صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

المعوق الشجاع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

07032014

مُساهمة 

المعوق الشجاع




                                     المعوق والشجاعة..


خلق نجيب معوقا من الغيب ..زار الأطباء وأكدوا بقاءه زاحفا على ركبتيه مستعينا بقبقاب من خشب ويدخل يديه عليهما تحت جلد مأخوذ من مطاط عجلة السيارة .. إلى أن يرحمه الرب ..استعمل والداه الأعشاب وزارا الأولياء ..كره نفسه رغم نعمة العقل والفكر والذكاء ..ومقت اليوم الذي ولد فيه ..أقرانه يلعبون ويتمتعون بأقدامهم ويذهبون إلى المدارس ولا متعة لنجيب سوى نشوة الأمل الكاذب وينصت لبلد يطنب في قضية المعوقين ..حفظ القرآن داخل مسجد قريب من دار والديه اقترب من سن الدخول إلى مدارس الدولة فسمع والده صعوبة تسجيل غلام يزحف على ركبتيه مستعملا يديه ..استشار الآراء واتصل برجال التعليم فخاب أمله وحرم نجيب من التعليم ..فبقي عالة على والديه وفي ذمة المصاريف التي أنهكت ميزانية أسرته ..كبر متقلبا بين الحرمان والرحمة ..وعذبته أعين الجيران والحي ..أعين تثير غضبه وتشعره بوضعيته الخارجة عن طبيعة البشر وغير مؤهلة للاندماج في الحياة العامة ..عاصره القهر واستمرت سنوات عمره تترنح بين شروق الشمس وغروبها إلى أن اشتد عوده ..ضمته جمعية للمعوقين ..رحبت بالمعوق فأنهت أيام الشفقة والتهكم , اشترت له كرسيا متحركا من مال المحسنين .استرجع نشاطه حرك العجلتين بيديه ..اجتمع مع أصدقائه في المحنة وساهم بالمقدور عليه ولعب الرياضة الخاصة بأمثاله ..رأى شاطئ البحر ..حقق حاجيات عقله وفكره وذكائه اطمأن الوالدان على مسار ابنهما المعوق ..التقي بأصدقائه السالمين من الأمراض , عشق الفريق المحلي وولج الملاعب الرياضية بالمجان ..تغير كليا ..وودع الماضي وكانت لذة الحياة تحلو له عندما يشارك الأصدقاء لعبة الورق ( الكارطا ) رابحا أو خاسرا في الدرب أو داخل مقهى من المقاهي الشعبية.. ..


طالت سهرة سبت ..انسحب بعد أن اعتذر لأصدقائه وشعر بنوم طفيف يؤرق راحة باله , وفي طريقه وعلى متن كرسيه المتحرك توقف أمام منظر لا يعجبه كمواطن صالح ..امتعض وأدار المشهد المقزز في نفسيته الأمارة بالخير ..رأى رجلا في الثلاثين ينهال بالضرب على فتاة شابة ..اغتاظ ..استجمع قوته المعوقة ..اندفع مسرعا على العجلتين ..صدم المعتدي من الخلف فسقط فوق ركبتيه , أمسك نجيب عنقه وضغط عليه بذراعيه إلى درجة الخنق ..


الفتاة : أرجوك اتركه ليذهب إلى حال سبيله


نجيب : هل تعرفينه ؟!


الفتاة : نعم  ..وما رأيته كان بسبب رفضي


نجيب : سأقتص منه لأنه يبرز عضلاته أمام فتاة ضعيفة


الفتاة : هذا المجهول في عقلي يلاحقني دائما ..واليوم صادفني متأخرة  بعد أن أنهيت زيارتي لصديقة


نجيب : لن أحرره إلا إذا اعتذر


الفتاة : لا أريد سماع كلامه الخبيث ..أتمنى فقط أن يبتعد عن طريقي


خفف نجيب من ضغط يديه على عنق الرجل ..كح من شدة الخنق تحت قبضة يدين قويتين بفضل دفع عجلتي الكرسي المتحرك


الرجل : إنك تتدخل فيما لا يعنيك أيها المعوق


نجيب : اسمي نجيب وأنا أشرف منك يا نذل ( وللفتاة ) هل تودين شكوى ضده للأمن ؟!


الفتاة : لا ..


الرجل : سأنصرف من فضلك


نجيب : الآن رزنت.. هيا اغبر ..وإياك أن تعيد عملك المشين ..


اندحر الرجل أمام معوق وفتاة ..أرعد كالجبان وسب وشتم وهدد  على الهواء دون أن يسمعه نجيب بل أدار عجلتي كرسيه المتحرك وسار إلى جنب الفتاة ..تعارفا فانتهى كلامهما أثناء وداع منه لم تقبله الفتاة قرب منزلها ..ورغم الليل أرغمته على الدخول لتناول ما يشاء والتعرف على والديها وباقي الأسرة وافق بكل سرور أعانه الأب ليرتقي سلم الفيلا  التقى بأسرتها وأخبرتهم الفتاة بما جرى لها وحدثتهم عن شجاعة نجيب وهو يرشف كأس الشاي الأسود السهل تهيئه  شكروا صنيعه ..ثم ودعهم ..عاد إلى بيته مثقلا بصورة الفتاة ومشحونا بوحشية الرجل وبشاعة تصرفه المجاني اتجاه الأنثى الضعيفة اللطيفة ..لم ينم إلا قبيل طلوع فجر يوم الأحد ..سلبت الفتاة الجميلة لبه وعكست شعاعها في فؤاده لكن صفته كمعوق تردد ضعفه وتشعل نار التعاسة والوضاعة التي تحيط جسده ..تخيلها كل ليلة وبات بين ذراعيها حالما غانما سعادة محرومة ..نادما عندما يتذكر شكله الذي لا يستحق الفتاة ..أشفق على حاله وتأسف ..مرت الأيام والأسئلة تفجر كل لقطة جميلة مع البنية ..تصبب العرق من مغامرة باردة تخيف داخله ..فالتلاقي غير متكافئ ..وتصبب عرق ساخن لما اتخذ قرار زيارتها وهو يعلم أنها ستصده بأدب ..صفع وجهه ليعود إلى واقعه المر ..مزق الصورة المستحيلة التي رسم عليها معوقا بجوار فاتنة ..أضمر الحلم ..ونسج اللامعقول داخل قلبه ..لكن تيار اللحظات الرائعة تجذبه نحو تلك الأمسية التي شجعت عضلات يديه وأدارت عجلتي كرسيه المتحرك جنب غزالته ..ويرجع إلى أرض يطؤها برجلين هزيلتين ..رفضته روائح التعلق بالفتاة ..إنها الجمال والمال ولها أب ذو شركة ومنزلها تحفة في الثراء ..فتاة مثقفة وحرة يسايرها العصر ولا يعصرها خوفا منها ..وعلى بلاتوه الخيال نصب تمثاله المعوق يمشي على كرسي متحرك منطلقا من بيت فقير حاملا شبه الأمية والبطالة وينام في غرفة نقشها القدم وزينها المطر باختراقاته لشقوق جانبية فمنزله يحتاج لترميم والأب يحتاج لمعين ..تناقضات أدمت الأمل وجمدت حرارتها أعصابه التي شنجها اليأس من كل شيء وغرسها في نخاع القبول المستحيل ..ما العمل أمام موانع دنيوية فضلت البعض عن البعض ؟؟! سؤال يقتل الصبر ويجهز عليه ..لكن نجيب يتمسك بخرم في القدر صانع المستقبل ..


طاب خاطره واسترجعت عزيمته قوتها لأنه من بني آدم ويخضع للظروف كباقي العباد ..صمم أن يزورها خلال الأيام المقبلة ..ركب الاطمئنان ..ودرب لسانه كي لا يخطئ أمام فتاة راقية ..ستكون الزيارة مغامرة وتطفلا ..المهم أن يراها للمرة الثانية ..وليتحمل صدمة الفشل ..اختار يوما مناسبا لينفذ ما دار في رأسه بعيدا عن الرجلين المقيدتين لطموحه..حرك عجلتي الكرسي المتحرك معتمدا عليه لأنه فضل من المحسنين وسيكون محسنا أثناء اللقاء ..وفي طريقه أحس بدفع قوي , حاول أن يخفض السرعة بيديه الممسكتين بالعجلتين ..التفت قليلا فرأى يدين تقبضان مقودي الكرسي المتحرك , ليسمع ..


الرجل : وقعت بين يدي يا ناقص ..انتهت الآن شجاعتك وصرت تحت رحمة من أهنته أمام فتاة لا علاقة بينك وبينها


نجيب : لنتفاهم ولا تتعصب ..لقد قمت بالواجب فقط


الرجل : واجب أخطأ في حقي ..لا تفاهم مع من حطمني وإياك أن تصارع وجهتك.. فلا أحد سيهتم بك لأن من برانا يظن أنني أعينك وأدفع كرسيك  لتصل إلى غرضك ..


نجيب : لن أتمنع وسأخضع لما تريد لنناقش ما تطلبه مني وبلا عنف..


الرجل : أسوقك إلى حتفك ..سألقيك من مكان عال.. وستسجل ميتا ضمن لائحة الخطأ في الحياة ..


مفاجأة غريبة أفزعت نجيب ..وفرضت عليه التفكير في مصير مجهول بين يدي منتقم مريض ..حمد الرب لأن الطريق المؤدية للانحرافات والانحدارات لا زالت بعيدة ..ومن دون أن ينتبه الرجل لحركة يدي نجيب , مد إحداها وأدار أصابعها حول معصم الرجل فضغط بأظافره القوية كصدف البحر قوة لا شكلا  ولما حاول الرجل أن يزيل يده اليسرى باليمنى جره نجيب فسقط أمامه دون أن يحرره من قبضته , قربه فلف يده الأخرى حول عنق الرجل .., اجتمع حوله بعض ركاب الدراجات النارية ولم يهتم سائقو السيارات بالمشكل والجموع حوله   ..أطبق عليه قبضة لا تزاح إلا بعد حضور رجال الأمن ..شهد الشهود وحرر المحضر وأمام رئيس المحكمة تنازل نجيب عن الدعوى , تلقى الرجل إهانات وتوبيخ مهين من رجال الشرطة والمحكمة   لأنه اعتدى على معوق ندم وتوسل واستسمح إلى  أن أذعن ليلتزم بعدم التعرض لنجيب ..خرجا من المحكمة صديقين يميلان شغفا نحو فتاة جذابة ...دور نجيب العجلتين رفقة عجلات الزمان ..انتشى بجولات أراحت صدره من الغم بعد أن طبعت الفتاة قلبه بنشوة عرف أنها غير دائمة ..وفي يوم اتجه كرسيه المتحرك نحو الحي الراقي الذي تسكنه الفتاة ..اندفاع حر أعانه الشوق ووصال تجود به المرة الأخرى ..طرق باب سور الفيلا والخجل يحرف مسعاه ..فتح الباب استأذن الدخول عبر الخادمة التي أعلنت إسمه..  قطع ممرا بين طرفي الحديقة ..وساعده والد الفتاة ليصعد أدراج باب الفيلا ..استقبلته والدة الفتاة بحزن وكان الأب احزن منها أثناء اللقاء ..


نجيب : أعتذر لأني قدمت بغير موعد سابق


الأب : لا بأس


نجيب : أين ابنتك ؟!


صمت الأب وعلامات الدمع تفيض من عينيه ..حول بصره نحو الأم فرأى الدموع تنزلق حبيباتها على خديها ..تألم نجيب فكرر السؤال ..


الأب : إنها في العيادة !


نجيب : ماذا في العيادة ؟ ..لقد كانت بصحة جيدة فما الذي حصل ؟!


الأب : أغمي عليها يوما وبعد زيارة الطبيب ألزمت على البقاء في العيادة لتجري عملية المرارة


نجيب : إنها عملية بلا خطورة كما يشاع عنها فلماذا تبكيان ؟!


الأب : لأنها مرضت وهي الغالية علينا


نجيب : سأزورها في العيادة


الأب : لا ..منع الطبيب زيارتها إلى أن تفيق من البنج ..


نجيب : أنا مضطر لزيارتها وسأنفذها بعد يومين أو ثلاثة ..


ودع والديها ..طن الحزن داخل رأسه تصور وحش النحس يلاحقه قبل وبعد كل رحلة من رحلات قلبه ....قطع كرسيه المتحرك مسافات لم يشعر بها ..غاب فترة واستفاق وهو وسط حديقة المدينة ..لعن استهتار الحياة إنها أمراض وكوارث وحروب تصيب وتهلك وتفتك وتدمر ..تكسر المستقبل وتجرح الأفئدة وكأن المحرومين يعيشون على حافة السعادة والسلام ..أجمل ما في الدنيا يقدر للسعداء وسط الأهوال والتصرفات العمياء ..كمش الأيام في سويعات الانتظار ليقرب موعده بسويعات خنقت مراده ..وضيقت الحزن بفرحته ..تحرك على جناحي كرسيه ليقف أمام بوابة العيادة الأنيقة ..شم ثراء أهل المرض من بذخ فضاء العلاج ..شعر التطفل ..تساءل قليلا عن مفهوم زيارته تردد بين لا ونعم ..توكل على فراسته اندفع عبر الولوجيات الخاصة بنقل المرضى ..سبقته نفسيته التواقة لرؤية فتاته المريضة .سأل ممرضة عن غرفتها فأرسلته نحوها بإشارة ..طرق الباب من غير إزعاج ..صافحها وتمنى أن يقبل خدها لكنه أحضر غربته عن محيطها , اكتفى بالكلام بعدما قدم فروض الزيارة ..هنأها لنجاح العملية..تجاذبت معه أطراف الحديث ..وجعلت بأسلوبها اللبق حدا بينها وبينه لتمنعه من إشارات الغزل أو الاقتراب من عاطفتها ..تألم نجيب عدة مرات دون أن يظهر للفتاة يأسه من اللقاء ..بدا طبيعيا يصبر لقرص الآلام ..ودخل الرجل واقفا أمام استغراب نجيب ..سلم مطأطئ الرأس خجولا من يومين متعفنين بسوء خلقه ..تحول وجه الزائر الأول ووجه المريضة إلى ابتسامات ..اعتذر الرجل وأهان نفسه بالتوبيخ ليخفف الصد وعدم قبوله في موقف يحرج من يتودد صداقتهما ..هدأت النفوس فأصبح الرجل مرغوبا فيه وسردت حكاية الخصومة الموالية للهجوم على الفتاة وكيف أسقط نجيب اتهامه عن الرجل ؟ سرت الصداقة بينهم وعفوا عن ما سبق ومن غرفة النقاهة بدأت حكاية أصدقاء جمعهم العنف والعشق ..


يعيش نجيب يقظا وهو يركب كرسيه المتحرك ..ويحمل تارة ككومة ليوضع على سرير النوم أو على السداري ليتناول طعامه وفي حالات أخري يقرب كرسيه ويستعمل يديه ليلقي جسمه على مكان للنوم أو للأكل ..يتعذب لكنه مقيد بحكم الغيب ....ويشرأب فؤاده نحو الفتاة لترطب من القسوة التي يعانيها ..قل جمالها بسبب العملية ولا أحد يدري مصدر الضعف الذي أصابها رغم أن عملية المرارة سهلة حسب المجربين ..وتلقى الخبر السعيد حين حضر اجتماعا لجمعية المعوقين فاختاروه بالإجماع ليهتم بمكتبهم داخل دكان اكتروه خصيصا لتجمعاتهم وتحرير وثائقهم وبطاقاتهم وتحصيل المساعدات التي تمنح لهم عبر الجهات المهتمة بظروفهم ..فرح بالمنصب وساعدته لغة القرآن ليحرر ملفات الجمعية بخط لا بأس به ..لقد زرع المنصب حب المدينة في قلب نجيب وغابت تلك النظرات التي تهينه وتؤذيه وترميه بالنقص ..ضحك ..قتل عقده ..حاور كل من التقى بهم برجولة وشجاعة وإقناع فارضا وجوده على من يحاول أن ينغص  شخصيته ..وبعد الانتهاء من العمل تأتي الفتاة وترافقه لتؤنسه في وحدته ويعيش معها ألذ اللحظات في أحشاء معوق لا أمل له في الإناث ..فمن هي تلك المرأة التي ستسلم جسدها لمعوق ؟! فالمسكين يرى شريط العذاب الذي تتحمله الزوجة المفترضة في عذاب سيؤلمها وينفرها من بيت زوجية غير متكافئة ..هكذا يثمن حالته فيحبس في داخله كل طمع من أجل الطرف الثاني أو غيرها .


زارها يوما وشوقه يترنح بين نقص في الجسد والوضعية في العيش ..حولته الحيرة إلى جزيرة وسط طوفان الرغبة الخاسرة والأفكار الآثمة في حقه وهو يقف أمامها ..لم تجرحه فرأى مصباح الصبر يقوده وينادي هدوءه ..تخطى الأشواك من مكانه حين قالت


الفتاة : تفضل


وأحس بمستقبل ضئيل بين الفشل والنجاح ..احترم اللحظة واحترم نبلها ..بزغت أمنيته من ظلام , تسلق ابتسامة الشفتين الباهتتين كحزام السلامة ..


نجيب : شكرا


الفتاة : هل تشرب شيئا؟؟


نجيب : أي شيء أثناء حضورك


احتسى القهوة وعيناه ترسمان ملامح الفتاة على صفحة روح هائمة ..


الفتاة : كيف حالك ؟


نجيب : بخير وأبشرك أنني صرت كاتبا لجمعية المعوقين وأحصل على راتب مهم


الفتاة : مبروك ..وبفضل هذا المنصب ستحقق أهدافك


نجيب : إن شاء الرب


قالها واللهفة تنجذب نحو أعز الناس ..لكن لكمة القدر أعادته إلى صوابه ليعرف قدره وقدرته فكيف يمكن لمعوق ذي راتب هزيل أن ينفق على ثرية ؟؟! ..اكتفى بكرمها وعانق اللحظة الرائعة التي جمعته مع فتاة كبرت في قلبه ..


الفتاة : أنا مدينة لك فاطلب ما تشاء


غربل ما تشاء ..وحشد فيها عشقه ليهاجم قلعة الفتاة ..تخلى عن هزيمته وغير قيادته الفكرية نحو ما تشاء أخرى المنطوية ضمن صداقة عادية ..


نجيب : لا أريد سوى صداقتك


الفتاة : سأبقى وفية لصداقتنا إلى آخر العمر


نجيب : شكرا ..اسمحي لي بسؤال.... وإن كان خارج إرادتك ارفضي الجواب


الفتاة : تفضل ..لن أكذب ولن أنافقك فأنت كأخي ووالدي يحبانك ...


نجيب : ما علاقتك بالرجل ؟!


الفتاة : يلاحقني دائما ..لأنه موظف في شركة والدي ..يتظاهر بشوق يخيفني ويوقظ الشك في أهدافه


نجيب : أتعتقدين أنه يطمع في أموال والدك ؟! أو يستعملك سلما للصعود إلى منصب أكبر؟


الفتاة : هذا ما أظن !


نجيب : الظن إثم ..ربما يكون صادقا في لوعته ويريد خيرا


الفتاة : في الحقيقة أميل إليه إلا أنه يتصرف كصعلوك وكأنه ينازل الحب بالخشونة والعداوة ..وبهذه الطريقة أتصوره ضعيفا لا يقنع المعشوقة


نجيب : الحب اندفاع ويعمي الأبصار فخوفه يحرق أعصابه ويبدي ضياعك من بين يديه ..اغفري زلاته وراجعي موقفك


الفتاة : لما أتعافى سأبحث في الأمر


نجيب : لقد تحسنت حالتك ..وتبدين جيدة والاحمرار يشرق من وجهك شيئا فشيئا


الفتاة : لم تقدم لي طلبا لأكافئك ..


نجيب : طلبت منك صداقة وفية وهي أغلى ما أحتاج إليه ..


انتهى اللقاء ودعته الفتاة ..حرك كرسيه بيدين تريضا بالعجلتين ..نال مبتغاه وسعد بلقاء أنعش ذاته المعوقة ..ربح صديقة تحاشت وضعية جسمه وكرمت مقامه بعدما زهدت الطبقية الملعونة.. ..تعلق أكثر فأكثر بسلاسة تعاملها واستقبالها ..بعد أيام التقى بالرجل الموظف في شركة والد الفتاة ارتاحت يدا نجيب وسلم الدفع من صديقه العدو القديم ..دخلا حديقة عمومية في المدينة ..التزم المعوق بكرسيه واتخذ الرجل مكانا على مقعد عمومي ..


نجيب : عليك أن تشكر الصدف


الرجل : لماذا ؟!


نجيب : لأنها في صالحك


الرجل : لا أرى صالحا يرغب السعادة لقلب جريح انتابني اليأس وهزمت ..


نجيب : لا تقنط , فالحب كالرياح العاتية تصيب وتخيب ..وعلى العاشق أن يكون صخرة ذات جذور أزلية في الأرض  ..


الرجل : كلام صح


نجيب : زرت فتاتنا والتقيت معها عدة مرات


الرجل : ما أسعدك ! ..فأنا منذ أن ارتكبت الخطأ وركبت سلوك فاقدي الوعي في المجتمع الفاسد لم أقابلها


نجيب : لدي خبر سار وسأزفه لك بمقابل ..فبكم ستثمنه ؟


الرجل : إن كان يتعلق بالفتاة , أهديك روحي وكل ما أملك ..


نجيب : أمازحك ولا جدية في مطالبي ..إن الفتاة تحبك ولولا الغلطة التي ارتكبتها في حقها لأعلنت حبها وأخبرتك بلوعتها ..رأيت عيناها تنتقلان بعيدا عني وهي تكلمني عنك ..


الرجل : أأنت متيقن مما تقول ؟؟ والرب سأطلب الصفح منها


نجيب : نعم...نعم...إنها لك... مبروك


قبله الرجل وعانقه وكأنه يعانق عزيزا عاد من سفر طويل مسافة ومدة ..فرحا معا وكأنهما عريسا فتاة العمر ..التقت الفتاة مع الرجل في جو هادئ صفى العلاقة المكهربة , طلبت منه أن يترقب شفاءها وبرودة أعصاب والدها الذي يحقد عليه وأشارت بأن يكلف نجيب للتوسط بينه وبين والدها الذي يحب نجيب ويضعه في مكانة ابنه ..


الفتاة : أوصيك بأن تتأخر قليلا ولا تتسرع , فأنت موظف عادي في شركة والدي ..لذلك سيكون السبيل للوصول إلي شائكا وصعبا.


الرجل : علي أن أضمن عفوك ومباركة تعلقي بك ..وأعدك أنني سأبذل كل شيء من أجلك , فأنا إنسان قبل المال والجمال وسأموت إن فقدتك ..


الفتاة : أصحيح ما تبوح به ؟


الرجل : نعم ..فأنت في دمي وروحي وعقلي وهذه أسباب كفيلة لتفنيد تصرفاتي اتجاهك ..أنا لا أعلم من أين ينبع اندفاعي لما أراك ؟


الفتاة : لننسى الماضي ..عليك الآن أن تقحم نجيب ليتوسط لنا


الرجل : لقد عاهدني لنكون صديقين وفيين وشكرت العداوة التي حولتنا لأحباب وكان لك أعظم شكر حين دافع عنك . ..


انحصر نجيب داخل ظله الفارغ من آمال الزواج.. وترك الفتاة لغيره تحمل نكسة العشق فصار من قتلاه ..تذكر أن سعادتها من سعادته فبدأ يطلق سراح الالتزام والتعلق بفتاة صدمته وغيرت نفسيته ..رضخ للأمر الواقع وجهز نفسه ليحميها ويدافع عنها .. التقى الرجل في يوم آخر ..


الرجل : أهلا سيدي نجيب ..كيف حالك ؟


نجيب : بخير ..


الرجل : أتوسل إليك باسم صداقتنا لتتصل بوالد الفتاة وتزين صورتي بدل تلك الصورة الخسيسة


نجيب : لا توصيني عن ما تمنيت لك , سأساهم من أجل قلبين أعزهما ..أصبحت المناسبة سانحة بعد تحسن حالة الفتاة ولننتظر فرصة  عيد ميلادها ..فهل دعيت لحضوره ؟


الرجل : لا !


نجيب : لماذا ؟


الرجل : لأن والدها متمسك بموقفه ضدي


نجيب : كل شيء سيتغير لأن الفتاة عالقة على صدرك ومكانتها لدى الوالد ستغير عصبيته وغضبه ..


ضمن الرجل مساندة نجيب ..رغم الأحداث الخبيثة التي مسحتها الصداقة  ..اقترب عيد الميلاد ..اشترى نجيب هدية تليق بالفتاة وتناسب جيبه المعوق ماديا وضمنها سرا هدية الرجل صديقه ..طرق باب الفيلا أطلت الخادمة فطلب منها أن تدعو الفتاة لمقابلته وبمجرد أن سمعت اسمه هرولت نحو الباب ..


الفتاة : أهلا سيدي نجيب ..تفضل


نجيب : مبروك عيدك وأتمنى لك حياة سعيدة


مد الهدية أمسكتها شاكرة أحست ثقلها ..غمزها ففهمت أنها من العاشق الولهان ..


الفتاة : شكرا على الهديتين  ..بالله عليك ..تفضل بالدخول وشرف حفلتي


نجيب : أرجوك لا تحرجيني أمام ضيوفك فكيف يمكن لي أن أتحرك بينهم وأنا على كرسي معوق ؟؟!! ..أعتقد أنني سأكون غبيا إن أثرت حفيظتهم وضايقتهم بكرسي الرجل المعطوب ..أقدرك سيدتي ولن أزعج الحفل بمنظري


الفتاة : ادخل واختر مكانا بعيدا عن الضيوف ويسمح لك بالفرجة


نجيب : هذا كرم منك ..أعفيني ..الآن أودعك


ترك حفلة الفيلا ..وتصور جوها ورقصات الفتاة مع ضيوفها ..جو تمناه لكنه معوق ..أنهى مشواره ..وأثناء النوم رقص مع الفتاة ..واستيقظ حاضنا حلما لن يتحقق..لكنه تذكر شابة كانت واقفة وراء الفتاة عندما قدم هديته ..رأى صورتها عند باب الفيلا خطفا وظهرت بوضوح في الحلم ..عجب للأمر فركنها في الصدف المتراكمة في حياته ..مر أسبوع ..دخل الشركة مرتجفا وخائفا من الإهانة ..استأذن  ..فاستقبله والد الفتاة ببشاشة وتحية تدل على الاعتراف بالجميل والاحترام..فرح وتشجع ..


والد الفتاة : هل تريد مشروبا ؟


نجيب : قهوة من فضلك سيدي


والد الفتاة : أنت كابني ولست سيدك ..تعجبني شجاعتك وأسلوبك حين تعتمد عليها


نجيب : شكرا ..وسأدخل الموضوع بدون لف أو دوران


والد الفتاة : شاب صريح ومعقول ..هات ما عندك !


نجيب : جئت لأطلب منك تغيير رأيك في الرجل الموظف عندك


والد الفتاة : بصراحة .. أحسست أن ابنتي تعشقه وإن كنت أبدي الضجر منه  ..وأغير رأيي فيه لأنه رجل متوحش ..


نجيب : وإن سألتك نسيان الطريقة الهمجية وإعطائه فرصة جديدة على حسابي لأني توسمت فيه خيرا وأنا واثق من إخلاصه لأنه لا يطمح لمال أو منصب ..


والد الفتاة : لازالت أجرته بسيطة ولن تفتح باب الأسرة ولا يمكن لي أن ألقي ابنتي بين أحضان الفقر أو البساطة  


نجيب :رغم أنه ينعم بوظيفة بسيطة , لكني أعلم أن بحوزته شواهد مهمة


والد الفتاة : ماذا شواهد مهمة !!


نجيب : نعم ..


والد الفتاة : لم يقدمها لي المكلف بشؤون الموظفين


نجيب : يا رب نجينا من الحسد أتوسل أبوتك لفتاة عزيزة علي لكي تراجع ملفه ..


والد الفتاة : اطمئن سأراجع ملفه وأرجوك أن تطلب منه زيارتي في الشركة أو الفيلا


نجيب : إنك والد شهم وكريم , تحب الحق والخير


والد الفتاة : شكرا ..وأنت لحد الآن لم تطلب مني شيئا


نجيب : أطلب سعادة ابنتك أختي وأتمنى من الرب أن يحفظك رق الرجل لتطمئن عليه وعلى مستقبل ابنتك


والد الفتاة : سأنجز المستحيل من أجله  ..


ترك نجيب الشركة.. والسعادة تحرك عجلتي كرسيه المتحرك عبر هواء الفرح ..أخبر الرجل فنال عناقا حارا وضيافة تقام لأعز الناس ..وفرحت الفتاة أيضا وكانت فرحتها عظيمة حين عين والدها الرجل كمسؤول عن الموظفين بدل الحسود .. سارت الساعات متضامنة مع نوايا الرجل ونجيب ..وكونت الأيام التي أنجبت تغيرا في حياة الأصدقاء بناءا  على  أخوة لا مثيل لها ..لم يحضر نجيب زفاف أخته الفتاة اكتفى بالتهنئة وهدية مناسبة مبررا عدم المشاركة في كرسيه المتحرك وشلله الذي يمنع الرقص وتبادل التحيات مع الضيوف  لأنه نشاز في طابلوه ليلة العمر  ورغم كل التدخلات من طرف الفتاة وزوجها المقبل وصاحب الشركة امتنع نجيب واعتذر ..لكن الفتاة وعدته بأن موكبها سيمر أمام داره ..أغلق نجيب غرفته ليلة الزفاف وتخيل حفل غزالته التي لم تكتب لغير المرغوب في مثل هذه الصور الخاصة بيوم واحد في الحياة , أنصت لأغنيات وقرأ آيات ورفض النوم لأنه على موعد مع الوعد ..سمع كلاكسات السيارات ..فتح نافذة غرفته أطل برأس مطبوخة بالأحلام المعقدة والقراءات القاتلة لساعات الليل الطويل  ..اقترب موكب العروسين ..توقفت السيارة الأولي نزلت الفتاة والرجل ..بعثا قبلا وإشارات التحية بالأيدي فأرسل محبته بالمثل وأكثر ..ذرف دموعا على خديه إيذانا بغسل آخر شوق لفتاته وكأنه على مدرج  الوداع ..تحرك الموكب نحو ليلة السعادة والنشوة ..عاد نجيب إلى نوم هادئ بعدما نثر خياله تصورات ذابت على وسادته..تصورات تمثل لقاءا في السراب بين معوق وجميلة ..أسدل الستار بصفة نهائية ليستر الفشل الأول .. لكنه أعاد رفعه حين تذكر تلك الشابة التي لمحها  وراء الفتاة في فيلا صاحب الشركة , اهتم بأمرها ووزعها بين أسئلته ليجد طريقا تؤمن التعارف وفرض عاهته عليها إن قبلت محنته ..عاين وضعية زواجه منها ..ضمن سهولة الوقوع في حبها  انتظر عودة الصديقين لأنهما يعرفان الشابة السمراء وربما سيكونان مفتاح خير لتقسيم سريره إلى اثنين  ...انتهى شهر العسل ..وتحرك كرسي المعوق ليقدم التهاني .


نجيب : سلامتكما ..


الرجل : كانت الرحلة رائعة تمنينا لو كنت معنا


نجيب : لأكون حقيبة تثقل سعادتكما ..المهم مبروك


الفتاة : نحن نحبك وأنت تقهر نفسك وتقلل من قيمتك ..نحن نرى فيك الإنسان  وقلبك الأبيض ..لا نفاق بيننا منذ التقينا ..


نجيب : هي الحقيقة لا تخفى على أحد ..من الضروري أن أوضع في صورتي كطبق للأصل دون تجاوز حدود حالتي الطبيعية ..معكما أعيش طبيعيا وأشعر بسعادة لأنكما قبلتما وضعيتي ..لكن الآخرين يختلفون عنكم


الرجل : بمناسبة العودة الميمونة أدعوك لتناول طعام الغذاء معنا ..


نجيب : ستكون وليمة رائعة ..وهل سيحضر الوالد ؟


الفتاة : بالطبع ..إنه صاحب الدعوة ولن ينسى شجاعتك التي ألفت بين قلوبنا


نجيب : رائع ..لن أستطيع أن أعبر عن فرحتي ..سأكون في الموعد ..


أتت الدعوة في صميم نوايا نجيب لأنها مناسبة ليسأل عن الشابة التي لفتت انتباهه ..تمنى لو طويت الساعات لتقترب الوليمة إنه الآن على مسافة ليتعرف عن الشابة ويستفسر أحواله فسرها الظاهر والخفي مدون بمداد الصداقة على صفحات قلب طيب تملكه فتاة تكن المحبة لمن تطمئن لهم ..حركت يداه كرسيه بسرعة منتشية بموعد سيقلب حياته ليقترب من أمه ..بعدما قضى مدة الانتظار في سهو وترقب وتفكير .


الأم : ما بك بني ؟!


نجيب : لا شيء أمي ..أترقب فرحة لا أتمنى الفشل إن أقدمت على الانتشاء منها ..!


الأم : أنت ولد مؤدب وطيب القلب ..ستنال مبتغاك بإذن الرب ..قلبي يرضى عنك ويتمنى لك الخير في كل خطوة ..


نجيب : يا ريت !


اقتربت رائحة الوليمة من أنف نجيب والعجلتان تحملانه نحو الفيلا  ..استقبل بحفاوة ..شبع من أنواع الطعام والفواكه والمشروبات وحول كؤوس القهوة والشاي ..


نجيب : وليمة رائعة أنستني ما تعانيه معدتي ..


ضحكوا


الأب : تستحق أكثر مما تتمناه


نجيب : شكرا


الفتاة : كنت أظن أنك  لن تحضر كالعادة مبررا غيابك بأفكارك التي لا معنى لها بيننا وبينك


نجيب : كيف أرفض مجالسة أحبابي وأعز الناس في قلبي ؟؟


الرجل : شكرا


الفتاة : سأخبرك بمفاجأة هائلة خصصها والدي لك


الأب : سيعرضك على طبيب الشركة ومن تم سيساعدك لاسترجاع قوتك أو جزءا منها


نجيب : بارك الله فيكم ..العلاج ميئوس في حالتي


الفتاة : لن تخسر شيئا إن جربت ..نحن نسبب والرب يعين ..استعمل زيارتك للطبيب ضربة حظ


نجيب : على بركت الله وإن كنت غير متفائل


الرجل : نحن متفائلون


نجيب : أشكركم على حسن نيتكم ..لكن لي كلام بيني وبينكما ..


الأب : عفريت ..تريدني أن أنسحب


نجيب : حاشا !..ما سأعرضه عليهما ستصلك أخباره ..فأنا أحترمك وأخجل منك سيدي


الأب : ألا تخجل من ابنتي وزوجها ؟!


نجيب : لا ..لأننا تعودنا الصراحة


الأب : لا بأس خذوا راحتكم


ودعهم الأب وبقوا وحدهم يتفرجون في وجوههم كالحيارى حول موضوع غريب ومفاجئ ..


نجيب : سأدخل صلب الموضوع ..من هي تلك الشابة السمراء التي كانت لا تفارقك ؟ لقد رأيتها يوم عيد ميلادك ويوم استقبلتني عند باب الفيلا ..


الفتاة : إيه ..الشابة ! ..نعم كانت تلميذة معي , انقطعت عن الدراسة..وهي الآن عاطلة وبلا زواج


نجيب : أعجبتني وأرجو أن تتوسطين لأتعرف عليها  


الرجل : هذا أقل شيء نقوم به في حقك يا أخي


الفتاة : سأتدبر الأمر وأعين لك موعدا معها ..والآن سأتركك مع زوجي ليحدثك في شأنها ..


انصرفت الفتاة وبقي نجيب وجها لوجه مع الرجل ..


نجيب : ما الأمر الذي يستدعي انسحاب زوجتك ؟؟


الرجل : بدون نفاق ..الشابة من المغتصبات بالتغرير وحلاوة اللسان


نجيب : مسكينة ..سأعتبرها معوقة مثلي لأن المجتمع اعتدى عليها كما اعتدت علي الحياة ..على كل سأراها


الرجل : اتزن ..ولا تتسرع ..قابلها لما تتمكن عقليتك من ضبط نفسك وتكون مؤهلة لقبولها


نجيب : أحسنت ..سأتدبر قضيتها .. لأتخذ موقفا يريح ضميري ويطمئنها  


الرجل : أمامك استشارات الطبيب التي ستؤخر تجربتك


نجيب : معك الحق ..


ركب كرسيه واتجه إلى داره ثم اهتم بعمله ..وبعد أيام لا تفوق الأسبوع خضع لفحص طبي ..وكانت النتيجة بعد دلك مكثف بمرهم..  وحقن متتالية ..نجاح العلاج ..ففاز برجل واحدة فقط لتبقى الأخرى معوقة ..اشترى عكازين يستعملهما تحت إبطيه في المنزل للتنقل بين غرفته وقاعة الضيافة الضيقة والمطبخ والمرحاض وفي المكتب لضبط الملفات ومراجعتها بعد سحبها من رفوفها ..استضاف الفتاة ووالدها وزوجها لمشاركته في وليمة على قد الحال ..عبر عن امتنانه واحتفى بمن صاروا أسرته ..ومن هنا أطلق مشروع زواجه بالشابة ..تعددت اللقاءات ..واحتلت الصراحة قلبيهما ..لم تمتنع الشابة لأن الفتاة غسلت دماغها كي لا تهتم بإعاقته فكم من معوق فاز بالزواج لأنه سنة الأرض ومشروع من مصنع الحياة ..توكل على شجاعته بادر إلى طلب الزواج منها ..لكي يسمع القبول أو الرفض ولم يتلقى الموافقة بل عاش الصمت وتوصل بوداع لا يشعره بأمنيته , لكنه ألفى الخبر اليقين عند الفتاة التي بشرته بميول الشابة  ..أخيرا هزم الإعاقة وبزغت رجولته ..الآن أصبح من بني آدم لقد أنقذته الشابة من الدناءة  الدنيوية ورفعته إلى مصاف الآدميين رغم ما ألم بها ..سيحترمها وستكون أما لأبنائه لن يفرط فيها ولابد من صقل روحها وإزالة ذكرى قاسية كادت أن تعصف بها نحو المجهول ..وسيضيف العكازين الذين قوماه ورفعاه نحو أكتاف الرجال ..لن يعتمد على الشابة حين يتأهل لضمها إلى صدره ..


بدأ يفكر ويحاول أن يزيح ما يعرقل بهجته ..فالمال موجود لأنه لا يدخن ولا يقامر ولا يجلس في المقاهي إلا نادرا يصرف القليل من أجل أمه ويخبئ الباقي لمواجهة غدر الزمان ..الجمال مقبول والإعاقة لا تفسد العلاقة ..وضع كل شيء بين يدي الشابة التي تحدت كلام الناس وأفراد عائلتها ..قبلت المعوق وقد اعتمدت على آراء الفتاة وزوجها ..معوق شجاع يتحدى ما يهينه ويقلل من شأنه ..وداخل تيارات التخمينات وجد نفسه بعيدا عن سراب الحلم استيقظ من واقع كاد أن يحطمه ..وبقيت أمامه تلك الطريق الموشومة بالورود ..استعد ليحقق أمنيته الأولى , التقى بالشابة العروسة البلسم ومشى بجانبها وهو يدير عجلتي كرسيه المتحرك ويتحدث إليها بما يروقه ويروقها ..دخلا منزلا الفتاة وزوجها ..


الفتاة : مرحبا بكما ..


الرجل : لقد شرفتما منزلنا المتواضع ..


نجيب : شكرا


الشابة : ساقني نجيب دون أن يخبرني قصده ..


الفتاة : هل خفت منه ؟!


الشابة تبتسم : أبدا ..أنسيتما وصفكما لأخلاقه وإنسانيته


الرجل : لن يخيب ظنك إن وافقت على الزواج منه


الشابة : انتهينا من السؤال وعند زوجتك جوابي


طرق في الباب ..فتح فظهر مغتصب الشابة ..انزعجت وفار دمها وكادت أن تندفع لتصفعه وتنتقم منه ..منعها نجيب بالكلام الناهي وحبس الرجل جهلها وغضبها الحاقد ..


نجيب : أنا الذي استدعيته ليشهد على نفسه بالتخلي عنك وتشهدين بإزاحته عن طريقك بصفة نهائية كي لا ينغص حياتنا بعد الزواج ..فالرجل يكون نمرودا إن استغل ضعف المرأة وزلاتها ..اقتبست هذه الواقعة من شجاعتي كي لا أكون معوقا في السر والعلن .


.ابتسمت الفتاة وأظهر زوجها تشجيعا لنجيب وتهنئة لما يتسم به من نقاوة الفكر ..


الفتاة : ما رأيك ؟


الشابة : لن يكون هذا الوغد مثارا للشكوك أو مستغلا لفعلته الدنيئة


الغاصب : لن أريكم وجهي بعد اليوم ودعوني أنسحب


الرجل : غادر ولا تنس أن نجيب استدعاك لتبتر علاقتك بزوجته وبصفة نهائية ..هل فهمت المغزى


الغاصب : نعم ..لأنه يحصن شرفه وبيته  ..


نجيب : كن رجلا وامسح تلك العلاقة البهيمية من ذاكرتك  ..هيا اخف وجهك عنا


تركهم الغاصب ..ومسحت الشابة دموعها ..عانقتها الفتاة وهنأها الرجل لأن شجاعة المعوق خلقت صفاء سيحمي الأسرة القادمة من التعفن الاجتماعي ..


..



 

أوباها حسين

ذكر عدد الرسائل : 276
العمر : 74
تاريخ التسجيل : 11/10/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

المعوق الشجاع :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى