صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

الثورات العربية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الثورات العربية

مُساهمة من طرف بنت جبالة في الجمعة 12 يوليو 2013 - 17:37

(1) - نحو تجاوز ثنائية الداخل والخارج


يثير موضوع الثورات العربية بين الاستقلال والتبعية مشاكل عديدة، إنه يشير من جهة إلى سؤال ليس من السهل الإجابة عنه، في الوقت الراهن على الأقل، حيث لاتزال الثورات العربية وتداعياتها متواصلة. وهو يحيل ثانية، إلى نمط من أنمـاط تعامل الفكر السياسي العربي مع القضايا العربية والدولية، وهو نمط يعتمد بطريقة ميكانيكية مجموعة من الثنائيات الجاهزة، الأمر الذي يتطلب في نظرنا إنجاز عملية مُركَّبة، أثناء التفكير فيه والإجابة على التقابل الذي تستوعبه صيغته.
تحدد العناصر التي اختصرنا في هذه الفقرة البراديغم المهيمن على كثير من التحليلات والمواقف، التي تعنى بفهم كثير من الظواهر في المجتمع العربي، وهي عناصر تعمم في الأغلب الأعم، دون مراعاة الجدليات التاريخية والسياسية المعقدة، التي تستوعبها الظواهر في التاريخ.
لنبدأ التفكير فيما يحيل إليه الموضوع، أي في المضمرات المستوعبة في مفرداته، يتعلق الأمر بالثنائية التي تجعل الذي يفكر فيه مضطرا للتعامل معه، انطلاقا من تقابلات مقررة سلفاً. وهذا الأمر يكشف أن السائل ينتظر من المجيب أحد أمرين لا ثالث لهما، في حين أن إشكالات التاريخ والسياسة والثورة أكثر تعقيدا مما نتصور.
وبناء عليه، نحن مدعوون لركوب طريقة أخرى في التفاعل معه، من قبيل القيام بمحاولة التفكير في السؤال نفسه، بهدف بلورة مساع أخرى في النظر موصولةٍ به قصد تفكيكه، إن لم نقل قصد التخلص منه والتحرر من بعض حدوده، وتركيب ما نعتبره البدائل المناسبة لمقاربات تُسهِّل إمكانيات إدراكه بصورة أفضل.
إن ما يخفيه السؤال هو حرص السائل على ربط الذات بالآخرين، الاستقلال بالتبعية، ربط الفعل والمُنجزِ الثوري بالتدخل الخارجي، وقس على ذلك، حيث يمكن عرض ثنائيات أخرى متداولة في هذا الباب، ومطابقة في الأغلب الأعم للثنائية الظاهرة في السؤال، وذلك من قبيل الداخل والخارج، الإسلام والغرب، العروبة والصهيونية، إلى غير ذلك من السرديات التي استأنس بنسج وإعادة نسج خيوطها أجيال من المثقفين والسياسيين العرب.
تبدأ الحكاية بالتلويح بالمؤامرة الخارجية، ومنحها أسماء حركية متعددة، ثم إعلان خيانة القائمين بها وضلوعهم في التهييء للاختراق الأجنبي. وعندما يتواصل الطابع الملحمي للانفجارات التي ملأت كثيرا من الميادين والساحات العمومية في أغلب البلدان العربية، كما هو عليه الحال في انفجارات 2011، يتم إخراج بطاقة
الصراع المذهبي والطائفي والقبلي الحاصل أو المفترض الحصول، وإغفال ملامح الفعل الاحتجاجي المُوَاطِن، وما يرتبط به من توجهات إصلاحية، سياقها مؤكد في تاريخنا المعاصر. فننسى في غمرة ما جرى ويجري أن للحكاية تأثير كبير ومرغوب فيه، من أجل التمكن من تحويل النظر عن جوانب بعينها في الحدث، نحو جوانب أخرى يراد لها أن تكون وراء الحدث.
إن صعوبة النظر في حدث الثورات العربية، يقتضي عدم التعامل بإيجابية مطلقة معها، أي مع ما حصل في تونس ومصر، وما حصل ويحصل في ليبيا واليمن وسوريا ، ذلك أنه بجوار الفعل التاريخي، المندفع والصانع للحدث المزلزل لقواعد الطغيان، تبقى جوانب عديدة مليئة بالألغام والألغاز، من قبيل نوعية التدخل الذي تمارسه التفاعلات القومية والإقليمية والدولية على الحدث وعلى طبيعة تحوله. كما تبقى أمامنا في قلب أمكنة الحدث المرسوم في جغرافيات، وإن تباعدت بينها المسافات، فقد وَحَّدتها الأنظمة والهزائم. يبقى أمامنا وسط كل هذا الفعل في لحظات تشكله، جثث الضحايا وتخريب المنشئات، إضافة إلى النتائج الآثار التي تنشأ عن تعميم أشكال جديدة من الفوضى، من قبيل حصول انكسارات عميقة في لحظة معينة من التاريخ، انكسارات لا يمكن الادعاء أبدا بسهولة لملمتها، وربطها بأفق واضح في التحول التاريخي، القادر على تركيب الطموحات، التي حملها الذين كانوا يرفعون أصواتهم بنداءات التغيير والحرية والكرامة والعمل.
ينبغي التسلح في تصورنا بفضيلة الاحتراز في لحظات متابعة ما جرى ويجري، وفي أفق هذا الاحتراز ينبغي احتضان الحدث والانخراط فيه، وإعادة تأسيسه عند تجاوز عتبة بدايات سقوط النظام، ذلك أن إسقاط النظام، تليه مرحلة إعادة تأسيس البديل التاريخي المأمول، إعادة تركيب شرعية دستورية جديدة، والانطلاق في بناء مشروع التحديث السياسي والإصلاح الديمقراطي. ويكون الاحتضان في تصورنا ببلورة الأسئلة والاحتياطات السياسية التاريخية، التي تسمح ببناء أفعال قادرة على تحصين وتطوير ديناميات وأفعال التغيير الجارية.
2- نتجه في هذه المحاولة إلى إنجاز جواب يروم إعادة النظر في صيغة الموضوع، وذلك بالوقوف على تداعيات الثورات العربية وأسئلة الراهن العربي.
تستوعب محاولتنا وضع اليد على إشكالات نظرية ومنهجية محددة، بعضها موصول بقضايا كتابة تاريخ الراهن، حيث تتداخل العوامل وتختلط، ويصعب فرزها في أزمنة تواصل أفعال الثورة وتواصل حضور ملامح الأطوار الانتقالية الحاصلة بعدها. ونواجه في الوقت نفسه، وأثناء التفكير في بعض أبعاد السؤال، ما يمكن أن نسميه الأوجه الخفية والمطموسة للانفجارات التي عرفتها بعض الميادين العربية.
لا يمكن أن ندعي في سياق كل ما سنقوم به في هذه المحاولة، أننا سنفك طلاسم وألغاز الانفجارات التي ملأت فضاءات بعض الساحات العمومية، بل إن الهدف المتوخى من ورائها، هو المساهمة في تحصين الفعل الثوري العربي، وربطه بصورة قوية بالأفق الإصلاحي الديمقراطي، باعتبار أنه شكل ويشكل في تصورنا الخلفية المرجعية الصانعة بصُوَّر مختلفة لجوانب من الحدث ومن مكاسبه، ما ظهر منها وما يظل في حاجة إلى معارك أخرى لتتم عمليات إتمام حصوله.
ننطلق في هذا العمل من الإقرار بصعوبة الموضوع، بحكم أنه يندرج في إطار تركيب تاريخ الراهن في جريانه، حيث تظل كتابة تاريخ الراهن كما يعرف المختصون من الكتابات المحفوفة بالمخاطر، بحكم أنها تواجه كما أشرنا آنفا، أحداثا في طور التشكل، الأمر الذي يتطلب الاستماع المتواصل إلى وتائر إيقاعاتها، ويتطلب في الآن نفسه، الانتباه إلى تداعياتها ومختلف ما تُولِّده من نتائج في الحاضر وفي المستقبل، كما يقتضي تعليق بعض الأحكام إلى حين التحقق من عمليات الفرز التي ستحصل لاحقا. وعندما يتعلق الأمر بحدث مماثل للانفجارات الميدانية التي ملأت الميادين والساحات العمومية العربية في مطالع سنة 2011، تزداد المسألة صعوبة، بحكم أن هذه الانفجارات وبالصورة التي تبلورت بها في المجتمعات العربية، تستدعي كثيرا من اليقظة، في النظر إلى أنماط تشكلها وأشكال تطورها وتوقفها، كما تتطلب كثيرا من الحيطة لحظة معاينة ومتابعة التحولات، التي تلتها في أغلب البلدان العربية.
نسلم في ضوء ما سبق، بصعوبة إنجاز أبحاث بخلاصات ونتائج نهائية في موضوع الثورات المذكورة، كما نسلم بأن أي انخراط في تعقل ما جرى ويجري من أحداث في المجتمعات العربية، منذ اندلاع هذه الانفجارات، يمارس بدوره أشكالا من التموقع السياسي في قلبها، وذلك حتى عندما يدعي صاحبه الحياد والموضوعية.ونتصور رغم كل الصعوبات التي أشرنا في الفقرات السابقة إلى بعضها، لزوم مواصلة مزيد من فحص مختلف أبعاد ما حدث، ذلك أن بناء مقاربات متنوعة، يراكم في تصورنا، ما يسمح بتعقل كثير من سمات الثورات العربية ومستقبلها.
3- نعدد من بين المداخل التي تتيح الإحاطة بالحدث في جريانه وغليانه، المتابعة الحَدثيَّة التي تروم توصيف معطيات ما حصل، وبحث أسبابه ونتائجه، وهذه المقاربة يفترض أن تُركِّب الأسباب القريبة والبعيدة لما جرى ويجري، ولا شك أنها تضعنا أمام أوجه وتمظهرات الحدث، وخاصة عندما تجتهد في النظر إليه ضمن السياقات الموصولة به، وتعمل من جهة ثانية على تركيب معطياته في إطار ما تفترض أنه يماثله من أحداث حصلت في أزمنة وأمكنة قريبة أو بعيدة عنه، ذلك أن الأحداث في التاريخ وإن اختلفت، وتنوعت، تظل بينها وشائج من القربى، وعلامات من التشابه والاختلاف، تمكِّن الباحثين من الاقتراب منها بصورة تساعد على الفهم والمقارنة. وقد لاحظنا في غمرة متابعتنا للحدث وللقراءات التي تلته، طغيان المدخل السياسي على المقاربات التي حاولت تعقل ما جرى في المجتمعات العربية سنة 2011. ومما ساعد ويساعد على سيادة المقاربة السياسية المباشرة للحدث وتداعياته، أن الأحداث التي حصلت أطاحت بأنظمة سياسية معينة، ففي أغلب الندوات والمؤتمرات والكتب الصادرة بعد الحدث هنا وهناك، تحضر المقاربة السياسية أولا، وبجوارها وفي قلبها نعثر على مقاربات اجتماعية أو اقتصادية، ولكن المقاربات الأخيرة تكتفي في الأغلب الأعم بتتميم المقاربة السياسية.
وهناك مقاربة ثالثة، حصل استبطانُها جوانب منها في المقاربة الأولى، يتعلق الأمر بالمدخل الاستراتيجي، الذي يفكر في الثورات العربية في علاقتها بدوائر الصراع الإقليمي والدولي، ويسعى لتعقل أحداثها ضمن دوائر التشابك المتعولم في عالم يتغير.
نتبين في أغلب المقاربات نوعا من الاتفاق على أن ما حصل يعد نتيجة لعقود من الجبروت، الذي حوَّل الأنظمة السائدة في أغلب البلدان العربية، إلى أنظمة غير قادرة على مغالبة درجات الفقر والتهميش، التي لحقت بها. إضافة إلى استشراء الفساد والبطالة وعدم القدرة على النهوض والتقدم. ومقابل كل ذلك، أشار بعضها إلى المؤامرات والدسائس التي تحاك ضد هذه المجتمعات، وترهن مستقبلها بالتبعية وما يترتب عنها من استغلال لثرواتها ومخزونها النفطي، الأمر الذي يكرس استمرار تخلفها.


كمال عبداللطيف
الاتحاد الاشتراكي
06- يوليوز 2013

_________________
avatar
بنت جبالة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 1429
العمر : 41
تاريخ التسجيل : 11/07/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الثورات العربية

مُساهمة من طرف بنت جبالة في الجمعة 12 يوليو 2013 - 17:43

(2) - في التشخيص الأولي لبعض أمارات الحدث


يترتب عن المقدمات التي سطرنا، ضرورة الاتفاق في البداية على تصور محدد لسياق الحدث، ضرورة تحديد المنطلقات والمبادئ العامة المساعدة في عمليات تشكله واستوائه. وفي ضوء ذلك، يمكننا أن نتقدم في مناقشة التدخلات التي تروم التفكير فيه، وتُرتِّب ملامحه العامة إما في أفق تكريس التبعية الحاصلة، تبعية الأنظمة العربية لخيارات ومواقف سياسية محددة، وإما في إطار التأشير على ممكنات الاستقلال والإصلاح والتقدم. وفي قلب ما سنقوم بتوضيحه في هذه الصفحات، ينبغي عدم إغفال أن التدخلات المتواصلة في مستوى التحليل والموقف، تندرج بدورها في باب الخيارات المتداولة بحسابات سياسية واستراتيجية محددة.
إن الثورات كما نتصور ونفترض، لا تستعمل أسلحة واحدة، وبعض الأسلحة المستخدمة اليوم في الانفجارات العربية الجارية، تعد في نظرنا أمضى من أسلحة الدمار الشامل المفترض حصولها، ذلك أنه في الكثير من الحالات يكون الخوف من الموت أبطش من الموت.
سنركب في المحور الأول من ورقتنا العلامات الكبرى للانفجارات التي حصلت خلال سنة 2011 في أغلب المجتمعات العربية، وأطاحت برؤوس أنظمة سياسية معينة، وسنعتني أساساً برصد بعض أمارات التآمر في الحدث. صحيح أنه لم يكن هناك وضوح في عمليات التشخيص، كما لم يكن هناك اتفاق، ولكن الدارس المعاين يدرك منذ البداية أن المتابعات التي حرصت على فهم ما يحصل أصبحت بدورها جزءا منه، مثلما تحولت شبكات وقنوات الإصلاح الناقلة لمظاهراته جزءا منه، ومن صور التأثير المستخدمة في رسم ملامحه، الأمر الذي عقَّد الحدث وحوَّل صورته من النسخة إلى ما يكاد يعادل في بعض الأحيان وفي بعض المشاهد الأصل، أي حوَّل ما يجري فعلاً إلى نُسخ لا أصول لها، فأصبحنا أمام معارك لا ندري متى بدأت ومتى ستتوقف. اختلطت الأمور في الميادين وفي دوائر القرار، وأصبح يصعب فرز ملامحها وعلاماتها، كما يصعب ضبط سجلاَّت العلل والمعلولات والداخل والخارج.
وننتقل في المحور الثاني من عملنا، لبناء جملة من المعطيات النظرية التي ستتيح لنا التمهيد لكيفية من كيفيات تجاوز التفكير اعتماداً على الثنائية المعتمدة في الانفجارات المتوالية في البلدان العربية خارج منطق الضحية وما يتصل به من نعوت كالمسكنة والقدرية، ذلك أن الثورات في التاريخ مؤامرات ومناورات، ومفردات من قبيل الاستقلال والتبعية في صيغة السؤال قد لا تكون كافية للإحاطة بما حدث ويحدث، إن ما يجري اليوم في سوريا يضيق بها إلى حين.
إن الفاصل بين حدود المؤامرة وحدود الفعل الذاتي في الثورات العربية، يكاد لا يرى، بحكم أن الأحداث الثورية في التاريخ، تتسم بكثير من الاختلاط، إنها تتعين بجملة من العوامل الدولية والإقليمية والمحلية، كما ترتبط بسياقات التاريخ الذاتية والموضوعية، وتتصل بالاستراتيجيات التي تحسب حسابات الراهن والمستقبل، ودون إغفال مقتضيات المصالح ممثلة في النفط ومجسدة في إسرائيل وحسابات أخرى إقليمية. لكن ألا تعتبر الحالة المختلطة في لحظات اندلاع الثورات في التاريخ ظاهرة عامة؟ قبل الجواب عن هذا الاستدراك، لنقدم محاولات في التشخيص المساعد على إدراك ما حصل.

أولا : فــي التشخيص الأولي لبعض أمارات الحدث
لنبدأ بتقديم الخطوط العامة لسردية المؤامرة، وذلك اعتمادا على المعطيات التي استوعبها كتاب صدر مؤخراً عن المركز الفرنسي للبحث في المخابرات، تحت عنوان الوجه الخفي للثورات العربية.
ينصب الحديث في الكتاب المذكور، عن الأدوار السرية للوسائط الإعلامية وبعض الدول العربية والغربية، في ترتيب جوانب من آليات تبلور الثورات العربية والمسارات التي تلتها. صحيح أنه بعد صدور الكتاب، برزت أدوار أخرى لم تكن ملامحها واضحة تماماً، من قبيل التطور الذي عرفه الموقف الإيراني مما جرى ويجري في سوريا، ومواقف حزب الله ثم مواقف إسرائيل، وهي أمور لا نجدها في هذا الكتاب، وقد اكتفى معدوه بالتركيز على المراحل الأولى لتبلور الحدث السوري.
يوجِّه الكتاب اتهامات صريحة إلى وسائل الإعلام الدولية، التي تعمل على تعميم وقائع مختلفة عما يجري في ميادين المواجهة بين الأنظمة العربية ومعارضيها. وقد توقف الكتاب أمام الأدوار التي لعبتها قناة الجزيرة في مجال توجيه الأحداث والوقائع الصحيح منها والمركَّب في إطار مواقف محددة.
يستعرض الكتاب مواقف دول الخليج من الانفجارات التي اندلعت وتواصلت في كل من تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا، كما يوضح جوانب من مواقف الغرب وأدواره في كل ما حصل، ليقف بعد ذلك أمام الموقف التركي والجزائري، محاولا كشف بعض الخفايا التي ساهمت في منح الانفجارات العربية حدودا معينة. ومن خلال المعطيات التي يستوعبها، نقترب أكثر من مواقف السعودية وقطر، كما نتبين بوضوح مواقف الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا، الأمر الذي يكشف قوة التدخل الغربي في توحيد كثير من مسارات الأحداث في الثورات العربية، ويكشف في الآن نفسه، حدود النخب السياسية العربية في صناعة استقلال الحدث، حتى عندما تختلط فيه المصالح ويصعب الفصل بينها، كما يضع اليد على التحالفات الحاصلة والمرتبة بحساب حيث تصبح المؤامرات وهي جزء من العمليات الجارية في قلب الثورة مرتبة ومركبة.
يدرك الفاعل السياسي العربي أن الانفجارات العربية تستجيب لسياقات تاريخية محددة، إنها تندرج ضمن أفق يروم الإصلاح السياسي الديمقراطي في المجتمعات العربية، إلا أن المحاور الإقليمية والدولية مَعنيةٌ بدورها بما يجري، بحكم أنها مَعْنِيةٌ بمصالح بلدانها في البلدان العربية مشرقا ومغربا، إنها تحرس مكاسبها ومصالحها. ويفترض في الفاعل السياسي الذي يتطلع إلى التحرر والاستقلال، أن يدبر علاقاته مع الأطراف الإقليمية والدولية بحسابات المصالح وموازينها في عالم متغير.
وفي سياق عرض مؤشرات التآمر والمؤامرة، نقترب من مفارقة وصول الإسلام السياسي إلى السلطة، في أغلب البلدان الذي اندلعت فيها الانفجارات الاحتجاجية، ذلك أن هناك من يرى أن كل ما حصل في العالم العربي، رُكِّب في إطار مؤامرة رتبت ملامحها في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وحصلت بتواطؤ جهات عديدة، في إطار ما عرف بحاجة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان. وضمن هذا السياق، يتحدث البعض عن اللقاءات التي أقيمت في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2004، وقدمت فيها مجموعة من البرامج والدورات التكوينية الموجَّهة للشباب العربي، بتمويل من الإدارة الأمريكية، ومن بعض الشركات الخاصة، مثل غوغل، وذلك بهدف توفير تدريبات مكثفة للشباب في موضوع كيفيات استخدام الأنترنيت، وبناء أشكال من التبادل الشبكي التفاعلي، قصد التنسيق والتشاور، لتعبئة الجماهير واستقطابها، من أجل التجمع في حركات غير عنيفة، للمطالبة بالحرية والديمقراطية.
إلا أننا نرى أن العناصر التي يبرزها هذا الموقف، تظهر الطابع المؤامراتي والإرادوي الموجِّه لما حصل ويحصل. مغفلةً أن ما حصل، وإن كان يمكن أن يفهم في علاقته بالمصالح الخارجية، ومقتضيات التعولم الجارية، كما طورتها تقنيات المعلومات، إلا أن هذا الفهم، يقلل في نظرنا، من شأن الفعل الذاتي، الذي أنجزه المتظاهرون والمحتجون في الساحات العمومية، داخل الحواضر والبوادي العربية. ولعله يغفل أيضا أن مطلب التغيير، يندرج ضمن الطموحات القديمة والجديدة في الآن نفسه، للنخب السياسية وللمثقفين الملتزمين بقضايا مجتمعهم. وأن أي حديث عن تربص الآخرين بنا، ينبغي أن نلح فيه على ضعفنا، لا على قوة من نعتبر أنهم يتربصون بنا، لعلنا نقترب أكثر من رصد عِلَلِنا، فنتخلص منها.
لنتابع التشخيص المعتمد على بناء معطيات محددة في باب رصد التآمر، فهناك من يرى أيضا أن دول الخليج ساهمت وتساهم في تدبير المؤامرة الجارية، وأن إيران شريك مخاصم لها، بل هناك من يعتقد أن دول الخليج تريد وأد الديمقراطية في العالم العربي قبل ولادتها، وتسليم السلطة لقوى محافظة تعيد الزمن إلى الوراء، كما أن إيران لا ترى في سوريا إلا فضاء لتوسيع نفوذها ونشر دعوتها الإيديولوجية.
ويبدو لي أننا عندما نعاين ما يقع في سوريا، نجد صعوبة كبيرة في التمييز بين حدود المؤامرة والفعل الذاتي، نُقرُّ بشرعية الموقف الذاتي في الانتفاض على النظام، ولكننا نقر في الوقت نفسه باختلاط الأوراق. وإذا كانت الكلفة الاستراتيجية والإنسانية المترتبة عن الصراع في سوريا تتصاعد باستمرار، ليس فقط بالنسبة إلى السوريين، لكن أيضا بالنسبة إلى مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، فإن التدفقات البشرية على الحدود تسبب خطورة أمنية، وتضاعف من عدم استقرار المنطقة العربية، وفيها كما نعرف كثير من الحلفاء والشركاء، إسرائيل والأردن وتركيا والعراق ولبنان.

كمال عبداللطيف
الاتحاد الاشتراكي
08 يوليةز 2013

_________________
avatar
بنت جبالة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 1429
العمر : 41
تاريخ التسجيل : 11/07/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الثورات العربية

مُساهمة من طرف بنت جبالة في الجمعة 12 يوليو 2013 - 17:49

(3) - مؤامرات أم مناورات؟

عندما نتابع الحديث عن مظاهر التآمر لا ينبغي أن نغفل الانتباه إلى قضايا أخرى تتعلق بالنفط والاستبداد والديمقراطية، تحضر القضايا المشار إليها بصور عديدة في ملامح الأحداث الجارية. ويجب أن ننتبه إلى ما أشار له الباحث اللبناني فواز طرابلسي في كتابه الديمقراطية ثورة، حيث أبرز أنه لا يمكن النظر إلى بعض القضايا من زاوية علاقتها المباشرة بالثورة، ففي موضوع النفط، نحـن نعرف أن الدول العربية لا تسيطر على نفطها، وأن «المشروع الأمريكي» لا يروم اليوم انتزاع تلك الثروات الطبيعية والفوائد الناتجة عنها، إنه يقوم بتوسط شركاته بتدبير النفط العربي منذ عقود. فالغرب يرتب مبادئ سياساته الخارجية على مقاس مصالحه الاقتصادية (الأسواق والنفط) والجيوستراتيجية (أمن النفط وأمن إسرائيل).
ومن أجل مزيد من التوضيح، نشير هنا إلى أن الباحث المذكور، اعتبر أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية للتدخل العسكري الغربي في ليبيا، السبب الأول يتعلق بالنفط، والثاني يتمثل في مساعي الغرب في الظهور بمظهر الداعم لتطلعات الشعوب العربية إلى الديمقراطية، بعد عقود من دعمه للأنظمة الاستبدادية، والسبب الثالث هو ضمان السيطرة على عملية الانتقال السياسية والاقتصادية و السيطرة في الآن نفسه على المعارضة، خاصة وأن قسما كبيرا منها اختار التبعية بأسماء عديدة.
وفي السياق نفسه، يجب أن ننتبه إلى ان هناك من يطالب سوريا بفك التحالف مع إيران ووقف إيواء قيادات البعث العراقية على الأراضي السورية، وكذا وقف تصدير الجهاديين إلى العراق، ورفع اليد على حركة حماس في فلسطين، ورفعها أيضا عن حزب الله في لبنان.
ونتصور أن المطالب المسطرة أعلاه، تندرج في إطار الألغام الخطيرة في الحدث السوري، إنها تضعنا أمام جملة من القضايا المفتوحة على احتمالات تروم إضعاف مناعة سوريا، وتسهيل وَضْعِها أمام الإملاءات الخارجية. وعندما نتوقف أمام الممانعة السورية في تجلياتها المعقدة، نجد أنفسنا أمام ظواهر مركبة، حيث تنشأ كثير من اللقاءات والمناورات، ليظل الوضع في سوريا مليئا بالألغام. فالمناورات العسكرية، من قبيل المناورة الجوية السعودية التركية وهي الأولى من نوعها، والمناورة الأردنية، والمناورة البحرية الثالثة في الخليج والتي تضم أكثر من 40 دولة، بهدف البحث في كيفيات إزالة خطر الألغام البحرية من قاع البحر، وكذا المناورة العسكرية الرابعة التي ستجريها البحرية الإيرانية. كل هذه المناورات التي تتناقلها وسائل الأخبار تكشف استمرار تعقد وتداخل الذاتي والإقليمي والدولي في مشهد الصراع، كما تكشف اختلاط كثير من الأوراق لتضعنا أمام مشهد معقد متناقض وقابل للتشكل وإعادة التشكل، وذلك بحسابات لا تتمتع دائما بالدقة والوضوح.
ويبلغ الاختلاط أوجه في التصريحات والمواقف التي يطلقها مسؤولون أمريكيون بهدف إصابة أهداف متعددة ومتناقضة، مثلما هو عليه في بعض مقالات دونيس روس التي يشير فيها إلى «أن الشعب الأمريكي صار متخوفا من الحروب، ويصر على التركيز على القضايا الداخلية والاقتصادية وليس على الشؤون الخارجية، ويوضح في سياق المقال نفسه أن « الوضع في سوريا معقد للغاية ولا يوجد خيار مثالي(...)، وقد أقنعتني أحداث الأشهر ال 26 الماضية بأن التدخل هو الأجدى، هذا الصراع سيستمر في التنامي بكل عواقبه السيئة، إلى أن يميل ميزان القوى ضد الأسد وحلفائه الإيرانيين و»حزب الله» والروس».
إن ما سطرناه من عناصر في ضبط مآل الحالة السورية لا يقلل من قيمة مشروع الإطاحة بالنظام، بحكم مشروعية هذا الحل من جهة، ولان النظام لم ينجح لا في تحقيق الإصلاح، ولا في وقف التردي الحاصل. ويقدم الجدل السياسي المتواصل حول الوضع السوري، ما يمكن أن نعتبر نموذجا للتآمر المباشر، لكن هل نستطيع أن ننفي حاجة السوريين إلى الإصلاح؟ ثم ما هي أدوار المعارضة السورية في لعبة التآمر؟
ثــانيا : الثورات العربية مؤامرات أم مناورات؟
ركبنا في المحور السابق جملة من المعطيات المشخصة لجوانب من المؤامرات المفترض أنها حاصلة في سجلات الحدث الثوري، وقد أشرنا إلى بعض حدود مبدأ التآمر، وعملنا على استيعاب منطقه ضمن مقتضيات صراع المصالح في التاريخ. وننتقل في المحور الثاني لتقديم تصور مختلف عن السابق، تصور يفتح الحدث الثوري على ممكنات أخرى في التصور والتفاعل والفعل. وننطلق في تركيب هذا التصور، من فرضية نُقرُّ فيها بإمكانية المساهمة في بناء ما يساهم في مَنْح الحدث، مواصفات معينة مرتبطة بفضاءاته في أبعاده المركبة، حيث تنحل ثنائية التآمر والمبادرة الذاتية المتآمرة، أي المعولة على الخارج انطلاقا من الداخل، لينفتح الحدث على جدلية تاريخية يصعب التفكير فيها بمنطق وحيد.
ننطلق في المحور الثاني، من مبادئ ترتبط بسياقات الحدث في تشابكها وتناقضها وتداخلها، ونتصور إمكانية بلوغ ما نصبو إليه، وخاصة عندما يعمل الفاعل السياسي الوطني على توظيف الشروط المناسبة لبلوغ طموحاته.
ونبلور في سياقات تحليل هذا المحور، ما يسعف بإمكانية تجاوز الثنائية المركزية في الموضوع الذي نفكر فيه، وذلك بالاعتماد على التفاعل السياسي المرغوب فيه، أي التفاعل الذي يستجيب في نظرنا لما نفترض أنه مناسب للطموحات التاريخية للقوى الإصلاحية والديمقراطية في مجتمعنا. نؤكد على هذا بحكم أن الانفجار كان مفاجئا، وعرف الشارع العربي في المنطلق فاعلينَ جددا، إلا أنه لم يكن غريبا ولا بعيدا عن تطلعات المجتمع ولا عن مبادرات نخبه وفاعليه في المجال السياسي والمدني. ورغم اختلاطه لاحقا، فقد كان وسيظل بمنطق التاريخ قابلاً لإمكانية التدخل وللمناورة وحساب المصالح.
نستند في إبراز مشروعية مقاربتنا على مبدأين اثنين، نرى أنهما يتيحان لنا فهماً أكثر تاريخية لما جرى ويجري في مجتمعاتنا :
المبدأ الأول : الثورات العربية والتمهيد لبناء شرعية سياسية جديدة.
تعد سنة 2011، مفصلا تاريخيا نوعيا في التحولات التي عرفها المجتمع العربي، في مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة. فقد ظلت البلدان العربية تعتبر البلدان الأقل تغييرا، في اتجاه توطين المشروع الديمقراطي في أنظمتها السياسية. صحيح أن أغلب المجتمعات العربية عرفت في تاريخها المعاصر، مبادرات وديناميات لإسقاط الأنظمة الحاكمة، إلا أن ما حصل بتتابع، وبكثير من الجرأة والفعل الخلاق، في أغلب ساحات المدن في المجتمعات العربية، يعد تتويجا لعقود طويلة من مراكمة الاحتجاجات، والتي عرفت تصاعدا مكثفا في العقدين الأخيرين، وخاصة في كل مصر وتونس والمغرب، إضافة إلى أشكال عنف السلطة، التي كانت تُمارس في أغلب الدول العربي.
إن الثورة من أجل الديمقراطية تظل مجرد طريق، بكل ما تصنعه أفعالها داخله، من مراحل انتقالية تطول أو تقصر. أما بلوغ عتبات المجتمع الديمقراطي، فإنها قد تحتاج إلى مدى زمني أطول، للتمكن من توطين دعائمها وآلياتها ومؤسساتها في المجتمع. كما تظل في حاجة إلى ثقافة جديدة، تتيح للمجتمع القطع مع مختلف الآثار السلبية، المترسبة من عهود الطغيان التي عمرت طويلا.
ولا يعتبر نجاح الانتقال الديمقراطي بعد الثورات أمراً مؤكداً. والأمر المطلوب اليوم، لتحصين الفعل الثوري ومكاسبه، يتحدد في لزوم الحرص على احتضان شرارات الانتفاض في أزمنة الانتقال. لعلنا نتمكن بواسطتها من عبور القنوات الموصلة إلى دروب ومنازل الديمقراطية. وهذا الأمر مرتبط أشد الارتباط بتجارب الفاعلين السياسيين، ودرجات وعيهم بمسلسل القطائع، التي أنتجتها الثورات. وكذا مستوى تمثلهم للثقافة الديمقراطية، التي عملت أجيال من المثقفين والمصلحين، على نشر مبادئها وقيمها في فكرنا المعاصر.
إن الشعوب العربية التي أسقطت الطغاة في تونس ومصر وليبيا، مطالبة بتركيب ما كانت تفتقر إليه في العقود الماضية. وقد يكون مطلوباً منها اليوم، بلغة أحد الدارسين مهلة للتأمل، ذلك أن الثورة والديمقراطية مفهومان مختلفان، وإن كان مرتبطين في فعل التغيير القائم. صحيح أن الثورة لا يمكن أن تنتج بالضرورة الديمقراطية، لكن لا أحد يُنكر مآثرها المتمثلة في زحزحة الطغيان. وفي هذا الأمر ما يصعب وصفه، أما التخوف من ورطة صعود الإسلام السياسي، فإنه يغفل أن التاريخ حمال أوجه، وأن مغالبة أوجهه المحاصرة للتقدم تتطلب مواصلة تعزيز قيم الحرية والعقل في مجتمعنا، كما تقتضي في الجبهة السياسية مواصلة تعبئة المجتمع لاحتضان قيم الحداثة والتاريخ.

كمال عبداللطيف
الاتحاد الاشتراكي
09 يوليوز 2013

_________________
avatar
بنت جبالة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 1429
العمر : 41
تاريخ التسجيل : 11/07/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الثورات العربية

مُساهمة من طرف بنت جبالة في الجمعة 12 يوليو 2013 - 18:12

(4) - في لزوم تجاوز ثنائية الداخل والخارج

المبدأ الثاني : التحديث السياسي، أفق لكسر شوكة الاستبداد.

وضحنا فيما سبق، وبناء على مؤشرات شَخَّصها الانفجار الكبير، إن الرسالة التي لوحت بها الثورات العربية، يمكن أن تختصر في عبارة محكمة، مفادها بناء شرعية سيـاسية جديدة، تقوم أولا، بمناهضة ثم إسقاط شرعيات القهر الســائدة، ثم الانخراط في توطين نظام الحكم الديمقراطي. والاحتجاج الاجتماعي الذي انطلق في الأشهر الأولى من سنة 2011، وتواصل بقوة طيلة السنة، مخلفاً ضحايا ومآسي ومآزق وأسئلة لاحصر لها، يشكل في تصورنا القفزة التاريخية الكبرى، التي يمكن أن تهيء فعلا لتوطين المشروع الديمقراطي في المجتمعات العربية. وقد اكتشفنا كما اكتشف العالم من حولنا، أن الأسلوب الثوري الجديد، الذي أطلقه الشباب العرب، وتضامنوا من أجل إنجاحه، يقدم بياناً آخر أكثر بلاغة من أجل الديمقراطية، بياناً مفصحاً دون أن تجسده الكلمات، بل إنه بيان يجد ترجمته المباشرة في الخيارات والإرادات والأفعال، شأن الأفعال الصانعة للتاريخ.
صحيح أن أغلب المحللين من متابعي الحدث، أبرزوا أن الثورات العربية المتوالية، كانت في الأغلب الأعم تنسج خطواتها، خارج الثقافة السياسية التقليدية في وجهها المعارض، والتي كانت تشكل النمط المتداول داخل مجتمعاتنا، في مواجهة أنظمة الاستبداد. وصحيح أيضا، أن ما جرى لم يكن في بدايات انطلاقه، يحمل لونا إيديولوجيا معينا، وبرنامجا إصلاحيا بمعالم وخطط واضحة. إلا أن هذه التحليلات التي تشخص الحدث الجاري في مظاهره وخفاياه، تغفل أن هذا النوع من التنميط الفوتوغرافي، يتناسى أن الفعل الثوري في التاريخ، قد يتخذ ملامح واضحة في قلب الحدث، وليس في لحظات الإعداد له، أو لحظات إطلاقه. ففي التاريخ والسياسة يستطيع الفاعلون والمشاركون، أن يعيدوا أو يطورا أو يبنوا في قلب ما يجري، مفاصل وتحولات، تمنح الحدث منطقا يختلف أو يطابق أو يتجاوز بداياته. فلا مجال للعفوية في ما جرى، في أغلب البلدان العربية. وعندما يكون الاحتجاج موجها ضد النظام الاستبدادي، وضد التأخر والفساد، وضد ثقافة الطاعة والتأييد، وضد القمع الأمني وأجهزة المخابرات، فإن عنوانه الأكبر الحاصل في مجتمعاتنا، يتجه لبلورة ملامح أفق جديد، يروم توسيع المشاركة السياسية، وإشراك المجتمع في إعادة بناء نفسه، في اتجاه تَملُّك قواعد الممارسة الديمقراطية.
فُسِّر تعثر المشروع الديمقراطي العربي، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بجملة من العوامل، أبرزها هيمنة الثقافة التقليدية، المختلطة بتأويلات نصية محافظة للدين. كما فسر التعثر المذكور بالعوامل الاقتصادية، ومتغيرات الصراع الدولي في المشرق العربي، وذلك دون أن نغفل العوامل الأخرى المتمثلة في سيادة أنظمة الحزب الواحد، والعائلة الحاكمة والمسيطرة على دواليب الاقتصاد. وإذا كانت هذه التفسيرات تجد شرعيتها في الأدوار الكابحة للثقافة السائدة، وطبيعة العوائق الاقتصادية والاجتماعية البارزة، والمؤدية إلى استفحال الظواهر، التي تعكس عجز الأنظمة السائدة، عن تحقيق الحد الأدنى من العيش الكريم لمجتمعاتها. فإنه يجب ألا ننسى أن انخراط المجتمعات العربية، في تمثل مقدمات التحديث السياسي، الذي نفترض أنه يكفل إمكانية الانتقال الديمقراطي في مستوى الوعي، أدركنا سمك وثقل الصعوبات التي كانت تواجهها قوى الإصلاح، وهي تناهض أنظمة الاستبداد.
وإذا ما سلمنا، بأن الانفجار الكبير، الذي عمت تجلياته كثيرا من الأقطار العربية، قدم كما قلنا ونؤكد، رسالة واضحة في موضوع البحث عن شرعية ديمقراطية مناهضة لشرعيات القهر السائدة، فإن روح هذه الرسالة ستظل عنوانا ملازما له، رغم ما يمكن أن يشوب كيفيات تنزيلها، من عوائق قديمها ومستجداتها.
إن الكلفة الغالية التي دُفعت بالأمس، في معاركنا من أجل رفع الاستبداد، والثمن الباهظ الذي يدفع في معارك اليوم المتواصلة، يشكلان مواثيق جديدة، في مسلسل نحت الطريق العربي نحو الديمقراطية.
الثورات العربية وضرورة تجاوز ثنائية الداخل
والخارج

ابتكرت الدولة التسلطية العربية أساليب عديدة لترسيخ نفوذها واستمرارها، فقد وظفت في منتصف القرن الماضي وبناء على معطيات زمن القطبية الثنائية كما تبلور في نهاية الحرب العالمية الثانية، وظفت ثنائية التنمية كمقابل للديمقراطية، ثم استخدم بعضها مفهوم الديمقراطية المركزية وخيارات الشعوب الفقيرة والأمية في التنمية والتقدم، فأصبحت المفاضلة المغلوطة بين الاقتصاد والسياسة تشكل قاعدة الاعتراض لمواجهة التدبير الديمقراطي في مجتمعاتنا. وتبنت مؤخرا في لقاءات القمة العربية بيانات في الإصلاح السياسي لا علاقة بين توصياتها وبين ما يجري فعلا على أرض الواقع.
أما آخر مبتكرات الدولة التسلطية في مواجهة مشروع الإصلاح، فتتمثل في الجدل السياسي الموظِّف للزوج المفهومي المكاني، الداخل والخارج، حيث يصبح الإصلاح بناء على نوعية استخدام الزوج المذكور مرفوضا لأنه يحصل بفعل أوامر خارجية، أي بفعل إرادة أجنبية. وفي موضوع حدث الثورات يتم اليوم ترجمة الخارج بمفردة المؤامرة والتآمر والتبعية.
ولمواجهة هذه الثنائية الجديدة الرامية إلى محاصرة المبادرات الإصلاحية، نستحضر بكثير من الاختزال معطيات موصولة بظاهرتين لا نستطيع تجنب نتائجهما في حياتنا العامة وفي علاقاتنا بالعالم، يتعلق الأمر بظاهرتي العولمة وثورة المعلوميات. فقد ترتب عن ثورة المعلوميات ووسائط الاتصال الجديدة والمتطورة، ترتب عنها تقليص المسافات بين المجتمعات في مختلف القارات. وأصبحت أساليب الحياة الجديدة المتشابهة في كثير من أبعادها المادية والرمزية قادرة على بناء ثقافات متشابهة، بفعل التأثير الذي يمارسه التداول المشترك للمنتوجات والقيم، وما ينتج عن ذلك من آليات في تركيب أمزجة الكائنات الحية بمختلف أصنافها وعلى رأسها الإنسان.
وترتبط هذه المسألة بالاقتصاد والسياسة والثقافة، وعوالم إنتاج وإعادة إنتاج الرموز داخل المجتمع. فلم يعد بإمكان البشر تجنب آثار ما ذكرنا في حياتهم، بل إننا نستطيع القول بأن الظواهر الجديدة تمارس اليوم في حياتنا تأثيرها الصانع للقيم وأنماط السلوك المختلفة. ومعنى هذا أن ما يقع خارج محيطنا الجغرافي، ويعد بالمعيار التقليدي خارجياً وخارجاً وتآمرياً، لم يعد كذلك بفعل الانقلاب الكبير، الذي ترتب عن ثورة الإعلاميات ومقتضيات عمليات التعولم. فقد اختلط الداخل بالخارج، ولم يعد موقع الخارج هناك، بل أصبح هنا أمامنا وفي قلب ديارنا.


كمال عبدالطيف
الاتحاد الاشتراكي
10 يوليوز 2013

_________________
avatar
بنت جبالة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 1429
العمر : 41
تاريخ التسجيل : 11/07/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الثورات العربية

مُساهمة من طرف بنت جبالة في الجمعة 12 يوليو 2013 - 18:14

(5) - نحو تجاوز ثنائية الداخل والخارج

إن ما ينبغي أن نكون على بينة منه هنا، هو أن ما يحصل في العالم بفعل العولمة لا يحصل دائما بفعل خيارات إرادية حرة، بل إنه يتعلق أيضا بمعطيات أخرى موصولة ببنيات النظام الرأسمالي العالمي في تحولاته وطفراته وأزماته، وذلك بصورة تمنح بعض الظواهر صفة الفعل الذي لا يمكن مقاومته، مثلما أنه لا يمكن التكهن بمختلف نتائجه في المدى المتوسط والقريب. ولعل هذا حال مجتمعاتنا في كثير من المعطيات الصانعة لمصائرنا التاريخية، ذلك أن حتميات تاريخية جديدة تمارس اليوم تأثيرها داخل المجتمع الإنساني بآليات تفوق قدرة البشر على التدبير الإرادي لأفعالهم، دون أن يعني التأكيد عل هذه الحتمية انتفاء إمكانية المقاومة، أو إمكانية التكيف والتكييف، الذي يمنح الذات دور المشارك فيما يحصل. كما أن ما ذكرنا لا يستبعد إمكانية بناء بدائل أكثر ملاءمة لمقتضيات تركيب عالم أكثر توازنا وأكثر عدلا.
فقد صدر مؤخراً للباحث الفرنسي جيل كيبل كتاب بعنوان «الهوى العربي، يوميات 2011-2013»، جمع فيه قراءات واستطلاعات ميدانية في موضوع الربيع العربي، تستوعب رحلاته واتصالاته مع باحثين وسياسيين وعسكريين وجهاديين وشباب بدون عمل، وذلك في سياق مساعيه الهادفة إلى الإحاطة بالتحولات الجارية في المجتمعات العربية. وقد لفت نظرنا في المجموع المذكور التوضيحات التي ركب وهو يحلل جوانب من الانفجار العربي، ذلك أنه يصعب في نظره الحديث عن موقف موحد للقوى الغربية من الثورات العربية، ومقابل ذلك يشير إلى تنافر المصالح وتناقض المواقف، ويعطي أمثلة مبرزا أن فرنسا معنية بالوضع التونسي، حيث تتمركز بعض مصالحها، ولهذا يضم المجلس الوطني التونسي عشرة نواب فرنسيين، والولايات المتحدة الأمريكية تُصوِّب نظرها بعناية أكبر نحو سوريا وإيران.
نستطيع القول بأن الولايات المتحدة الأمريكية والغرب ضاعفا من آليات عنايتهما بمختلف ما يجري في العالم العربي في مطلع الألفية الثالثة لأسباب معروفة، وأنهما يفكران في الأوضاع العربية في إطار بنائهما لخياراتهما السياسية والإستراتيجية والعسكرية، إلا أن شعارات الميادين في الثورات العربية تخصنا، وهي مرتبطة بالمساعي الإصلاحية في بلداننا، إنها تعود إلى فترة سابقة على ملابسات وصيغ الصراع الحاصلة اليوم في العالم.
نتجه في مجموع البلدان العربية لاستكمال مهمات بدأتها أجيال قبلنا، وعلينا أن لا نلتفت كثيرا للتقابلات، الحدية التي تنشئها بعض التصورات في سياق حسابات سياسية آنية، فالإصلاح مطلب مستعجل، وهو شأن داخلي، ولا يمكننا في الوقت نفسه وبالضرورة أن نفكر فيه بمعزل عن كل ما يجري في العالم بجوارنا وفي قلب جغرافيتنا.
إن السؤال المطروح هنا هو هل نجم الحراك الاجتماعي العربي في الحد من التدخل الأجنبي في الشأن العربي أم لا؟ فقبل حصول الحراك العربي سنة 2011 كان الفاعل السياسي العربي يعرف أن الثورة النفطية العربية مرهونة بعقود ومصالح محددة بين الشركات الدولية والأنظمة العربية السائدة، والغرب بحكم مصالحه في تأمين أمن النفط وإسرائيل لا يمكنه أن يَغض الطرف عن كل ما جرى ويجري في المجتمعات العربية، إلا أن هذا لا يستبعد أبدا إمكانية حصول مناورات تمكِّن من تركيب ما يساهم في التخلص ولو مرحليا وجزئياً من قبضة المؤامرة .

علــى سبيل الختم
يندرج الحدث بكل زخمه وأفعاله الصانعة للتحول السياسي في تونس ومصر، ثم في باقي البلدان التي اشتعلت فيها نيران الثورة العربية، بما في ذلك البلدان التي تتواصل فيها الانفجارات والمعارك، يندرج كل ما سبق ضمن أفق في الإصلاح السياسي العربي مبتور، متقطع ومتردد، أفق لم تنقطع آثاره، ولم تنقطع ممانعاته، ولم تنقطع نتائجه. أفق يصعب الإقرار فيه بالتآمر الذي يعفينا من موقع محدد في الوضع الراهن، موقع نرى أن الاكتفاء به بتغليب منطق التآمر، لا يعفينا من الإشارة إلى شرعية مغالبة الاستبداد والفساد.
إن ما جرى في تونس، ويجري اليوم بشكل متلاحق في ساحات عربية عديدة، كما يجري التهييء لبعضه الآخر المرتقب في الزمن المنظور. ينبغي أن يفهم كل ما حصل باعتباره دليلا قاطعاً على بؤس العمل السياسي العربي في العقدين الأخيرين. كما يمكن أن يفهم الانفجار الحاصل، باعتباره خطوة تروم إيقاف مسلسل تمييع السياسي في ثقافتنا. ويمكن فهم جوانب من مساراته في إطار عوامل خارجية، موصولة بطبيعة الصراع الإقليمي والدولي في البلدان العربية. ويمكن إدراجه في سياق التحقيب التاريخي، ضمن حزمة الجيل الثالث من أجيال إصلاح السياسي، الناشئة في الفكر والممارسة السياسية العربية، في مطلع الألفية الثالثة.
تتجه مفاهيم الجيل الثالث وخطواته، من قبيل أفعال انتفاضات الميادين، تتجه لتخطي تركة الخطاب السياسي الإصلاحي العربي، وتركيب أفق جديد في الإصلاح، يتوخى توطين قيم التحديث السياسي في المجتمعات العربية، حيث تتم إعادة بناء مفاهيم الدستور والمواطنة والمؤسسات والشفافية والحكامة داخل الخطابات السائدة في مشاريع الإصلاح، سواء في المؤسسات السياسية (الأحزاب والتنظيمات)، أو في خطابات المثقفين والفاعلين السياسيين. صحيح أنه أفق محفوف بالمخاطر، لكن من يستطيع أن ينفي أن حالة الكساد السياسي العربي، أي مرحلة ما قبل الانفجارات كانت بدورها محفوفة بالمخاطر؟
نغامر هنا بالقول، إن هدف الحدث واحدٌ في مختلف البلدان العربية، نقصد بذلك المنازلةَ المناهضةِ للأنظمة العربية في الميادين المختلفة. ولابد هنا من الإشارة إلى الذهول الذي أصاب الأنظمة العربية، بفعل الرجة القوية للحدث، فلنتابع ونعاين ما جرى ويجري بعيون أخرى وأدوات أخرى.
إذا كانت المماثلة في التاريخ مؤكدة، فإنها مستحيلة أيضا، فانفجار تونس ومصر لا يماثلان في كثير من مكوناتهما، ما حصل ويحصل في اليمن وليبيا ثم سوريا. سيظل الجامع المشترك هو طغيان الأنظمة، وتنوع مظاهر استبدادها، وستظل الاختلافات بين المجتمعات العربية، عناوين كبرى في مفاصل الحدث وتفاصيل فعله، الرامي إلى إسقاط أنظمة الاستبداد. وفي الممانعة المتواصلة في اليمن وليبيا، رغم دخولهما معاً دروب ما يعرف بالفترات الانتقالية، المترتبة عن الثورات والانقلابات والتحولات التدريجية، المتوافق في موضوعها بين الأطراف المكونة والفاعلة في المشهد السياسي داخل المجتمع.
يمكن أن نقرأ في الممانعة الحاصلة في سوريا وفي فضاءات عربية أخرى، ما يشير إلى ان فعل التحول الذي كشفت عنه الساحة التونسية والمصرية، لا يعتبر قانونا عاما، بل إن الممانعات القائمة تدل على قدرة الأنظمة التسلطية العربية على اختراق الطفرات، وبناء صورٍ من الاستمرارية. وتزداد هذه المسألة وضوحا بحكم خصوصيات المجتمعات العربية، وقدرة بعضها على بناء حواجز جديدة، تمنحها فرصا أخرى للاستمرار، وذلك في ضوء شروط وملابسات سياسية لا أحد يتكهن اليوم بطبيعتها ومآلها.

كمال عبد اللطيف
الاتحاد الاشتراكي
11 يوليوز 2013

_________________
avatar
بنت جبالة
مشرف (ة)
مشرف (ة)

انثى عدد الرسائل : 1429
العمر : 41
تاريخ التسجيل : 11/07/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى