صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

رسالة إلى محمود درويش الشعر في زمن الرحيل و التردي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رسالة إلى محمود درويش الشعر في زمن الرحيل و التردي

مُساهمة من طرف عبدالله في الجمعة 28 سبتمبر 2012 - 21:05

هل
نعشق الشعر لنعشق الأرض؟ أم نعشق الأرض لنعشق الشعر؟ ارتأيت رفيقي محمود
درويش أن أستهل رسالتي هذه بطرح التساؤل المذكور آنفا، وذلك لاعتبارات
تكتيكية جنحت إلى الالتصاق بها، لجعل الكلام و الحروف تؤدي وظائفها و ترسم
دلالاتها بوضوح وجلاء في زمن سيادة الغموض و السواد.
لا أشك يا رفيقي، أنك تدرك أكثر مني ،فلسفة سبر أغوار خريطة العشق ،و
الانطلاق في مطارح إحصاء الأحزان و الجراح، لقد ولدت وسط القذائف ،و تحت
سقف التشريد و الإرهاب استكنهت مبكرا تلك العلاقة التي تربطك بالأرض،
وتدربت أذناك على استقبال فرقعة و قعقعة المتفجرات و أزيز الرصاص ، و
اعتادت عيناك أن ترى كل يوم أنهار الدماء تسفك و تسكب وتجري بخيلاء و
كبرياء فوق أديم الأرض، لترويها وتسقيها، ولينبت نبات الاستشهاد و العشق،
مبددا آثار الخراب و الدمار ،فكان من الطبيعي أن تتفاعل مع هذه الوقائع ،
التي تؤطرك و توجهك وجهة استشرافية تطلعية والتي حفزتك لتحتل موقعك البارز
في ساحة المواجهة ،و الوقوف الشامخ كصفصافة باسقة .
لقد كان عشقك للأرض مقدمة و مدخلا لارتياد آفاق الشعر الذي عبد لك طريق
الارتباط العنيد و القوي بالطعنات التي أصابت جسم وطنك /وطننا ، و بواسطة
هذه القناة الملتهبة أضفت إلى تجربتك حرارة ووقودا أنارا ووجها أشعة الكشف
إلى واقع الاغتصاب و القمع الذي يمارس يوميا على شعبكم.
إن عشقنا للأرض يا رفيقي محمود يكاد يكون مسألة فطرية و نزوعا غريزيا ،فنحن
عندما تمتزج دماؤنا بهواء و فضاء و مشاكل أرضنا ،تحتلنا بصورة مبكرة ملكة
العشق ، لكن يتطلب هذا العشق أداة ، لتخصيبه و بلورته و إشاعته .
الوسائل متعددة لكن تتفاوت في الأهمية، و كانت واحة الشعر، بالنسبة لك،
سفينة ركبتها و طفقت تطرح الأسئلة الموجعة، و تخاطب كل شيء له آصرة بقضيتك
العادلة.
بعد هذا ،أقول لك رفيقي محمود، إننا نعشق الأرض أولا ،و نعشق الشعر لنترجم
من خلاله درجة و حجم عشقنا و لنضاعف من رحلتنا الالتحامية بهموم و أحزان
الوطن و الشعب، هل تتذكر رفيقي ، أن أفلاطون نعت قديما معشر الشعراء بالجبن
و القصور و عدم القدرة على القتال ،و اعتبرهم حسب تصوره آفة اجتماعية لا
تقدم منفعة و لا تسدي خدمة للمجتمع؟
لكن هل تعتبر هذه النظرة صحيحة و منسجمة في طرحها؟ إن أفلاطون نفسه كان
بنية من الأخطاء ،و فكره كان فيه الكثير من الأوهام، لذلك تعتبر هذه النظرة
خاطئة من أساسها، و لا تجد من يرهف السمع إليها.
إن الشعر في زمننا العربي يرفض بشكل صارخ جميع الصيغ التي تنطوي على
الميوعة والوضاعة ، كما يعارض كل الاتجاهات التي تساهم في زرع اليأس و
التخاذل، فوضعنا التاريخي الذي يتميز بالاتساع المهول لرقعة التواطؤ و
الذيلية، و يتسم بالاستفزازات الطبقية ،يستدعي شكلا راقيا ،و صيغة بديلة
من شأنها أن تساهم في هدم و دفن الشعارات التي تبنى على قواعد الاستسلام و
الانهزامية ،و في استطاعتها أن تثور الواقع و تحرض الجماهير، للعمل طرا على
الالتحاق البهيج و الرهيب بقافلة الصراع و التصادم ،هذا الشكل الذي لا
يقبل التصالح و التسويات ،بل يندفع بقوة لا مثيل لها ،واضعا كل ثقله و
فعاليته في أتون القضية التي من أجلها شرد الشعب و قتل و عذب.
إن مرحلتنا العربية يا رفيقي محمود ،مطوقة بسياج التردي و الرداءة ،ليس
هناك مشهد يريحنا ، بل إن الأفق العربي من المحيط إلى الخليج مدعاة
للانتفاض و المعارضة ، معارضة الخصم الطبقي ،معارضة مشاريعه ،و مواجهة
الخطر الصهيوني و الاجتياح الامبريالي لأقطار الوطن العربي الذي يئن و
ينتحب باستمرار.
إذا ،لابد أن يتخذ الشعر هذا القرار ،أي أن يحارب وأن يقاتل ،وأن يعلم
الجماهير كيف تنتفض، وكيف تواجه أعداءها ،و كيف تغني لأعراس الفرح و
الابتهاج ،وكيف تغرس قيم الثورة في نفوسها ،وكيف يعبئ هذه الجماهير ليحشرها
في وعاء الاستشهاد في سبيل كرامة الشعب و الوطن.
ربما اتضح جيدا ما أردت قصده في مضمار هذه الرسالة، فهيا بنا يا رفيقي نزور
بعض المشاهد من خريطة القهر و الجراح المتتالية التي عصفت بشعبكم و بلدكم
وأدمت قلوب كل المتعاطفين و المتضامنين مع شرعية قضيتكم.
سوف لن أذهب بعيدا في عمق التاريخ سأكتفي بالوقوف عند المحطة المتميزة من
عمر ثورتكم ،المحطة الأسطورة التي حبكت فوق أرض لبنان الجرح الذي انضاف إلى
الجرح الفلسطيني. فخلال الغزو الصهيوني -الأمريكي لبيروت صيف 1982 و
المؤازر من لدن الرجعية العربية، و جد الثوار الفلسطينيون أنفسهم ومعهم
مشاعل القوى التقدمية اللبنانية في موقف عصيب و مصيري في ذات الحين ،كان
الصمود و الاستماتة ،و كان عرس التوحد و الانصهار في بوتقة الثورة .
لقد و قفت ثورتكم و معها الجماهير اللبنانية المؤمنة برسالتها الوطنية و
القومية على أرض الإدانة التاريخية للمعسكر الرجعي العربي، الذي كان
ومازال يتوسد العار و الخيانة ،و يتحدث لغة الفضيحة ،حينها اعتبرت ثورتكم و
حلفاؤها ،أن التوهج والخصوبة هما من سمات عرسكم النضالي ،وأن الاعتماد
على أسلوب حرب التحرير الشعبية، رد علمي و ثوري على كل الأساليب الخادعة و
المهزومة.
أجل رفيقي محمود ،لا أستطيع الآن القيام بمهمة وصفية لرهبة الموقف و حجمه،
قد لا تصدقني إذا قلت لك، بأنني وقت الغزو ،كنت أعيش وضعا نفسيا متوترا،
كنت أرى الضباب و القتامة يلفان الأرض التي تحضنني ، كنت أشعر بالذنب و
العار وسط سيادة وعبادة الصمت و الاستسلام، لكن رغم كل هذا ،لم أتوان عن
اتخاذ مواقف و لو مع نفسي و بين رفاقي مازالت مسجلة على صفحات يوميات ،كنت
أكتبها في صيف الغزو الهمجي.
لقد عبرت الجماهير الفلسطينية و اللبنانية عن و عيها بالدور التاريخي
التحرري الذي ترجمته في مواجهتها للآلة العسكرية الصهيونية- الأمريكية، و
في شجبها عمليا و بطريقة ثورية و متقدمة للمواقف الخائنة للرجعية العربية، و
أكثر من هذا ،تكررت الجرائم والمجازر، فسال الدم على جبين ونهود وأفخاذ
صبرا و شاتيلا،تنهدتا و أصدرتا الزفرات عندما و جدتا لوحدهما تمسحان الذل
عن وجه الوطن ،و حدث الرحيل إلى حيث لا أدري؟ الرحيل بقرار غير مضمون
النتائج ،فوزعت قوى الثورة على مناطق مختلفة ،و مضت موجة المقاومة في
لبنان تحرث الأرض بالدم و تكافح لإسقاط العار، و الرجعية العربية غرقت في
سباتها مستكملة مشروعها التخاذلي الانتكاسي،و مثبتة أنها تتركب من الهشاشة و
البوار ،ويسري في جسمها ماء التأزم.
من الأشياء اللافتة للانتباه ،معانقة الشعر لهذا الموكب الذي يفتخر
بعنفوانه و شموخه ،فتح الشعراء صدورهم لتلقي و احتضان نداء الثورة ،و لا
أستطيع أن أذكر هنا أسماء الشعراء و عناوين القصائد ،لكني أحبذ الإشارة
إلى قصيدتك الملحمية التي أطلقت عليها إسم : «مديح الظل العالي» لا أجاملك
رفيقي محمود إذا قلت لك بأنها كانت و مازالت تشكل معلمة بارز ة و متقدمة
في رحلتك الشعرية الملتزمة، كما تمثل روعة وزخم القول الشعري القادر على
النفاذ إلى قلوب وأسماع الجماهير على امتداد خريطة الوطن العربي، فمن
خلال «مديح الظل العالي»يستطيع القارئ أن يتلمس عظمة القصيدة و جلالها
وحدتها في توجيه الجماهير و تعرية الأنظمة التي قدمت مسرحية ركيكة التركيب و
الأداء في رسم خططها و استراتجيتها.إنها قدمت للقارئ العربي لوحة بليغة عن
هول الموقف أيام الغزو ،و عن براعة المواجهة، و استطاعت بذلك أن تنسج نظرة
شمولية ثورية أزالت الأستار عن المساحيق.
و ماذا بعد الرحيل و الخروج و التيه في مناكب الأرض ،و دخول القضية طور
المساومة و احتداد مظاهر التقوقع و الأخذ و الرد. أظن أن الشعر كان حاضرا و
مجاورا لمسار القضية و تطوراتها، ربما اختلف إيقاع القصيدة ووهجها بحكم
التصورات و المنطلقات والسياقات ، لكن كيفما كان الحال، لا أستبعد مساهمة
القصيدة لتوضيح و تبسيط المنعطفات الجديدة التي أحاطت بصيرورة ثورتكم، لن
أدخل معك في مناقشة إيديولوجية ،لا أريد الاستفزاز و النبش في الخصوصيات
،لكن لابد أن يتجرأ الإنسان لإعلان موقفه الذي يناسب المرحلة،والذي يتعامل
مع التطورات ومع الخلافات و الانحرافات بمنطق يتأسس على العنصر الديمقراطي،
كقيمة ثابتة في التعامل داخل الثورة و بين أعضائها و بين القيادة و
الجماهير.
أتأسف بعمق رفيقي محمود، عندما أرى المسرحيات الانتكاسية تؤلف و تعرض أمام
جمهور لا يتقن حرفة التسرب إلى مكامن الحماقة و التهور و الزيف. .أتحول إلى
جمرة تبحث عن خشبة تلصق بها نارها.. أتنهد ملء أنفاسي و أتأفف ملء أعماقي
،عندما أرى مكتسبات الثورة تطمس فوق المنابر وفي التوصيات المشبوهة.
لقد حرمنا يا رفيقي من متابعة إنتاجكم قسرا ،و لحد الآن لا نعرف بالضبط
أين توجد هذه الانتاجات ،و ما نوع الكلمات التي كتبت بها، و الأوراق
التي تكتب فيها، وحتى المعلومات اللازمة عن قضيتكم تنقصنا، فلا يوجد بين
أيدينا سوى رائعتك الصارخة «مديح الظل العالي» التي كثيرا ما نتداو لها و
نتأملها برزانة.و أمام هذه المنعطفات و التداخلات، هل بقي للشعر من دور
يقوم به، لمنح نكهة أكثر واقعية و ثورية لمضمونه ورسالته ، بما هو متخندق
في خندق الثورة ،ومنصت وملتقط لنبض الجماهير؟إنني مقتنع بأن الشعر
المشحون بالعنف و الانتفاض ،سوف لن يزيغ عن سكة القضية التي تتعرض للطعن و
التلويث.

السجن المدني بوجدة 2مارس 1985

عبد الصمد بن شريف

28-09-2012



عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 1675
العمر : 46
تاريخ التسجيل : 26/06/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى