صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

"المسْجِدُ الحَرَام فِي صُحُفِ أَهْلِ الكِتَابِ"

اذهب الى الأسفل

"المسْجِدُ الحَرَام فِي صُحُفِ أَهْلِ الكِتَابِ"

مُساهمة من طرف ربيع في الأربعاء 5 سبتمبر 2012 - 21:41



الحمد
لله الأله الحق المبين, بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق بين يدي
الساعة بشيراً ونذيراً, فهدى به من الضلالة وبصَّرَ به من العمى, وفتح به
أعيُنَاً عمياً وآذاناً صُمَّاً وقلوباً غُلفاً, وأظهر به الدين الذي
ارتضاه ناسخاً للأديان, مُبطِلاً لكل ما سوى الإسلام, صلى الله عليه وعلى
آله وصحبه ومن تبعه بإحسان, وبعد:


قال أبو نواس وقد عزم الحج:


إلهنا ما أعدلكْ ... مليك كل من ملكْ


لبيك قد لبيت لك ... لبيك إن الحمد لكْ


والملك لا شريك لك ... ما خاب عبدٌ سأَلَكْ


أنت له حيث سلك ... لولاك يا ربّي هلكْ


لبيك إن الحمد لك ... والملك لا شريك لك


كل نبيّ وملك ... وكلّ من أهلّ لكْ


وكل عبد سألَك ... سبّحَ أو لبّى فلكْ


لبيك إن الحمد لك ... والملك لا شريك لك


والليلُ لمّا آن حَلَكْ ... والسابحاتُ في الفلكْ


على مجاري المُنْسَلكْ ... لبيك إن الحمد لكْ


والملك لا شريك لك ... يا خاطئاً ما أغفلكْ!


اعمل وبادرْ أجلك ... واختمْ بخير عَمَلكْ


لبيك إن الحمد لك ... والملك لا شريك لكْ


إن
ارتباط الدين بمكة قديم جداً ولا نبعد إذا قلنا بوصله لبداية العهد
الإنساني في الاستخلاف الأرضي, فبدأ بآدم عليه السلام. والمتيقّن عند
المسلمين أن إبراهيم عليه السلام قد رفع القواعد من بيت الله (الكعبة)
وأعانه ابنه البكر إسماعيل, وأذَّن الخليل في الناس بالحج, ومن حينها لم
ينقطع الحج, بل جدّده الأنبياء الكرام عليهم السلام, جيلاً بعد جيل, حتى
ختمهم الله تعالى بالرسول الخاتم محمد صلوات الله وسلامه عليه, وقد بشّرت
بهذا الرسول الخاتم الكتب السابقة وبمكانه وأحواله وأوصافه, كما بشّرت
ببلده الأمين بكّة, وبالمشاعر العظمى كعرفات ومنى, وبالحج المشهود, ونحو
ذلك.


أيا عذبات البان من أيمن الحمى ... رعى الله عيشاً في رباك قطعناه


والباعث على هذه المقال وما يتبعه من مقالات أمور:


منها:
زيادة يقين المؤمنين، فلليقين مراتب كما للإيمان؛ يزيد وينقص كما في قصة
طير ابراهيم عليه السلام. (البقرة:260) وإن كان في ديننا غنية تامة عن هذا
الباب من الإسرائيليات, ولكن من باب: "أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني
إسرائيل" (الشعراء: 197) كذلك: "وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله"
(الأحقاف: 10) كما أن نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه قد ذكر لنا حجّ
الأنبياء كموسى ويونس وحجة عيسى المستقبلية عليهم السلام، وقد قد فصّل الله
تعالى في القرآن العظيم أصول حج بيته الشريف ونداء أبي الأنبياء عباد الله
إليه.


هذا
ومرويات حج البيت الحرام لدى أهل الكتاب هي من أجلى الأمور على دلائل نبوة
الخاتم صلى الله عليه وسلم, والبراهين الشاهدة له بالرسالة, وبأنه صاحب
العهد الأخير.


كما
أنها تتسم بالاتساق وشهادة بعضها لبعض في تخصيص بقعة مكة بالحج. وإخال تلك
المرويات معدودة من أصحّ مايُنقل عن أولئك القوم وأقلها تحريفاً، وإن كان
لازماً لها في الجملة، وبخاصة عند ظهور حسد أحبار يهود للأمة المحمدية
وتحويل البشائر والترانيم الإيمانية والمزامير الداوُدية لبئر السبع وما
حولها من جنوب فلسطين، ليحولوا وجهة الملة الإبراهيمية الحنيفية عن مهد
الرسالة المحمدية الإسماعيلية، وعن بلاد قيدار وجبال فاران!


هذا
ومن أعظم أسباب كتابة هذه السلسلة في بيان الدين الحق الذي لا يقبل الله
ديناً سواه؛ هتكُ ستور الأحبار والقسس المرخاة على ما تبقى من هداية
التوراة والإنجيل، وإقامة الحجة على أهل الكتاب من كتابهم، ودعوتهم للإسلام
عن طريق الابتداء بما تبقى لديهم من ميراث الرسل من توحيد الله والبشارة
بخاتم المرسلين، ودينه القويم، بعد إزاحة الأطمار عنها لإجلائها لكل ذي
عينين، حتى يُقال لهم: هذا طريق رسلكم الذين تزعمون تعظيمهم واتباعهم،
فهلموا لنأخذ على أيديكم بالحكمة والرفق؛ لنريكم أنكم لستم على شيء حتى
تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم، وهل ذلك إلا بأن تؤمنوا
بالله وحده وتتبعوا رسولكم الخاتم وتتدينوا لله بدينه المرضي "إن الدين عند
الله الإسلام" (آل عمران: 19) "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه
وهو في الآخرة من الخاسرين" (آل عمران: 85) وليكن حاديكم ما أنشده سلفكم
النجراني الذي أسلمَ واهتدى وأرادَ اللهَ والدارَ الآخرة دون المال
والرئاسة, قائلاً في طريقه إلى بيعة سيد الخلق وخيرة المرسلين، وياله من
قرار ما أرشده، وسير ما أسعده:


اليكَ يسعى قلقاً وضينها .... معترضاً في بطنها جنينها


مخالفاً دين النصارى دينها


وكان عمرُ يتمثل به لحسن وقعه قي القلوب والأسماع.


وإني
لأهيب بكل من أعطاه الله بسطة في العلم أو الترجمة أو النشر ونحو ذلك أن
يركب تلك الراحلة المقتفية لآثار الرسالة المحمدية، فقد أرقلت خُطاها،
وأزمعت لمناها، حالُنا إن وفّقَنا ربّنا:


وركبٌ سروا والليلُ مرخٍ سُدولَهُ ... على كلّ مُغْبَرِّ المطالعِ قاتِمِ


حَدَوا عَزَمَاتٍ ضاعتِ الأرضُ بينها ... فصارَ سُرَاهُمْ في ظهور العزائمِ


تُريهم نجومُ الليل ما يطلبونَهُ ... على عاتقِ الشِّعْرَى وهامِ النعائمِ



مقيماً للحق راحماً الخلق، ومصوّباً ومستدركاً وداعياً بظهر الغيب, ولا
عليكَ أن لا تنسبَ لي شيئاً من ذلك, لا اسماً ولا مؤلَفاً ولا إشارة، فهي
سبيلٌ لكل مؤمن، وقفٌ لكل مسلم، لا في هذا ولا في جميع نتاج فكري وعلمي
القاصرين، فالعلم والدعوة رحم بين أهلهما، ولْيتذكّرْ بشارة رسول الله صلى
الله عليه وسلم: "إن الله يُدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفرٍ الجنة؛ صانعه
يحتسب في صنعته الخير, والرامي به, والممد به" رواه الترمذي وقال: حسن
صحيح. وقوله عليه الصلاة والسلام: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل
أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً" رواه مسلم, وله كذلك أن نبي
الله صلى الله عليه وسلم قال: "لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من
حمر النعم" وهي في الدعوة إلى الإسلام ابتداءً, فأي فضل يسمو على ذلك؟!
ويكفيك أنها وظيفة نبيّك صلى الله عليه وسلم.



فحيهلاً بكل من شارك ونشر وترجم واجتهد وأعان..والموعد الجنة إن تقبّلنا
الله في حزبه، وسلكنا في جنده، وهدانا لصراطه، وتوفانا على ذلك، فهو مولانا
وهو المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به. وهو القائل في محكم
تنزيله مثنياً على كتابه آمراً بالجهاد به ألفاظاً ومعانٍ: "وجاهدهم به
جهاداً كبيراً" (الفرقان: 52) وصلوات الله وسلامه على الحبيب الذي جاهد في
الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.


خليليّ إن لا تَبْكياني أَلْتَمِسْ ... خليلاً إذا أنزفتُ دمعي بكا ليا


فَمَا أُشْرِفَ الأيفاعَ إلا صبابةً ... ولا أُنشدُ الأشعار إلا تداويا


أَعُدُّ الليالي ليلةً بعد ليلةٍ ... وقد عشتُ دهراً لا أعدُّ اللياليا


وأخرجُ من بين البيوت لعلّني ... أحدّثُ عنكَ النفسَ بالسّرِّ خاليا


وإنّي لأستغشي وما بي نعسةٌ ... لعلّ خيالاً منك يلقى خياليا


إذا نحنُ أدلجنا وأنت أَمَامَنا ... كفى لمطايانا بذكراكَ حاديا


ألا أيها الركب اليمانُونَ عرّجوا ... علينا فقد أمسى هوانا يمانيا


أُسائِلُكُمْ هل سال نَعْمَانُ بعدَنا ... وحُبَّ إلينا بطن نعمان وادايا


ألا يا حَمَامَيْ بطنِ نعْمانَ هِجْتُمَا ... عليّ الهوى لمّا تغنّيتُما ليا


وأبكيتُماني وسْطَ صحبيْ ولم أكُنْ ... أُبالي دُموعَ العينِ لو كنتُ خاليا


ألا يا حَمَامَاتِ العراق أَعِنَّنِي ... على شّجّنِي وابكين مثل بُكَائِيا


ويا أيّها القُمْرِيّتَانِ تجاوَبَا ... بلحنيْكُما ثمّ اسْجعَا عَلِّلانِيا


فإن أنتُما استطربْتُمَا أو أَرَدْتُمَا ... لَحَاقاً بأَطْلالِ الغَضَى فاتبعانِيا


وإلى مطلبنا:


ونقدّم بتوطئة لفهم البشارات بنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم في العهد القديم:


لو لم يظهر
محمد صلى الله عليه وسلم لبطلت نبوة الأنبياء قبله، فهم قد بشروا به،
ولبطلت التوراة والإنجيل لبشارتهما به، ولا يستطيع أحد إثبات نبوة أحد من
الأنبياء إلا ولمحمد صلى الله عليه وسلم السبق في تلك الدلائل كمًّا
وكيفًا.


وقبل بيان
بشارات الكتاب المقدس به ننبه إلى أن تلك الأسفار في الكتاب المقدس تشير
إلى النبي المنتظر القادم بأسماء شتى فتارة الملك, وأخرى النبي, وتارة
تلقبه بالمسيّا, وأخرى بالمسيح(1) والمخلّص، والمُعزِّي, والبارقليط,
وإيليا, ومحمد, ومحماد, وأحمد, وحمدا, ونبي السلام, وشيلون وغيرها,
_وسنبسطها في مقالات لاحقة إن شاء الله تعالى_ وكل هذه الأسماء والألقاب
مترادفات تدل على النبي المنتظر القادم، وهي في ذات الوقت أوصاف لهذا النبي
العظيم مع تغير بعض المسميات وإخفاءٍ مُتعَمَّدٍ لبعضها لمآرب لا تـخفى.


ويبقى
مسمّى المسيح أشهرها عند أهل الكتاب وليس لعيسى عليه السلام اختصاص بهذا
المسمى في العهد القديم, فقد كان اليهود يلقبون أنبياءهم وملوكهم بذلك, مثل
كورش الفارسي (إشعيا 1: 45) وداود عليه السلام (مزمور 18: 50) والملك شاول
ــ طالوت ــ (صموئيل (1) 26: 7ــ 9) بل ورد بصيغة الجمع (مزمور 15: 15).


إذن فلقب
المسيح في العهد القديم ليس خاصًا بالمسيح عيسى ابن مريم عليه السلام, بل
هو عندهم لقب يستحقه النبي القادم لما يعطيه الله من النصر والظفر والبركة
التي فاقت بركة بني إسرائيل. لذلك سأل اليهود يوحنا المعمدان ــ يحيى عليه
السلام ــ إن كان هو المسيح القادم فنفاها عن نفسه (يوحنا 1: 21، 22) كذلك
لما شاهدوا معجزات عيسى عليه السلام قالوا: «ألعلّ المسيح (أي القادم
المنتظر) متى جاء يعمل آيات أكثر من هذه التي عملها هذا» (يوحنا 7: 30،
31).


كما يطلق
على النبي القادم المسيّا, وعدّه بعضهم لقبًا مرادفًا للمسيح «مسيَّا الذي
تفسيره المسيح» (يوحنا 1: 41) فالكلمة السريانية (الماشيح) تنطق في اللغات
التي ليس فيها حرف الحاء (المسيّا).


وبما أن نبينا محمدًا هو المسيّا والمسيح المنتظر؛ فأين نجد ذلك في الأسفار المقدسة؟


والجواب
أنه موجود وبكثرة في كتابهم المقدس (البيبل), حتى بعد حذف كتبةِ الأسفار
كثيرًا من مواضع اسمه الصريح, "الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون
أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون" [البقرة: 146]، "قل من
أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدىً للناس تجعلونه قراطيس تبدونها
وتخفون كثيراً" [الأنعام: 91]، "إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات
والهدى من بعد ما بيّنّاه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم
اللاعنون [البقرة: 159] ومع ذلك فقد بقيت شواهد كثيرة وإن حاول بعضهم
إبهامها أو التحريف فيها.


ويمكن الوصول إليها مع المشقة العائدة لثلاثة أمور:


الأول:
العادة السيئة لدى بعض المترجمين والنسّاخ للكتاب المقدس، وهي ترجمة الاسم
لمعناه وليس إلى لفظه وحروفه: كما فعلوا باسم عيسى عليه السلام إلى جيسس
ويسوع، فكذلك فعلوا باسم محمد صلى الله عليه وسلم كما في بشارة النبي حجي
بمقدم (محماد) التي ترجمها المترجمون بـ(مشتهى الأمم) فضاعت بهذا الصنيع
كثير من دلالات قول النبي حجي «ويأتي مشتهى كل الأمم» (حجي 2: 7)، وأصلها
«ويأتي محمد»، كذلك بشارة عيسى ابن مريم عليه السلام به (البارقليط) والذي
تسميه كثير من التراجم الحديثة (المُعزِّي)، كذلك ما جاء في المزامير (84:
6) عند ذكر مدينة المسيح القادم حيث سُمِّيت في المزامير (وادي بكة) فترجمت
إلى وادي البكاء! بل حرفتها نسخة الرهبانية اليسوعية إلى وادي البَلَسَان
لتضيع دلالتها على كل قارئ يعلم أن بكّة هي بلد محمد صلوات الله وسلامه
عليه "إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين"[آل عمران:
96](2).


وقد ضرب
الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه الفريد (إظهار الحق) لهذا الصنيع من
المترجمين ثلاثة عشر مثالاً, قارن فيها بين طبعات مختلفة للكتاب المقدس
التي ضيّعت بهذا الفعل دلالات كثير من النصوص(3)


الثاني:
كثرة الاستعارات والرموز في الكتاب المقدس وبخاصة ما يتعلق بالمستقبل، وهذه
الرموز يَدخُلُ عن طريقها شُرّاحُ الأسفار والباباوات, فيفتحون لهم ما
شاءوا من تفاسير تحت ذريعة غموض الإشارة وقابلية التوجيه الرمزي، ويُدخلون
في ذلك نبوءات تحققت فيما بعد؛ كقيام الاتحاد السوفيتي وإسرائيل, بل وحتى
شخص كيسنجر! مع ذلك فحينما يوجه لهم السؤال عن أعظم مملكة اكتسحت العالم
باسم الله، وعن رجل يدين له بالاتّباع والتعظيم ربع سكان المعمورة من قرون
عديدة حتى اليوم لا يجدون جوابًا سوى الصمت المطبق!(4)


لذلك
فحينما تقرأ نبوءات الكتاب المقدس برؤية جديدة متجردة متحررة من قيود
الشُّراحِ؛ ستجد الفرق شاسعًا بينها وبين النتيجة التي قد توصل إليها من
قرأ الكتاب بخلفيته النمطيّة عن مسيحِهِ الـمُخلّص فقط


الثالث:
تعمّد إخفاء البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم من كتبة ونساخ
ومترجمين للكتاب المقدس وهذا كثير جدًا، ومن أمثلته خلو سفر إشعيا الحالي
من التصريح باسم أحمد مع أنه مذكور صراحة في ترجمة القسيس أوسكان الأرمني
(الطبعة 1733م) في مطبعة أنتوني بورتولي وفيها «سبحوا الله تسبيحًا جديدًا
وأثر سلطنته على ظهره واسمه أحمد» (إشعيا 42: 10، 11) ولعل المقصود بأثر
السلطنة خاتم النبوة على ظهره الشريف. أما اسمه هنا فهو مطابق لما في
القرآن الكريم في سورة الصف: "وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني
رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي
اسمه أحمد" [الصف: 6]، فاسمه ووصفه وموطن مبعثه ظاهر لعلمائهم كالشمس في
رائعة النهار"الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم
في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات
ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين
آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون .
قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض
لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله
وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون" [الأعراف: 157، 158]


فهم لما
وجدوا ذكر القرآن لبشارات الكتاب المقدس باسم محمد وأحمد الصريح؛ عمدوا إلى
حذف آيات بأسرها من الكتاب المقدس وحرفوا ما أبقوا عليه لتضيع الدلالة
والعلامة! ولكن يأبى الله إلا أن يظهر الحق ويشهره "هو الذي أرسل رسوله
بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون" [الصف: 9].


والآن إلى
ذكر ما تيسر من البشارات التي تربو على المئة بشارة في صفحات الكتاب
المقدس، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «ولقد وُجد ما يزيد
على مئة موضع في كتب أهل الكتاب ذكر محمد صلى الله عليه وسلم(5) وتواتر عن
أهل الكتاب ذكره، وتواتر عن كثير ممن أسلم منهم أن سبب إسلامهم علمهم بذكره
في الكتب المتقدمة، وقد كان من أعظم أسباب إسلام الأنصار؛ ما كانوا
يسمعونه من جيرانهم أهل الكتاب من ذكره ونعته وانتظارهم إياه»(6).


وسنبدأ
بذكر بشارات العهد القديم. وسنذكر منها عشراً من القديم وثلاثاً من الجديد
في سلسلة مقالات. وسنذكر هنا ما يتعلق بموطن المختار صلى الله عليه وسلم
مكة ومن حجّها.


البشارة الأولى: «وتلألأ من جبال فاران»


جاء في التوراة «جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبال فاران وأتى من ربوات القُدُس» (تثنية 33: 1ــ 3).


ومعنى يجيء
الله من سيناء أو طور سيناء هو إنزاله التوراة على موسى عليه السلام،
وإشراقه من سعير أو ساعير إنزاله الإنجيل على عيسى عليه السلام حيث كانت
نشأته وحياته، وساعير جبل يقع في أرض يهوذا في فلسطين (يشوع 15: 10)، أما
تلألؤه من جبال فاران؛ فهو إنزال القرآن الكريم على نبيه محمد صلى الله
عليه وسلم، ولا خلاف أن جبال فاران هي جبال مكة.


لذلك فهذه
القسمة الثلاثية هي ترتيب زماني للدعوات الكبرى الثلاث التي كانت خاتمتها
الرسالة الخالدة لنبي الإسلام، وقد ذكر الكتب الثلاثة التوراة ثم الإنجيل
ثم القرآن، وهذه الكتب هي نور الله وهداه، وهذه الثلاثة مذكورة في القرآن
الكريم، بسم الله الرحمن الرحيم "والتين والزيتون . وطور سينين . وهذا
البلد الأمين" [التين: 1ــ 3]، فالأولى: الأرض المقدسة التي ينبُت فيها
بكثرة التين والزيتون, وعليها درج المسيح عليه السلام, وفيها بُعث،
والثانية: هي الجبل الذي كلّم الله عليه موسى عليه السلام، والثالثة: هي
البلد الأمين وهي بكة المكرمة وتسمى مكة، والبلد الحرام، والمسجد الحرام,
وفيها أول نزول القرآن الكريم على قلب سيد المرسلين محمد عليه صلاة ربي
وسلامه وبركاته.


قال شيخ
الإسلام: «وعلى هذا فيكون قد ذكر الجبال الثلاثة: حراء (7) الذي ليس حول
مكة أعلى منه، وفيه ابْتُدِئ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بنزول الوحي
عليه، وحوله جبال كثيرة، وذلك المكان يُسمّى فاران إلى هذا اليوم، والبريّة
التي بين مكة وطور سيناء تسمى بريّة فاران، ولا يمكن لأحد أن يدّعي أنه
بعد المسيح نزل كتاب في شيء من تلك الأرض، ولا بعث نبي، فعُلم أنه ليس
المراد باستعلائه(8) من جبال فاران؛ إلا إرسال محمد صلى الله عليه وسلم،
وهو سبحانه ذكر هذا في التوراة على ترتيب الزمان، فذكر إنزال التوراة ثم
الإنجيل ثم القرآن».


قلت: وقد
ورد هذا الترتيب في القرآن كذلك, كما في سورة التوبة "وعداً عليه حقاً في
التوراة والإنجيل والقرآن"[التوبة: 111]. وكما في آيات المائدة (44) ثم
(47) ثم (48)


وقد ذكر
هذه النبوءة الموسوية النبي حبقوق(9)عليه السلام حيث قال: «الله جاء من
تيمان والقدوس من جبال فاران» (حبقوق 3: 3)، وتيمان كلمة عبرية معناها
الجنوب، وتيمن الصحراء الجنوبية(10) وجنوب فلسطين هي جزيرة العرب التي حوت
فاران وهي الحجاز وقلبه مكة، وقد كان في مكة إلى وقت دولة ابن الزبير رضي
الله عنه مقبرة خاصة باليهود مما يدل على أنهم كانوا يحجون الكعبة التي
رفعها أبوهم وعمّهم إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، بل قد ذهب بعض
المؤرخين إلى أنّ تيه بني إسرائيل كان في الحجاز، وذكر حججاً قوية, وذهب
بعضهم إلى أبعد من ذلك فجعل مكة والحجاز وعسير هما موطن التوراة وهذا باطل،
ولكن الحق أن الأنبياء من لدن إبراهيم عليه السلام كانوا يحجون مكة(11).

وقد اختلفت
عبارات الترجمات في البشارات الموسوية، ففي الترجمة السبعينية(12)
«واستعلن من جبال فاران ومعه ربوة من أطهار الملائكة عن يمينه» وفي ترجمة
الآباء اليسوعيين «وتجلى من جبال فاران» وفي ترجمة (1622م) العربية «شرف من
جبال فاران وجاء مع ربوات القدس» ومعنى ربوات أي ألوف القديسين الأطهار
كما في ترجمة (1841م) «واستعلن من جبل فاران ومعه ألوف الأطهار». أي
المطهرين الذين طهرتهم أعمالهم الصالحة وهم الصحابة الأبرار الأطهار وكانوا
زهاء عشرة آلاف، والتقديس هو التنزيه البالغ.

وكلمة
(ربوات) تستعمل في الأسفار بمعنى الألوف والجماعات الكثيرة كما في (دانيال
7: 10) «ألوف ألوف تـخدمه ربوات ربوات وقوف قدامه» كذلك «ارجع يارب إلى
ربوات ألوف إسرائيل» (العدد 10: 36) إذن فالربوات الذين معه في فاران هم
الجماعات الكثيرة من القديسين الآتين مع قدوسهم الذي تلألأ واستعلن وشرف
وتجلى في فاران عليه الصلاة والسلام ورضي عنهم.


كما أن
إسماعيل عليه السلام قد نشأ في برية فاران (تكوين 21: 21) ومن المعلوم
تاريخيًا أنه قد نشأ في مكة المكرمة البلد الحرام في الحجاز، وقد أقر كبار
المؤرخين بذلك كجيروم واللاهوتي يوسبيوس الذين قالا: «إن فاران هي مكة»(13)
ويحدد بعض المؤرخين فاران بجبل حراء تحديدًا وهو الجبل الذي نزل الوحي على
نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو عليه.


البشارة الثانية: نبوءات العهد القديم لبني إسماعيل بالبركة والنبوة والكثرة والملك.


وهذه لم
تجتمع إلا في محمد صلى الله عليه وسلم «وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه ها
أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرًا جدًا. اثني عشر رئيسًا يلد وأجعله أمة
كبيرة» (تكوين 12: 2) وأولاد إسماعيل الاثنا عشر هم الخلفاء والملوك من أبي
بكر الصديق رضي الله عنه إلى هشام بن عبد الملك، ومصداق ذلك في حديث رسول
الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الأمر عزيزًا إلى اثني عشر خليفة كلهم
من قريش» متفق على صحته، وهكذا كان! فكان الخلفاء: أبو بكر وعمر وعثمان
وعلي ثم تولى من اجتمع الناس عليه وصار له عزة ومنعة وهم: معاوية رضي الله
عنه ثم ابنه يزيد ثم عبد الملك بن مروان وأولاده الأربعة الوليد وسليمان
ويزيد وهشام وبينهم عمر بن عبد العزيز، أما الحسن بن علي وابن الزبير
ومعاوية بن يزيد ومروان بن الحكم فولايتهم ليست عامة كأولئك الاثني عشر، ثم
إنه من بعد هشام بن عبد الملك ظهر النقص... (14)


وفي النسخ
العبرية القديمة ضُمّن هذا النص (ماد ماد.. لجوى جدول) وهما رمزان وضعا بدل
اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم على حساب الجُمَّل، ولاحظ إشارته إلى
مفتاح اللغز بذكر جدول ووضع الأحرف القريبة من اسم محمد (مادماد) مما يدل
على أن من عمل ذلك كان يريد وضع خط رجعه لحفظ فقرات التوراة وحمايتها من
الضياع إن أراد الكهنة معرفتها، أو أن غرضه كان نبيلاً لّما رأى مسارعتهم
لطمس وحذف الاسم الصريح, بل وحذف آيات كاملة تشتمل عليه فأراد أن يحميه
بهذه الشفرة، والله أعلم.

الجدير
بالذكر أن بعض أحبار اليهود قد أسلموا لما تحققوا ذلك ونبّهوا عليه كعبد
السلام في رسالته: الرسالة الهادية. كذلك السموءل وغيرهما كثير.


وفي نسخة
«أجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة... وتتبارك فيك جميع قبائل
الأرض» (تكوين 12: 2، 3) «ونادى ملاك الله هاجر ... قومي احملي الغلام
وشدي يدك به لأنه سأجعله أمة عظيمة وفتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء...»
(تكوين 21: 17ــ 21).


مع ملاحظة
أن كُتّاب الأسفار والشراح يحاولون جعل مولد إسماعيل عليه السلام وبشائر
القديسين الذين من نسله والبشارات التي من فاران يجعلون كل ذلك حول بئر
السبع وما حولها ليصرفوا الناس عن المكان الحقيقي لمولد تلك البشارات مكة
البلد الحرام، كما جعلوا الماء المبارك زمزم عبارة عن بئر في جنوب فلسطين
أو إلى سيناء، مع أن هذا لم يقنع كثيرًا من أحبار اليهود بل هاجروا بأهلهم
وأموالهم إلى يثرب لعلمهم أنها مهاجر خاتم الأنبياء المنتظر، وكانوا يوصون
به أولادهم كابن الهيّبان وغيره ــ وسيأتي إن شاء الله تعالى ــ.


ومن البشارات بإسماعيل الذبيح المبارك وذريته ومنهم الخاتم المنتظر ودياره المقدسة قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلا


م,
فالأسفار المقدسة تتحدث عن قصة أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام بذبح
ابنه الوحيد، وبدلاً من تسميته الحقيقية إسماعيل سمته إسحاق، وعلى هذا فقد
تم تغيير مسميات الأماكن والمواقع المذكورة في الكتاب المقدس لتتواءم مع
الحكاية الجديدة المخترعة! «خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق، واذهب به إلى
أرض المريا... فدعا إبراهيم ذلك الموضع يهوه يراه حتى إنه يقال اليوم في
جبل الرب يرى. يقول الرب إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك
وحيدك أباركك مباركة ويرث نسلك باب أعدائه. ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض
من أجل أنك سمعت لقولي» (تكوين: 22: 1ــ 20)، فانظر كيف تدخلت أصابع المكر
اليهودية فغيرت في الكتاب الذي استؤمنت عليه فحرفت التوراة بدافع العنصرية
والتعصب، وحاولت طمس البشارات بمولد إسماعيل عليه السلام. أما المسلمون
فقد مجّدوا إبراهيم عليه السلام أتم التمجيد الذي يستحقه فإنهم يذكرونه في
كل صلاة.


وبما أنه
لا توجد جريمة كاملة فقد وقع لصوص التوراة في غفلة حين ذهلوا عن طمس كلمة
(وحيدك) وهي التي تكرر ذكرها ثلاث مرات، فقد نسيت تلك الأيدي الآثمة طمس
هذا الشاهد على تلك الكذبة الدينية التاريخية، فغفلت عن أن إسماعيل هو وحيد
إبراهيم لمدة أربع عشرة سنة كما في (تكوين 16: 16، 21، 5) حيث ذكر السفر
أن عمر إبراهيم عند ولادة إسماعيل عليهما السلام (86) سنة، وعمره حين ولد
إسحاق عليهما السلام (100) سنة. ومعلوم في شريعة التوراة أن منزلة الأم لا
تؤثر في بكورية الابن كما نُصَّ عليه في التثنية (21: 15ــ 17).

أما الذي
تُباركُ به جميع أمم الأرض فهو النبي الوحيد من نسل هذا النبي المبارك
إسماعيل، فهو النبي الخاتم الذي دخل في ديانته من جميع أصناف أهل الأرض
وأجناسهم وألوانهم ولغاتهم وعلومهم ودياناتهم، وتجتمع كل هذه الأجناس
المتنوعة على دين واحد، وفي مكان واحد لا يقف فيه إلا المسلمون, وهو حج بيت
الله الحرام كل عام في بلدة إسماعيل بكة.


فمن
الأدلة الحسية على كون الذبيح إسماعيل وليس إسحاق عليهما السلام؛ ما جاء
بالوعد بالبركة في ابنه الذبيح وأن ذريته ستكون عدد نجوم السماء، وإذا نظرت
للعرب واليهود وجدت أن العرب يفوقون اليهود بعشرة أضعاف، ففي حين أن
اليهود قرابة (3.000.000) فالعرب قد تجاوزوا (300.000.000) فأين هؤلاء من
أولئك؟! مع الإشارة إلى أن اليهود ليس كلهم من بني إسرائيل كيهود الخزر
وشرق أوروبا والحبشة فهم منتسبة لدينهم لا لجنسهم، كذلك فليس كل العرب من
بني إسماعيل كالقحطانية، وعلى كل حال فإن كانت بالكثرة فالإسماعيليون أكثر
من الإسحاقيين، وإن كانت باللغة فالعرب أكثر من العبرانيين، وإن كانت
بالديانة فالمسلمون أكثر من اليهود حيث تجاوزوا ربع سكان المعمورة,
فتعدادهم تجاوز المليار ونصف المليار (1500.000.000) كنجوم السماء كثرة،
فعلى كل التقديرات الكفة راجحة لبني إسماعيل عليه السلام.


إذن
فالذبيح هو إسماعيل، وجبل الرب في الأرض التي عاش فيها مكة، والبركة
لإبراهيم في ذريته محفوظة له بعد أن قام بالتسليم التام لأمر ربه تبارك
وتعالى وهمّ بذبح ابنه ووحيده، لذا ففي كل عام في العاشر من ذي الحجة
يُقدّم المسلمون في كل أصقاع الأرض أضاحيهم وقرابينهم تقربًا إلى الله
وشكرًا لنعمه عليهم، ويزداد هذا في فجاج مكة وبِطاحِ منى فيتقرب الحجاج إلى
الله تعالى بأعمال مشابهة للقصة التي أجراها الله على إبراهيم وإسماعيل
وهاجر، فيطوفون بالبيت الذي بناه إبراهيم وإسماعيل، ويُقبّلون الحجر الذي
أُعطيه إبراهيم من الجنة وصار ركنًا للكعبة، ويُصلّون خلف المقام
الإبراهيمي وهو الصخرة التي كان يقف عليها خليل الرحمن إبراهيم حين كان
يرفع جدران الكعبة بينما ابنه إسماعيل يناوله الأحجار، ويشربون من ماء زمزم
ويتضلّعون منه تبرّكاً وهي العين التي فجرها جبريل عليه السلام بأمر الله
تعالى لهاجر وابنها المبارك، ويسعون حول الصفا والمروة التي سعت بينهما
هاجر لما خافت على ابنها إسماعيل الضيعة، ويرمون الجمار في ثلاثة مواطن في
مشعر منى تعظيمًا لله تعالى وتكبيرًا له وإشهار العداوة للشيطان، وينحرون
الأضاحي والهدايا والفدى(15) في بطاح منى التي أَضجعَ الخليلُ ابنَهُ
ليذبحه بأمر ربه "فبشرناه بغلام حليم . فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني
أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن
شاء الله من الصابرين . فلما أسلما وتلّه للجبين . وناديناه أن يا إبراهيم
. قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين . إن هذا لهو البلاء المبين .
وفديناه بذبح عظيم . وتركنا عليه في الآخرين . سلام على إبراهيم . كذلك
نجزي المحسنين . إنه من عبادنا المؤمنين [الصافات: 101ــ 111].


وقد
أكرم الله إسماعيل وأمه ثم من جاء بعدهم بالماء المبارك زمزم وماء زمزم لا
يشبه أي ماء في الأرض على الحقيقة، وتـختلف خواصه عن بقية المياه، كذلك فهو
يغني عن الطعام والشراب، فهو طعام طعم وشفاء سقم وهو ماء مبارك، وإلى
يومنا هذا لم تجف مع جفاف ما حولها من العيون, وتضخ حالياً خمسة عشر لتراً
في الثانية! وهي بواد جاف وليس حولها أنهار وأمطار بقعتها نادرة! والأعجب
من كمّيتها طبيعة مائها, وكيف صارت رِيًّا وغذاءً ودواءً! ولا عجب فهي
هَزْمَةُ جبرائيل بأمر رب العالمين. ولا زال الناس منذ كان إسماعيل رضيعًا
إلى وقتنا هذا يشربون منه ويأخذون كفايتهم بل قد وصل إلى أقاصي الأرض، ولم
يتوقف هذا الماء أبدًا إلا حينما دفنت قبيلة جرهم البئر ثم حفرها عبد
المطلب وأعادها كما كانت.


أما أهل
الكتاب فقد حرفوا اسم الذبيح، وحرفوا اسم المكان المعظم الشريف الذي جرت
فيه أحداث القصة، وهو المسجد الحرام والبقاع المقدسة مهوى أفئدة المؤمنين،
ومكان حج أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام وبقية الأنبياء من بعده، فكل من
أتى بعده من الأنبياء إنما من ذريته، وكلهم حج البيت الذي بناه لربه
وسيحجّها المسيح عليه السلام، فقد حجوا مكة المكرمة وكعبتها المشرفة
ومشاعرها المقدسة كالصفا والمروة ومنى ومزدلفة وعرفات، أما الأحبار الذين
حرفوا التوراة فقد حرفوا اسم ذلك المكان الأقدس في الأرض حتى يصرفوا أفئدة
الناس عنه، لكن أبى الله إلا إظهار ذلك ببعثه نبي من ذرية إسماعيل بن
إبراهيم في عين المكان الذي بناه أبوه إبراهيم بيت الله الشريف الكعبة، وأن
ينزل عليه قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة، وأن يفرض على كل مسلم قادر مكلف
أن يحج هذا البيت ولو مرة في عمره "إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً
وهدى للعالمين . فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على
الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين"
[آل عمران: 96، 97].


أما أهل
الكتاب فقد حرفوا المسميات ففي التوراة السامرية حرفوا مكة إلى (الأرض
المرشدة) أما في العبرانية فحرفت إلى (المريا) ولعله تحريف لمسمى جبل
المروة وهو بجوار الكعبة المشرفة، والعجيب اتفاق النص السامري والعبراني
على تسمية ذلك الموضع (جبل الله) _علمأ أن التوراة السامرية لا تكاد تتفق
مع التوراة العبرانية في شيء حتى في الوصايا العشر_ ولم يكن هذا المصطلح
مستـخدمًا إذا ذاك! فتاه اليهودُ في تحقيق مكانه لكنهم لم يخرجوه من فلسطين
ــ كعادهتم ــ والحق أنه في بلاد فاران في مكة، وقد ألمح المسيح عليه
السلام لذلك في جوابه للمرأة السامرية حين سألته عن مكان العبادة الحقيقي،
فأخبرها أنه ليس في السامرة ولا يهوذا أصلاً، وأن اليهود يسجدون لما لا
يعلمون أما هو فلا (يوحنا 4: 19ــ 24) وقد نص شيخ الإسلام في عدة مواضع
على أن قبلة جميع الأنبياء كانت الكعبة.


ولعل
التحريف والطمس قد طال هذا الموضع كغيره "فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا
قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به" [المائدة:
13].


وقال النبي
ميخا عليه السلامعن مكة والبيت الحرام ووفود الحجيج لها عند جبل عرفات أو
الكعبة: «يكون في آخر الأيام بيت الرب مبنيًا على تلك الجبال(ومكة منطقة
جبلية) وفي أرفع رؤوس العوالي يأتيه جميع الأمم(16) ويقولون تعالوا نطلع
إلى جبل الرب» (ميخا 4: 1، 2).


كما رمز
لمكة المكرمة النبي إشعيا عليه السلام فوصفها بالعاقر التي لا تلد «ترنمي
أيتها العاقر التي لم تلد. أشيدي بالترنم أيتها التي لم تمخض. لأن بني
المستوحشة أكثر من بني ذات البعل. قال الرب: أوسعي مكان خيمتك. ولتُبسط
شُقَق مساكنك. لا تمسكي. أطيلي أطنابك وشددي أوتادك. لأنك تمتدين إلى
اليمين وإلى اليسار ويرث نسلك أممًا ويعمر مدنًا خربة. لا تـخافي لأنك لا
تـخزين.. وكل بنيك تلاميذ الرب وسلام بنيك كثيرًا، بالبر تُثّبتين بعيدة عن
الظلم فلا تـخافين.. من اجتمع عليك فإليك يسقط» (إشعيا 54: 1ــ 16).


فهذا الإصحاح قد أوضح الوجهة أنها مكة بِأُمَّةِ الإسلام، هذا وقد امتلأ سفر إشعيا بالبشارات الإسلامية.


وفي هذا
النص وصف مكة بالعاقر التي لم تلد ولم تمخض لأنها حتى ذاك الوقت لم تلد
نبيًا بعد إسماعيل, أما أورشليم فقد ولدت الأنبياء فلا يصح وصفها بالعاقر،
كذلك وصفها بالمستوحشة فهي في وسط برية فاران وليس حولها أنهار أو مواطن
سكنى خلا بيت الله الحرام "بواد غير ذي زرع" (إبراهيم: 37) وبنيها
الإسماعيليون أكثر من بني أورشليم «أطيلي أطنابك وشددي أوتادك»، ومُلكها
سيتسع وسيستظل أناس في أماكن بعيدة في ظل خيمتها ومملكتها، وستذهب أطنابها
وتجارتها وجيوشها وأوتادها بعيدًا «لأنك تمتدين إلى اليمين وإلى اليسار»
ومملكتها الإسلامية ستمتد إلى اليمين واليسار، وهذا هو الحاصل فامتدت مملكة
الإسلام من اليمين حتى الصين ومن اليسار حتى أقصى المغرب وشاطئ الأطلسي،
أما في الشمال والجنوب فليس كذلك كشمال أوروبا وأستراليا ونيوزلندا «ويرث
نسلك أممًا ويعمر مدنًا خربة» كأمة فارس وكثير من أمم آسيا وأفريقيا.


«لا تـخافي
لأنك لا تـخزين» فهي دار الأمان والسلام «وكل بنيك تلاميذ الرب» فكل
المسلمين مطالبين بتعلم الدين وقراءة القرآن ومعرفة أحكام الشريعة وعبادة
الله على بصيرة فهناك حد أدنى من العلوم لا يعذر في تركه مسلم «وسلام بنيك
كثيرًا» وهذه إشارة لفظية لمسمى هذه الديانة العظيمة وهي الإسلام دين
السلام للعالم والاستسلام لرب العالمين «بالبر تثبتين. بعيدة عن الظلم فلا
تـخافين» ولا يظلم فيها أحد, كما قال الله تعالى: "ومن دخله كان آمناً"[آل
عمران: 96]، فبشهادة الأعداء قبل الأصدقاء أن المسلمين هم أحرص الناس على
إقامة العدل ومنع الظلم، «من اجتمع عليك فإليك يسقط» كما وقع لأصحاب الفيل
الذين أرادوا هدم الكعبة فأرسل الله عليهم طيرًا بحجارة من نار فقتلهم،
وعام الفيل هو عام مولد سيد البشرية وخاتم الرسل محمد بن عبد الله صلوات
الله وسلامه عليه، وكانت العرب تؤرخ بعام الفيل وهو من قبيل المتواتر عندهم
حتى خلد الله ذلك بسورة الفيل.


أما نص
المزامير فهو واضح كالشمس في تعيين مكة المكرمة التي سماها صراحة (بكة)
(17) وقال الله تعالى في محكم التنزيل: "إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة
مباركاً وهدى للعالمين" [آل عمران: 96]، وقيل في معنى بكة: إنها التي تبكّ
أعداءها أي تبكتهم بإذن الله. فهي تُبكُّ أعناق الظلمة والجبابرة بمعنى
يذلون بها ويخضعون عندها، وقيل لأن الناس يتباكّون فيها أي يزدحمون. وأنها
تُضاعف فيها الحسنات والصلوات، كما أخبر بذلك نبي هذه الأمة المرحومة بأبي
هو وأمي ونفسي حين قال: «وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما
سواه»(18). «طوبى للساكنين في بيتك أبدًا يسبحونك. سلاه. طوبى لأناس عزهم
بك. طرق بيتك في قلوبهم عابرين في وادي البكاء" أصله (بكة) لكن تم تحريفه
جريًا على عادتهم الذميمة في ترجمة ما لا يترجم، فالأسماء لا تترجم لأنها
أعلام على أشياء معينة وليست مجرد أوصاف قد تتسم بالشيء أو تتـخلف عنه،
لذلك فقد حافظت على صورة الكلمة دون تحوير بترجمة المعنى بعض الترجمات
العالمية، ففي الترجمة الإنجليزية (Baca) كذلك الفرنسية (Baca) فذكرتا أن
اسم الوادي بكة، وهذا صريح لا شية فيه بتعيين تلك البقعة المباركة، فلا
نعلم في أصقاع المعمورة بلدة سميت بكة سواها. "يصيرون ينبوعًا"لعل أصله
(يشربون ينبوعه) أو نحوه، والمقصود الينبوع المبارك زمزم، وهو مياه زمزم
الذي نبع من تحت قدمي إسماعيل بهزمة الملك فصارت موردًا ليصدر عنه ملايين
العطاش في واد مقفر غير ذي زرع. "أيضًا ببركات يغطّون مورة" أي يغطّون جبل
المروة بأجسادهم إذا وقفوا عليه مكبرين مهللين داعين ضارعين، ومورة تحريف
عن مروة. "يذهبون من قوة إلى
قوة"وهو وصف لتنقل الحجيج من مشعر ومنسك إلى آخر، فمن مكة إلى منى إلى
عرفات إلى مزدلفة إلى منى إلى مكة"يرون قدام الله في صهيون" وهذا ليس بشيء,
إنما هو مجرد حضور للنَّفَسِ الصهيوني, ولعل صهيون محرفة عن عرفات ومعنى
صهيون بالعبرية الحصن، ويقولون: إن صهيون أو جبل صهيون هو جبل النبي داود
في اليهودية بقرب المسجد الأقصى. فهي ــ عندهم ــ وطن العبرانيين ورمز
آمالهم القومية، وأورشليم تقوم على تَلَّين أحدهما يسمى صهيون، وقيل: بل هو
اسم محلّة قديمة بمدينة القدس الشريف، وقيل: صهيون هو حصن العماليق الذي
فتحه بنو إسرائيل بقيادة طالوت وداود عليه السلام، وقيل: إن صهيون وَصْفٌ
وليس عَلَمٌ, ومعناه المدينة التي يختارها الله لبيته. وبهذا ــ إن صح ــ
تكون صهيون هي مكة المكرمة ــ بهذا الاصطلاح وعليه تتوجه آية المزامير ــ
وإن كنت لا أميل لهذا ــ وللعلم فالصهيونية ليست ملازمة لليهودية فليس كل
اليهود صهاينة ولا كل الصهاينة يهود، بل الصهاينة هم ــ بحسب العرف الحالي
العالمي ــ من يعدّون العدة لبناء الهيكل السليماني لتهيئة أرض الميعاد
لمجيء المسيح في آخر الزمان، وكل هذا عن طريق إنشاء وطن قومي لليهود.


وفي
كتـاب (الأنساب والعائلات الشامية) أن كلمة صهيون عربية وليسـت عبريــة،
وأن صهيون اسم جبل جنوب غرب مدينة القدس الشريف، وهو اسم عربي محض، وقد سكن
الجبل اليبوسيون أبناء عم الكنعانيين, وأقاموا عليه حصنًا ــ ولعل الحصن
منسوب إلى الجبل ــ وسكان هذا الجبل والحصن هم سكان فلسطين الأصليين وهم
الكنعانيون والفينيقيون والعموريون وهم من القبائل التي سكنت هذه البقعة
قبل عهد موسى عليه السلام بألفي سنة، وقد سرق اليهود أسماء المدن والحصون
ونسبوها لأنفسهم، ومثال ذلك: تسمية أورشليم أي القدس وهي كلمة كنعانية
آرامية وردت في النصوص الكنعانية قبل ظهور موسى عليه السلام بقرون عدة،
وهناك عائلة عربية كبيرة ليس لها أي صلة باليهود تسمى عائلة صهيون وأصلهم.

كل الوطن
ابراهيم الدميجي
28-08-2012



avatar
ربيع

ذكر عدد الرسائل : 1432
العمر : 42
تاريخ التسجيل : 04/07/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى