأة أهراء.
ولا تقع على بعض الدلمنات الصغيرة والنواويس التي تعود إلى العصر البرونزي
إلا في القسم الريفي من المغرب.
والوجود الفينيقي على سواحل المغرب يعود إلى قديم الأزمان؛ فذلك أمر
بينته أعمال التنقيب التي وقعت في مدينة الصويرة، كما توحي به الروايات ذات
المسحة الأسطورية التي تفيدنا أن بناء ليكسوس (العرائش) يعود إلى العصور
القديمة الغابرة. وقد ساهمت التجارة التي كان يباشرها التجار المشرقيون في
تعزيز المبادلات مع إسبانيا.
الجهة شبه الصحراوية
من بلاد البربر
تمتد في جنوب منطقة التل في كل من الجزائر وتونس مساحات شاسعة ذات تضاريس
بارزة وتتوزع إلى أحواض مغلقة؛ وتجد لهذه السهوب امتدادات في جنوب المغرب
وصولاً إلى مصب وادي درعة. والترحال والرعي هما نمط العيش الأكثر ملاءمة
للظروف الجغرافية الحيوية لهذه المناطق، ولكن الأعمال المهمة، كإعداد
المصاطب على سفوح الأطلس الصحراوي ووجود عيون الماء تمكِّن لقيام زراعة
محدودة في الجبال.
وإنك لتلمس في النصب التي تعود إلى الفترة شبه التاريخية في مناطق
السهوب تطوراً، وفي بعضها تطوراً مهماً، قد تحقق في العناصر المعمارية
المخصصة للتعبد المقابري أو المكرسة بوجه خاص، في ما يبدو، لممارسة الحضانة
(الجثوات ذات المصليات)، وقد سبق لهيرودوت أن تحدث عن وجودها عند الرحل في
الصحراء ولا يزال لها وجود حتى اليوم لدى الطوارق.
ويظهر الغياب التام للدلمنات والنواويس والحوانيت والقبور ذات شكل
الأهراء بالتوازي مع الكثرة النسبية للأذرع والتفرعات والمذابح والكوى
المصليات المقرونة إلى نصب يغلب عليها شكل المستطيل أو المجتمعة وإياها.
وهذه هي المميزات الرئيسية لمناطق السهوب، وهي تبين عن ضعف التأثيرات
المتوسطية، الذي يعوض عنه حضور إفريقي. ولم تفتأ [ظاهرة] التجفف في الصحراء
تحد من الدور الذي تلعبه بلدان شرق إفريقيا ووادي النيل وليبيا وفزان.
ولكن قبل أن يصير الجمل هو أداة التنقل الوحيدة في المناطق الصحراوية كانت
النباتات المزروعة والحيوانات الأليفة قد دخلت من الجنوب الشرقي لبلاد
البربر إلى السهوب التي باتت اليوم شبه جافة.

وسط بلاد البربر
تمتد بين خط الزوال في جيجلي أو بسكرة ووادي ملوية منطقة سنسميها وسط
بلاد البربر. وهي، بعكس المناطق الثلاث الأخرى، ليست لها صبغة خاصة تميزها،
فكأنما هي مكان تلاقت فيه عناصر ثقافية وافدة من خارجها.
إن في وجود مركز ثان للقبور الصخرية الكبيرة في منطقة القبائل ما جعل هذه
المنطقة تكون بمثابة ملحقة حقيقية بشرق بلاد البربر، فيما تحقق لوهران
تفردٌ قوي بفضل علاقاتها القديمة جداً مع إسبانيا. لكن تأثيرات السهوب
الجنوبية لم تلبث أن امتدت إلى هذه المنطقة بفعل شط الحضنة والشلف الأعلى
ووادي ملوية، واتسعت نطاقاً في السهول.

37. جثوة ذات مصلى في تاوز (تافيلالت، المغرب).
ولقد استفادت منطقة وهران، كمثل ما استفاد المغرب الأقصى، من قربهما
إلى إسبانيا. وإن الفخاريات التي تعود إلى العصر الحجري الحديث والمرسومة
على الكهوف في وهران والفخاريات التي وجدت في جنوب إسبانيا لتبين عن تطابق
كبير بما يجعل من الصعب عدم التسليم بأن المنطقتين قد اتصلتا في ما بينهما
بمبادلات مهمة ومتواترة. والشواهد الدالة على دخول المزهرية ذات الشكل
الجرسي والأسلحة النحاسية والبرونزية المكتشفة في منطقة وهران تدلنا على أن
تلك المبادلات بين المنطقتين ظلت متطورة إلى عهود قريبة. فنحن نجد في
منطقة وهران القبور على هيأة أهراء، وهي التي لا يبعد أن تكون ذات أصل
إيبيري. ومن الملامح الأصيلة في هذه المنطقة، التي كانت المهد للقوة
الماسيسيلية، شيوع عمليات حرق الموتى، وهو شيء يكاد يكون مجهولاً في
المناطق الأخرى من المغرب الكبير، وكذلك عملية وضع الأسلحة داخل القبور.
وهكذا فكما في المناطق الأخرى من وسط بلاد البربر، فقد تضافرت
التأثيرات الآتية من الجنوب مع التأثيرات الآتية من البلدان المتوسطية
المجاورة، لكن التضاريس القليلة انقسام وانفصال في منطقة وهران، وفي شرق
المغرب بوجه خاص، قد أتاحت نوعاً من الاندماج بين تلك التأثيرات، وهي التي
وقعت بصورة منفصلة على مناطق أخرى.

البربر في العصور القديمة
لقد استوطنت ساكنة من البيض من النوع المتوسطي لآلاف السنين من عصور
ما قبل التاريخ ولقرون مظلمة من المرحلة قبيل التاريخية [في بلاد البربر]،
وكانت تشترك في لغة واحدة قد تفرعت دون شك منذ بداياتها إلى لهجات شتى، وهي
التي نسميها البربرية.

اسم ملغز : «بربر» أو «باربار»؟
إن أصل هذه الكلمة هو نفسه محل نقاش؟ فقد انتقلت إلينا هذه الكلمة عن طريق
العرب، إذ ميزوا عند وصولهم إلى إفريقية (تونس) بين عنصرين في السكان؛ فقد
ميزوا من جهة بين الروم، أحفاد الإفريقيين المترومين والموظفين البيزنطيين،
وهم مسيحيو الديانة ولاتينيو الثقافة، ومن جهة أخرى البربر، وهم منتظمون
في ممالك صغيرة أو مجمَّعون في اتحادات أو قبائل، وقد بقوا خارج الحضارة
اللاتينية، ومعظمهم وثنيون وبينهم المتهوّدون، وكانت لا تزال توجد بينهم
مجموعات صغيرة منعزلة من الحضريين والمسيحيين.
ولقد درج [الدارسون] على القول إن الاسم «بربر» Berbère تحريف للصفة
اللاتينية برباروس barbarus(ومعناه الأجنبي عن الثقافة الكلاسية).
ولست بمقتنع كل الاقتناع بهذا التفسير. فقد ظل الإفريقيون غير
المتروِّمين طوال القرون التي عاشوها في ظل الإمبراطورية الرومانية يسمَّون
كل باسمه الخاص؛ فقد كان لكل «قوم» (ولنقل «قبيلة» على سبيل التيسير) اسم
قد بيّنه الجغرافيون وللإدارة الإمبراطورية به علم ومعرفة. فإذا عنّ لهم
أن يجمعوهم تحت اسمي جماعي استعملوا التسميات القديمة من قبيل «النوميديين»
(التي سقطت من الاستعمال)، و»الجيتوليين»، وخاصة «الموريين» التي لا يفتأ
نطاق القبول بها في اتساع. والحال أن بين هذه القبائل اثنتين تُعرفان باسم
«البافار» (Bavares). وقد واجه حكام موريتانيا ونواب الإمبراطور [الآغات]
في نوميديا، وخاصة في أواخر القرن الثالث [الميلادي]، مصاعب كبيرة مع هؤلاء
البافار، ووصلتنا مجموعة كبيرة من الكتابات المخلدة لمعاركهم وإياهم. وجاء
ذكر البافار عند خمسة مؤرخين، لكن المخطوطات كثيراً ما تحرّف اسمهم
فتصيّره إلى باربار (Barbares)، (غير أنك لا تجد واحداً بينها يجعله
بارباري (Barbari)، وهي صيغة الجمع الطبيعية من بارباروس (Barbarus)، بما
يحمل على الاعتقاد بأن الاختلاط المسوغ كثيراً بين «بارباروس» و»بافار» لم
يؤد بهما مع ذلك إلى التماهي والتطابق).
وقد سبق لنا أن لاحظنا أن اسم «بربر» Berbère كان يظهر بين الفينة
والأخرى في تسميات المواقع الجغرافية وأسماء الأعلام في المجالين الحامي
والسامي. وهذه الملاحظة، مقرونة إلى الملاحظة السابقة، تبعثني على التشكيك
في [صحة] التفسير التقليدي. ومع ذلك فقد بقى البربر إلى وقت قريب جداً،
وتحت تأثير التعليم، يضربون عن تسمية أنفسهم بهذه التسمية.

«الليبي» : اسم قديم قدم التاريخ
يجمع هيرودوت سائر سكان إفريقيا، بشرط أن يكونوا من البيض ومن غير
الفينيقيين أو الإغريق، تحت اسم الليبيين. لكن هؤلاء الليبيين ينقسمون إلى
مجموعتين؛ بدو ومستقرين. والشيء نفسه يقول به سالوست لدى حديثه عن الجيتول
والليبيين، لكنه يجعل لهذه الكلمة العرقية معنى أضيق مما ذهب إليه هيرودوت؛
ذلك بأنه يقصر معناها على سكان السواحل. وكما بيَّن س. جسيل، فلفظ «ليبي»
له معان عديدة حسب المؤلفين وحسب العصور.
ولقد درج [الدارسون] منذ وقت طويل على الاعتقاد بأن لهذا الاسم أصلاً
إفريقياً، وأن أول من استعمله المصريون منذ الألف الثانية، وكانوا يسمون به
الأقوام ساكني غرب النيل.
وقد كان الريبو، أو الليبو، يقطنون في ناحية الشمال ويشتملون على عدد من
القبائل (بينها الإيموكيهيك والكيهيك والإكبت). وقد ظل الريبو يقطنون في
شمال ليبيا حتى العصور الكلاسية، وقد وسع الإغريق ? إغريق برقة دون شك ? من
اسمهم في آخر الأمر ليشملوا به سائر سكان شمال إفريقيا. ولربما يكون اسم
لبسيس الذي يُكتب في البونيقية L B K Y يشترك في جذر واحد واسم peuple
[السكان]. وبالفعل فالاسمانL B Y و L B Tيطالعاننا في الكتابات البونيقية
والبونيقية الجديدة.
ثم لم يمض وقت طويل حتى صار هذا المعنى العام يحل محله عند الإغريق
والقرطاجيين معنى آخر أضق؛ إذ صار مقصوراً على سكان الشمال الشرقي للمغرب
الكبير دون غيرهم، بما يعني أنه صار مقصوراً خاصة على الإفريقيين المقيمين
في المناطق الخاضعة للحكم القرطاجي. ثم صار هؤلاء السكان في ما بعد يُعرفون
عند اللاتين باسم «أفري» وبلدهم باسم «إفريقيا». وإننا نجهل بالأصل الصحيح
لهذا الاسم الذي لا يبعد أن يكون اسماً محلياً.
بل إن كلمة «ليبي» قد اكتست في المملكة النوميدية للماسيليين معنى جغرافياً
خاصاً، إذا ما اعتبرنا بالكتابة مزدوجة اللغة في مكثر؛ فقد بين فيها صاحب
الإهداء أنه فارس في «بلد الليبيين». بما يعني أن هذه المنطقة ليست بقريبة
جداً إلى مكثر، بل الراجح أن تكون إقليماً خاصاً من المملكة الماسيلية،
وربما كانت هي منطقة لبسيس [لبدة]. وأياً يكن المعنى الصحيح لهذه التسمية
فيجدر بالملاحظة أن قسماً من رعايا الملك الماسيلي كانوا يحملون من الناحية
الإدارية اسم «الليبيين»، وهي التسمية التي أفرغها عليهم الأجانب. ولا
تزال تجد بين الأقوام ساكني السنغال اليوم واحداً يسمى «الليبو»، والمؤكد
أنها الكلمة العرقية القديمة التي قد تكون انتقلت بالتدريج صوب الجنوب
الغربي من العالم الناطق بالبربرية.


14-07-2012

avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الخميس 2 أغسطس 2012 - 18:58



13) كان الاسم «أمازيغ» (من «أمازي» وجمعها «أمازيين») مثاراً لبعض الجدال، كما هو الشأن في كل ما له صلة بالبربر.
الاسم الحقيقي للبربر
يوجد اسم عرقي آخر أوسع انتشاراً في البلدان البربرية، بل إن انتشاره
واقترانه بأسماء المواقع يجيز لنا أن نعتبره الاسم الحقيقي للبربر. نريد
الجذر م.ز.ق. أو م.ز.ك. الذي نجده كذلك في كل من اسم «المازيس» في العصر
الروماني و»المكسيس» الوارد عند هيرودوت، و»المازييس» الوارد عند هيكاتي
و»المشواش» الذي جاء في الكتابات المصرية. ولا يزال كل من الإموهاغ في غرب
فزان والإماكيكن في أيّير والأمازيغ في الأوراس والريف والأطلس الكبير
يحتفظون بهذا الاسم، و»التماشق» هي لغة الطوارق، وهم الذين يسمون أنفسهم
كذلك إموشار. غير أنك لا تجد القبائلين ولا الشاوية (في الأوراس) يعرفون
حالياً هذا الاسم. والمؤكد أن هذا الاسم العرقي قد كان له في شمال إفريقيا
انتشار كبير في العصور القديمة؛ فالكتابات والنصوص تجيئنا [لاسمهم] بمجموعة
من الصيغ ليست كلها بالصحيحة من حيث شكل الكتابة، تجتمع فيها Mazyes
وMaxyes وMazices وMadices وMazicei وMazacenses وMazazenes.
ولربما أمكننا أن نضيف إلى هذه القائمة الكلمتين «مازيك» Mazic و»مازيكا»
كثيرتيّ الورود في الكتابات الجنازية. وإن في إطلاق المؤلفين لكلمة «مازيس»
على أقوام مختلفين، بعضهم بدو رحل وبعضهم جبليون، وفي عصور مختلفة ومناطق
متنائية لما يدلنا بالفعل على أن هذه التسمية محلية وأن معناها كان عاماً
وشائعاً.
وقد كان الاسم «أمازيغ» (من «أمازي» وجمعها «أمازيين») مثاراً لبعض الجدال،
كما هو الشأن في كل ما له صلة بالبربر. فقد درج الناس على أن يأخذوا هذا
الوصف بمعنى «النبيل» و»الحر»، فهو معادل لكلمة «franc» التي كان يتحلى بها
الجرمانيون ثم جعلوها اسماً لشعبنا [الفرنسي]. وهذه ترجمة صدَّق عليها سـ.
جسيل، وقد استند فيها إلى نص للحسن الوزان؛ فهي الترجمة التي جاء بها لاسم
«مازيس». وجاء لـ. تـ. سارنيلي بمحاولة أخرى؛ فقد رد هذا الاسم إلى الجذر،
الدال على الحمرة. وإذا كان هذا الجذر يسمح بتفسير اسم «الزويكس» الذين
كانوا يسكنون تونس في زمن موغل في القدم، إذ ورد ذكرهم عند هيرودوت، واسم
«إزاكارن» في الهقار، فإن كـ. جـ. براس يرى من المستحيل أن تكون لهذا الجذر
صلة باسم إمازيغن، وذلك لأسباب صوتية وصرفية على حد سواء.
ويرى شـ. دو فوكو أن الكلمة الطارقية «أماهق» (وجمعها «إموهاي») تعود إلى
الفعل «أهاي» ahay ومعناه «سلب»، فتكون «أمهاي» تعني «السلاب»، أي الغازي،
وبالتالي فهي تدل على المحارب والنبيل والحر. ومن سوء الحظ أن هذا التفسير
التقليدي، الذي قد يكون فيه تسويغ للترجمة التي جاء بها الحسن الوزان
[لكلمة «مازيس»] لا يتوافق والمعطيات الصوتية؛ ففي لهجات الشمال ينبغي
للفعل الموافق لـ ahey أن يكون هو awey، بما يفترض أن تكون تلك الكلمة
amawy لا amaziy، وهي الوحيدة المقبول بها. وعليه فالتحوط يقتضينا أن نعزو
كلمة Amahey الطارقية إلى نطق خاص عند بربر الجنوب، وأن نرد الاسم amaziy
إلى الجذر iziy الذي زال واندثر وما فضل منه غير هذه الكلمة العرقية.

أصل اسم النوميديين

كان النوميديون يقطنون مناطق شاسعة بين إقليم قرطاج والموريين، وقد
سمينا تلك المناطق شرق بلاد البربر ووسطها. ولذلك فليس من المستغرب أن يكون
النوميديون شكلوا مملكتين وقت أن تكونت الممالك التاريخية : المملكة
المسيلية التي كانت تقوم في المناطق الأقرب إلى الإقليم القرطاجي وتمتد حتى
منطقة سيرتا (قسطنطينة)، وهي تتوافق تقريباً وشرق بلاد البربر، والمملكة
الماسيسيلية وهي أكثر اتساعاً إذ كانت تمتد على ما تبقى من القسم الشمالي
من الجزائر الحالية؛ أي أنها كانت تشغل وسط بلاد البربر. وقد رأينا كيف
أبرز علم الآثار للفترة قبيل التاريخية الأساس المكين الذي قام عليه هذا
التقسيم.
وتجيئنا بعض الكتابات ذات اللغتين الآثنية البونيقية واللاتينية
الليبية التي تعود إلى محاربين في الجيش الروماني بالشكل اللاتيني للكلمة
العرقية أو الصفة نوميدا (ومعناها النوميدي). ومن سوء الحظ أن الاسم الذي
يوافقه في اللغتين الليبية والبونيقية يختلف عنه كثيراً؛ فهو في البونيقية
وفي الليبية. وهذان اللفظان يُجعلان لأعراق أوضح وأبين، كالقبيلة والعشيرة،
من الصفة العامة «نوميدي» التي ترد في النصوص اللاتينية.
وعليه فليست لنا معرفة بالاسم الليبي ولا الاسم البونيقي الموافق لكلمة
«نوميدا» اللاتينية. ومع ذلك فليس هنالك مسوغ للاعتقاد بأن هذه الكلمة كان
مأتاها من الكلمة الإغريقية (Nomades ? الرحل). فلو كان الرومان أخذوا هذه
الكلمة مباشرة عن الإغريق لكانوا أدخلوها في نظام الإعراب بالحروف من الصنف
الثالث [في اللغة اللاتينية]. وإذا كان اللاتين قد سموا «نوميداي» الأقوام
أنفسهم الذين أسماهم الإغريق «نوماد» بفعل جناس على الكلمة الأولى،
فلأنهما معاً كانا يتبعان نموذجاً من شمال إفريقيا يبدو أنه كان نموذجاً
بربرياً أكثر مما هو بونيقي. فنحن نعرف عدداً كبيراً من أسماء الأعلام
الليبية تبتدئ بالحرفين NM. ثم إن هنالك اليوم مجموعة فقيرة من الصيادين
البدائيين في موريتانيا تحمل الاسم نيمادي. وعلى الرغم من الاحتمال الكبير
لأن يكون اسم النوميديين يعود إلى أصل بربري فسوف لا نأخذ بالتفسير القديم
الذي جاء به رين في منتصف القرن التاسع عشر، فقد أراد أن يترجم هذه التسمية
العرقية بالعبارة، ومعناها «بين الرّحل».
ومهما يكن من أمر فلا يمكن أن نعتد بالتفسير الذي جاء به سترابون،
وقال فيه : «تمتد [هذه] البلاد من قرطاج إلى أعمدة هرقل، وهي تتسم عامة
بالغنى والخصوبة، لكن بدأت تغزوها الحيوانات المتوحشة، كشأن كل المناطق
الداخلية في ليبيا. وحتى لنحسب أن اسم «نوماد» (من «النوميديون» Nomides)
الذي يحمله قسم من هؤلاء الأقوام إنما جاءهم من الحيوانات المفترسة أن صارت
لا تترك لهم سبيلاً إلى الاشتغال بالزراعة». وقال كذلك : «وقد فضّل هؤلاء
القوم أن يشتغلوا باللصوصية وقطع الطرق وتركوا الأرض للهوام والحيوانات
المتوحشة، وآثروا حياة التيه والترحال تماماً كفعل الأقوام الذين أكرِهوا
على هذا الأسلوب في العيش بالبؤس وقسوة المناخ».
وقد ميز هيرودوت بين الليبيين رحلاً (وهم ليسوا نوميديين بأي حال)
وفلاحين (وهم يسكنون مناطق نعرف أن قطانها من النوميديين)، وهذا يثبت أن
التسمية الإغريقية لم تأت بأي حال نتيجة لملاحظات عراقية لأساليب [هؤلاء
القوم في] العيش. وعندما يتحدث هيرودوت عن ??????? ??b??? فمن الواضح جداً
أن لاأحد يفكر بأي حال أن يترجم ذلك الاسم بـ «الليبيين النوميديين».
وإنما كان التشابه الحاصل بين الكلمة الليبية والكلمة الإغريقية ??????? هو
دون شك ما دفع بالكتاب الإغريق في وقت لاحق، واللاتين من بعدهم، إلى أن
يسعوا في تفسير الكلمة العرقية الليبية بحياة الترحال التي كانت تُنسب إلى
هؤلاء الأقوام. وقد كان سترابون يعلم جيداً أن الماسيليين والماسيسيليين
كانوا يشتعلون بالفلاحة في أجود الأراضي، فهو يجهد كثيراً ليفسر تلك الحياة
الترحلية المفترضة لهم بكثرة ما ضمت أراضيهم من حيوانات متوحشة. وسنلاحظ
أن الحيوانات المتوحشة إنما تعيق من حياة الترحال والرعي أكثر مما تعيق من
الزراعة.

مملكة ماسينيسا
ويوغرطة الماسيلية

يبدو أن مملكة الماسيسيليين كانت هي الأقوى بين المملكتين المعروفتين
لدينا في بداية التاريخ، وهو الذي يبتدئ بالنسبة إلى النوميديين مع الحرب
البونيقية الثانية. غير أن هذه المملكة لم تقو على البقاء لما بعد الفشل
الذي منيت به السياسة التي كانت من ملكها سيفاقس في إفريقيا. فبعد أن حاول
هذا الأخير أن يلعب دور الحكم بين روما وقرطاج لم يلبث أن آثر في نهاية
الأمر جانب البونيقيين ثم استولى على المملكة الماسيلية فأمكن له أن يحقق
لبضع سنين الوحدة النوميدية تحت حكمه. لكن قيض للمملكة الماسيلية أن تخرج
معززة الجانب من تلك المحنة، وأقام ماسينيسا، ملك الماسيليين، دولة نومديية
موحدة.


16-07-2012





avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الخميس 2 أغسطس 2012 - 19:01




14) كانت بلاد الماسيليين الممتدة على شرق الجزائر وغرب تونس أكثر اتحاداً
من الجزء من بلاد البربر الذي احتله الماسيسيليون بالتدريج.
بلاد الماسيليين، بلاد الدلمنات
هل يعود نجاح الماسيليين إلى القوة التي كانت لشخصية ماسينيسا وإلى الرفق
الذي كان من الرومان فقط؟ ألم تكن هنالك من قبل عوامل قوة وروابط تلاحم
مكنت للماسيليين أن يصمدوا للضغط الذي كان يقع عليهم من جيرانهم القرطاجيين
والماسيسيليين بشيء من النجاح؟ فنحن نلاحظ بداية أن بلاد الماسيليين
الممتدة على شرق الجزائر وغرب تونس قد كانت أكثر اتحاداً من الجزء من بلاد
البربر الذي احتله الماسيسيليون بالتدريج. إن بلاد الماسيليين تملؤها
الجبال والغابات بما يجعلها ملائمة لتربية المواشي الكبيرة، لكنها تشتمل
كذلك على هضاب وسهول في سفوح جبلية ذات تربة مواتية كثيراً لزراعة الحبوب.
وقد كشفت لنا المقابر النوميدية الكبيرة أن هذه المناطق ضمت ساكنة من
الفلاحين من المؤكد أنهم كانوا أكثر ارتباطاً بالأرض من النوميديين في
البلدان الغربية. وإذا كانت الظروف الجغرافية عاملاً ذا شأن وأهمية فإن
الشروط التاريخية كانت عاملاً أقوى وأهم. فقد كان الماسيليون جيران
القرطاجيين وما أكثر ما تعرضوا منهم للتعدِّي، لكنهم اقتبسوا منهم من عناصر
الحضارة الشيء الكثير. فمنذ القرنين الرابع والثالث ورد الحديث عن وجود
مدن في شرق بلاد البربر؛ فخارج الإقليم القرطاجي، الذي كان لا يزال قليل
اتساع، كانت هنالك دقة وتبسة ، وربما كانت هنالك قسطنطينة أيضاً. وتدفع
المقابر الصخرية الكبيرة التي في منطقة مكثر إلى الاعتقاد بأن بناء هذه
المدينة النوميدية يعود إلى ما قبل سقوط قرطاج. ومن المحتمل أن الماسيليين
كانوا يتملكون سيرتا، وقد كانت مركزاًً مهماً للحضارة البونيقية في القرن
الثالث. وما وقعت هذه المدينة تحت حكم سيفاقس إلا قبل وقت قصير من حكم
ماسينيسا.
إن ما ذكر تيت ليف وأبيان من محاولات ماسينيسا لاستعادة مملكة والده يدلنا
على الارتباط الموثوق الذي كان من الماسيليين بملوكهم. لكن إذا لم يكن لنا
أن نبالغ في الحديث عن ذلك الإخلاص؛ فهذا ماسينيسا لم يسلم من الخيانات،
فإنه قد كان من عناصر التلاحم لدى الماسيليين.

الأسرة الماسيلية ومدينة دقة
قد يكون هذا التلاحم ووجود بعض التطابق بين الأقاليم التي كانت تؤلف
المملكة الماسيلية هما ما جعل من الصعب معرفة الموضع الأصلي لقبيلة
الماسيليين بين تلك الأقاليم. وكذلك تعيقنا التعديات القرطاجية عن معرفة
إلى أي نطاق كان الحكم الماسيلي يمتد ناحية الشرق، على افتراض أنه قد كانت
هنالك مملكة ماسيلية سابقة على التوسع البونيقي في وسط تونس وغربها. ومع
ذلك فإن دقة لم تكن تحت سيطرة القرطاجيين في عصر أغاتوكل. فقد كان في ذلك
الوقت لليبيين ملك يسمى إيليماس يبسط سلطته على هذا الإقليم، لكن هنالك
مؤشرات أخرى تجيز لنا الاعتقاد بأنه قد كان للأسرة الماسيلية وجود قبل ذلك
العهد. فمن المعلوم أن أسلاف ماسينيسا قد حكموا الماسيليين وأن أميراً
نوميدياً، هو مازيتول، وقد كان منافساً لكابوسا وماسينيسا، لم يكن يشاركهما
الانتماء إلى السلالة الواحدة، بما يحملنا على البحث عن جدهم المشترك قبل
أجيال عديدة سابقة عليهم. وإن مزاعم مازيتول والعروض التي قدمها له
ماسينيسا بعد أن تغلب عليه تظهر بجلاء أن هذا الأمير قد كان بين أسلافه
كذلك بعض الملوك. وقد بيّن تيت ليف أن هذا الأمير ينتمي إلى فرع من الأسرة
الملكية معاد للسلالة الحاكمة. وقد كانت قواعد توارث الملك في المملكة
الماسيلية، كما وقف عليها جسيل، تجري بحق على منوال نظام تانيستري : «كان
الملك تختص به أسرة، بالمعنى الواسع لهذه الكلمة، أي مجموع أنسباء يعودون
عن طريق الذكور إلى جد مشترك... ورئيس هذه الأسرة يكون هو الأكبر سناً بين
الذكور الأحياء المولودين من زواج شرعي، وإليه يعود الملك. فإذا توفي انتقل
الملك إلى الذي صار الأكبر سناً في مجموعة الأنسباء».
وتقودنا هذه الاعتبارات إلى الاعتقاد بأن الأسرة الماسيلية كانت على عهد
ماسينيسا تتولى الحكم منذ ما لا يقل عن أربعة أجيال. فليس ببعيد عن
الاحتمال أن الملك الليبي إيليماس، الذي تحالف مع أغاتوكل ثم عاداه، قد كان
أحد أجداد ماسينيسا. وربما كانت دقة، التي استولى عليها أوماك بعد سنتين
من موت هذا الملك، هي عاصمة ملكه.

سيرتا مهد القوة الماسيلية
يبدو من الصعب أن نأخذ بالاعتقاد أن دقة والتلال العليا كانت هي المهد
للقوة الماسيلية. فقد كانت هذه المنطقة تحت سلطة القرطاجيين منذ الحرب
البونيقية الأولى في أقل تقدير. ويصعب علينا أن نذهب إلى الاعتقاد بأن
المملكة الماسيلية قد أمكن لها البقاء والاستمرار بعد احتلال الإقليم
الأصلي للقبيلة التي كانت تنتمي إليها الأسرة الحاكمة. وحتى وإن كانت قرطاج
تمارس نوعاً من الحماية على المملكة الماسيلية فإن حاكماً مثل غايا قد ظل،
على الرغم من انحسار أراضيه، بسبب التعديات التي كانت تقع عليه من جيرانه،
يحتفظ لنفسه بقدر من الاستقلال ولا يولي حلفاءه البونيقيين إلا ولاء
مشروطاً. وما كان يمكن لغايا ولا لابنه ماسينيسا بأي حال أن يستمرا على مثل
هذه السياسة لو كان إقليم الماسيليين الخالص لهم وقعا في أيدي القرطاجيين.
وإنني لأميل إلى البحث عن أصول أسرة ماسينيسا في الطرف الغربي من المملكة؛
أي في منطقة سيرتا. ومن المؤكد أن هذه المدينة قد صارت العاصمة لماسينيسا
وميسيبسا، وأما غايا فلم يكن له أي حكم على هذه المدينة؛ فقد صارت يومها
تابعة لسيفاقس. وأن يكون ميسيبسا ? وربما هو ماسينيسا نفسه ? دُفن في
الخروب عنصرٌ يرجح أن تكون أصول هذه الأسرة تعود إلى سيرتا. وتجيز لنا
النصب الكثيرة من الحجارة الكبيرة التي توجد في منطقة سيرتا الاعتقاد، إلى
حد ما، بأن ساكنة كثيرة العدد كانت تقيم من حوالي جبل فرطاس؛ وهو المكان
الذي اكتُشفت فيه مسلات كبيرة مبينة عليها صور الرؤساء المحليين في وادي
الخنقة وفي سيلا. ويُتبين من بعض الوثائق الحفرية أن النومديين في هذه
المنطقة كانوا منذ القرن الرابع أو الثالث، وبما كانوا قبل ذلك، على علاقة
بالتجار البونيقيين.
لكن هنالك وقائع أخرى تدعو إلى البحث عن الموطن الأول لهذه القبيلة في موضع
أبعد قليلاً إلى الجنوب. وربما يبين المدراسن، وهو قبر لشخصية عظيمة، أو
لملك لم تكن ذكراه قد تلاشت في العهد الروماني، أن أسرة الملك الذي أقام
هذا النصب في القرن الرابع أو الثالث تعود بأصولها إلى الأوراس. فيكون ذلك
الملك قد عاصر الأسرة الماسيلية، ويصعب علينا تصور أنه قد يكون خدم أميراً
من أسرة حاكمة أخرى.
وقد أفرغ المهندس الذي قام على بناء المدراسن على هذا النصب عناصر معمارية
كان لها إيثار لدى القرطاجيين، مع المحافظة على تقاليد البناء في المقابر
البربرية. فمن ثَم نستنتج أن الأمير الذي أقيم لأجله هذا النصب قد كان على
علاقة بالقرطاجيين على الأقل، وأن إقليمه كان يمتد حتى قريب من إحدى المدن
البونيقية. وتظل أقرب مدينة إلى هذا الإقليم سكنها الفينيقيون في القرن
الثالث هي سيرتا، ولكن من المشكوك فيه أن تكون الأسر القليلة ساكنة هذه
المدينة استطاعت أن تنجب مهندساً يقتدر على إقامة هذا النصب. وعليه فيمكننا
التسليم بأن الملك الذي دفنت رفاته في مدراسن قد كان يبسط حكمه حتى سيرتا
على الأقل، وربما إلى ما بعدها، ناحية الساحل وناحية الشرق.

قسطنطينية، سيرتا القديمة تشرف على الحلوق العميقة في الرمل.

وفي الأخير فإن هنالك نصاً لبلين يسعفنا على تحديد موقع الماسيليين بكثير
من الدقة في منطقة سيرتة. فهو يشير إلى عدد من «الأقوام» في إقليم إفريقية،
ما بين أمساغا (وادي الكبير) وسيرت، ومن جملة أولئك الأقوام كان
الماسيليون المسمَّون بالسبربر وبالنيفيس. والحال أن الإشارات الجغرافية
التي جاء بها بطليموس والكتابات التي تعود إلى العصر الروماني تجعل مكان
السّبربر في المنطقة الواقعة إلى الغرب من سيرتة وحتى سطيف، وتجعل موضع
النيفيس في منطقة تمتد إلى الجنوب الشرقي من سيرتة. ونعرف من بقية القائمة
التي جاء بها بلين للقبائل أن [المؤرخ الكبير] يورد أسماء تلك القبائل حسب
نوع من الترتيب، وكأنه سجل تلك الأسماء حسب قراءته لها على الخريطة ومن غير
أن يتكلف فيها منهاجاً. فهذا يقودنا إلى استنتاج أن الماسيليين كانوا
يسكنون إقليم سيرتا، وأن القوة الماسيلية تكونت في ما بين هذه المدينة
والأوراس.
وقد كان الاسم «ماسول» الدال على ماسيلا لا يزال متداولاً في العصر
الروماني. فقد أمكن التعرف عليه في كتابة تأبينية في سيلا وفي كتابتين
أخريين على مقربة من وادي جرمان. ومن اللافت للنظر أن هذا الاسم لم يكن
كثير الرواج خارج هذه المنطقة؛ فما وُجد إلا في كتابة [واحدة] في سيليوم
(القصرين). ولا يزال هنالك واد صغير في جنوب قسطنطينة يحمل الاسم ماسيل.
وقبل أن تصير المملكة الماسيلية إلى شريط ضيق محصور بين إقليم قرطاج
والمملكة الماسيسلية، كانت هذه المملكة تشمل في جهة الغرب منطقة سيرتا؛ ولا
يبعد أن يكون إليها يعود أصل الأسرة الحاكمة. وإلى جهة الشرق، حيث الظهر
التونسي الذي يبدو أن القرطاجيين تخلوا عنه، كانت هذه المملكة تغطي القسم
الأكبر من حوض بكردا (مجردة). ولا يبدو أن النزاعات الطويلة التي قامت بين
ماسينيسا وقرطاج قد كان السبب إليها الطمع من جانب الملك النوميدي، بل كانت
تعود في الواقع إلى مطالبات ترابية مبررة ظل ماسينيسا يعبّر عنها بما
يزداد بأساً وقوة.


17-07-2012

avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الخميس 2 أغسطس 2012 - 19:03



15) إن مفهوم السيادة عند البربر يقوم على السيطرة على الأشخاص أكثر مما يقوم على تملُّك الأرض.

لقد كانت المملكة الماسيلية ضيقة نسبياً في قسمها الشمالي، لكنها كانت تضم
أقاليم شاسعة في الجهات الجنوبية كانت تنتقل فيها قبائل الجيتول. وليس لنا
من علم بالعلاقات التي كانت بين الملك وهؤلاء الرحل، ولا نعرف كيف كان
هؤلاء يقرون بالسيادة النوميدية عليهم. لكن هذه المسائل الدقيقة تتضح لنا
قليلاً متى سلمنا بأن مفهوم السيادة عند البربر يقوم على السيطرة على
الأشخاص أكثر مما يقوم على تملُّك الأرض. ولذلك فلم يكونوا يهتمون كثيراً
لضياع الأراضي إذا ما ظلت القبيلة السائدة تحافظ على تلاحمها.

مملكة سيفاقس الماسيسيلية
خلال الحرب البونيقية الثانية، وقت أن كان سكيبيون يحارب الجيوش القرطاجية
في إسبانيا، كان سيفاقس، ملك الماسيسيليين، هو أقوى الملوك الأفارقة. وأوضح
نص تناول هذه المملكة هو الذي وضعه سترابون؛ فقد جاء فيه : «بعد إقليم
الموريين يأتي أقليم الماسيسيليين الذي يبدأ من نهر ملوية وينتهي عند رأس
تريتون».

سعة المملكة
لن أعود إلى مسألة المطابقة بين المولوشا وملوية. فموقع سيجا، عاصمة
سيفاقس، على الضفة الشمالية لتافنا يجعل من اللازم أن نبحث عن مولوشا على
الضفة الغربية من هذا النهر؛ فلا يمكن أن يكون الاختيار إلا بين ملوية
وواديين ساحليين صغيرين (وادي كيس ووادي الثلاثاء). وقد رأينا في ما سبق أن
ملوية وإن لم يكن يشكل حداً طبيعياً حقيقياً، إلا أنه كان يقوم فاصلاً على
قد كبير من الوضوح بين المقاطعتين الأثريتين؛ غرب بلاد البربر ووسط بلاد
البربر. ومما لا جدال فيه أن رأس تريتون يطابق رأس بوقارون في شبه جزيرة
كولو. وسيصير الحد الفاصل بين نوميديا وموريتانيا القيصرية يمر في ما بعدُ
على مقربة من شبه جزيرة كولو عند الوادي الكبير (أمساكا). وقد كان هذا
الممر المائي يشكل الحد الشرقي لمملكة يوبا الثاني، ويطابق كذلك من الناحية
الأثرية الحدَّ الغربي لبلاد سيرتا الغنية بالنصب الصخرية الكبيرة التي لا
تلبث أن تختفي فجأة في غرب هذا النهر. ولربما يكون التحديد الذي جاء به
سترابون تقريبياً، فمن غير المحتمل أن الحد الفاصل بين الماسيليين
والمساسيليين كان حداً ثابتاً ومبيَّناً بكل دقة وصرامة.
وعليه فإن الماسيسيليين كانوا يقيمون على مساحة شاسعة تغطي ثلثي الجزائر
وقسماً من شرق المغرب. ومنذ أن جاء ذكر سيفاقس، ملك الماسيسيليين، للمرة
الأولى، في رواية تيت ليف، وحتى سنة 203، وهو التاريخ الذي تحدد فيه مصير
هذا الملك ومصير ماسينيسا أيضاً، ظلت الأراضي التابعة لسيفاقس في امتداد
واتساع على حساب الماسيليين؛ فلذلك يكون من الصعب وضع رسم بالحدود الأولية
لمملكة سيفاقس. والذي يبدو أن الحد المتمثل في ملوية في جهة الغرب، والذي
سيظل قائماً بين بوخوس وميسيبسا، ثم بين بوجود وبوخوس الثاني، لم يطرأ عليه
تغيّر من عهد مُلْك باجا ومُلْك سيفاقس المعاصرين لبعضهما. وقد اتجه هذا
الأخير في التوسيع من نفوذه ناحية الشرق في سنة 205. واهتبل النزاعات التي
قامت بين الأمراء الماسيليين، فحسم لصالحه خلافة كابوسا بطرده لماسينيسا
وملاحقته له بواسطة قادته العسكريين. فهل تم في ذلك الوقت ضم سيرتة، أم
أنها كانت قبل ذلك قد صارت معدودة في أراضي الماسيسيليين؟
وفي المقابل فإن الاستشهادات التي تعود إلى ما قبل سنة 205 تبين لنا كيف أن
سيفاقس كان منحصراً في غرب ماسيسيليا، وأنه كان مهتماً للمسائل الإسبانية
بقدر اهتمامه بالشؤون النوميدية. وعليه فإن ظهور سيفاقس في المناطق القريبة
إلى بلاد ماسيليا قد كان جاء في وقت متأخر، وكان على صلة بالاضطرابات التي
تفجرت في هذه المملكة بعد مقتل كابوسا. ويغلب عليّ الاعتقاد بأن العاصمة
الحقيقية لسيفاقس كانت هي سيجا، وما صارت سيرتا له العاصمةَ إلا بعد ضمه
أراضي الماسيليين.

سيجا والمدن الماسيسيلية
كانت سيجا أهم مدن مساسيليا، والحديث يرد عنها دائماً بكونها عاصمة
سيفاقس. ففي هذه المدينة استقبل في سنة 206 سكيبيون وأسدروبال Asdrubal
معاً. وفيها قام دون شك بضرب جزء من نقوده، وقد ظلت التقاليد في ضرب النقود
جارية في هذه المدينة؛ ثم زاد إليها بوخوس الأصغر فيها ورشة جديدة.
وإن القطع النقدية الكثيرة نسبياً لسيفاقس، التي تم العثور عليها في
هذا الموقع، تبين بجلاء، على عكس سيرتة Cirta، أن سيجا كانت هي الرأس
الحقيقية للمملكة الماسيسيلية. وعلى مقربة من سيجا كانت تقوم الجثوة
الملكية لبني رنان. ولم يشر سترابون، الذي كان يستعمل وثائق سابقة على عصره
بكثير، في شرق سيجا إلى غير ميناء الآلهة (المعروف عند الرومان باسم،
ويُعرف حالياً باسم «المرسى الكبير»)، ومدينة إيول (شرشال)، وصلدا (بجاية).
ومعنى ذلك أن الوثائق التي اعتمد عليها كانت في غاية الفقر، فهي لم تكن
تهم غير المستودعات التجارية البونيقية الرئيسية. وقد تناول ج. فيلومو
بالدراسة المرافئ البونيقية على الساحل الوهراني، وهي التي يحق لنا
اعتبارها المنافذ وكذلك المراكز لتجارية ماسيسيليا. وبعض تلك المرافئ يعود
إلى عصر ضارب في القدم، ومن ذلك أن المقبرة المكتشفة في جزيرة رشقون، قبالة
مصب تافنا، قد أمكن رد تاريخها إلى القرنيين السادس والخامس. وكذلك أمكن
معرفة تاريخ موقع مرسى مداغ؛ فقد كان احتله التجار الفينيقيون في العصر
نفسه، ثم هجروه في القرن الثالث، بعد أن تعرض، في ما يبدو، لتهديم أول ثم
أعيد احتلاله من جديد. وقد تبينت من وثائق قريبة العهد، تم العثور عليها
على مقربة من وهران وفي الأندلس وفي سانت لويس، أهمية المبادلات التي كانت
تجري بين مرسى مداغ وإسبانيا. ومن جملة السلع التي كان يقع فيها الاستيراد
ينبغي أن نذكر المنتجات المعدنية، وهي من أكثر المنتجات المفتقَر إليها في
إفريقيا. وأما السلع التي كان يقع فيها التصدير فنعرف من جملتها اثنتين :
العاج وقشر بيض النعام. غير أننا لا نعرف هل كان التصدير مقصوراً على
المواد الخام، أم أن الأشياء التي تم اكتشافها في إسبانيا قد كان يجري
تصنيعها في إفريقيا. والذي يبدو أن تصنيع العاج كان يقع في المدن الفينيقية
الكبرى في منطقة الشام، وفي قرطاج، وربما كان يقع كذلك في قادس Cades،
فالزخارف التي تزين الأمشاط والمقابض المصنوعة من هذه المادة ذات طابع
مشرقي من غير استثناء.
وأما إذا انتقلنا إلى قشور بيض النعام فإن الأمر يصير أشد تعقيداً. فهذه م.
أستروك تذهب في كتاب بديع حول مقابر فيلاريكوس (إسبانيا) ، إلى الاعتقاد
جازمة أن الزخارف المزيّنة للغالبية العظمى من قشور بيض النعام كانت تتم
على الصعيد المحلي. لكن هنالك [عينات] أخرى من تلك القشور تبين عن شبه كبير
بالزخارف الهندسية البربرية، كما لا تزال جارية إلى اليوم، بما لا يُستبعد
معه أن تلك القشور كان يجري تصديرها بعد أن تكون زُينت بتلك الزخارف، وأن
المدن الإيبيرية والفينيقية قد صارت في ما بعد تفضل الحصول على قشور بيض
النعام وهي بعدُ خام، ثم يتولى [أهلها] تزيينها حسب الأذواق المحلية،
والحقيقة أنها لم تكن تختلف كثيراً عن الأذواق التي كان لها الشيوع والغلبة
في المدن الإفريقية.
وهنالك منتَج آخر كان يجري تصديره من ماسيسيليا (التي صارت هي موريتانيا
القيصرية في العهد الروماني)، ونريد خشب العرعر (المسمى عند المؤلفين
اللاتين)، الذي كانت جذوعه تسخَّر في صنع طاولات نفيسة. وقد كان شيشيرون
اشترى إحداها ودفع فيها مليون سيسترس. وإن أهم مميزات هذا خشب العرعر،
بالإضافة إلى مقاومته الفائقة للبلى، أنه يحتوي على عروق عسلية اللون؛ بين
متموج وحلقي. وقد كانت كبرى مراكز إنتاجه تقع غرب شرشال (في الظهرة ووادي
الشلف).
ولا نعرف شيئاً عن مدن الداخل، فقد كانت المعرفة بإفريقيا تكاد تقتصر على
المناطق الساحلية. ومع ذلك فإن من الصعب التسليم بألا تكون بعض المواقع
المتميزة، التي سكنها الإنسان من أزمنة ما قبل التاريخ، قد صارت يومها
مواقع محصنة أو أسواقاً، ولربما تكون صارت إليهما في وقت واحد. وتعتبر شقاف
الفخاريات البونيقية من القرن الرابع تلك المكتشفة على مقربة من مدينة
الأصنام، في حدود ما نعرف إلى اليوم، أقدمَ الشواهد وأكثرها قارية على
تغلغل التجارة الفينيقية في التراب المساسيلي. وتدلنا بعض المنشآت من القرن
الثالث [قبل الميلاد] في منطقة تياريت على الأهمية التي بلغها ذلك
التغلغل.
وأما في أقصى الشرق، في وسط الجزائر، فلم نقع على شواهد تدلنا على زمن
سيفاقس أو على ما قبله، في غير الحواضر البونيقية الساحلية.

تنظيم المملكة الماسيسيلية
لا نعرف شيئاً عن التنظيم السياسي والإداري لمملكة المساسيليين. وكل
ما نعرف أن الملك وحده هو من كان يضرب النقود، ولم يكن لأي تابع، أو حتى
لأي مدينة من المدن، أن تحظى بهذا الامتياز، في هذا العصر على الأقل. ومن
جملة سلسلتيّ النقود الحاملة لرأس سيفاقس فإن السلسلة التي تبدو هي الأقرب
عهداً يظهر عليها الملك متوجاً بإكليل كصنيع الملوك الهلينيين. وكذلك هي
نقود ابنه فيرمينا ( فيرميناد)، وهي نقود مضروبة كذلك بعناية؛ فهي تظهر
الملك الشاب أمرد ومتوجاً بإكليل. من المحتمل أن نقود فيرمينا كانت كذلك من
زمن السلسلة الثانية من نقود سيفاقس، وقت أن كان فيرمينا يتولى قيادة
الجيوش المساسيلية. غير أننا لا نملك أن نذهب بعيداَ في هذه الاستنتاجات
فنقول إن سيفاقس قد أشرك فيرمينا في مُلكه.
وإن تنوع المناطق التي تكونت فيها المملكة الماسيسيلية شيءٌ يدفع إلى ترجيح
الرأي القائل إن هذه الدولة كانت عبارة عن مجموعة من القبائل التابعة التي
أُخضعت بالقوة لسلطة رئيس المساسيليين. ومن المعلوم أن هؤلاء ينحدرون من
وهران ومن شرق المغرب، وفي هذه المنطقة بقيت إلى العهد الروماني قبيلة
تُعرف باسمهم. وهنالك كانت تقع عاصمتهم سيجا، ومن هذه الولاية الغربية
كانوا يأخذون القوات التي مكّنت لسيفاقس أن يضطلع بدور تاريخي لا يستهان
به. ويتذكر سترابون، نقلاً دون شك عن بوسيدونيوس، هذا التفوق القديمَ
للمقاطعات الغربية؛ فقد كتب عن مساسيليا : « في وقت من الأوقات كان القسم
من البلاد المجاور لموريتانيا يمد [المملكة] من النقود ويدفع إليها من
الجنود بأكثر مما يأتيها من المناطق الأخرى. وأما اليوم فقد صارت
الكانتونات المتاخمة لحدود قرطاجة وبلاد الماسيليين أكثر ازدهاراً من غيرها
من المناطق، وأوفر مؤونة في جميع الأشياء».
فهل كانت السياسة الطموحة والتوسعية التي انتهجها سيفاقس هي السبب في
الانحطاط الذي تردت إليه المناطق الغربية؟ إن هنالك قاعدة عامة بيّنها ابن
خلدون منذ القرن الرابع عشر، وهي تقوم على أن المجموعات الكبيرة القتالية
المؤسسة لإمبراطوريات تسير سريعاً إلى الاضمحلال. فبعد الفشل الذي انتهى
إليه سيفاقس، استمر ابنه يحكم لبعض الوقت على جانب من غرب مساسيليا،
وباكتمال عملية التراجع سيبسط الماسيليون؛ ماسينيسا وأولاده، سلطتهم حتى
قريب إلى بلاد الموريين.


18-07-2012

avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الخميس 2 أغسطس 2012 - 19:04


16) كان الموري بالنسبة إلى الروماني أو الإفريقي المتروّم، كمثل ما سيكون البربري بالنسبة إلى الغازي العربي على وجه التقريب.

الموريون، غربيو إفريقيا
إذا ذكر المؤلفون الإغريق والرومان السكانَ الليبيين الأبعد إلى الغرب
أسموهم بالموريين، ولم يسموهم بالنوميديين، لكن هذا التمييز لم يتحقق له
الرسوخ النهائي إلا عندما علم الرومان بوجود مملكة محلية في المغرب. وقد
كان أرتيميدور، في القرن الثاني قيل الميلاد، لا يزال يُدخل الليبيين
القاطنين إلى جوار أعمدة هرقل في النوميديين. غير أن من المحتمل أن يكون
التمييز بين النوميديين والموريين أقدم عهداً، إن صح أن اسم الموريين، كما
هو مسلم به عامة، لم يكن يزيد عن اسم جغرافي ذي أصل فينيقي. وقد صار
[المؤرخون] منذ القرن السابع عشر، وإسوة بما فعل بوشار، إلى تفسير الأصل في
اسم الموريين بأنه اختصار لكلمة سامية : ماهوريم، ومعناها «الغربيون». وقد
يكون هو الاسم الذي أطلقه الفينيقيون على سكان شمال إفريقيا من قاطني
الغرب (المغرب عند المؤلفين العرب). ثم إنهم لما تحققت لهم معرفة أفضل
بالليبيين في شرق بلاد البربر صاروا يقتصرون بهذه التسمية على الأقوام
ساكني الطرف الأقصى من الغرب؛ أي ساكني المغرب (المغرب الأقصى عند المؤلفين
العرب).
لقد نبه ج. جسيل بحذره المعهود إلى عدم وجود سبب ليلاّ نأخذ بالدعوى التي
جاء بها سترابون في أن كلمة «موري» ذات أصل محلي. وليس يقف الأمر عند هذا
الحد، فهذا بلين كتب أن القبيلة الرئيسية بين القبائل التي سكنت موريتانيا
الطنجية كانت هي قبيلة الموريين، وأن الحروب لم تبق منها على غير بعض
الأسر. وقد سعى بعض المؤلفين بالاعتماد على هذه النصوص إلى البحث لاسم
الموريين عن أصل بربري. فقد رد رين هذا الاسم إلى الجذر Our الذي يوجد في
اسم جبل عمور، فيكون معناه «الجبل»، ومن ثم يكون الموريون بمعنى الجبليين،
أي المستقرين في مقابل الرعاة، وهي الكلمة التي يجعلها رين ترجمة لكلمة
«النوميديون». غير أن هذا التفسير النَّزوي، وما يرافقه من ترجمة خاطئة من
لدن سترابون، ليس له من قيمة. وقرَّب آخرون بين اسم «الموريين» والاسم
الحالي (والقديم) لجبال الأوارس (أورس، أوراسيوس)؛ فيكون في ذلك تفسير
للحرف الصافر الذي يرد في الاسم الإغريقي (??????????) يجد هنا تفسيره. وقد
اعتقد المتكئون على هذه الافتراضات أنهم أقاموا البرهان على أن مملكة
بوخوس المورية، وقد كان بوخوس معاصراً ليوغرطة، لم تكن تقوم في المغرب بل
في الأوراس.
يصطدم هذا الانزلاق الهائل بجغرافية إفريقيا القديمة كلها نحو الشرق
بتناقضات تاريخية صارخة لاسبيل إلى القبول بها. فلا يمكننا، في حدود
المعارف المتوفرة لنا اليوم، أن نموضع الموريين، الذين نعرف أنهم كانوا
يمتدون وجوداً حتى المحيط، إلا في غرب بلاد الربر.
مملكة شبه مجهولة
من باجا إلى بوجود :
لا نعرف الشيء الكثير عن مملكة الموريين، بل إن اللايقين الذي يسم معارفنا
يمتد إلى فترة أقدم منها في التاريخ. ومع ذلك فوحدة الاسم الذي ظل يحمله
غرب بلاد البربر حتى وفاة بوجود والتشابه في الأسماء التي حملها سادتها
المتعاقبون (باجا وبوخوس وبوجود) يحملانني على الاعتقاد بأن الأسرة الواحدة
قد حكمت منذ القرن الثالث وحتى اضمحلالها وتلاشيها بوفاة بوخوس الأصغر.
كانت أسرة بوخوس في القرن الأخير قبل الميلاد تسيطر على أقاليم تمتد حتى
جبال الأطلس في أقل تقدير. بل إن بوجود قد ذهب لمحاربة الإثيوبيين. لكن هذه
الدعوى التي قال بها سترابون لا تسمح بالتأكيد على أن مملكة باجا، التي
قامت قبلها بقرنين من الزمن، قد كانت على قدرها اتساعاً. غير أنتي لا أعتقد
أنها كانت منحصرة بجوار المضيق؛ فقد كان هذا الملك يهتم بالشؤون
النوميدية، وقد دعم مطامع ماسينيسا في وراثة الحكم على ماسيسيليا وأمده بـ
4000 من الرجال قاموا له بالخفر والحراسة. وتسمح لنا هذه الإشارة المختصرة
من تيت ليف بأن نؤكد أن باجا لم يكن ملكاً صغيراً بل كان ملكاً يسيطر على
الأقاليم الواقعة بين المضيق وماسيسيليا في أقل تقدير. وفي جوار ماسيسيليا
تم تحديد موقع قبيلة الموريين، التي عُرفت باسمها المملكة [المورية]. وخلال
الصراع النهائي بين سكيبيون وحنّا بعل أرسل باجا، الذي كان لا يزال حليفاً
لماسينيسا، بسوقات [عسكرية] كان لها إسهام في إلحاق الهزيمة بالقرطاجيين.
لقد تأكد أن المملكة المورية لم يُقيَّض لها في ما بعدُ تنظيم مُمَركز؛
فهذا إسكاليس، وهو مُليْك كان حليفاً أو تابعاً لملك موريتانيا، الذي كان
وقتها هو بوخوس أو سوسوس، قد كان في حوالي سنة 80 قبل الميلاد يحكم طنجة
وضواحيها. ثم أطاح به سيرتوريوس. وليس من الحكمة القول إن المملكة المورية
قد تحقق لها قبيل بذلك التنظيم على عهد باجا. لكن المؤكد أن الممالك كانت
أقل تمركزاً في الأزمنة البدائية؛ فما كان الملوك يزيدون عن رؤساء لتجمعات
تتفاوت في ما بينها اتساعاً. وقد كان الفينيقيون أقاموا منذ قرون عديدة
مستودعات تجارية مهمة على السواحل الأطلنتية من جانبيّ مضيق جبل طارق. وفي
إفريقيا كانت ليكسوس (العرائش) هي أقدم وأقوى مدينة تجارية في أقصى الغرب،
وتعود الحكايات الأسطورية بتاريخ بنائها إلى سنة 1000 قبل الميلاد. والواقع
أن المعطيات الأثرية لا تسمح في الوقت الحالي بالرجوع بتاريخ بناء هذه
المدينة إلى أبعد من نهاية القرن السابع [الميلادي]. وفي المقابل فإن جزيرة
موغادور [الصويرة] قد كان يقبل عليها البحارة المشرقيون منذ القرن الثامن
[للميلاد]، وربما تكون هي المقصودة بجزيرة سرني التي ورد ذكرها في رحلة
حانون وفي رحلة سكيلاكس وفي رحلة بوليب وفي رحلة بطليموس. وقد كانت توجد
بين هذه الجزيرة والمضيق مرافئ من قبيل سالا  [سلا]، التي ستصير مدينة ذات
أهمية تحت حكم يوبا الثاني، ومن قبيل بناصا على وادي سبو. وتبقى العلاقات
بين المملكة المورية وهذه المدن الفينيقية على الساحلين المتوسطي والأطلسي
غامضة إلى حد كبير. لكن النفوذ البونيقي، وما كان من النفوذ الإيبيري
الأقدم منه، والذي زاده قوة وتعزيزاً، كان له أثر عميق؛ صارت معه هذه
المدن، وحتى المدن الأخرى الواقعة في الداخل، كأنها بؤر للثقافة البونيقية،
قبل أن تصبح مراكز للرَّوْمنة. ومنذ القرن الرابع كانت الجرار الكبيرة
المصنوعة في هذه المدن تباع إلى الموريين في الأرياف ولأمرائهم الذين ربما
كانوا قد بسطوا سيطرتهم على هذه المدن أيضاً. ويوجد في [مدينة] وليلي نقش
بكتابة تبين سلسلة النسب لكبير القضاة [القرطاجيين] سويتنكن، وفي هذه
الكتابة الدليل على أن المدينة كان لها وجود منذ القرن الرابع [الميلادي]،
وأن وظيفة القاضي قد تقررت فيها منذ بداية القرن الثالث.
الاسم الذي حقق الثراء
لابد أن مملكة الموريين، واسم الموريين بشكل خاص، قد سارا بالتدريج إلى
اتساع وانتشار. فأما المملكة فقد تحقق لها ذلك الاتساع في أعقاب حرب
يوغرطة؛ فقد سلم بوخوس الأول صهرَه وحليفه يوغرطة إلى سيلا، وحصل في مقابل
خيانته وتحالفه الجديد على الجزء الغربي من المملكة النوميدية، الذي تكونه
ماسيسيليا القديمة. فهذا الأمر أدى إلى الارتداد بالحدود بين المملكة
المورية والمملكة النوميدية عن ملوية إلى أمساغا (الوادي الكبير). وأغلب
الظن أن يكون هذا الحد ظل قائماً حتى العصور الوسطى؛ فقد رأينا أنه كان لا
يزال له وجود في عهود ما قبيل التاريخ، ذلك بأنه يقوم فاصلاً بين منطقة
الدلمنات والمنطقة حيث لا وجود لغير الجثوات. وجرياً على قاعدة معلومة، صار
رعايا بوخوس، ملك الموريين، الجددُ موريين والبلاد التي كانت من قبلُ
نوميدية صارت تسمى موريتانيا، إسوة ببقية المملكة. غير أن التقسيمات
القديمة التي تعود إلى ما قبل التاريخ ظل لها وجود، وفي هذا تفسير لأن يكون
الرومان بعد ما أعدموا بطليموس، آخر الملوك الموريين (في 40م)، قاموا
بتقسيم المملكة [المورية] إلى قسمين؛ موريتانيا القيصرية (ماسيسيليا
سابقاً) وموريتانيا الطنجية (أول مملكة للموريين).
كان التَروُّم في هذه المقاطعات أقل رسوخاً مما في ولاية إفريقية التي كانت
محكومة من وال روماني، وجُعلت منطقتها العسكرية في وقت لاحق على تنظيم خاص
عُرف باسم نوميديا. وفي هذا الاختلاف من حيث التعمير والتثاقف الذي وقع
بين المجموعتين من المقاطعات تفسير للتحول التدريجي الذي صار إليه اسم
الموريين؛ فقد صار، خلال القرون التي عمرتها السيطرة الرومانية، تغلب في
معناه الدلالة على أولئك الذين بقوا في إفريقيا خارج الثقافة السائدة وخارج
الهياكل السياسية. فقد كان الموري بالنسبة إلى الروماني أو الإفريقي
المتروّم، كمثل ما سيكون البربري بالنسبة إلى الغازي العربي على وجه
التقريب. وهكذا ستظهر آلهة مورية (انظر الفصل الرابع) ? وسيشتهر ذكرها في
نوميديا وإفريقيا أكثر مما في الموريتانيتين - وسيصير المؤلفون خلال القرون
الأخيرة من السيطرة الرومانية وعلى عهد الوندال يكثرون من الحديث عن
عصابات، ثم عن ممالك «مورية»، في البلدان النوميدية سابقاً، وسيذكرون
وجودها حتى في قلب تونس الحالية!
ولقد احتفظ الإسبان في زمن [حروب] الاسترداد، واحتفظ الأوربيون من بعدهم،
بهذا الاسم، بل إنهم زادوا توسيعاً لدلالته، إذ صار يدل على سائر من نسميهم
اليوم المغاربيين أو سكان شمال إفريقيا. وقدم الموريون المطرودون من
إسبانيا للاستقرار في المدن الإفريقية؛ حيث احتفظ لهم العرب باسم
الأندلسيين. لكن ذكريات العصور القديمة الكلاسية، بالإضافة إلى الإيحاء
«الانتقاصي» الذي تنطوي عليه الصفة الإغريقية M????? (Mauros) ، قد أعادا
الحياة على عهد الاستعمار إلى اسم الموريين واسم موريتانيا (Mauritanie
بدلاً من Maurétanie)، فصارا يدلان أحدهما على السكن الرحل، وغالبيتهم من
المعربين، والثاني على البلاد الواقعة في جنوب المغرب؛ والمراد بها
موريتانيا الطنجية سابقاً.
الجيتول
سمّى القدامى الجنس peuple الثالث الذي قطن شمال إفريقيا باسم الجيتول. وإن
تحديد موقع الجيتول شيء يغلب عليه التكهن والتخمين؛ فقد ورد الحديث عن
وجودهم في المغرب وفي الجزائر وفي تونس في وقت واحد، فكأننا بالليبيين سكان
هذه المناطق كانوا عند نطاق معين من خط العرض يُجعل له تلقائياً اسم
الجيتول. وهو اسم لم يظهر إلا في وقت متأخر في الأدبيات، وكان سالوست هو
أقدم من ذكره من المؤلفين، وقد نَسب إلى الجيتول أنهم اضطلعوا بدور مهم في
تكوّن الشعب النوميدي. ويقول تيت ليف إن بعض الجيتول كانوا جزءاً من جيوش
هانيبال.
والذي يبدو أن الجيتول كانوا في موريتانيا الطنجية شديدي التهديد
[لجيرانهم]. وقد كان لبعض قبائل الجيتول، من البانيور والأوتولول، اندفاعة
صوب الشمال، فقامت خلالها باحتلال البلاد التي لا يبعد أن يكون منها أصل
قبيلة الموريين. وسار هؤلاء الجيتول في توسع صوب الجنوب حتى وصلوا [بلاد]
الأثيوبيين. ووقع الأمر نفسه كذلك في المقاطعات الرومانية الأخرى في
إفريقيا. وكان الخلاف بشأن دلالة الكلمة «إثيوبي» بما تعذر معه لوقت طويل
تحديد موقعهم. فهل كان الجيتول يغطون السهوب والصحراء معاً، أم كانوا
يقتصرون على الأطراف الجنوبية من بلدان الأطلس، فيما الصحراء قد تُركت
لأقوام من الملوَّنين؟ وقد صرنا نعرف اليوم أن سكان الصحراء كانوا خلال
العصور القديمة على شبَه بسكانها الحاليين، فلم تعد المشكلة مطروحة؛
فالجيتول الرحل كانوا يتنقلون في الصحراء وفي السهوب المجاورة كما هو فعل
الرحل في الوقت الحاضر، وأما الأثيوبيون فقد كانوا يحتلون الواحات، كمثل
الحراثين. وربما جاز لنا القول كذلك إن إثيوبيا تبتدئ في شمال الواحات، أو
إن جيتوليا تمتد في الجنوب إلى الحدود التي كان يصل إليها الرحل من البيض.
ويحق لنا من كل الوجوه أن نذهب إلى الاعتقاد بأن الجرمنت، وهم شعب من الرحل
كانوا يعيشون في فزان وفي تاسيلي نعاجر، قد كانوا من البربر وليسوا من
الأثيوبيين، بخلاف ما يذهب إليه س. جسيل. وقد كانوا على علاقة موصولة
بالجيتوليين. وأبعدَ إلى ناحية الشرق كان الليبيون الرحل الذين ذكرهم
هيرودوت يتوغلون بعيداً في الصحراء؛ فقد كان «النسامون» يخرجون إلى واحة
أوجلة ليجنوا منها التمور، أو بالأحرى ليأخذوا نصيبهم من محصولها. وقد ربما
شط بعضهم في المسير حتى جاءوا عند الأقوام من السود المجاورين لتشاد
والنيجر. وفي أقصى الغرب كان الفاروسيون الرحل، الذين يميّزهم سترابون عن
الإثيوبيين، يقطنون بلداً «يعرف وفرة الأمطار في الصيف»، ولا توجد مثل هذه
الظروف المناخية في الوقت الحالي إلا في جنوب وادي الذهب وليست حدود
الأقاليم الجيتولية في الشمال بمعروفة أكثر مما هي في الجنوب. وقد رأينا
عدم اليقين التي تسود في [تحديد المواضع] في المغرب الأطلنتي، وهو شيء
يزداد تفاحشاً في الوسط من بلاد الربر؛ فهذا سترابون لم يزد على القول إن
بعض الأراضي كان يقوم على فلاحتها الجيتول. ومن الثابت لدينا أن قفصة، أبعد
إلى الشرق، كانت معدودة في بلاد الجيتول على عهد يوغرطة. وقد ضم ماريوس
إلى جنده بعض السوقات من الجيتول، وأعطاهم أراضي في نوميديا وإفريقية، وبقي
أحفاد الجيتول ماريوسيين مخلصين خلال الحروب الأهلية. وبعد نصف قرن من
الزمن تم لسيتيوس الاستيلاء خلال الحرب الأهلية على «مدينتين جيتوليتين»،
وذلك بعد احتلاله لسيرتا؛ ولكن ليس معنى ذلك أن هاتين المدينتين كانتا
قريبتين إلى المدينة النوميدية.
ويولي س. جسيل أهمية كبيرة إلى دعوى أبوليوس الذي يعرّف نفسه بأنه نصف
نوميدي ونصف جيتولي، وأن وطنه مداوروش كان يقع إلى جوار نوميديا وجيتوليا.
وفي المقابل يكتب سترابون أن بين جيتوليا والساحل المتوسطي «يوجد الكثير من
السهول والجبال، بل توجد كذلك بحيرات عظيمة وأنهار، وبعض هذه الأنهار
ينقطع فجأة ويختفي تحت الأرض». وهذا وصف صحيح للمناطق الواقعة جنوب
قسطنطينة، لكن لا يبدو أن فيه ما يؤكد صحة دعوى أبوليوس. ويدرج سـ. جسيل
قبيلة المزالمة الكبيرة بين الجيتول، وأعتقد أنه يعتمد في هذا القول على نص
أبوليوس. وإذا ما علمنا بأن حدود إقليم المزالمة كانت على عهد
الإمبراطورية لا تكاد تبعد بأربعة كيلومترات عن مادور، وأن أبولوس قال إن
هذه المدينة كانت تقع على تخوم نوميديا وجيتوليا، يكون من المغري أن نقوم
بهذه التقريب. لكننا لم نجد تاسيت ولا أياً من المؤلفين الذين عرضوا
للمزالمة ذكروا قط أن هؤلاء الأقوام يدخلون في الجيتول. وليس يقف الأمر عند
هذا الحد، بل إن تاسيت الذي أسهب في الحديث عن المزالمة في معرض تناوله
لثورة تاكفاريناس يصفهم دائماً بالنوميديين. ثم إننا لا يمكننا حتى أن
نعترض بالقول إنه يستعمل هذه الكلمة بمعناها العام والواسع، ذلك بأنه يميز
بكل عناية بين النوميديين (المزالمة) الخاضعين لتاكفاريناس والموريين
المؤتمِرين لمازيبا ويفرق بينهم والجرمنت. ويجمع بول أوروس في جملة واحدة
بين المزالمة والجيتول، بما يبين أن المزالمة يتمايزون في اعتقاده عن
الجيتول. ولو كان المزالمة من الجيتول فسيكون علينا أن نسلم بأن بعض
الجيتول لم يكونوا من الرحل بأي حال، وأنهم كانوا لا يكادون يتمايزون عن
المزارعين النوميديين؛ فمن الواضح أن المقابر الكبيرة التي في قسطل وفي جبل
مستيري، ضمن بلاد المزالمة، قد كانت مدافن للسكان من المزارعين المستقرين
ولم تكن بأي حال مدافن للرعاة الرحل.


19-07-2012
avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الخميس 2 أغسطس 2012 - 19:05


17) ظل السكان البربر، طوال العصور القديمة، أي إلى الغزو العربي، أو
بالأدق إلى اللحظة التي صارت المصادر العربية تصور لنا إفريقيا في صورة
مختلفة، يتوزعون بقدر من الاستمرارية تبعاً لرسيمة ثابتة من زمن ما قبل
التاريخ

كان الجيتول على اتصال بالجرمنت، الذين يصعب تمييزهم عنهم، وعلى اتصال
بالإثيوبيين في الواحات وفي السودان، وعلى اتصال كذلك بإخوتهم في العرق
النوميديين والموريين في بلدان الشمال السعيدة، بما يعني أنهم كانوا يشغلون
السهوب الشاسعة في بلاد البربر شبه الصحراوية. وربما جاز لنا أن نُدخل
المزارعين الذين تتحدث بعض المصادر عن وجودهم في جيتوليا في مجموعات السكان
المستقرين الذين كانوا يشغلون معظم الأودية المروية في الأطلس، وأما
الجيتول فقد كانوا في غالبيتهم العظمى من الرعاة الرحل. وقد كان هؤلاء
الفرسان، أحفاد البقريين البيض الذين عاشوا في العصر النيوليتي وأسلاف
الجمَّالين، تعلموا من قبلُ كيف يصعدون في الأصياف صوب المراعي التي في
الشمال. وقد أمكن لهم، خلال ذلك الصعود المتواتر في الصحراء وسط بلاد
البربر، أن يدخلوا [إلى المناطق] بطول الطريق بعض أشكال النصب التي يغلب
فيها الطابع الإفريقي على الطابع المتوسطي. والذي يبدو أن هؤلاء الرحل
المحبين للتأمل كانوا يهتمون للعبادة المقابرية أكثر مما يهتم لها جيرانهم
في الشمال. فالمذابح والمعالم والسراديب والمصليات الملحقة بالقبور تدلنا
على ممارسات لم يكن للنوميديين أو الموريين بها من عهد.

استمرار التقسيمات الإقليمية
لقد ظل السكان البربر، طوال العصور القديمة، أي إلى الغزو العربي، أو
بالأدق إلى اللحظة التي صارت المصادر العربية تصور لنا إفريقيا في صورة
مختلفة، ظل السكان البربر، ولو لم تتهيأ لهم أسس وقواعد ترابية حقيقية،
يتوزعون بقدر من الاستمرارية تبعاً لرسيمة ثابتة من زمن ما قبل التاريخ.
فهم بين رحل في المناطق التي تُعرف حاليا بليبيا وفي جنوب المغرب الكبير
حيث يتسمّون بالجيتول، وفي شرق الصحراء حيث يتسمّون بالجرمنت، وبين مستقرين
وأشباه رحل في مقاطعات الشمال؛ فيُعرفون بالليبيين الفينيقيين وبالأفري في
إقليم قرطاج، ويعرفون بالنوميدين في غرب تونس وفي الجزائر، ويعرفون
بالموريين في المغرب. وكما سبق لنا أن رأينا فهذه التسمية الأخيرة صارت في
الأخير تطلق على سائر الأقوام من غير المتروّمين حيثما وجِدوا من الشمال
الإفريقي.
والحقيقة أن التفريق بين الأفري والنوميديين والمورييين يبدو حتى بالنسبة
إلى المؤلفين القدامى شيئاً مستقى من الكتابات أكثر مما هو انعكاس لواقع
عرقي. فهذه التسميات ترتكز إلى المواقع الجغرافية للقبائل الرئيسية التي
اشتُقت من أسمائها في بادئ الأمر أسماء الممالك الإفريقية ثم أسماء
المقاطعات الرومانية. وقد كان في السياسة التي ظلت من ثوابت العمل الإداري
الروماني طوال قرون عديدة، والقائمة على حصر القبائل في مساحات محددة، سببٌ
في تقوية هذا الأساس الترابي، حتى وإن كان قد تُرجم في تقليص كبير في
المجال المخصص الذي ظلت تحافظ عليه كل قبيلة من تلك القبائل.
لقد كان الإفريقيون على شيء من الاستعداد لهذا الأمر بفعل الاتصال الذي كان
لهم من غابر العصور بالقرطاجيين. فبعد أن زهد القرطاجيون في أن تكون لهم
سيادة ترابية حقيقية (فقد كانوا حتى القرن الخامس [الميلادي] يدفعون جزية،
أو بالأدق يدفعون إيجاراً عن المجال الترابي الذي تقوم عليه مدينتهم، إلى
بعض الملوك المحليين الصغار)، كوّنوا لهم مجالاً أول انحصر في بادئ الأمر
عند النواحي القريبة إلى تلك المدينة، ثم صار إلى اتساع حتى شمِل القسم
الأكبر من تونس وبلغ في وقت من الأوقات إلى منطقة تبسة في الجزائر. وقد جرى
هذا التوسع على حساب النوميديين والماسيليين، فكان رد فعل هؤلاء أن صاروا
يولون أهمية كبرى لما تبقى لهم من أراضي. وكانت السياسة التي انتهجها
ماسينيسا، والقائمة على استعادة الأراضي على حساب القرطاجيين طوال نصف
القرن من الزمن (201-150 ق. م.)، ترمي إلى التقليص من نطاق المدينة إلى
مجالها الترابي الذي كانت عليه في البداية، ولكنه قام في الوقت نفسه
بالتوسيع من مملكته في ناحية الغرب بإلحاقه مملكة سيفاقس ومملكة ابنه
فرمينا، والمقصود به ماسيسيليا.
وكان في زوال الممالك النوميدية والمورية فائدة لروما، وقد كان زوال تلك
الممالك على مراحل عديدة، فقد مرت قرابة القرنين من الزمن بين تدمير قرطاج
(146ق. م.) وضم موريتانيا (40م). فلا يمكننا البتة أن نتحدث عن طمع ولا أن
نتحدث ولو عن تعجل للسيطرة على إفريقيا. فبعد إعدام بطليموس، آخر ملوك
موريتانيا، جرى تقسيم البلاد إلى مقاطعتين وفقاً لثابتة ترابية من المهم
الإشارة إليها، فكانت إحدى تينك المقاطعتين، ونريد موريتانيا القيصرية،
تطابق بالتمام والكمال المجال الترابي الذي كان من قبل لماسيسيليا (وسط
الجزائر وغربها)، والمقاطعة الثانية هي موريتانيا الطنجية وهي تطابق
بالتمام والكمال المملكةَ المورية البدائية.

إدارة القبائل في العهد الروماني
صارت الإدارة الرومانية حينئذ وليس أمامها غير قبائل تكون أحياناً شديدة
البأس، متى كانت تتزعم تجمّعات حقيقية؛ كمثل ما هو الشأن عند الباكوات في
موريتانيا الطنجية وكمثل المزالمة في إفريقيا والبافار في موريتانيا
القيصرية. وقد عرفت القبائل أو «العشائر» أوضاعاً إدارية شديدة الاختلاف
والتباين. فبعضها كان يخضع للحكم الشديد من لدن ولاة يكونون في معظمهم من
الضباط الثانويين في الجيش الروماني من ذوي الأصل المحلي. وقد كان هؤلاء
الولاة يلجأون حين الاضطرابات إلى تكوين «قوم» من الجنود المساعدين.
وكانت أراضي القبائل المحكومة من الولاة تقع داخل المقاطعات
الرومانية، لكنها ظلت تحتفظ بتنظيمها السابق؛ فما أسهل ما كانت تستعيد روح
الاستقلال التي كانت لها حين تنشب الاضطرابات أو حين تضعف السلطة
الإمبراطورية، فتتخلص من «قياد»ها ما لم يكن هؤلاء هم من يطلقون الثورة.
وإن بعض التجمعات [القبلية] تكون، حسب الأمكنة والأزمنة، يحكمها رؤساء
يُمنح لهم اللقب الملكي المعترف به رسمياً من لدن الولاة الرومان، الذين
كانوا يوقعون وإياهم معاهدات تحالف ويسلمونهم في محافل رسمية شارات السلطة.
وقد كان هؤلاء الرؤساء، على عهد بروكوب (في القرن السادس) يحصلون على تاج
وصولجان من الفضة ومعطف أبيض وسترة بيضاء وحذاء مذهب. والحالة المعروفة
لدينا أكثر من سواها، لأنها وردت في إهداءات عديدة اكتُشفت في خرائب وليلي
(في موريتانيا الطنجية)، هي للملوك والأمراء الباكوات. وإن في كثرة «هياكل
السلام» التي تعود إلى القرن الثالث لما يدل في الحقيقة على ضعف ميثاق
السلم الروماني في تلك المنطقة. وقد كان للجرمنت في الصحراء ملكٌ، وكانت
لهم به علاقات موصولة ورسمية.

غموض الوظائف الإدارية والرئاسات البربرية في أواخر الإمبراطورية
لقد كان من الطبيعي أن يترافق الضعف الذي ران على السلطة الإمبراطورية
في أواخر عهد الإمبراطورية الرومانية مع تجدد لقوة الرؤساء المحليين.
وشهدت أواخر القرن الرابع [الميلادي] صعود أسر كبيرة جمعت بين مناصب إدارية
في المقاطعات الرومانية وقيادات تقليدية كبيرة. وأفضل مثال عليها تقدمه
لنا تلك الأسرة الأميرية في منطقة القبائل؛ فالأب فلافيوس نوبل كان يملك
أرضاً شاسعة ودارة محصّنة، أو ما يمكن أن نسميه اليوم «برجاً»، في منطقة
بلاد غيتون (منرفيل سابقاً)، وأغلب الظن أن يكون لأجله شيّد الضريح الجميل
في تلك الناحية. ثم كان أن تزعم ابنه الأكبر فيرموس في سنة 372 [ميلادية]
تمرداً واسعاً امتد إلى موريتانيا القيصرية، ولقي القائد البربري الدعم من
قبائل كثيرة في منطقة القبائل، من كل من الأوراس والظهرة. وحتى لقد استولى
على عاصمة المقاطعة؛ قيصرية (شرشال) وأحرق إكوسيوم (في مدينة الجزائر).
وتطلب الأمر إرسال مدير الجنود ثيودوس، والد الإمبراطور الذي جاء بعد ذلك
وحمل الاسم نفسه، على رأس حملة حقيقية للقضاء على ذلك التمرد. والحال أن
التاريخ عرف أربعة إخوة لفيرموس قد تقلدوا بدورهم أرفع المناصب؛ وهم :
ساماك، الذي كان يملك قلعة بترا في وادي الصومام جنوبي بجاية، وجيلدون الذي
شارك إلى جانب ثيودوس في محاربة أخيه، وأصبح على عهد هونوريون كونت على
إفريقيا، وهي أكبر سلطة عسكرية في سائر المقاطعات الإفريقية. ثم تمرد بدوره
على السلطة الإمبريالية، وكان تمرده خاصة على ستيليكون الوزير القوي
لهونوريوس الضعيف. ثم أعلن جيلدون ولاءه للإمبراطور الآخر (الأبعد)
أركاديوس، وكان مقر حكمه في القسطنطينية، فأوقف توريد الزيت والقمح
الإفريقيين، فكان بذلك يسخر سلاحاً اقتصادياً رهيباً كان من شأنه أن يجوّع
روما في بعضة أسابيع. وجُعِل أخوه ماسيزيل على رأس القوات التي أرسِلت
لمحاربته، فتم له القضاء عليه في ربيع 398 [ميلادية]، لكن ماسيزيل سيُعدَم
بدوره بعيد ذلك، وسيُقتل معه ديوس آخر أبناء نوبل.
تبين هذه القصة المأساوية إلى أي مبلغ من القوة وعلو المقام وصلت أسرة
إفريقية حديثة عهد بالتروُّم، لكن مسيحية، كان معظم أعضائها يحملون أسماء
بربرية (نوبل وجيلدون وساماك وماسيزيل). وحتى لقد قام دوق سابق هو المسمى
ماستيس، في أواخر القرن الخامس تحت حكم الوندال، يعلن نفسه إمبراطوراً في
الأوراس، ويعلن ولاءه لروما ويشهر صفتَه المسيحية.
إن هذه الأمثلة معروفة أكثر من غيرها، لكنها لا تمثل حالات معزولة. ففي تلك
القترة نفسها أقيمت في البوادي والقرى الإفريقية فنادق وقلاع خاصة ودارات
وبيوت محصنة، وكلها شواهد على التفكك الذي وقع في السلطة.
وسوف تؤدي هذه السلطات الإقليمية التي صارت للزعماء البربر في القرون التي
بعدُ، وتحت حكم الوندال ثم البيزنطيين، إلى نشوء ممالك حقيقية مستقلة، لكن
لم تكن أسسها من القوة التي تؤهلها للصمود طويلاً للغزو العربي. ولا تعوزنا
الشواهد الأدبية والمعمارية، وحتى النقائش الكتابية، وهي تساعدنا على تصور
ماذا كان يمكن أن تصير هذه الممالك، التي جمعت في غير تنسيق أخلاطاً من
بقايا ثقافة لاتينية ومسيحية بسيطة وتقاليد بربرية راسخة. وقد كان ماسونا
واحداً من هؤلاء الأمراء، وكان في غرب الجزائر يسمي نفسه ملك الموريين
و»الرومان». أوَليست هي الصفة نفسها التي أعلنها كلوفيس لنفسه في الفترة
نفسها في شمال بلاد الغال؟


20-07-2012
avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الخميس 2 أغسطس 2012 - 19:06



18) ظل السكان البربر، طوال العصور القديمة، أي إلى الغزو العربي، أو
بالأدق إلى اللحظة التي صارت المصادر العربية تصور لنا إفريقيا في صورة
مختلفة، يتوزعون بقدر من الاستمرارية تبعاً لرسيمة ثابتة من زمن ما قبل
التاريخ

كان الجيتول على اتصال بالجرمنت، الذين يصعب تمييزهم عنهم، وعلى اتصال
بالإثيوبيين في الواحات وفي السودان، وعلى اتصال كذلك بإخوتهم في العرق
النوميديين والموريين في بلدان الشمال السعيدة، بما يعني أنهم كانوا يشغلون
السهوب الشاسعة في بلاد البربر شبه الصحراوية. وربما جاز لنا أن نُدخل
المزارعين الذين تتحدث بعض المصادر عن وجودهم في جيتوليا في مجموعات السكان
المستقرين الذين كانوا يشغلون معظم الأودية المروية في الأطلس، وأما
الجيتول فقد كانوا في غالبيتهم العظمى من الرعاة الرحل. وقد كان هؤلاء
الفرسان، أحفاد البقريين البيض الذين عاشوا في العصر النيوليتي وأسلاف
الجمَّالين، تعلموا من قبلُ كيف يصعدون في الأصياف صوب المراعي التي في
الشمال. وقد أمكن لهم، خلال ذلك الصعود المتواتر في الصحراء وسط بلاد
البربر، أن يدخلوا [إلى المناطق] بطول الطريق بعض أشكال النصب التي يغلب
فيها الطابع الإفريقي على الطابع المتوسطي. والذي يبدو أن هؤلاء الرحل
المحبين للتأمل كانوا يهتمون للعبادة المقابرية أكثر مما يهتم لها جيرانهم
في الشمال. فالمذابح والمعالم والسراديب والمصليات الملحقة بالقبور تدلنا
على ممارسات لم يكن للنوميديين أو الموريين بها من عهد.

استمرار التقسيمات الإقليمية
لقد ظل السكان البربر، طوال العصور القديمة، أي إلى الغزو العربي، أو
بالأدق إلى اللحظة التي صارت المصادر العربية تصور لنا إفريقيا في صورة
مختلفة، ظل السكان البربر، ولو لم تتهيأ لهم أسس وقواعد ترابية حقيقية،
يتوزعون بقدر من الاستمرارية تبعاً لرسيمة ثابتة من زمن ما قبل التاريخ.
فهم بين رحل في المناطق التي تُعرف حاليا بليبيا وفي جنوب المغرب الكبير
حيث يتسمّون بالجيتول، وفي شرق الصحراء حيث يتسمّون بالجرمنت، وبين مستقرين
وأشباه رحل في مقاطعات الشمال؛ فيُعرفون بالليبيين الفينيقيين وبالأفري في
إقليم قرطاج، ويعرفون بالنوميدين في غرب تونس وفي الجزائر، ويعرفون
بالموريين في المغرب. وكما سبق لنا أن رأينا فهذه التسمية الأخيرة صارت في
الأخير تطلق على سائر الأقوام من غير المتروّمين حيثما وجِدوا من الشمال
الإفريقي.
والحقيقة أن التفريق بين الأفري والنوميديين والمورييين يبدو حتى بالنسبة
إلى المؤلفين القدامى شيئاً مستقى من الكتابات أكثر مما هو انعكاس لواقع
عرقي. فهذه التسميات ترتكز إلى المواقع الجغرافية للقبائل الرئيسية التي
اشتُقت من أسمائها في بادئ الأمر أسماء الممالك الإفريقية ثم أسماء
المقاطعات الرومانية. وقد كان في السياسة التي ظلت من ثوابت العمل الإداري
الروماني طوال قرون عديدة، والقائمة على حصر القبائل في مساحات محددة، سببٌ
في تقوية هذا الأساس الترابي، حتى وإن كان قد تُرجم في تقليص كبير في
المجال المخصص الذي ظلت تحافظ عليه كل قبيلة من تلك القبائل.
لقد كان الإفريقيون على شيء من الاستعداد لهذا الأمر بفعل الاتصال
الذي كان لهم من غابر العصور بالقرطاجيين. فبعد أن زهد القرطاجيون في أن
تكون لهم سيادة ترابية حقيقية (فقد كانوا حتى القرن الخامس [الميلادي]
يدفعون جزية، أو بالأدق يدفعون إيجاراً عن المجال الترابي الذي تقوم عليه
مدينتهم، إلى بعض الملوك المحليين الصغار)، كوّنوا لهم مجالاً أول انحصر في
بادئ الأمر عند النواحي القريبة إلى تلك المدينة، ثم صار إلى اتساع حتى
شمِل القسم الأكبر من تونس وبلغ في وقت من الأوقات إلى منطقة تبسة في
الجزائر. وقد جرى هذا التوسع على حساب النوميديين والماسيليين، فكان رد فعل
هؤلاء أن صاروا يولون أهمية كبرى لما تبقى لهم من أراضي. وكانت السياسة
التي انتهجها ماسينيسا، والقائمة على استعادة الأراضي على حساب القرطاجيين
طوال نصف القرن من الزمن (201-150 ق. م.)، ترمي إلى التقليص من نطاق
المدينة إلى مجالها الترابي الذي كانت عليه في البداية، ولكنه قام في الوقت
نفسه بالتوسيع من مملكته في ناحية الغرب بإلحاقه مملكة سيفاقس ومملكة ابنه
فرمينا، والمقصود به ماسيسيليا.
وكان في زوال الممالك النوميدية والمورية فائدة لروما، وقد كان زوال
تلك الممالك على مراحل عديدة، فقد مرت قرابة القرنين من الزمن بين تدمير
قرطاج (146ق. م.) وضم موريتانيا (40م). فلا يمكننا البتة أن نتحدث عن طمع
ولا أن نتحدث ولو عن تعجل للسيطرة على إفريقيا. فبعد إعدام بطليموس، آخر
ملوك موريتانيا، جرى تقسيم البلاد إلى مقاطعتين وفقاً لثابتة ترابية من
المهم الإشارة إليها، فكانت إحدى تينك المقاطعتين، ونريد موريتانيا
القيصرية، تطابق بالتمام والكمال المجال الترابي الذي كان من قبل
لماسيسيليا (وسط الجزائر وغربها)، والمقاطعة الثانية هي موريتانيا الطنجية
وهي تطابق بالتمام والكمال المملكةَ المورية البدائية.

إدارة القبائل في العهد الروماني
صارت الإدارة الرومانية حينئذ وليس أمامها غير قبائل تكون أحياناً
شديدة البأس، متى كانت تتزعم تجمّعات حقيقية؛ كمثل ما هو الشأن عند
الباكوات في موريتانيا الطنجية وكمثل المزالمة في إفريقيا والبافار في
موريتانيا القيصرية. وقد عرفت القبائل أو «العشائر» أوضاعاً إدارية شديدة
الاختلاف والتباين. فبعضها كان يخضع للحكم الشديد من لدن ولاة يكونون في
معظمهم من الضباط الثانويين في الجيش الروماني من ذوي الأصل المحلي. وقد
كان هؤلاء الولاة يلجأون حين الاضطرابات إلى تكوين «قوم» من الجنود
المساعدين.
وكانت أراضي القبائل المحكومة من الولاة تقع داخل المقاطعات
الرومانية، لكنها ظلت تحتفظ بتنظيمها السابق؛ فما أسهل ما كانت تستعيد روح
الاستقلال التي كانت لها حين تنشب الاضطرابات أو حين تضعف السلطة
الإمبراطورية، فتتخلص من «قياد»ها ما لم يكن هؤلاء هم من يطلقون الثورة.
وإن بعض التجمعات [القبلية] تكون، حسب الأمكنة والأزمنة، يحكمها رؤساء
يُمنح لهم اللقب الملكي المعترف به رسمياً من لدن الولاة الرومان، الذين
كانوا يوقعون وإياهم معاهدات تحالف ويسلمونهم في محافل رسمية شارات السلطة.
وقد كان هؤلاء الرؤساء، على عهد بروكوب (في القرن السادس) يحصلون على تاج
وصولجان من الفضة ومعطف أبيض وسترة بيضاء وحذاء مذهب. والحالة المعروفة
لدينا أكثر من سواها، لأنها وردت في إهداءات عديدة اكتُشفت في خرائب وليلي
(في موريتانيا الطنجية)، هي للملوك والأمراء الباكوات. وإن في كثرة «هياكل
السلام» التي تعود إلى القرن الثالث لما يدل في الحقيقة على ضعف ميثاق
السلم الروماني في تلك المنطقة. وقد كان للجرمنت في الصحراء ملكٌ، وكانت
لهم به علاقات موصولة ورسمية.

غموض الوظائف الإدارية والرئاسات البربرية في أواخر الإمبراطورية
لقد كان من الطبيعي أن يترافق الضعف الذي ران على السلطة الإمبراطورية
في أواخر عهد الإمبراطورية الرومانية مع تجدد لقوة الرؤساء المحليين.
وشهدت أواخر القرن الرابع [الميلادي] صعود أسر كبيرة جمعت بين مناصب إدارية
في المقاطعات الرومانية وقيادات تقليدية كبيرة. وأفضل مثال عليها تقدمه
لنا تلك الأسرة الأميرية في منطقة القبائل؛ فالأب فلافيوس نوبل كان يملك
أرضاً شاسعة ودارة محصّنة، أو ما يمكن أن نسميه اليوم «برجاً»، في منطقة
بلاد غيتون (منرفيل سابقاً)، وأغلب الظن أن يكون لأجله شيّد الضريح الجميل
في تلك الناحية. ثم كان أن تزعم ابنه الأكبر فيرموس في سنة 372 [ميلادية]
تمرداً واسعاً امتد إلى موريتانيا القيصرية، ولقي القائد البربري الدعم من
قبائل كثيرة في منطقة القبائل، من كل من الأوراس والظهرة. وحتى لقد استولى
على عاصمة المقاطعة؛ قيصرية (شرشال) وأحرق إكوسيوم (في مدينة الجزائر).
وتطلب الأمر إرسال مدير الجنود ثيودوس، والد الإمبراطور الذي جاء بعد ذلك
وحمل الاسم نفسه، على رأس حملة حقيقية للقضاء على ذلك التمرد. والحال أن
التاريخ عرف أربعة إخوة لفيرموس قد تقلدوا بدورهم أرفع المناصب؛ وهم :
ساماك، الذي كان يملك قلعة بترا في وادي الصومام جنوبي بجاية، وجيلدون الذي
شارك إلى جانب ثيودوس في محاربة أخيه، وأصبح على عهد هونوريون كونت على
إفريقيا، وهي أكبر سلطة عسكرية في سائر المقاطعات الإفريقية. ثم تمرد بدوره
على السلطة الإمبريالية، وكان تمرده خاصة على ستيليكون الوزير القوي
لهونوريوس الضعيف. ثم أعلن جيلدون ولاءه للإمبراطور الآخر (الأبعد)
أركاديوس، وكان مقر حكمه في القسطنطينية، فأوقف توريد الزيت والقمح
الإفريقيين، فكان بذلك يسخر سلاحاً اقتصادياً رهيباً كان من شأنه أن يجوّع
روما في بعضة أسابيع. وجُعِل أخوه ماسيزيل على رأس القوات التي أرسِلت
لمحاربته، فتم له القضاء عليه في ربيع 398 [ميلادية]، لكن ماسيزيل سيُعدَم
بدوره بعيد ذلك، وسيُقتل معه ديوس آخر أبناء نوبل.
تبين هذه القصة المأساوية إلى أي مبلغ من القوة وعلو المقام وصلت أسرة
إفريقية حديثة عهد بالتروُّم، لكن مسيحية، كان معظم أعضائها يحملون أسماء
بربرية (نوبل وجيلدون وساماك وماسيزيل). وحتى لقد قام دوق سابق هو المسمى
ماستيس، في أواخر القرن الخامس تحت حكم الوندال، يعلن نفسه إمبراطوراً في
الأوراس، ويعلن ولاءه لروما ويشهر صفتَه المسيحية.
إن هذه الأمثلة معروفة أكثر من غيرها، لكنها لا تمثل حالات معزولة. ففي تلك
القترة نفسها أقيمت في البوادي والقرى الإفريقية فنادق وقلاع خاصة ودارات
وبيوت محصنة، وكلها شواهد على التفكك الذي وقع في السلطة.
وسوف تؤدي هذه السلطات الإقليمية التي صارت للزعماء البربر في القرون التي
بعدُ، وتحت حكم الوندال ثم البيزنطيين، إلى نشوء ممالك حقيقية مستقلة، لكن
لم تكن أسسها من القوة التي تؤهلها للصمود طويلاً للغزو العربي. ولا تعوزنا
الشواهد الأدبية والمعمارية، وحتى النقائش الكتابية، وهي تساعدنا على تصور
ماذا كان يمكن أن تصير هذه الممالك، التي جمعت في غير تنسيق أخلاطاً من
بقايا ثقافة لاتينية ومسيحية بسيطة وتقاليد بربرية راسخة. وقد كان ماسونا
واحداً من هؤلاء الأمراء، وكان في غرب الجزائر يسمي نفسه ملك الموريين
و»الرومان». أوَليست هي الصفة نفسها التي أعلنها كلوفيس لنفسه في الفترة
نفسها في شمال بلاد الغال؟


21-07-2012


avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الخميس 2 أغسطس 2012 - 19:08


19) بقي هؤلاء البربر الرحل وثنيين؛ فهم يعبدون إلهاً يمثلون له بثور، ويسمى غورزيل، وإلهاً محارباً، اسمه سنيفير.

الحصول على سلف
يبدو أن الشعوب والإمارات البربرية المختلفة في العصور القديمة كونت
أعراقاً بقيت أسماؤها، وحتى بعض مواضعها، ثابتة نسبياً عبر العصور. وها
إننا قد رأينا أن في العهد الروماني كان التصور الإقليمي للسلطة عاملاً في
ظهور توجه شديد الوضوح عند الإفريقيين لتكوين أقاليم خاصة، آلت بعد ذلك إلى
العشائر ثم إلى الأمراء.
ويأتي المؤرخون العرب من القرون الوسطى بصورة مختلفة كلياً للبربر. وصحيح
أن هؤلاء الكتاب، خاصة منهم ابن خلدون وهو المصدر الرئيس، لم يكتبوا إلا
بعد الغزو العربي بقرون عديدة، وأنهم متى رجعوا إلى نصوص أقدم عهداً بعضُها
من إنشاء بربر من البحاتة الذين تلقوا علومهم باللغة العربية، لكن يصدرون
عن تصورات مختلفة كلياً عن تصورات من كتبوا في العصور القديمة. فقد كان
هؤلاء يصدرون عن رؤية شمولية وإقليمية [معاً]؛ فكل شعب يقطن منطقة من
المناطق يمكن أن يكون جاء إن جزئياً أو كلياً من بلاد أخرى. وحسبنا أن نعود
في فهم هذه الآلية إلى الأسطورة التي نقلها سالوست بشأن أصول النوميديين
والموريين، أو نعود إلى نص بروكوب الذي أنشأه بعد ذلك بستة قرون عن تلك
الأصول.
وفي المقابل فإن المؤرخين العرب يبدون كنسابين في المقام الأول. فالذي
يهتمون له في أبحاثهم ويشكل مصدر المتعة في كتابتهم إنما هو السعي الحثيث
لتكوين أنساب يسيرون معها ارتداداً في الزمن وصولاً إلى الجد الذي منه جاء
اسم [النسب من الأنساب]. وهذا تصور أبوي نراه ثابتاً عند المشرقيين، وقد
كان الفينيقيون أدخلوه من قبل عند البربر. وتطالعنا بعض المسلات في قرطاج،
وفي بعض المدن الإفريقية ذات الثقافة البونيقية، وحتى في وليلي القصية،
بسلاسل أنساب لامتناهية؛ ومن قبيلها المسلة التي تخص القاضي سويتنكن في
وليلي، وقد سلفت إشارتنا إليها؛ فهي تبيّن أسماء أجداده على امتداد ستة
أجيال. ولقد ضربت هذه العادة الفينيقية بأطنابها لدى الليبيين، لكنها خفت
في العهد الروماني، فأصبح يُقتصر عامة على ذكر الأب.
وأما مؤرخو العصور الوسطى فما عادوا يتحدثون عن شعوب، بل صار حديثهم عن أسر
أبوية كبيرة. والأفخاد والعشائر والقبائل تعرف قرابتَها إلى بعضها ? أو
تقول بتلك القرابة - عن طريق الاعتراف بوجود جد مشترك بينها أو من خلال
الوجود الثابت لذلك الجد. ومن الواضح أن هذا التصور النَّسَبي لا يستند إلى
أي أساس ترابي، ولذلك فبعض المجموعات تزعم انحدارها من جد واحد تتسمى
باسمه وتكون تتوزع على مواضع تبعد عن بعضها بآلاف الكيلومترات. فهؤلاء
صنهاجة، أحفاد برنس، تجدهم في منطقة القبائل الكبرى وفي الهقار وعلى مقربة
من السنغال (الذي يدين لهم باسمه)، فتكون لهم لذلك أساليب وأنماط في العيش
في غاية التباين والاختلاف.
والتفرق، بلهَ التشتت، نراه أكبر وأعظم في «أسرة» أخرى؛ ذلكم هم زناتة،
أحفاد ضاري، وهو نفسه حفيد مادغيس. كتب هـ. تيراس : «كانت زناتة تمتد
متوسعة حيثما لم تلق كبير مقاومة، ثم تتراجع أو تنتقل عن مواضعها متى منيت
بالفشل». فنحن نجد لهذه القبيلة أحفاداً في سائر مناطق المغرب الكبير وشمال
الصحراء.
إن هذه الأنساب العديدة التي ظلت محفوظة في الذاكرة الجماعية دون أن
يطالها نقصان، وكانت تزداد اغتناء كلما تطلبت التحالفات السياسية أو ضم
أفخاد جديدة [إلى الأصول] تلك التغيرات، تبعثنا على إحساس ممض بالتفرّق
والالتباس يقوم على طرفي نقيض مع التوزّعات الجغرافية في العصر الكلاسي.
وليست هذه التوزّعات بالصحيحة كلها، لكنها تقوم على ثابتة ترابية تتأبى
كلياً عن إدراك النسابين العرب.
صحيح أننا إذا ما وضعنا أنفسنا في عهد ابن خلدون، مرجعنا الرئيس، أي
في القرن الرابع عشر، سنجد أن هنالك ثلاثة أحداث ذات أهمية كبيرة هزت
المعطيات الجغرافية السياسية والعرفية لإفريقيا القديمة. أول تلك الأحداث
وأشدها غموضاً يتمثل في ظهور قبائل كبيرة من الرحل الجمَّالين على السفح
الجنوبي الشرقي لإفريقيا الرومانية ابتداء من القرن الرابع. والثاني هو
الغزو العسكري العربي في القرن السابع، والثالث هو المتمثل في وصول عدة
قبائل عربية من الرحل في القرن الحادي عشر، وهو ما أسماه المؤرخون بالغزو
الهلالي.

قبل الإعصار، صحراء هادئة
لم تبدأ قبائل الجمَّالين الكبيرة في ممارسة ضغط مقلق حقاً على طرابلس
الغرب إلا في القرن الرابع. وقد كانت روما أقامت في القرنين الثاني
والثالث شبكة من الطرق وعززتها بكثير من المواقع الحصينة سميت بقصد التبسيط
limes. وما كانت مجرد خط للتحديد، بل كانت تتمثل في منطقة عسكرية، تتوغل
في بعض الأحيان بمائة كيلومتر أو نحوها، فكانت تسمح بتوطين مزارعين على
أراضي كانت من قبل مناطق للتنقل، كما سمحت بتطور تجارة للقوافل عبر
الصحراء، وبمراقبة تنقلات [الأقوام من] أشباه الرحل. وبين أيدينا شواهد
كثيرة على هذه العملية من احتلال الصحراء وعملية التعمير. وإن روعة مدينة
مثل لبدة الكبرى وثراءها ليعتبران نتيجة مباشرة لهذا الاحتلال والتعمير.
وقد تكون الأكثر إثارة الوثائقُ التي عُثر عليها في بونجيم، وهي نقطة
عسكرية في الصحراء الطرابلسية اشتغل ر. ريبوفا بالتنقيب فيها سنين عديدة.
وهذه الوثائق عبارة عن شقوف من الفخار القديم مسجلة عليها في بضع كلمات
كلُّ الأحداث : إرسال بعثة من جندي مرتزق عند الجرمنت، أو مرور بعض الجرمنت
يقودون أربعة جحوش. فمنذ القرن الثاني كان الجرمنت يستوردون المنتجات
الرومانية، من قبيل الجرار والمزهريات الزجاجية والحلي حتى إلى قصورهم
البعيدة في فزان، وكان معماريون من الرومان يقومون على بناء الأضرحة للأسر
الأميرية.
لفاتة ولواتة : خطر الجمالين
تطالعنا هذه الأقاليم على عهد الإمبراطورية الرومانية في صورة من عدم
الاستقرار. فهذا أميين مارسولين يفيدنا أن إحدى قبائل الرحل، هي المسماة
أوستورياني (وتُعرف كذلك باسم أوستور، وأوستوريي وأوسوريانى، فاللاتين
والإغريق كانوا على الدوام يشوّهون اسم البربر أيما تشويه)، قد حاصرت في
سنة 363م لبدة الكبرى وأويا، وربما حاصرت كذلك صبراته، وهي المدينة الثالثة
في طرابلس الغرب. وقد اضطر الكونت على طرابلس الغرب إلى أن يعود لمحاربة
القبيلة المذكورة في سنتي 408م و423م، وفي الوقت نفسه كان ظهور هذه القبيلة
في برقة، حسبما يفيدنا سينيسيوس، الذي لم يترك مجالاً للشك [بشأن معرفته]
بطباع [هؤلاء القوم]؛ فهو يصفهم بأنهم رُحل خبيرون بتربية الجمال ويقدرون
على التنقل لمسافات طويلة على أطراف الصحراء. وقرناً بعد ذلك، تحت الحكم
الوندالي وفي أثناء الغزو الثاني البيزنطي، توغل هؤلاء الأوستوريون أنفسهم
في بيزاسين (في وسط تونس وجنوبها)، ومعهم قبائل أخرى، وتحالفوا مع بعض
الموريين، كانوا دون شك من سكان الجبال في منطقة الظهر التونسي، الذين
كوّنوا لهم مملكة تحت حكم شخص يُدعى أنطالاس. ومن بين هؤلاء الرحل الذين
توغلوا يومئذ بعيداً في البوادي الإفريقية، هنالك قبيلة سنتوقف عندها أكثر
من غيرها. وتُعرف هذه القبيلة بتسميات شتى؛ الأكواس ولاكواتان ولفاتة، وهم
الأقوام أنفسهم الذين يُعرفون عند المؤلفين العرب باسم لواتة. ويذكر بروكوب
وكوريبوس أنهم توغلوا في بيزاسين في سنة 544م، وبعد أربع سنين حاصروا
الأعراش، المدينة المهمة الواقعة بين قرطاج وتبسة. وقد وجد البكري وابن
خلدون هؤلاء اللواتيين أنفسهم في جنوب الأوراس وحتى قريب من تياريت. فكأننا
بهذه القبائل الكبيرة من الرحل تقدمت ببطء خلال قرون من برقة باتجاه وسط
المغرب الكبير. فكانت واحدة من تلك الحركات التي كنا نراها من قديم العصور
تدفع أقواماً من الشرق إلى المغرب الكبير.
تحكي القصيدة الملحمية «حنَّا»، التي أنشأها كوريبو ، وهو آخر الكتاب
اللاتين في إفريقيا، عن المعارك التي لزم حنا تروغليتا، قائد القوات
البيزنطية، أن يخوضها ضد هؤلاء الخصوم الأشداء، حلفاء الموريِّين في
الداخل. فقد بقى هؤلاء البربر الرحل وثنيين؛ فهم يعبدون إلهاً يمثلون له
بثور، ويسمى غورزيل، وإلهاً محارباً، اسمه سنيفير. فيجعلون جمالهم، التي
كانت تخيف خيول الفرسان البيزنطيين، على هيأة دائرة، فتحمي النساء والأطفال
الذي يتبعون الرحل في تنقلاتهم.

الجمل في الصحراء : استجلاب
أم تكثير؟
تداول الدارسون طويلاً في الظهور المفاجئ الذي كان للجمل، أو بالأدق
الجمل وحيد السنام، في تاريخ البربر. وقد كان هذا الحيوان شيئاً نادراً
جداً في زمن القفصيين. لكنه لم يكن منعدماً بالكلية، كما وأننا لا نقع له
قط على تمثيلات في النقائش أو في الرسوم التي تعود إلى العصر الحجري
الحديث. ولا نجد بلين الأكبر ذكره بين حيوانات إفريقيا. لكنه لم يذكر
الحمار كذلك بشيء، وهو الدابة الركوبة بامتياز في بلدان المغرب. وفي
المقابل كان الجمل في القرن الأول قبل الميلاد حيواناً واسع الانتشار، كما
يدلنا عليه استيلاء القيصر على خمسين من الجمال كانت تخص الملك النوميدي
يوبا الأول. كما وأننا نعلم عرَضاً، أربعة قرون بعدُ، أن جثمان المتمرد
فيرموس قد حُمل إلى ثيودوس موثوقاً فوق ظهر جمل. غير أن هذه الوثائق
الأدبية، وما يعززها من تماثيل صغيرة نادرة مصنوعة من الطين أو يسندها من
صور على الفسيفساء لا تجيز لنا أن نجزم بأن الجمل كان حيواناً واسع
الانتشار في إفريقيا خلال القرون الأولى من زمن الإمبراطورية. وإن بين هذا
الذي ذكرنا وبين الاعتقاد الذي يذهب إلى أن الجمل قد أدخِل إلى إفريقيا
خلال القرن الثالث [الميلادي] على أيدي السوقات السورية في الجيش الروماني،
والاعتقاد بأن البربر قد أمكن لهم، بعد أن تحولوا إلى مربين للجمال تأسياً
بسواهم، أن يغزوا الصحراء بفضل هذه الدابة الركوبة المتكيفة مع الصحراء،
بين هذه التصورات مسافة لم يتردد مؤرخون كثر في تخطيها إسوة بإ. فـ. غوتيي.
لا يقوم هذا الرأي على أي حجة صحيحة. فمن المعلوم أن المتوسطيين
مربِّي الخيول قد كانوا يسيطرون على الصحراء قروناًَ عديدة قبل أن يقع ذلك
الاحتلال المزعوم من البربر الجمَّالين لها. والأصح أن ننظر في الاتساع
الذي تحقق لتربية الجمال في طرابلس الغرب منذ القرنين الرابع والخامس، وأن
نتتبع التقدم الذي كان من هذه القبائل صوب الغرب وربما كان منها ذلك التقدم
كذلك صوب الجنوب.


23-07-2012
avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الخميس 2 أغسطس 2012 - 19:10


20)
لقد زعموا للبربر الجدد أنهم ينحدرون من شخص يدعى مادغيس، عُرف بقلب غريب
هو «الأبتر»؛ أي مقطوع الذنب، والمراد مقطوع الخلف، ومنه جاءت تسمية البربر
أنفسهم «بتراً» (جمع «أبتر»).


البتر والبرانس، صنهاجة وزناتة

قضى هؤلاء الجمالون الرحل في السهول الجنوبية على حياة الاستقرار
والزراعة التي كان التنظيم الذي جُعل عليه خط التحصينات هو العامل الوحيد
الذي صيّرها شيئاً ممكناً. وإن ظهور الرحل الحقيقيين في عالم إفريقي كانت
الإدارة الملكية ثم الرومانية قد دفعت منذ قرون بالبربري إلى حصر مجاله في
صفوف في ما يغرس من صفوف البصل وما يقيم من خطوط أشجار الزيتون، قد كانت له
نتائج عظيمة على البلاد وعلى السكان. فلما زال ذلك الخط [الفاصل] إذا
[السكان] شبه الرحل الذين كانوا من قبلُ يخضعون لمراقبة وتصفية شديدتين
أثناء ما كانوا يرتادون من مواطن الكلإ بين السفح الصحراوي والهضاب التي
تنتشر فيها زراعة الحبوب، قد صاروا يزيدون توغلاً في الأراضي الغنية
والمزروعة، مدفوعين بضغط الرحل الجمالين أو مختلطين بهؤلاء القادمين الجدد.
وقد كان لهذا الأمر نتيجة أخرى تمثلت في إدخال مجموعات بربرية جديدة قادمة
من الشرق في هذا الوسط من البربر الأوائل، وما كان هؤلاء يتميزون بنمط
عيشهم ودوابهم المركوبة وحتى حيواناتهم فحسب، بل إن أكثر ما كان يميزهم
لغتهم. فاللغويون قد تعرفوا على مجموعة خاصة، هم زناتة، وإليها ينتمي هؤلاء
القادمون الجدد. وما كان هؤلاء الزناتيون ينحدرون من النوميديين
والموريين، بل إنهم حلوا محل الجيتوليين واحتووهم في تجمعات قبيلة جديدة،
وجعلوا لهم نسباً جديداً.
وسيُزعم لهؤلاء البربر الجدد أنهم ينحدرون من شخص يدعى مادغيس، عُرف بقلب
غريب هو الأبتر؛ أي مقطوع الذنب، والمراد مقطوع الخلف، ومنه جاءت تسمية
البربر أنفسهم «بتراً» (جمع «أبتر»). وكانت صنهاجة أهم مجموعة [بين هؤلاء
القادمين الجدد]. وأما البربر الآخرون، المنحدرون من النوميديين والموريين،
وهم الذين أسميهم أوائل البربر، فهم ينتمون إلى شخص يدعى برانس.
وأهم مجموعة بين هؤلاء القادمين الجدد كانت هي صنهاجة، وقد أقامت لها في
مناطق مختلفة من المغرب الكبير والصحراء ممالك وإمبراطوريات عديدة. ولقد
وقع الباحثون في تبسيط شديد بالمعارضة القاطعة التي أقاموها بين زناتة
وصنهاجة. فلئن كانت النزاعات بينهما متواترة فسيكون من الخطإ الاعتقاد أن
كل البربر الرحل زناتيون وسائر الصنهاجيين مستقرون. فنحن لا نكاد نجد في
الوقت الحاضر من رحل ينتمون إلى المجموعة اللغوية الزناتية، فقد كانوا أول
المستعربين من البربر. وفي المقابل فإن ما بقي اليوم من لهجات البربر الرحل
(وهم الطوارق) إنما تنتمي إلى المجموعة الصنهاجية.

الغزو العربي : الحملات الأولى

كان الغزو العربي ثاني أكبر حدث تاريخي هز البنيان الاجتماعي للعالم
الإفريقي. وبعكس الرأي الشائع في الكتب المدرسية في أوروبا، لم يكن هذا
الغزو محاولة استعمارية، أي لم يكن مشروعاً استيطانياً. لقد تمثل الغزو
العربي في سلسلة من العمليات العسكرية الخالصة، كان يختلط فيها بكل سهولة
الطمع في الكسب مع الروح الدعَوية. ولخلاف صورة أخرى تُجعل لهذا الغزو،
فإنه لم يكن كذلك مجرد جولة بطولية على ظهور الخيل تكتسح أمامها كل مقاومة
ببساطة متناهية.
توفي النبي محمد سنة 632م، وعشر سنين بعدُ احتلت جيوش الخلافة مصر وبرقة.
وفي سنة 643م توغلت هذه الجيوش في طرابلس الغرب. وقد وجِّهت حملة من
الخيالة تحت قيادة ابن سعد حاكم مصر وأخي الخليفة عثمان من الرضاعة على
إفريقية (وهو تحريف عربي للاسم القديم «إفريقا»)، وكانت يومئذ مسرحاً
للمواجهات والتطاحنات بين البيزنطيين والبربر المتمردين وفي ما بين
البيزنطيين بعضهم ضد بعض. وقد كشفت هذه العملية عن ثراء البلاد وكشفت كذلك
عن مواطن الضعف فيها. كما وأنها حركت إليها المطامع المتأججة. ويصور لنا
المؤرخ النويري كيف أنه قد تم بكل سهولة إعداد جيش عربي صغير من سوقات
ساهمت بها معظم القبائل العربية. وقد خرجت هذه القوات من المدينة في شهر
أكتوبر من سنة 674م، وربما لم يكن عددها يتجاوز خمسة آلاف رجل، ولكن في مصر
زاد إليها ابن سعد، الذي تولى قيادتها، جيشاً من عين المكان، بما رفع
تعدادها إلى عشرين ألفاً من المقاتلين المسلمين. وقد قع الصدام الحاسم مع
الروم (البيزنطيين) بقيادة البطريق غريغوار بقرب سبيطلة في تونس، وكان فيها
مقتل غريغوار، ولكن العرب انسحبوا راضين، بعد نهبهم البلاد المنبسطة
وتحصلهم على جزية عظيمة من مدن بيزاسين (سنة 648م). ولم يكن لهذه العملية
من غرض آخر.

عقبة، فارس في سبيل الله

لم يبدأ الغزو [العربي] الحقيقي إلا في زمن الخليفة معاوية [بن أبي
سفيان]، الذي أعد جيشاً جديداً بقيادة معاوية بن خديج في سنة 666م. وبعدها
بسنين ثلاث أنشأ عقبة بن نافع مدينة القيروان، فكانت أول مدينة إسلامية في
المغرب الكبير. وتفيدنا الروايات المتناقلة عن المؤلفين العرب، وما فيها من
اختلافات كثيرة، أن عقبة قد زاد خلال ولايته الثانية من تكثيف الغارات
وتوجيهها إلى الغرب، فتم له الاستيلاء على مدن مهمة مثل لمبيز التي كانت هي
المقر للفليق الثالث والعاصمة لنوميديا الرومانية. ثم توجه بعدها نحو
تاهرت، على مقربة من تياريت الحديثة، ووصل إلى طنجة؛ حيث صور له شخص يسمى
يوليان أو يوليانوس بربر سوس (في جنوب المغرب) في صورة فيها الكثير من
التحامل. فقد حدثه عنهم بقوله : «إنهم قوم لا دين لهم، يأكلون الجثث
ويشربون من دماء مواشيهم ويعيشون عيشة الحيوانات، لأنهم لا يؤمنون بالله،
بل لا يعرفونه». فأوقع فيهم عقبة مذبحة عظمية، وسبا نساءهم وقد كن فاتنات
الجمال. ثم سار حتى غاصت حوافر حصانه في البحر المحيط، وهو يُشهد الله أنه
لم يعد من أعداء للدين فيحاربهم ولا كفرة فيقتِّلهم.
إنها رواية يغلب عليها الطابع الأسطوري، وتوجد بإزائها روايات أخرى تقول إن
عقبة تقدم حتى أقاصي فزان، قبل أن يشن معاركه في المغرب الأقصى، ولم يُلق
بالاً إلى المقاومات التي وقفت في وجه تلك الحملات. بل إن المقاومة التي
واجهت عقبة نفسه قد انتهت إلى كارثة اهتز لها الحكم العربي في إفريقية لخمس
سنين. فقد أعطى القائد البربري كسيلة، وإن يكن تحول قبلها إلى الإسلام،
انطلاقةَ الثورة عليه. وكان أن سُحقت قوات عقبة وهو في طريق العودة، جنوبي
الأوراس، وقُتل هو نفسه في تهودة، على مقربة من المدينة التي تحمل اسمه
وتضم قبره، سيدي عقبة. وزحف كسيلة على القيروان، وتم له الاستيلاء عليها.
وتراجعت بقايا الجيش الإسلامي حتى برقة. ثم توالت الحملات والغارات، فكانت
لا تكاد تخلو منها سنة من السنين. وكانت وفاة كسيلة في سنة 686م، وما أمكن
الاستيلاء على قرطاج إلا في سنة 693م، وكان بناء مدينة تونس سنة 698م.
وتزعمت المقاومة لبضع سنين امرأة من جراوة، إحدى قبائل البتر سادة الأوراس.
وقد كانت هذه المرأة تسمى «الداهية»، لكنها تشتهر بالكنية التي جعلها لها
العرب؛ «الكاهنة». ويمكن القول إن وفاتها، حوالي سنة 700م، قد كانت فيها
نهاية للمقاومة المسلحة من البربر للعرب. وبالفعل، فعندما جاز طارق المضيق،
الذي صار يُعرف باسمه (جبل طارق)، لغزو [فتح] إسبانيا، كان معظم جيشه
يتكون من مقاتلين بربر، من الموريين.

التحول إلى الإسلام وزوال الممالك البربرية المسيحية

كانت النتيجة الرئيسية للغزو العربي أن تحول معظم البربر إلى الإسلام،
وهو تحول تم بوتيرة أقل سرعة مما يُقال. وما تبقى من المسيحية غير جزر
صغيرة في المدن، وبعض هذه المدن حديثة الإنشاء؛ مثل القيروان وتاهرت. وكانت
بعض القبائل التي تهوَّدت في ظروف غير معروفة جيداً، هي التي كونت بداية
التجمع السكاني لليهود المحليين في شمال إفريقيا. ولقد تحول البربر بأعداد
كبيرة إلى الإسلام، على الرغم من «الردات» الكثيرة التي اتهمهم بها
المؤلفون العرب. ويدلنا هذا التحول على حرص معظم الأسر الكبيرة على
الانتماء إلى سلسلة نسب مشرقية. ومع أن النسابين يعرفون أن البربر مختلفون
عن عرب الحجاز فلقد بحثوا لهم عن أصول حميرية (من الجزيرة العربية)، أو
بحثوا لهم، كما سبق لنا أن رأينا، عن أصول كنعانية؛ وهو الأمر الذي يجزم به
ابن خلدون. وقد كان في وجود تقليد مماثل ابتداء من العهدين الروماني
والبيزنطي، قائم على ذكرى بعيدة لأصول بونيقية، مما شجع رجال الدين على
ركوب هذه المحاولة الأولى لطمس هوية البربر.
وكان للغزو العربي في القرن السابع نتيجة أخرى أبين وأوضح؛ فلقد حال
دون تطور هذه الممالك المورية التي كانت تعتمد على قوة القبائل وعلى ما
تبقى من الثقافة اللاتينية في المدن، وكانت تختلط بالمسيحية التي كانت
مزدهرة في سائر نطاقات إفريقيا الرومانية القديمة. وقد كانت بَقيت من هذه
الممالك البربرية المسيحية الآيلة إلى الزوال آثار بعضها هائل عظيم من قبيل
الجدَّارات العظيمة (ومن جملتها فرندة، في غرب الجزائر)، والتي يعود
أحدثها عهداً إلى ما بعد القرن الخامس بكثير، والكور بالقرب من مكناس
(المغرب)، والتي أمكن تحديد تاريخ بنائها في منتصف القرن السابع (640 ? 90
باستعمال كربون 14). وبين هاتين المقبرتين التين تقومان شاهدين على إمارات
قوية [في ما سلف]، تم العثور في مدينة ألتافا (أو حجر الروم، لامورسيير
سابقاً) ومدينة بوماريا (في تلمسان) على شواهد قبور مسيحية، كما عُثر فيها
على الكتابة الشهيرة للملك ماسونا. وفي أقصى الغرب تم العثور في مدينة
وليلي على مجموعة فريدة من النصوص المسيحية النقوشية، وكانت لا تزال تحمل
تواريخ العهد الروماني الأسقفي؛ فتواريخها تقع ما بين 595م و655م.

القرن الخوارجي

لقد صاحب تحول البربر إلى الإسلام تفاحشٌ في الانقسامات، ومن قبيلها
تلك الاضطرابات الكثيرة التي وقعت بسبب دخول المسيحية إلى إفريقيا. وكانت
أهم تلك الحركات هي التي نجمت عن تعاقب الخلفاء، خاصة ما تعلق منها بعزل
عليٍّ، صهر النبي، وتولية معاوية وبني أمية. وقد ضاق بعض المؤمنين
المتشبثين بنقاء الإسلام بتلك النزاعات وما كان يرافقها من أعمال القتل
والتنكيل، فخرجوا عن جمهور المسلمين ?فسُموا بالخوارج : الخارجين أو
المنشقين)، ودعوا إلى مذهب ديمقراطي يقوم على اختيار الخليفة. والمذهب
الخارجي، الذي نشأ في المشرق، قد لقي نجاحاًً كبيراً لدى البربر. وما رأى
أغلب مؤرخي العهد الاستعماري في هذا النجاح إلا أنه مظهر من مظاهر مقاومة
البربر للحكم العربي. وقد جيء بالتفسير نفسه كذلك للتطور الذي عرفته
الدوناتية1 أثناء الحكم الروماني على إفريقيا. وأما تصوري الشخصي فهو أن
الطابع التقشفي والديمقراطي نسبياً للمذهب الخوارجي كان يوافق العقلية
البربرية إلى حد كبير (انظر الفصل الرابع). وقد بلغت هذه الحركة من النجاح
شأواً بعيداً، بما جعل المغرب الكبير يظل مشتعلاً قسطاً كبيراً من القرن
الثامن. وقد أمكن لإحدى الانتفاضات الخوارجية، أطلقها سقّاء من المغرب
الأقصى، أن تمتد حتى إفريقية. وقامت انتفاضة بربرية أخرى للطائفة الصفرية
في جنوب إفريقية، فشكلت تهديداً خطيراً للحكم العربي؛ فقد تمكنت بها
الطائفة المذكورة من الاستيلاء على القيروان سنة 757م. ثم تحققت الغلبة
سنتين بعدُ في تلك المناطق نفسها لمذهب خوارجي آخر؛ هو المذهب الإباضي،
الذي لا تزال تجد له بقايا إلى اليوم في مزاب وجربة وجبل نفوسة. وفي الأخير
جاءت حملة جديدة من مصر فاستطاعت أن تعيد المذهب السني إلى ما يعرف حالياً
بتونس، وهي التي كانت قد بقيت حتى بداية القرن العاشر تحت حكم الأمراء
الأغالبة، الممثِّلين للخلفاء العباسيين. وأما ما تبقى من المغرب الكبير
فقد كان له سادة آخرون؛ فإمارة خوارجية، هي المملكة الرستمية في تاهرت، وسط
الجزائر، وعلى رأسها إمام من أصل فارسي، وأخرى في تافيلالت تتحكم في تجارة
القوافل في وادي الساورة والتجارة البعيدة مع السودان (مالي حالياً)،
وعاصمتها سجلماسة. وقامت مملكة أخرى في شمال المغرب على أساس ديني بزعامة
أحد الشرفاء (المنتسبين إلى آل النبي) واسمه إدريس، وهو من الأحفاد
المتأخرين لعلي وفاطمة، كان استقر في مدينة وليلي. ثم أسس ابنه، إدريس
الثاني، مدينة فاس سنة 809م. وقد استمرت هذه الأسرة قائمة حتى نهاية القرن
العاشر [الميلادي].

1 - حركة قام بها أسقف قرطاج في القرن الرابع الميلادي، والتسمية مشتقة من اسمه دوناتوس. المترجم.


24-07-2012
avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الخميس 2 أغسطس 2012 - 19:12



21) قضى الموحدون على الكفار بحد السيف وشتتوا آخر الجماعات المسيحية على
طول البلاد وعرضها، وقضوا على الإمارات اليهودية القليلة التي كانت تمثل
ذكرى بعيدة للتوسع القديم الذي تحقق لليهودية لدى بعض قبائل البربر.

ملحمة كتامة والخليفة الفاطمي
في تلك الأثناء كانت تجري في وسط المغرب الكبير أولاً، وبعد ذلك في
إفريقية، مغامرة عجيبة. فبينما كان البربر البتر، الزناتيون، يسيرون في
توسع في السهول العليا، كان البربر من الفرع الآخر، الصنهاجي، يحتفظون
بالأقاليم الجبلية في وسط الجزائر وشرقها. وقد اتفق لإحدى هذه القبائل، هي
كتامة، التي كانت تستوطن منطقة القبائل الصغرى منذ العهد الروماني، أن
استقبلت داعية شيعياً. والشيعة هم أنصار علي، صهر النبي، الذي كان قد أُقصي
من الحكم ثم قُتل. وقد كان هذا الداعية، واسمه أبو عبد الله، يبشر بظهور
الإمام «الموعود»، أو المهدي [المنتظر]، الذي لا يمكن أن يكون إلا من ذرية
علي وفاطمة. وخلال بضع سنين تمكنت السوقات الكتامية، ذات التنظيم المحكم
تحت قيادة أبي عبد الله، الذي ظهر أنه كان مخططاً حربياً محنكاً، من
الاستيلاء على سطيف فباجة ثم قسطنطينة. وفي شهر مارس من سنة 909م تم للشيعة
الاستيلاء على القيروان، فأعلنوا عُبيد الله الفاطمي، الذي كان لا يزال
سجيناً في الطرف الآخر من المغرب الكبير، في سجلماسة القصية، إماماً عليهم.
وقد وجه إليه كتامة حملة، بقيادة أبي عبد الله الجَلود، فعادت به ظافراً
إلى القيروان (في دجنبر من سنة 909م)، وقامت في طريقها كذلك بتقويض
الإمارات الخوارجية. وفي سنة 916م أسس المهدي عاصمة جديدة، هي المهدية، على
الساحل الشرقي لتونس، ووجَّه مخلصيه من كتامة في حملة على صقلية، ووجههم
في السنة التي بعدها في حملة على مصر. ثم قامت هذه المليشيا الصنهاجية أربع
سنين بعدُ، تحارب من جديد في أقصى المغرب؛ حيث أمكن لها أن تقوض المملكة
الإدريسية بمساعدة قبائل مكناسة.
وعليه فقد نجحت الأسرة الفاطمية، المنحدرة من عبيد الله لبعض الوقت، في بسط
سيطرتها على الجزء الأكبر من شمال إفريقيا، ولكن تمردات طاحنة كانت لا
تفتأ تهز البلاد. وأخطر تلك التمردات هي التي قادها مخلد بن كيداد الملقب
بأبي يزيد، صاحب الحمار. ولكن كتبت النجاة للأسرة الفاطمية مرة أخرى بفضل
التدخل الذي كان لصنهاجة في وسط المغرب الكبير، بقيادة زيري. ولذلك فلما
قام الفاطميون باحتلال مصر بمساعدة صنهاجة واتخذوا لهم القاهرة عاصمة (سنة
973م)، تركوا حكم المغرب الكبير لقائدهم العسكري؛ بلقين بن زيري. وقد كان
هذا القرار، الذي بدا قراراً حكيماً، بترك إدارة البلاد لأسرة بربرية،
سبباً في أسوإ نكبة ستحيق بالمغرب الكبير.

عقاب الزيريين والكارثة البدوية
لقد تحلل الزيريون خلال ثلاثة أجيال من روابط التبعية التي كانت
تربطهم بالخليفة الفاطمي. ففي سنة 1045م ألغى المعز المذهب الشيعي، وأعلن
ولاءه للخليفة العباسي في بغداد. وبالفعل فالغالبية من المغاربين قد بقيت
على المذهب السني. وكان عقاب الخليفة الفاطمي للزيريين عن هذا الانفصال بأن
«سلّم» المغرب الكبير إلى القبائل العربية، شديدة الشغب، بعد أن كانت
محصورة في سايس، شرقيّ النيل، في صعيد مصر. وقد كانت هذه القبائل، وهي جشم
وأثبح وزغبة ورياح وربيعة وعدي، تنتسب إلى جد مشترك؛ هو هلال، ومنه كان اسم
الغزو الهلالي الذي صارت تُعرفت به هذه الهجرة لمشرقيين إلى شمال إفريقيا.
وقد دخل بنو هلال إلى إفريقية، ودخلها في أعقابهم بنو سليم، في سنة 1051م.
وسيكون من الخطإ أن نتصور وصول هذه القبائل في صورة جيش زاحف يحتل كل
ما يقع عليه من الأراضي فلا يفلت منها شيئاً، ويحارب بدون هوادة الزيربين
ثم بني عمومتهم الحماديين الذين كانوا قد أقاموا لهم مملكة مستقلة في
الجزائر. كما سيكون من الخطإ أن يذهب بنا الاعتقاد إلى أنه قد قامت بين
العرب الغزاة والبربر مواجهة شاملة من طبيعة عرقية أو قومية. فالقبائل التي
كانت تدخل إلى المغرب الكبير كانت تحتل البلد المفتوح، وتعيد تجميع قواتها
للاستيلاء على المدن؛ فتنبري تنهبها حتى لا تبقي منها على شيء، ثم تتوزع
من جديد وتصير تتقدم في سائر الأنحاء وتمعن في النهب وإشاعة الخراب.
لم يتردد الأمراء البربر من الزيريين والحماديين، والموحدين من بعدهم، في
استعمال القوة العسكرية، التي كانت متوفرة بين أيديهم على الدوام، متمثلة
في هؤلاء الرحل؛ الذين صاروا بذلك يتوغلون رويداً رويداً في البوادي
المغاربية.
ولئن قام بنو هلال وبنو سليم، وبنو معقل من بعدهم، بنهب القيروان والمهدية
وتونس وأهم المدن في إفريقية، وأن ابن خلدون قد وصف جيوشهم بالجراد المنتشر
الذي يدمر كل شيء في طريقه، فإن هؤلاء الأقوام كانوا بما بثوا من بذور
الفوضى في المغرب الكبير أعظم خطراً مما كانوا يأتون من أعمال السلب
والنهب.
وسنرى في الفصل القابل كيف أن وصول العرب البدو قد أحدث تغييراً جذرياً على
صورة بلاد البربر وأدى إلى تعريب القسم الأكبر منها. لكننا لا نستطيع أن
نحمّل بني هلال، الذين لم يكونوا يزيدون عن مائة ألف، المسؤوليةَ عن الفوضى
والخراب اللذين امتدا إلى كل البوادي، من إفريقية إلى المغرب الأقصى،
ونُبرئ البربر، خاصة الزناتيين. والحقيقة أن حضور العرب قد عزز من جانب
السكان الرحل، ومع أن عددهم كان ضئيلاً عند وصولهم في القرن الحادي عشر،
فلقد اضطلعوا بدور حاسم على الصعيد الثقافي والاجتماعي والاقتصادي.

مغامرة المرابطين. البربر الصحراويون في إسبانيا
ها هي ذي مفارقة جديدة، من قبيل تلك المفارقات التي يعج بها تاريخ بلدان
المغرب؛ فبالموازاة لذلك العامل الخطير من عوامل الفوضى والانشقاق، الذي
كنا نراه في انتشار مخيمات البدو، كنا لا نفتأ نرى كيف تقوم الإمبراطوريات
البربرية الكبرى قفْوَ بعضها البعض. ففي الوقت الذي كانت المملكتان
الصنهاجية والزيرية في إفريقية والحمادية في وسط المغرب الكبير تسير إلى
انهيار واضمحلال بفعل ضربات القبائل الهلالية والانتشار البطيء لذلك العنصر
الخطير المتمثل في الترحال بسبب تكالب الخطرين الزناتي والعربي، كان
المغرب الأقصى مسرحاً لمغامرة حربية جديدة قامت على أساس ديني. فقد كانت
النتيجة السريعة [لهذه العوامل] قيام الإمبراطورية المرابطية، التي امتدت
من السنغال إلى إسبانيا ومن المحيط الأطلسي إلى خط الطول عند مدينة
الجزائر. والمفارقة تتمثل في أن المؤسِّسة لهذه الإمبراطورية كانت قبيلة
بربرية من الرحل من الصحراء الغربية؛ هي لمتونة، المنتسبة إلى صنهاجة. فقد
كانت الرغبة في إحياء إسلام نقي وصارم دافعاً لبعض وجهاء لمتونة إلى دعوة
رجل مصلح من سجلماسة؛ هو ابن ياسين، فجمع أتباعه في رباط (ومنه جاءت
تسميتهم : «المرابطون»). ثم قام اللمتونيون الشجعان والمدربون جيداً من قبل
يوسف بن تاشفين، مؤسس مدينة مراكش، باحتلال المغرب، والقسم الأكبر من
الجزائر وأخضعوا لهم إسبانبا المسلمة.
وهاك مفارقة أخرى؛ فالمرابطون قد أقاموا هذه الإمبراطورية بدافع من
الإصلاح الديني، فقاموا أولاً بالقضاء على المبتدعة برغواطة، ثم أخضعوا لهم
الملوك المسلمين الصغار في إسبانيا، وهم الذين كانوا يعيشون في ترف
واختلاط بالمسيحيين لا يجيزهما التقشف والتشدد اللذان كانا صفة للمرابطين.
ولكن بسبب من هذه السيطرة على إسبانيا كان المرابطون هم أنفسهم من أدخل إلى
المغرب الأقصى بذور الثقافة الأندلسية، بعد أن كان يركن إلى حياة من الشظف
والتقشف. فعلى أيدي هؤلاء الصحراويين الأجلاف عرف المغرب حضارة هي الأكثر
تميزاً بين الحضارات المتمدنة التي قامت في أرض الإسلام.
وفي أقل من ثلاثة أجيال لم يلبث أبناء هؤلاء المحاربين الأشداء
الملثمين (فقد كان اللمتونيون كأغلب الصحراويين ملثمين) أن استلانوا بحياة
الترف، وجرفتهم ريح أخرى إصلاحية من طبيعة عسكرية وقبلية.

الإمبراطورية الموحدية
جاءت الحركة الإصلاحية تستمد جذورها هذه المرة من قبيلة صنهاجية أخرى،
لكن جبلية؛ تلك هي مصمودة من الأطلس الكبير، غير أنها اتبعت سيرورة مطابقة
لتلك التي كانت من كتامة ثم لمتونة من بعدهم في إقامة الإمبراطورية. فقد
كان المؤسس لهذه الحركة الجديدة، كما في الحالتين السابقتين، رحالة؛ ذلك هو
ابن تومرت من قبيلة هرغة. ومع أن أسرته كانت بربرية إلا أنها كانت تدعي
انتسابها إلى علي، صهر النبي. وهو وإن يكن مصمودياً فلقد اختار لخلافته
رجلاً بربرياً هو الآخر، من صنهاجة ندرومة (في غرب الجزائر) المنتمين إلى
قبيلة كومية؛ ذلك هو عبد المؤمن، وكان من أشد المخلصين له. وتقوم دعوة ابن
تومرت، الذي أعلن أنه هو المهدي المنتظر، على قاعدة أساسية؛ إنها وحدانية
الله المطلقة (ومنها جاء اسم الموحدين : المقرون بالوحدانية لله). وكلمة
«الموحدون» تدل على العقيدة وعلى الأسرة الحاكمة المنحدرة من عبد المؤمن.
والموحدون يرفضون كل تساهل مع الكفار أو مهادنة لهم، كما ويضربون عن كل ما
يمت بصلة إلى الثراء أو الترف. وكان الموحدون أكثر الحركات الإصلاحية
تعصباً في الإسلام المغاربي، وقد قضوا على الكفار بحد السيف وشتتوا آخر
الجماعات المسيحية على طول البلاد وعرضها، وقضوا على الإمارات اليهودية
القليلة التي كانت تمثل ذكرى بعيدة للتوسع القديم الذي تحقق لليهودية لدى
بعض قبائل البربر.
وتمكن مصمودة بمساعدة كومية، أنصار عبد المؤمن، من القضاء على آخر
المرابطين، وتم لهم الاستيلاء في سنة 1147م على فاس وتلمسان ومراكش. وفي
أقل من عشر سنين صار المغرب الكبير ? من الناحية الاسمية على الأقل ? وقد
دخل تحت سيطرة الموحدين. وبسطوا نفوذهم كذلك على إفريقية، وهي التي تأبّت
عن قبضة المرابطين، فقد غزوها وأخضعوها لحكمهم. وبذلك أمكن للمرة الأولى
منذ عهد الإمبراطورية الرومانية أن تجتمع منطقة شمال إفريقيا كلها تحت سلطة
واحدة، وللمرة الأولى في تاريخ شمال إفريقيا كانت تلك السلطة نابعة من
الأرض الأفريقية.
وقد يكون من الخطإ الجسيم أن نذهب إلى الاعتقاد بأن الموحدين كانوا مهتمين
لانتصار «قومية بربرية» كيفما كان نوعها؛ فهو أمر لم يكن ليخطر لهم ببال.
وإذا كان عبد المؤمن ورؤساء مصمودة قد أقاموا الإمبراطورية بالاقتصار على
إحلال عناصر القانون القبلي محل الإدارة في البلدان التي قاموا بغزوها، فإن
الخلفاء الجدد أحاطوا أنفسهم بوزراء من الأندلس. وإذا كان عبد المؤمن قد
سحق في سطيف الأثبج وزغبة ورياحاً، وهي كلها قبائل هلالية، فلقد أتخذ من
هؤلاء المهزومين جنوداً مساندين، وفعل خلفاؤه كمثل فعله وإياهم، ففتحوا
المغرب الأقصى في وجه هؤلاء الرحل الأجلاف. وإذا كانت حركة الموحدين
المتزمتة والفظة والمتقشفة في مظاهرها توافق المزاجَ البربري من دون شك،
فإن الإمبراطورية الموحدية، التي امتد نطاقها كذلك إلى إسبانيا، قد كانت
تشرع نوافذها على الثقافة الإسبانية الموريسكة، فمهدت بذلك للازدهار الذي
ستبلغ فيه هذه الثقافة أوجها في المغرب تحت حكم المرينيين، ذوي الأصول
الزناتية الذين خلفوا الدولة الموحدية.

نهاية سيطرة البربر
في المغرب الكبير
ظلت الأسرة التي أسسها عبد المؤمن قائمة لم تزل إلا في النصف الثاني
من القرن الثالث عشر، ولكن التدهور ابتدأها في وقت مبكر جداً. ويمكن أن
نجعل بداية ذلك التدهور من الهزيمة القاصمة التي نزلت بها في لاس نافاس دي
تولوز، فقد صارت السيطرة الإسلامية في إسبانيا من بعدها تنحصر في الأندلس
(1212م).
ثم تفككت أوصال الإمبراطورية [الموحدية] في بلدان المغرب خلال جيلين اثنين.
فإذا إفريقية التي صار سكانها منذئذ يكادون يكونون معرَّبين بالكامل، قد
باتت مملكة مستقلة تحت حكم ذرية حاكم موحدي، هو أبو حفص. وإلى أحد هؤلاء
الملوك، ذلك هو المستنصر، سيوجه القديس لويس آخر الحروب الصليبية (1270م).
لقد تصرمت يومها عن وسط المغرب الكبير الفترة الطويلة لحكم صنهاجة (من
الحماديين والمرابطين والموحدين) إلى غير رجعة، ودخلت هذه المنطقة تحت حكم
بني عبد الوديد، وهم زناتيون مستعربون، وعاصمتهم تلمسان. وأما المغرب
[الأقصى] فقد أصبح مملكة يحكمها بنو مرين، وهم الآخرون زناتيون كانوا في
تنافس دائم وبني عبد الوديد. وقد سعى أحد ملوك المرينيين، ذلك هو أبو
الحسن، الذي كان بسط سيطرته على تلمسان لوقت قصير، في إعادة توحيد بلدان
المغرب الكبير، لكن دون طائل.
يعيد هذا التقسيم الثلاثي الذي وقع لإفريقيا إلى أذهاننا ما كان يقع في
الأزمنة قُبيل التاريخية وفي العهد الروماني، وهو التقسيم الذي نلاقي له
شبيهاً، مع مراعاتنا لكل الخصوصيات، في الرسم الحالي للحدود والناجم عن
الحكم التركي وعن فترة الاحتلال الفرنسي. لكن لا ينبغي أن نخطئ بشأن هذه
الاستمرارية وهذا الثبات؛ فالتصور المشرقي والقروسطي للولاء الشخصي، وتطور
حياة الترحال ورفض القبائل الجبلية، التي استمرت على لغتها البربرية، لكل
سلطة خارجية تقع على مجموعاتها، هذه الأمور [مجتمعة] لا تسمح بالإتيان
بالرسم الصحيح للحدود الترابية لهذه الممالك المتحركة. وما أكثر ما كان
هؤلاء الحكام اللاحقون على العهد الموحدي، مع أن بينهم ساسة وحكاماً
عظاماً، ينحصر سلطانهم في ضواحي عواصمهم.
والتآكل الذي كان يقع لهذه الممالك من الداخل سرعان ما انضاف إليه خطر آخر
خارجي. فبعد التراجع الذي وقع للإسلام شرعت الدول المسيحية في أوروبا في
مهاجمة بلدان المغرب. فقد بدأ النورمنديون في صقلية في ذلك الهجوم منذ
العهد الفاطمي. وأما الحملة الصليبية الثامنة التي وقعت على تونس في القرن
الثالث عشر فقد ظلت حدثاً معزولاً لم يُتبع بعقب. ثم جاءت حملات
البرتغاليين والإسبان من بعدهم فكانت أبلغ وقعاً وتأثيراً بكثير. وما كانت
نهاية القرن الخامس عشر ولا كان القرنُ السادس عشر إلا سلسلة طويلة من
الغزوات البحرية والغارات، بله شهدا كذلك قيام تحالفات عابرة أدت إلى إقامة
مجموعة من المستودعات البرتغالية ذات التحصين الجيد على الساحل الأطلسي،
كما أدت إلى احتلال الإسبان للثغور الواقعة على الساحل المتوسطي. وكانت
النتيجة المتوقعة أن قام طامع ثالث ليهتبل الضعف الذي ران على الممالك
المغاربية ويفيد من ذلك الصراع الخارجي ضد الكفار؛ أولئك هم الأتراك الذين
بسطوا سيطرتهم على الجزائر وتونس وطرابلس التي كانت امتداداً لها. لكن
موضوعنا في هذا الكتاب لا يتسع لهؤلاء القادمين الجدد، الذين كانوا محدودين
تعداداً، ولم يكن يجمعهم بالعرب والبربر غير العقيدة الإسلامية (كما وأنهم
معتنقون للحنفية فيما المغاربيون مالكيون). وأصبح البربر منذ ذلك وقد
فقدوا كل دور تاريخي. وانتهت الممالك والإمبراطوريات وما عاد وجود للأسر
[الحاكمة] حتى العابرة منها. وصار البربر في الشمال لا يزيدون عن مزارعين
مستقرين أو رعاة رحل، وانحصر طموحهم السياسي في المحافظة على استقلال قبلي
مهدد على الدوام. غير أنهم في وسط الصحراء وفي جنوبها لا يفتأون يوسعون من
سيطرتهم على الأعراق السوداء.


25-07-2012

.

avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الخميس 2 أغسطس 2012 - 19:14



22) بقي هؤلاء البربر الرحل وثنيين؛ فهم يعبدون
إلهاً يمثلون له بثور، ويسمى
غورزيل، وإلهاً محارباً، اسمه سنيفير.
الحصول على سلف
يبدو أن الشعوب والإمارات البربرية المختلفة في العصور القديمة كونت
أعراقاً بقيت أسماؤها، وحتى بعض مواضعها، ثابتة نسبياً عبر العصور. وها
إننا قد رأينا أن في العهد الروماني كان التصور الإقليمي للسلطة عاملاً في
ظهور توجه شديد الوضوح عند الإفريقيين لتكوين أقاليم خاصة، آلت بعد ذلك إلى
العشائر ثم إلى الأمراء.
ويأتي المؤرخون العرب من القرون الوسطى بصورة مختلفة كلياً للبربر. وصحيح
أن هؤلاء الكتاب، خاصة منهم ابن خلدون وهو المصدر الرئيس، لم يكتبوا إلا
بعد الغزو العربي بقرون عديدة، وأنهم متى رجعوا إلى نصوص أقدم عهداً بعضُها
من إنشاء بربر من البحاتة الذين تلقوا علومهم باللغة العربية، لكن يصدرون
عن تصورات مختلفة كلياً عن تصورات من كتبوا في العصور القديمة. فقد كان
هؤلاء يصدرون عن رؤية شمولية وإقليمية [معاً]؛ فكل شعب يقطن منطقة من
المناطق يمكن أن يكون جاء إن جزئياً أو كلياً من بلاد أخرى. وحسبنا أن نعود
في فهم هذه الآلية إلى الأسطورة التي نقلها سالوست بشأن أصول النوميديين
والموريين، أو نعود إلى نص بروكوب الذي أنشأه بعد ذلك بستة قرون عن تلك
الأصول.
وفي المقابل فإن المؤرخين العرب يبدون كنسابين في المقام الأول. فالذي
يهتمون له في أبحاثهم ويشكل مصدر المتعة في كتابتهم إنما هو السعي الحثيث
لتكوين أنساب يسيرون معها ارتداداً في الزمن وصولاً إلى الجد الذي منه جاء
اسم [النسب من الأنساب]. وهذا تصور أبوي نراه ثابتاً عند المشرقيين، وقد
كان الفينيقيون أدخلوه من قبل عند البربر. وتطالعنا بعض المسلات في قرطاج،
وفي بعض المدن الإفريقية ذات الثقافة البونيقية، وحتى في وليلي القصية،
بسلاسل أنساب لامتناهية؛ ومن قبيلها المسلة التي تخص القاضي سويتنكن في
وليلي، وقد سلفت إشارتنا إليها؛ فهي تبيّن أسماء أجداده على امتداد ستة
أجيال. ولقد ضربت هذه العادة الفينيقية بأطنابها لدى الليبيين، لكنها خفت
في العهد الروماني، فأصبح يُقتصر عامة على ذكر الأب.
وأما مؤرخو العصور الوسطى فما عادوا يتحدثون عن شعوب، بل صار حديثهم عن أسر
أبوية كبيرة. والأفخاد والعشائر والقبائل تعرف قرابتَها إلى بعضها ? أو
تقول بتلك القرابة - عن طريق الاعتراف بوجود جد مشترك بينها أو من خلال
الوجود الثابت لذلك الجد. ومن الواضح أن هذا التصور النَّسَبي لا يستند إلى
أي أساس ترابي، ولذلك فبعض المجموعات تزعم انحدارها من جد واحد تتسمى
باسمه وتكون تتوزع على مواضع تبعد عن بعضها بآلاف الكيلومترات. فهؤلاء
صنهاجة، أحفاد برنس، تجدهم في منطقة القبائل الكبرى وفي الهقار وعلى مقربة
من السنغال (الذي يدين لهم باسمه)، فتكون لهم لذلك أساليب وأنماط في العيش
في غاية التباين والاختلاف.
والتفرق، بلهَ التشتت، نراه أكبر وأعظم في «أسرة» أخرى؛ ذلكم هم زناتة،
أحفاد ضاري، وهو نفسه حفيد مادغيس. كتب هـ. تيراس : «كانت زناتة تمتد
متوسعة حيثما لم تلق كبير مقاومة، ثم تتراجع أو تنتقل عن مواضعها متى منيت
بالفشل». فنحن نجد لهذه القبيلة أحفاداً في سائر مناطق المغرب الكبير وشمال
الصحراء.
إن هذه الأنساب العديدة التي ظلت محفوظة في الذاكرة الجماعية دون أن يطالها
نقصان، وكانت تزداد اغتناء كلما تطلبت التحالفات السياسية أو ضم أفخاد
جديدة [إلى الأصول] تلك التغيرات، تبعثنا على إحساس ممض بالتفرّق والالتباس
يقوم على طرفي نقيض مع التوزّعات الجغرافية في العصر الكلاسي. وليست هذه
التوزّعات بالصحيحة كلها، لكنها تقوم على ثابتة ترابية تتأبى كلياً عن
إدراك النسابين العرب.
صحيح أننا إذا ما وضعنا أنفسنا في عهد ابن خلدون، مرجعنا الرئيس، أي في
القرن الرابع عشر، سنجد أن هنالك ثلاثة أحداث ذات أهمية كبيرة هزت المعطيات
الجغرافية السياسية والعرفية لإفريقيا القديمة. أول تلك الأحداث وأشدها
غموضاً يتمثل في ظهور قبائل كبيرة من الرحل الجمَّالين على السفح الجنوبي
الشرقي لإفريقيا الرومانية ابتداء من القرن الرابع. والثاني هو الغزو
العسكري العربي في القرن السابع، والثالث هو المتمثل في وصول عدة قبائل
عربية من الرحل في القرن الحادي عشر، وهو ما أسماه المؤرخون بالغزو
الهلالي.

قبل الإعصار، صحراء هادئة
لم تبدأ قبائل الجمَّالين الكبيرة في ممارسة ضغط مقلق حقاً على طرابلس
الغرب إلا في القرن الرابع. وقد كانت روما أقامت في القرنين الثاني والثالث
شبكة من الطرق وعززتها بكثير من المواقع الحصينة سميت بقصد التبسيط limes.
وما كانت مجرد خط للتحديد، بل كانت تتمثل في منطقة عسكرية، تتوغل في بعض
الأحيان بمائة كيلومتر أو نحوها، فكانت تسمح بتوطين مزارعين على أراضي كانت
من قبل مناطق للتنقل، كما سمحت بتطور تجارة للقوافل عبر الصحراء، وبمراقبة
تنقلات [الأقوام من] أشباه الرحل. وبين أيدينا شواهد كثيرة على هذه
العملية من احتلال الصحراء وعملية التعمير. وإن روعة مدينة مثل لبدة الكبرى
وثراءها ليعتبران نتيجة مباشرة لهذا الاحتلال والتعمير. وقد تكون الأكثر
إثارة الوثائقُ التي عُثر عليها في بونجيم، وهي نقطة عسكرية في الصحراء
الطرابلسية اشتغل ر. ريبوفا بالتنقيب فيها سنين عديدة. وهذه الوثائق عبارة
عن شقوف من الفخار القديم مسجلة عليها في بضع كلمات كلُّ الأحداث : إرسال
بعثة من جندي مرتزق عند الجرمنت، أو مرور بعض الجرمنت يقودون أربعة جحوش.
فمنذ القرن الثاني كان الجرمنت يستوردون المنتجات الرومانية، من قبيل
الجرار والمزهريات الزجاجية والحلي حتى إلى قصورهم البعيدة في فزان، وكان
معماريون من الرومان يقومون على بناء الأضرحة للأسر الأميرية.

لفاتة ولواتة : خطر الجمالين
تطالعنا هذه الأقاليم على عهد الإمبراطورية الرومانية في صورة من عدم
الاستقرار. فهذا أميين مارسولين يفيدنا أن إحدى قبائل الرحل، هي المسماة
أوستورياني (وتُعرف كذلك باسم أوستور، وأوستوريي وأوسوريانى، فاللاتين
والإغريق كانوا على الدوام يشوّهون اسم البربر أيما تشويه)، قد حاصرت في
سنة 363م لبدة الكبرى وأويا، وربما حاصرت كذلك صبراته، وهي المدينة الثالثة
في طرابلس الغرب. وقد اضطر الكونت على طرابلس الغرب إلى أن يعود لمحاربة
القبيلة المذكورة في سنتي 408م و423م، وفي الوقت نفسه كان ظهور هذه القبيلة
في برقة، حسبما يفيدنا سينيسيوس، الذي لم يترك مجالاً للشك [بشأن معرفته]
بطباع [هؤلاء القوم]؛ فهو يصفهم بأنهم رُحل خبيرون بتربية الجمال ويقدرون
على التنقل لمسافات طويلة على أطراف الصحراء. وقرناً بعد ذلك، تحت الحكم
الوندالي وفي أثناء الغزو الثاني البيزنطي، توغل هؤلاء الأوستوريون أنفسهم
في بيزاسين (في وسط تونس وجنوبها)، ومعهم قبائل أخرى، وتحالفوا مع بعض
الموريين، كانوا دون شك من سكان الجبال في منطقة الظهر التونسي، الذين
كوّنوا لهم مملكة تحت حكم شخص يُدعى أنطالاس. ومن بين هؤلاء الرحل الذين
توغلوا يومئذ بعيداً في البوادي الإفريقية، هنالك قبيلة سنتوقف عندها أكثر
من غيرها. وتُعرف هذه القبيلة بتسميات شتى؛ الأكواس ولاكواتان ولفاتة، وهم
الأقوام أنفسهم الذين يُعرفون عند المؤلفين العرب باسم لواتة. ويذكر بروكوب
وكوريبوس أنهم توغلوا في بيزاسين في سنة 544م، وبعد أربع سنين حاصروا
الأعراش، المدينة المهمة الواقعة بين قرطاج وتبسة. وقد وجد البكري وابن
خلدون هؤلاء اللواتيين أنفسهم في جنوب الأوراس وحتى قريب من تياريت. فكأننا
بهذه القبائل الكبيرة من الرحل تقدمت ببطء خلال قرون من برقة باتجاه وسط
المغرب الكبير. فكانت واحدة من تلك الحركات التي كنا نراها من قديم العصور
تدفع أقواماً من الشرق إلى المغرب الكبير.

تحكي القصيدة الملحمية «حنَّا»، التي أنشأها كوريبو ، وهو آخر الكتاب
اللاتين في إفريقيا، عن المعارك التي لزم حنا تروغليتا، قائد القوات
البيزنطية، أن يخوضها ضد هؤلاء الخصوم الأشداء، حلفاء الموريِّين في
الداخل. فقد بقى هؤلاء البربر الرحل وثنيين؛ فهم يعبدون إلهاً يمثلون له
بثور، ويسمى غورزيل، وإلهاً محارباً، اسمه سنيفير. فيجعلون جمالهم، التي
كانت تخيف خيول الفرسان البيزنطيين، على هيأة دائرة، فتحمي النساء والأطفال
الذي يتبعون الرحل في تنقلاتهم.

الجمل في الصحراء :
استجلاب أم تكثير؟
تداول الدارسون طويلاً في الظهور المفاجئ الذي كان للجمل، أو بالأدق
الجمل وحيد السنام، في تاريخ البربر. وقد كان هذا الحيوان شيئاً نادراً
جداً في زمن القفصيين. لكنه لم يكن منعدماً بالكلية، كما وأننا لا نقع له
قط على تمثيلات في النقائش أو في الرسوم التي تعود إلى العصر الحجري
الحديث. ولا نجد بلين الأكبر ذكره بين حيوانات إفريقيا. لكنه لم يذكر
الحمار كذلك بشيء، وهو الدابة الركوبة بامتياز في بلدان المغرب. وفي
المقابل كان الجمل في القرن الأول قبل الميلاد حيواناً واسع الانتشار، كما
يدلنا عليه استيلاء القيصر على خمسين من الجمال كانت تخص الملك النوميدي
يوبا الأول. كما وأننا نعلم عرَضاً، أربعة قرون بعدُ، أن جثمان المتمرد
فيرموس قد حُمل إلى ثيودوس موثوقاً فوق ظهر جمل. غير أن هذه الوثائق
الأدبية، وما يعززها من تماثيل صغيرة نادرة مصنوعة من الطين أو يسندها من
صور على الفسيفساء لا تجيز لنا أن نجزم بأن الجمل كان حيواناً واسع
الانتشار في إفريقيا خلال القرون الأولى من زمن الإمبراطورية. وإن بين هذا
الذي ذكرنا وبين الاعتقاد الذي يذهب إلى أن الجمل قد أدخِل إلى إفريقيا
خلال القرن الثالث [الميلادي] على أيدي السوقات السورية في الجيش الروماني،
والاعتقاد بأن البربر قد أمكن لهم، بعد أن تحولوا إلى مربين للجمال تأسياً
بسواهم، أن يغزوا الصحراء بفضل هذه الدابة الركوبة المتكيفة مع الصحراء،
بين هذه التصورات مسافة لم يتردد مؤرخون كثر في تخطيها إسوة بإ. فـ. غوتيي.
لا يقوم هذا الرأي على أي حجة صحيحة. فمن المعلوم أن المتوسطيين
مربِّي الخيول قد كانوا يسيطرون على الصحراء قروناًَ عديدة قبل أن يقع ذلك
الاحتلال المزعوم من البربر الجمَّالين لها. والأصح أن ننظر في الاتساع
الذي تحقق لتربية الجمال في طرابلس الغرب منذ القرنين الرابع والخامس، وأن
نتتبع التقدم الذي كان من هذه القبائل صوب الغرب وربما كان منها ذلك التقدم
كذلك صوب الجنوب.


26-07-2012



avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الخميس 2 أغسطس 2012 - 20:56

23) لقد زعموا للبربر الجدد
أنهم ينحدرون من شخص يدعى مادغيس، عُرف بقلب غريب هو «الأبتر»؛ أي مقطوع
الذنب، والمراد مقطوع الخلف، ومنه جاءت تسمية البربر أنفسهم «بتراً» (جمع
«أبتر»).

البتر والبرانس، صنهاجة وزناتة
قضى هؤلاء الجمالون الرحل في السهول الجنوبية على حياة الاستقرار
والزراعة التي كان التنظيم الذي جُعل عليه خط التحصينات هو العامل الوحيد
الذي صيّرها شيئاً ممكناً. وإن ظهور الرحل الحقيقيين في عالم إفريقي كانت
الإدارة الملكية ثم الرومانية قد دفعت منذ قرون بالبربري إلى حصر مجاله في
صفوف في ما يغرس من صفوف البصل وما يقيم من خطوط أشجار الزيتون، قد كانت له
نتائج عظيمة على البلاد وعلى السكان. فلما زال ذلك الخط [الفاصل] إذا
[السكان] شبه الرحل الذين كانوا من قبلُ يخضعون لمراقبة وتصفية شديدتين
أثناء ما كانوا يرتادون من مواطن الكلإ بين السفح الصحراوي والهضاب التي
تنتشر فيها زراعة الحبوب، قد صاروا يزيدون توغلاً في الأراضي الغنية
والمزروعة، مدفوعين بضغط الرحل الجمالين أو مختلطين بهؤلاء القادمين الجدد.
وقد كان لهذا الأمر نتيجة أخرى تمثلت في إدخال مجموعات بربرية جديدة قادمة
من الشرق في هذا الوسط من البربر الأوائل، وما كان هؤلاء يتميزون بنمط
عيشهم ودوابهم المركوبة وحتى حيواناتهم فحسب، بل إن أكثر ما كان يميزهم
لغتهم. فاللغويون قد تعرفوا على مجموعة خاصة، هم زناتة، وإليها ينتمي هؤلاء
القادمون الجدد. وما كان هؤلاء الزناتيون ينحدرون من النوميديين
والموريين، بل إنهم حلوا محل الجيتوليين واحتووهم في تجمعات قبيلة جديدة،
وجعلوا لهم نسباً جديداً.
وسيُزعم لهؤلاء البربر الجدد أنهم ينحدرون من شخص يدعى مادغيس، عُرف
بقلب غريب هو الأبتر؛ أي مقطوع الذنب، والمراد مقطوع الخلف، ومنه جاءت
تسمية البربر أنفسهم «بتراً» (جمع «أبتر»). وكانت صنهاجة أهم مجموعة [بين
هؤلاء القادمين الجدد]. وأما البربر الآخرون، المنحدرون من النوميديين
والموريين، وهم الذين أسميهم أوائل البربر، فهم ينتمون إلى شخص يدعى برانس.
وأهم مجموعة بين هؤلاء القادمين الجدد كانت هي صنهاجة، وقد أقامت لها
في مناطق مختلفة من المغرب الكبير والصحراء ممالك وإمبراطوريات عديدة. ولقد
وقع الباحثون في تبسيط شديد بالمعارضة القاطعة التي أقاموها بين زناتة
وصنهاجة. فلئن كانت النزاعات بينهما متواترة فسيكون من الخطإ الاعتقاد أن
كل البربر الرحل زناتيون وسائر الصنهاجيين مستقرون. فنحن لا نكاد نجد في
الوقت الحاضر من رحل ينتمون إلى المجموعة اللغوية الزناتية، فقد كانوا أول
المستعربين من البربر. وفي المقابل فإن ما بقي اليوم من لهجات البربر الرحل
(وهم الطوارق) إنما تنتمي إلى المجموعة الصنهاجية.

الغزو العربي : الحملات الأولى
كان الغزو العربي ثاني أكبر حدث تاريخي هز البنيان الاجتماعي للعالم
الإفريقي. وبعكس الرأي الشائع في الكتب المدرسية في أوروبا، لم يكن هذا
الغزو محاولة استعمارية، أي لم يكن مشروعاً استيطانياً. لقد تمثل الغزو
العربي في سلسلة من العمليات العسكرية الخالصة، كان يختلط فيها بكل سهولة
الطمع في الكسب مع الروح الدعَوية. ولخلاف صورة أخرى تُجعل لهذا الغزو،
فإنه لم يكن كذلك مجرد جولة بطولية على ظهور الخيل تكتسح أمامها كل مقاومة
ببساطة متناهية.
توفي النبي محمد سنة 632م، وعشر سنين بعدُ احتلت جيوش الخلافة مصر
وبرقة. وفي سنة 643م توغلت هذه الجيوش في طرابلس الغرب. وقد وجِّهت حملة من
الخيالة تحت قيادة ابن سعد حاكم مصر وأخي الخليفة عثمان من الرضاعة على
إفريقية (وهو تحريف عربي للاسم القديم «إفريقا»)، وكانت يومئذ مسرحاً
للمواجهات والتطاحنات بين البيزنطيين والبربر المتمردين وفي ما بين
البيزنطيين بعضهم ضد بعض. وقد كشفت هذه العملية عن ثراء البلاد وكشفت كذلك
عن مواطن الضعف فيها. كما وأنها حركت إليها المطامع المتأججة. ويصور لنا
المؤرخ النويري كيف أنه قد تم بكل سهولة إعداد جيش عربي صغير من سوقات
ساهمت بها معظم القبائل العربية. وقد خرجت هذه القوات من المدينة في شهر
أكتوبر من سنة 674م، وربما لم يكن عددها يتجاوز خمسة آلاف رجل، ولكن في مصر
زاد إليها ابن سعد، الذي تولى قيادتها، جيشاً من عين المكان، بما رفع
تعدادها إلى عشرين ألفاً من المقاتلين المسلمين. وقد قع الصدام الحاسم مع
الروم (البيزنطيين) بقيادة البطريق غريغوار بقرب سبيطلة في تونس، وكان فيها
مقتل غريغوار، ولكن العرب انسحبوا راضين، بعد نهبهم البلاد المنبسطة
وتحصلهم على جزية عظيمة من مدن بيزاسين (سنة 648م). ولم يكن لهذه العملية
من غرض آخر.

عقبة، فارس في سبيل الله
لم يبدأ الغزو [العربي] الحقيقي إلا في زمن الخليفة معاوية [بن أبي
سفيان]، الذي أعد جيشاً جديداً بقيادة معاوية بن خديج في سنة 666م. وبعدها
بسنين ثلاث أنشأ عقبة بن نافع مدينة القيروان، فكانت أول مدينة إسلامية في
المغرب الكبير. وتفيدنا الروايات المتناقلة عن المؤلفين العرب، وما فيها من
اختلافات كثيرة، أن عقبة قد زاد خلال ولايته الثانية من تكثيف الغارات
وتوجيهها إلى الغرب، فتم له الاستيلاء على مدن مهمة مثل لمبيز التي كانت هي
المقر للفليق الثالث والعاصمة لنوميديا الرومانية. ثم توجه بعدها نحو
تاهرت، على مقربة من تياريت الحديثة، ووصل إلى طنجة؛ حيث صور له شخص يسمى
يوليان أو يوليانوس بربر سوس (في جنوب المغرب) في صورة فيها الكثير من
التحامل. فقد حدثه عنهم بقوله : «إنهم قوم لا دين لهم، يأكلون الجثث
ويشربون من دماء مواشيهم ويعيشون عيشة الحيوانات، لأنهم لا يؤمنون بالله،
بل لا يعرفونه». فأوقع فيهم عقبة مذبحة عظمية، وسبا نساءهم وقد كن فاتنات
الجمال. ثم سار حتى غاصت حوافر حصانه في البحر المحيط، وهو يُشهد الله أنه
لم يعد من أعداء للدين فيحاربهم ولا كفرة فيقتِّلهم.
إنها رواية يغلب عليها الطابع الأسطوري، وتوجد بإزائها روايات أخرى
تقول إن عقبة تقدم حتى أقاصي فزان، قبل أن يشن معاركه في المغرب الأقصى،
ولم يُلق بالاً إلى المقاومات التي وقفت في وجه تلك الحملات. بل إن
المقاومة التي واجهت عقبة نفسه قد انتهت إلى كارثة اهتز لها الحكم العربي
في إفريقية لخمس سنين. فقد أعطى القائد البربري كسيلة، وإن يكن تحول قبلها
إلى الإسلام، انطلاقةَ الثورة عليه. وكان أن سُحقت قوات عقبة وهو في طريق
العودة، جنوبي الأوراس، وقُتل هو نفسه في تهودة، على مقربة من المدينة التي
تحمل اسمه وتضم قبره، سيدي عقبة. وزحف كسيلة على القيروان، وتم له
الاستيلاء عليها. وتراجعت بقايا الجيش الإسلامي حتى برقة. ثم توالت الحملات
والغارات، فكانت لا تكاد تخلو منها سنة من السنين. وكانت وفاة كسيلة في
سنة 686م، وما أمكن الاستيلاء على قرطاج إلا في سنة 693م، وكان بناء مدينة
تونس سنة 698م. وتزعمت المقاومة لبضع سنين امرأة من جراوة، إحدى قبائل
البتر سادة الأوراس. وقد كانت هذه المرأة تسمى «الداهية»، لكنها تشتهر
بالكنية التي جعلها لها العرب؛ «الكاهنة». ويمكن القول إن وفاتها، حوالي
سنة 700م، قد كانت فيها نهاية للمقاومة المسلحة من البربر للعرب. وبالفعل،
فعندما جاز طارق المضيق، الذي صار يُعرف باسمه (جبل طارق)، لغزو [فتح]
إسبانيا، كان معظم جيشه يتكون من مقاتلين بربر، من الموريين.

التحول إلى الإسلام وزوال الممالك البربرية المسيحية
كانت النتيجة الرئيسية للغزو العربي أن تحول معظم البربر إلى الإسلام،
وهو تحول تم بوتيرة أقل سرعة مما يُقال. وما تبقى من المسيحية غير جزر
صغيرة في المدن، وبعض هذه المدن حديثة الإنشاء؛ مثل القيروان وتاهرت. وكانت
بعض القبائل التي تهوَّدت في ظروف غير معروفة جيداً، هي التي كونت بداية
التجمع السكاني لليهود المحليين في شمال إفريقيا. ولقد تحول البربر بأعداد
كبيرة إلى الإسلام، على الرغم من «الردات» الكثيرة التي اتهمهم بها
المؤلفون العرب. ويدلنا هذا التحول على حرص معظم الأسر الكبيرة على
الانتماء إلى سلسلة نسب مشرقية. ومع أن النسابين يعرفون أن البربر مختلفون
عن عرب الحجاز فلقد بحثوا لهم عن أصول حميرية (من الجزيرة العربية)، أو
بحثوا لهم، كما سبق لنا أن رأينا، عن أصول كنعانية؛ وهو الأمر الذي يجزم به
ابن خلدون. وقد كان في وجود تقليد مماثل ابتداء من العهدين الروماني
والبيزنطي، قائم على ذكرى بعيدة لأصول بونيقية، مما شجع رجال الدين على
ركوب هذه المحاولة الأولى لطمس هوية البربر.
وكان للغزو العربي في القرن السابع نتيجة أخرى أبين وأوضح؛ فلقد حال
دون تطور هذه الممالك المورية التي كانت تعتمد على قوة القبائل وعلى ما
تبقى من الثقافة اللاتينية في المدن، وكانت تختلط بالمسيحية التي كانت
مزدهرة في سائر نطاقات إفريقيا الرومانية القديمة. وقد كانت بَقيت من هذه
الممالك البربرية المسيحية الآيلة إلى الزوال آثار بعضها هائل عظيم من قبيل
الجدَّارات العظيمة (ومن جملتها فرندة، في غرب الجزائر)، والتي يعود
أحدثها عهداً إلى ما بعد القرن الخامس بكثير، والكور بالقرب من مكناس
(المغرب)، والتي أمكن تحديد تاريخ بنائها في منتصف القرن السابع (640 ? 90
باستعمال كربون 14). وبين هاتين المقبرتين التين تقومان شاهدين على إمارات
قوية [في ما سلف]، تم العثور في مدينة ألتافا (أو حجر الروم، لامورسيير
سابقاً) ومدينة بوماريا (في تلمسان) على شواهد قبور مسيحية، كما عُثر فيها
على الكتابة الشهيرة للملك ماسونا. وفي أقصى الغرب تم العثور في مدينة
وليلي على مجموعة فريدة من النصوص المسيحية النقوشية، وكانت لا تزال تحمل
تواريخ العهد الروماني الأسقفي؛ فتواريخها تقع ما بين 595م و655م.

القرن الخوارجي
لقد صاحب تحول البربر إلى الإسلام تفاحشٌ في الانقسامات، ومن قبيلها
تلك الاضطرابات الكثيرة التي وقعت بسبب دخول المسيحية إلى إفريقيا. وكانت
أهم تلك الحركات هي التي نجمت عن تعاقب الخلفاء، خاصة ما تعلق منها بعزل
عليٍّ، صهر النبي، وتولية معاوية وبني أمية. وقد ضاق بعض المؤمنين
المتشبثين بنقاء الإسلام بتلك النزاعات وما كان يرافقها من أعمال القتل
والتنكيل، فخرجوا عن جمهور المسلمين ?فسُموا بالخوارج : الخارجين أو
المنشقين)، ودعوا إلى مذهب ديمقراطي يقوم على اختيار الخليفة. والمذهب
الخارجي، الذي نشأ في المشرق، قد لقي نجاحاًً كبيراً لدى البربر. وما رأى
أغلب مؤرخي العهد الاستعماري في هذا النجاح إلا أنه مظهر من مظاهر مقاومة
البربر للحكم العربي. وقد جيء بالتفسير نفسه كذلك للتطور الذي عرفته
الدوناتية1 أثناء الحكم الروماني على إفريقيا. وأما تصوري الشخصي فهو أن
الطابع التقشفي والديمقراطي نسبياً للمذهب الخوارجي كان يوافق العقلية
البربرية إلى حد كبير (انظر الفصل الرابع). وقد بلغت هذه الحركة من النجاح
شأواً بعيداً، بما جعل المغرب الكبير يظل مشتعلاً قسطاً كبيراً من القرن
الثامن. وقد أمكن لإحدى الانتفاضات الخوارجية، أطلقها سقّاء من المغرب
الأقصى، أن تمتد حتى إفريقية. وقامت انتفاضة بربرية أخرى للطائفة الصفرية
في جنوب إفريقية، فشكلت تهديداً خطيراً للحكم العربي؛ فقد تمكنت بها
الطائفة المذكورة من الاستيلاء على القيروان سنة 757م. ثم تحققت الغلبة
سنتين بعدُ في تلك المناطق نفسها لمذهب خوارجي آخر؛ هو المذهب الإباضي،
الذي لا تزال تجد له بقايا إلى اليوم في مزاب وجربة وجبل نفوسة. وفي الأخير
جاءت حملة جديدة من مصر فاستطاعت أن تعيد المذهب السني إلى ما يعرف حالياً
بتونس، وهي التي كانت قد بقيت حتى بداية القرن العاشر تحت حكم الأمراء
الأغالبة، الممثِّلين للخلفاء العباسيين. وأما ما تبقى من المغرب الكبير
فقد كان له سادة آخرون؛ فإمارة خوارجية، هي المملكة الرستمية في تاهرت، وسط
الجزائر، وعلى رأسها إمام من أصل فارسي، وأخرى في تافيلالت تتحكم في تجارة
القوافل في وادي الساورة والتجارة البعيدة مع السودان (مالي حالياً)،
وعاصمتها سجلماسة. وقامت مملكة أخرى في شمال المغرب على أساس ديني بزعامة
أحد الشرفاء (المنتسبين إلى آل النبي) واسمه إدريس، وهو من الأحفاد
المتأخرين لعلي وفاطمة، كان استقر في مدينة وليلي. ثم أسس ابنه، إدريس
الثاني، مدينة فاس سنة 809م. وقد استمرت هذه الأسرة قائمة حتى نهاية القرن
العاشر [الميلادي].
1 - حركة قام بها أسقف قرطاج في القرن الرابع الميلادي، والتسمية مشتقة من اسمه دوناتوس. المترجم.


27-07-2012
avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الخميس 2 أغسطس 2012 - 20:58


24) قضى الموحدون على الكفار بحد السيف وشتتوا آخر الجماعات المسيحية على
طول البلاد وعرضها، وقضوا على الإمارات اليهودية القليلة التي كانت تمثل
ذكرى بعيدة للتوسع القديم الذي تحقق لليهودية لدى بعض قبائل البربر.

ملحمة كتامة والخليفة الفاطمي
في تلك الأثناء كانت تجري في وسط المغرب الكبير أولاً، وبعد ذلك في
إفريقية، مغامرة عجيبة. فبينما كان البربر البتر، الزناتيون، يسيرون في
توسع في السهول العليا، كان البربر من الفرع الآخر، الصنهاجي، يحتفظون
بالأقاليم الجبلية في وسط الجزائر وشرقها. وقد اتفق لإحدى هذه القبائل، هي
كتامة، التي كانت تستوطن منطقة القبائل الصغرى منذ العهد الروماني، أن
استقبلت داعية شيعياً. والشيعة هم أنصار علي، صهر النبي، الذي كان قد أُقصي
من الحكم ثم قُتل. وقد كان هذا الداعية، واسمه أبو عبد الله، يبشر بظهور
الإمام «الموعود»، أو المهدي [المنتظر]، الذي لا يمكن أن يكون إلا من ذرية
علي وفاطمة. وخلال بضع سنين تمكنت السوقات الكتامية، ذات التنظيم المحكم
تحت قيادة أبي عبد الله، الذي ظهر أنه كان مخططاً حربياً محنكاً، من
الاستيلاء على سطيف فباجة ثم قسطنطينة. وفي شهر مارس من سنة 909م تم للشيعة
الاستيلاء على القيروان، فأعلنوا عُبيد الله الفاطمي، الذي كان لا يزال
سجيناً في الطرف الآخر من المغرب الكبير، في سجلماسة القصية، إماماً عليهم.
وقد وجه إليه كتامة حملة، بقيادة أبي عبد الله الجَلود، فعادت به ظافراً
إلى القيروان (في دجنبر من سنة 909م)، وقامت في طريقها كذلك بتقويض
الإمارات الخوارجية. وفي سنة 916م أسس المهدي عاصمة جديدة، هي المهدية، على
الساحل الشرقي لتونس، ووجَّه مخلصيه من كتامة في حملة على صقلية، ووجههم
في السنة التي بعدها في حملة على مصر. ثم قامت هذه المليشيا الصنهاجية أربع
سنين بعدُ، تحارب من جديد في أقصى المغرب؛ حيث أمكن لها أن تقوض المملكة
الإدريسية بمساعدة قبائل مكناسة.
وعليه فقد نجحت الأسرة الفاطمية، المنحدرة من عبيد الله لبعض الوقت،
في بسط سيطرتها على الجزء الأكبر من شمال إفريقيا، ولكن تمردات طاحنة كانت
لا تفتأ تهز البلاد. وأخطر تلك التمردات هي التي قادها مخلد بن كيداد
الملقب بأبي يزيد، صاحب الحمار. ولكن كتبت النجاة للأسرة الفاطمية مرة أخرى
بفضل التدخل الذي كان لصنهاجة في وسط المغرب الكبير، بقيادة زيري. ولذلك
فلما قام الفاطميون باحتلال مصر بمساعدة صنهاجة واتخذوا لهم القاهرة عاصمة
(سنة 973م)، تركوا حكم المغرب الكبير لقائدهم العسكري؛ بلقين بن زيري. وقد
كان هذا القرار، الذي بدا قراراً حكيماً، بترك إدارة البلاد لأسرة بربرية،
سبباً في أسوإ نكبة ستحيق بالمغرب الكبير.

عقاب الزيريين والكارثة البدوية
لقد تحلل الزيريون خلال ثلاثة أجيال من روابط التبعية التي كانت
تربطهم بالخليفة الفاطمي. ففي سنة 1045م ألغى المعز المذهب الشيعي، وأعلن
ولاءه للخليفة العباسي في بغداد. وبالفعل فالغالبية من المغاربين قد بقيت
على المذهب السني. وكان عقاب الخليفة الفاطمي للزيريين عن هذا الانفصال بأن
«سلّم» المغرب الكبير إلى القبائل العربية، شديدة الشغب، بعد أن كانت
محصورة في سايس، شرقيّ النيل، في صعيد مصر. وقد كانت هذه القبائل، وهي جشم
وأثبح وزغبة ورياح وربيعة وعدي، تنتسب إلى جد مشترك؛ هو هلال، ومنه كان اسم
الغزو الهلالي الذي صارت تُعرفت به هذه الهجرة لمشرقيين إلى شمال إفريقيا.
وقد دخل بنو هلال إلى إفريقية، ودخلها في أعقابهم بنو سليم، في سنة 1051م.
وسيكون من الخطإ أن نتصور وصول هذه القبائل في صورة جيش زاحف يحتل كل ما
يقع عليه من الأراضي فلا يفلت منها شيئاً، ويحارب بدون هوادة الزيربين ثم
بني عمومتهم الحماديين الذين كانوا قد أقاموا لهم مملكة مستقلة في الجزائر.
كما سيكون من الخطإ أن يذهب بنا الاعتقاد إلى أنه قد قامت بين العرب
الغزاة والبربر مواجهة شاملة من طبيعة عرقية أو قومية. فالقبائل التي كانت
تدخل إلى المغرب الكبير كانت تحتل البلد المفتوح، وتعيد تجميع قواتها
للاستيلاء على المدن؛ فتنبري تنهبها حتى لا تبقي منها على شيء، ثم تتوزع من
جديد وتصير تتقدم في سائر الأنحاء وتمعن في النهب وإشاعة الخراب.
لم يتردد الأمراء البربر من الزيريين والحماديين، والموحدين من بعدهم، في
استعمال القوة العسكرية، التي كانت متوفرة بين أيديهم على الدوام، متمثلة
في هؤلاء الرحل؛ الذين صاروا بذلك يتوغلون رويداً رويداً في البوادي
المغاربية.
ولئن قام بنو هلال وبنو سليم، وبنو معقل من بعدهم، بنهب القيروان والمهدية
وتونس وأهم المدن في إفريقية، وأن ابن خلدون قد وصف جيوشهم بالجراد المنتشر
الذي يدمر كل شيء في طريقه، فإن هؤلاء الأقوام كانوا بما بثوا من بذور
الفوضى في المغرب الكبير أعظم خطراً مما كانوا يأتون من أعمال السلب
والنهب.
وسنرى في الفصل القابل كيف أن وصول العرب البدو قد أحدث تغييراً جذرياً على
صورة بلاد البربر وأدى إلى تعريب القسم الأكبر منها. لكننا لا نستطيع أن
نحمّل بني هلال، الذين لم يكونوا يزيدون عن مائة ألف، المسؤوليةَ عن الفوضى
والخراب اللذين امتدا إلى كل البوادي، من إفريقية إلى المغرب الأقصى،
ونُبرئ البربر، خاصة الزناتيين. والحقيقة أن حضور العرب قد عزز من جانب
السكان الرحل، ومع أن عددهم كان ضئيلاً عند وصولهم في القرن الحادي عشر،
فلقد اضطلعوا بدور حاسم على الصعيد الثقافي والاجتماعي والاقتصادي.

مغامرة المرابطين. البربر الصحراويون
في إسبانيا
ها هي ذي مفارقة جديدة، من قبيل تلك المفارقات التي يعج بها تاريخ
بلدان المغرب؛ فبالموازاة لذلك العامل الخطير من عوامل الفوضى والانشقاق،
الذي كنا نراه في انتشار مخيمات البدو، كنا لا نفتأ نرى كيف تقوم
الإمبراطوريات البربرية الكبرى قفْوَ بعضها البعض. ففي الوقت الذي كانت
المملكتان الصنهاجية والزيرية في إفريقية والحمادية في وسط المغرب الكبير
تسير إلى انهيار واضمحلال بفعل ضربات القبائل الهلالية والانتشار البطيء
لذلك العنصر الخطير المتمثل في الترحال بسبب تكالب الخطرين الزناتي
والعربي، كان المغرب الأقصى مسرحاً لمغامرة حربية جديدة قامت على أساس
ديني. فقد كانت النتيجة السريعة [لهذه العوامل] قيام الإمبراطورية
المرابطية، التي امتدت من السنغال إلى إسبانيا ومن المحيط الأطلسي إلى خط
الطول عند مدينة الجزائر. والمفارقة تتمثل في أن المؤسِّسة لهذه
الإمبراطورية كانت قبيلة بربرية من الرحل من الصحراء الغربية؛ هي لمتونة،
المنتسبة إلى صنهاجة. فقد كانت الرغبة في إحياء إسلام نقي وصارم دافعاً
لبعض وجهاء لمتونة إلى دعوة رجل مصلح من سجلماسة؛ هو ابن ياسين، فجمع
أتباعه في رباط (ومنه جاءت تسميتهم : «المرابطون»). ثم قام اللمتونيون
الشجعان والمدربون جيداً من قبل يوسف بن تاشفين، مؤسس مدينة مراكش، باحتلال
المغرب، والقسم الأكبر من الجزائر وأخضعوا لهم إسبانبا المسلمة.
وهاك مفارقة أخرى؛ فالمرابطون قد أقاموا هذه الإمبراطورية بدافع من
الإصلاح الديني، فقاموا أولاً بالقضاء على المبتدعة برغواطة، ثم أخضعوا لهم
الملوك المسلمين الصغار في إسبانيا، وهم الذين كانوا يعيشون في ترف
واختلاط بالمسيحيين لا يجيزهما التقشف والتشدد اللذان كانا صفة للمرابطين.
ولكن بسبب من هذه السيطرة على إسبانيا كان المرابطون هم أنفسهم من أدخل إلى
المغرب الأقصى بذور الثقافة الأندلسية، بعد أن كان يركن إلى حياة من الشظف
والتقشف. فعلى أيدي هؤلاء الصحراويين الأجلاف عرف المغرب حضارة هي الأكثر
تميزاً بين الحضارات المتمدنة التي قامت في أرض الإسلام.
وفي أقل من ثلاثة أجيال لم يلبث أبناء هؤلاء المحاربين الأشداء
الملثمين (فقد كان اللمتونيون كأغلب الصحراويين ملثمين) أن استلانوا بحياة
الترف، وجرفتهم ريح أخرى إصلاحية من طبيعة عسكرية وقبلية.

الإمبراطورية الموحدية
جاءت الحركة الإصلاحية تستمد جذورها هذه المرة من قبيلة صنهاجية أخرى،
لكن جبلية؛ تلك هي مصمودة من الأطلس الكبير، غير أنها اتبعت سيرورة مطابقة
لتلك التي كانت من كتامة ثم لمتونة من بعدهم في إقامة الإمبراطورية. فقد
كان المؤسس لهذه الحركة الجديدة، كما في الحالتين السابقتين، رحالة؛ ذلك هو
ابن تومرت من قبيلة هرغة. ومع أن أسرته كانت بربرية إلا أنها كانت تدعي
انتسابها إلى علي، صهر النبي. وهو وإن يكن مصمودياً فلقد اختار لخلافته
رجلاً بربرياً هو الآخر، من صنهاجة ندرومة (في غرب الجزائر) المنتمين إلى
قبيلة كومية؛ ذلك هو عبد المؤمن، وكان من أشد المخلصين له. وتقوم دعوة ابن
تومرت، الذي أعلن أنه هو المهدي المنتظر، على قاعدة أساسية؛ إنها وحدانية
الله المطلقة (ومنها جاء اسم الموحدين : المقرون بالوحدانية لله). وكلمة
«الموحدون» تدل على العقيدة وعلى الأسرة الحاكمة المنحدرة من عبد المؤمن.
والموحدون يرفضون كل تساهل مع الكفار أو مهادنة لهم، كما ويضربون عن كل ما
يمت بصلة إلى الثراء أو الترف. وكان الموحدون أكثر الحركات الإصلاحية
تعصباً في الإسلام المغاربي، وقد قضوا على الكفار بحد السيف وشتتوا آخر
الجماعات المسيحية على طول البلاد وعرضها، وقضوا على الإمارات اليهودية
القليلة التي كانت تمثل ذكرى بعيدة للتوسع القديم الذي تحقق لليهودية لدى
بعض قبائل البربر.
وتمكن مصمودة بمساعدة كومية، أنصار عبد المؤمن، من القضاء على آخر
المرابطين، وتم لهم الاستيلاء في سنة 1147م على فاس وتلمسان ومراكش. وفي
أقل من عشر سنين صار المغرب الكبير ? من الناحية الاسمية على الأقل ? وقد
دخل تحت سيطرة الموحدين. وبسطوا نفوذهم كذلك على إفريقية، وهي التي تأبّت
عن قبضة المرابطين، فقد غزوها وأخضعوها لحكمهم. وبذلك أمكن للمرة الأولى
منذ عهد الإمبراطورية الرومانية أن تجتمع منطقة شمال إفريقيا كلها تحت سلطة
واحدة، وللمرة الأولى في تاريخ شمال إفريقيا كانت تلك السلطة نابعة من
الأرض الأفريقية.
وقد يكون من الخطإ الجسيم أن نذهب إلى الاعتقاد بأن الموحدين كانوا
مهتمين لانتصار «قومية بربرية» كيفما كان نوعها؛ فهو أمر لم يكن ليخطر لهم
ببال. وإذا كان عبد المؤمن ورؤساء مصمودة قد أقاموا الإمبراطورية بالاقتصار
على إحلال عناصر القانون القبلي محل الإدارة في البلدان التي قاموا
بغزوها، فإن الخلفاء الجدد أحاطوا أنفسهم بوزراء من الأندلس. وإذا كان عبد
المؤمن قد سحق في سطيف الأثبج وزغبة ورياحاً، وهي كلها قبائل هلالية، فلقد
أتخذ من هؤلاء المهزومين جنوداً مساندين، وفعل خلفاؤه كمثل فعله وإياهم،
ففتحوا المغرب الأقصى في وجه هؤلاء الرحل الأجلاف. وإذا كانت حركة الموحدين
المتزمتة والفظة والمتقشفة في مظاهرها توافق المزاجَ البربري من دون شك،
فإن الإمبراطورية الموحدية، التي امتد نطاقها كذلك إلى إسبانيا، قد كانت
تشرع نوافذها على الثقافة الإسبانية الموريسكة، فمهدت بذلك للازدهار الذي
ستبلغ فيه هذه الثقافة أوجها في المغرب تحت حكم المرينيين، ذوي الأصول
الزناتية الذين خلفوا الدولة الموحدية.

نهاية سيطرة البربر في المغرب الكبير
ظلت الأسرة التي أسسها عبد المؤمن قائمة لم تزل إلا في النصف الثاني من
القرن الثالث عشر، ولكن التدهور ابتدأها في وقت مبكر جداً. ويمكن أن نجعل
بداية ذلك التدهور من الهزيمة القاصمة التي نزلت بها في لاس نافاس دي
تولوز، فقد صارت السيطرة الإسلامية في إسبانيا من بعدها تنحصر في الأندلس
(1212م).
ثم تفككت أوصال الإمبراطورية [الموحدية] في بلدان المغرب خلال جيلين اثنين.
فإذا إفريقية التي صار سكانها منذئذ يكادون يكونون معرَّبين بالكامل، قد
باتت مملكة مستقلة تحت حكم ذرية حاكم موحدي، هو أبو حفص. وإلى أحد هؤلاء
الملوك، ذلك هو المستنصر، سيوجه القديس لويس آخر الحروب الصليبية (1270م).
لقد تصرمت يومها عن وسط المغرب الكبير الفترة الطويلة لحكم صنهاجة (من
الحماديين والمرابطين والموحدين) إلى غير رجعة، ودخلت هذه المنطقة تحت حكم
بني عبد الوديد، وهم زناتيون مستعربون، وعاصمتهم تلمسان. وأما المغرب
[الأقصى] فقد أصبح مملكة يحكمها بنو مرين، وهم الآخرون زناتيون كانوا في
تنافس دائم وبني عبد الوديد. وقد سعى أحد ملوك المرينيين، ذلك هو أبو
الحسن، الذي كان بسط سيطرته على تلمسان لوقت قصير، في إعادة توحيد بلدان
المغرب الكبير، لكن دون طائل.
يعيد هذا التقسيم الثلاثي الذي وقع لإفريقيا إلى أذهاننا ما كان يقع في
الأزمنة قُبيل التاريخية وفي العهد الروماني، وهو التقسيم الذي نلاقي له
شبيهاً، مع مراعاتنا لكل الخصوصيات، في الرسم الحالي للحدود والناجم عن
الحكم التركي وعن فترة الاحتلال الفرنسي. لكن لا ينبغي أن نخطئ بشأن هذه
الاستمرارية وهذا الثبات؛ فالتصور المشرقي والقروسطي للولاء الشخصي، وتطور
حياة الترحال ورفض القبائل الجبلية، التي استمرت على لغتها البربرية، لكل
سلطة خارجية تقع على مجموعاتها، هذه الأمور [مجتمعة] لا تسمح بالإتيان
بالرسم الصحيح للحدود الترابية لهذه الممالك المتحركة. وما أكثر ما كان
هؤلاء الحكام اللاحقون على العهد الموحدي، مع أن بينهم ساسة وحكاماً
عظاماً، ينحصر سلطانهم في ضواحي عواصمهم.
والتآكل الذي كان يقع لهذه الممالك من الداخل سرعان ما انضاف إليه خطر آخر
خارجي. فبعد التراجع الذي وقع للإسلام شرعت الدول المسيحية في أوروبا في
مهاجمة بلدان المغرب. فقد بدأ النورمنديون في صقلية في ذلك الهجوم منذ
العهد الفاطمي. وأما الحملة الصليبية الثامنة التي وقعت على تونس في القرن
الثالث عشر فقد ظلت حدثاً معزولاً لم يُتبع بعقب. ثم جاءت حملات
البرتغاليين والإسبان من بعدهم فكانت أبلغ وقعاً وتأثيراً بكثير. وما كانت
نهاية القرن الخامس عشر ولا كان القرنُ السادس عشر إلا سلسلة طويلة من
الغزوات البحرية والغارات، بله شهدا كذلك قيام تحالفات عابرة أدت إلى إقامة
مجموعة من المستودعات البرتغالية ذات التحصين الجيد على الساحل الأطلسي،
كما أدت إلى احتلال الإسبان للثغور الواقعة على الساحل المتوسطي. وكانت
النتيجة المتوقعة أن قام طامع ثالث ليهتبل الضعف الذي ران على الممالك
المغاربية ويفيد من ذلك الصراع الخارجي ضد الكفار؛ أولئك هم الأتراك الذين
بسطوا سيطرتهم على الجزائر وتونس وطرابلس التي كانت امتداداً لها. لكن
موضوعنا في هذا الكتاب لا يتسع لهؤلاء القادمين الجدد، الذين كانوا محدودين
تعداداً، ولم يكن يجمعهم بالعرب والبربر غير العقيدة الإسلامية (كما وأنهم
معتنقون للحنفية فيما المغاربيون مالكيون). وأصبح البربر منذ ذلك وقد
فقدوا كل دور تاريخي. وانتهت الممالك والإمبراطوريات وما عاد وجود للأسر
[الحاكمة] حتى العابرة منها. وصار البربر في الشمال لا يزيدون عن مزارعين
مستقرين أو رعاة رحل، وانحصر طموحهم السياسي في المحافظة على استقلال قبلي
مهدد على الدوام. غير أنهم في وسط الصحراء وفي جنوبها لا يفتأون يوسعون من
سيطرتهم على الأعراق السوداء.


28-07-2012
avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: غابرييل كامب : البربر - ذاكرة وهوية

مُساهمة من طرف izarine في الجمعة 3 أغسطس 2012 - 14:19



25)
إذا ما ذكر المؤرخون الأجانب البربر لم يزيدوا في ذكرهم لهم عن النزاعات
التي كان هؤلاء المتمردون الأجلاف يشنونها على السادة الأجانب الجدد الذين
انتقلت إليهم مقاليد السلطة

السيطرة الأجنبية وعمليات التثاقف
لا يزيد تاريخ المغرب الكبير عند كثير من المؤلفين عن أن يكون تاريخاً
للحكم الأجنبي. فهم يقتصرون فيه على تتبّع تعاقب حسب العصور والأزمنة :
الفينيقيون والرومان والوندال والبيزنطيون والعرب والأتراك والفرنسيون.
وإذا ما ذكروا البربر في موضع من مؤلفاتهم فلا يزيد الغرض منه عن تفسير
النزاعات التي يشنها هؤلاء المتمردون الأجلاف على السادة الأجانب الجدد
الذين انتقلت إليهم مقاليد السلطة. ولقد باتت هذه الرؤية الاستعمارية إلى
التاريخ اليوم شيئاً متجاوزاً. فمنذ ربع قرن وأنا أنكر هذا الخطَل، وهو أمر
يسهل فهمه؛ فمما يؤسف له أن الأجانب هم وحدهم الذين تركوا لنا الوثائق
المكتوبة، وهي المواد التي عليها يُبنى التاريخ.
ولقد كان من اليسير على المدرسة التاريخية المغاربية الناشئة أن تندد،
وأحياناً بروح تغلب عليها المجادلة الحامية، بهذا التاريخ المدخول بالنزعة
الاستعمارية، ولكننا نرى هذه المدرسة تغرق في خطَل مماثل؛ إذ تنسى هي
الأخرى، من حرصها على الوحدة الوطنية الثقافية، المعطيات الأساسيةَ لسكان
شمال إفريقيا، ولا تعتد بغير الإضافة العظيمة التي جاء إليهم بها الإسلام،
ممتزجاً بالعروبة.
وجملة القول إن البربر منسيون من التاريخ في كل العصور.
لكن أليس البربر بمسؤولين هم أيضاً عن هذا الوضع؟ سنسعى، من خلال
استعراض مختلف العصور المحفوظة تقليدياً في تاريخ بلدانهم، إلى تحليل ردود
الأفعال التي كانت تبدر منهم في مواجهة الثقافات الخارجية التي قدِّمت
إليهم أو فُرضت عليهم

البربر والحضارة البونيقة، مثاقفة ناجحة ومجهولة
إننا نحكم على البربر بأن دورهم كان دوراً سالباً من كل الوجوه عندما
نتصورهم من مطلع التاريخ [مجرد] مستقبلين من المشرق لحضارة مكتملة التكوين
فتقبلوها بشيء من الحماس كثير أو قليل. فتكون تلك الحفنة من البحارة
المشرقيين مبدعين حقيقيين قد جاءوا لحشد لاعضوي متوحش ولا يملك ذرة من
ثقافة بكل العناصر المكونة لحضارة قد تحقق لها النضج والاختمار بطول الزمن
على الساحل الفينيقي. والحال أن الليبيين لم يكونوا، لدى وصول الفينيقيين
الأوائل، مجرد أفاقين بؤساء ولا كانوا مجرد مجموعة من السكان المحليين
الغارقين في بدائية ما قبل تاريخية. فالمبادلات [التجارية] التي كانت
[للبربر] منذ قرون مع شبه الجزر الأوروبية والجزر ومع مناطق في شرق إفريقيا
قد كانت عاملاً في تلقيهم للعناصر الأولية لحضارة متوسطية استمرت معظم
مكونات ثقافتها المادية قائمة في السلاسل الجبلية الساحلية، بدءاً من الريف
وحتى رأس أم القعود. ومهما قال بوليب أو قال المؤرخون الذين نقلوا عنه،
فإن النوميديين لم ينتظروا حكم ماسينيسا ليقوموا بزراعة سهولهم الخصيبة.
وتضم المقابر الصخرية العظيمة آلاف القبور لفلاحين مستقرين قد أودعوها
أوانيهم الفخارية، التي بقيت تقنياتها وأشكالها وزخارفها، ويا للغرابة، على
حالتها الأصلية عند أحفادهم في الوقت الحاضر.

الدولة القرطاجية والممالك المحلية
لكن يُتبين من بدايات قرطاج أن المدينة كان عليها أن تواجه لا عداوة
صراحاً، بل أن تواجه على الأقل تطلُّبات صادرة عن سلطة منظمة لا عن مجموعات
صغيرة من الرحل كان يكفي لتفريقها مجرد استعراض للقوة. والواقع أن هنالك
إتاوة كانت تُدفع بانتظام برسم إيجار الأرض المغطاة بجلد الثور الأسطوري
(وهذا تفسير مزاجي لاسم برسا). بل وأكثر من ذلك؛ فعندما ضحت إليسا ديدون
بنفسها على المحرقة فإنما فعلت للهرب من تطلُّبات حيارباص ملك
الماكسيتانيين. وقد قال أوستات عن هذه الشخصية إنه كان ملكَ المازيس. و من
المعلوم أن هذا الاسم الذي حمله أقوام كثيرون من إفريقيا القديمة هو نقل
للاسم البربري مازيغ وإيمازيين، الذي يطلقه هؤلاء القوم على أنفسهم. وقد
كان الاعتقاد يذهب إلى أن الماكسيتيين الذين ذكرهم جوستين كانوا يحملون
الاسم نفسه محرفاً بلسان أخرق، لكن ج. ديسانج جاء منذ وقت قريب بتفسير آخر
يبدو لي مثيراً للاهتمام وزاخراً بالنتائج، فقد ذكر أن الماكسيتانيين كانوا
يسكنون إقليماً قريباً بطبيعة الحال إلى قرطاج لا يزال اسمه باقياً في
باقوس موكس، وهو نفسه وريث دائرة إقليمية قرطاجية. وبذلك تتطابق الحكاية
الأسطورية ويا للغرابة مع الوقائع السياسية.
وعليه فإننا نلحظ منذ بدايات قرطاج كيانين متواجهين : المدينة التجارية
المشرقية، وما يشبه السيادة الليبية. ومن التقاء هذين الكيانين، المشرقي
والإفريقي، نشأ الواقع البونيقي. وما كان الأمر مجرد نقل لما كان في صور
وصيدا إلى الأرض الإفريقية. وإذا كانت التقاليد البونيقية قد بقيت حية عند
الإفريقيين القدامى فلأنها لم تكن عنهم بغريبة، بل نشأت بينهم، في المدن
حيث أسماء الأعلام، ومعظمها سامي، لا تفلح في إخفاء الإضافة العرقية
الإفريقية.
ينبغي لنا أن نتخلص من المفاهيم المتحجرة المرتبطة بتصورنا للدولة والحدود
والتراب والمملكة. فهذه الكيانات لم تكن أشخاصاً قانونيين محددين بدقة.
وإذا كان من اليسير علينا المقابلة بين قرطاج وإمبراطوريتها، كما عرفناها
في القرن الرابع، وبين المملكتين النوميدية والمورية، فإذا تمعّنا في
المعطيات الجغرافية أمكننا أن نتصور وجود تداخل يكاد يتعذر على الحل بين
قوتين. وعندما يقول سكيلاكس المزعوم في القرن الرابع إن كل المستودعات أو
المدن الليبية، بعد أن عدَّدها؛ من سيرت الكبرى حتى أعمدة هرقل تعود إلى
القرطاجيين، فربما بعثنا هذا القول على الشك في قوة المملكتين النوميدية
والمورية، بل ربما بعثنا على الشك في وجودها أيضاً، لو لم يكن في بناء مآثر
في عظمة المدراسن في الوقت نفسه ما يقيم الدليل على وجودهما وقوتهما.
ولو أن عداوة حقيقية وطويلة كانت قد دامت بين قرطاج والإفريقيين، كما توحي
بها قائمة الحروب والتمردات التي استجمعها سـ. جسيل من المؤلفين القدامى،
لما أمكن أن نفهم كيف لبلدات بونيقية صغيرة، ولو كانت محاطة بأسوار، أن
تستطيع البقاء في سلسلة طويلة وهشة بطول الساحل النوميدي والموري. ونحن لا
نعتقد أن الأمر كان يتعلق بسيطرة محققة ومؤكدة، بل نعتقد أن الأمر كان
يتعلق بنسيج فضفاض من العلاقات بين ثلاثة أقطاب : المستودع القرطاجي (أو
المدينة الفينيقية القديمة الخاضعة لقرطاج)، والحاضرة البونيقية والممالك
المحلية.
ويظهر ضعف السيطرة القرطاجية على الأرض الإفريقية بأكثر وضوحاً في معاهدة
سنة 201م وما كان لها من نتائج. فمن المعروف أن سكيبيون قد اعترف لقرطاج
بملكية الأقاليم الواقعة شرق «الخنادق الفينيقية»، لكن ماسينيسا كان مخولاً
له أن يطالب، في نطاق تلك الحدود، بالأراضي التي كانت تعود إلى أسلافه.
وقد استعمل الملك الماسيلي هذا البند، الذي اتضح أنه كان السبب الحقيقي
وراء الحرب البونيقية الثالثة. وقد بين شـ. سومان بوضوح أن ماسينيسا استعمل
الحجج القانونية الأكثر فعالية بإثبات أن قرطاج لم تحز أقاليمها تلك إلا
بالعنف، وأنها ليس لها أي حق في تملكها، وأن هذه الملكية تقوم في أصلها على
أساس غير مشروع. فيمكننا القول بلغة اليوم إن ماسينيسا قد قام بالإدانة
للاستعمار.
ولكن يجب ألا ننقاد بوهم المقارنات التاريخية؛ فهذا النوميدي قد كان كذلك
بونيقياً، ولم يكن يختلف لا جسمانياً ولا ثقافياً عن خصومه القرطاجيين. فقد
كانت تجرى في عروقه دماء قرطاجية بقدر ما كانت تجري في عروق هانيبال دماء
إفريقية. وأما الاعتقاد بوجود عالمين متواجهين فهو كالقول بوجود حزب نوميدي
في قرطاج في مطلع القرن الثاني. ولا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا العلائق
الكثيرة التي نُسجت بين القادة الإفريقيين والأرستقراطية القرطاجية عن طريق
الزواج. فقد حفظ لنا التاريخ على مدى جيلين ذكريات للعديد من الزيجات أو
الوعود بالزواج بين الفريقين. فقد وعد هاميلكار بإحدى بناته لنارافاس خلال
حرب المرتزقة، وتزوج أوزالسيس، عم ماسينيسا، من ابنة أخٍ لهانيبال، ونعرف
بالمصير المأساوي الذي كان من نصيب سوفونيسب، وأن ماسينيسا الذي نشأ، حسب
ما ذكر أبيان، في قرطاج، قد زوّج إحدى بناته لقرطاجيّ أنجب منها ولداً سُمي
أدهربال. وليس من باب الصدفة أن يكون الأمراء والقادة البربر قد اعتبروا
قرطاج طوال قرون بمثابة العاصمة لهم، وأن الأسر الملكية كانت تسعى في
الاقتران ببنات الأستقراطية، اللائي أدخلن إليها، مع عطورهن ومجوهراتهن،
آلهة صور وسياسة قرطاج. فما همّ أن تكون هذه السياسة فشلت في الأخير؛ فما
صارت إفريقيا قط بونيقية بالقدر الذي صارت عليه بعد التخريب الذي وقع عليها
في 146 ق. م. وقد ترك لنا التاريخ، الذي يولي اهتماماً إلى الرموز، صورة
لأبناء ماسينيسا وهم يستلمون من يديّ سكيبيون إميليان المخطوطات التي تم
تخليصها من النيران عربوناً مادياً للإرث الروحي لقرطاج.
لم يكن التنافس بين المسيليين وقرطاج يزيد كثيراً في شراسته وعنفه عن
التنافس الذي كان بينهم والماسيسيليين أو التنافس الذي كان قائماً بين
المدن ذات الأصول الفينيقية.

30-07-2012

avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 58
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى