صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

حول واقعية القصة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

حول واقعية القصة

مُساهمة من طرف عبدالله في السبت 15 نوفمبر 2014 - 22:15


اقترح في هذه الورقة بعض الملاحظات حول قضية تعتبر من بين القضايا الأساسية التي ترتبط بالنص القصصي الذي ينتمي إلى مدرسة أدبية عريقة وأصيلة هي المدرسة الواقعية التي يعود لها الفضل في إرساء تقاليد الشكل الروائي والقصصي، وكان لها أثر واضح على الحركات التجديدية التي ساهمت في تطور هذا الشكل الإبداعي.. وتتعلق هذه القضية بالالتباسات التي تحيط بمدلول ( أو مفهوم ) القصة الواقعية عموما، والقصة القصيرة بصورة خاصة.
وهذه الملابسات يمكن اختزالها في كون بعض الدارسين يعتقدون أن مفهوم القصة الواقعية يتحدد أساسا في ارتباطها المباشر بالحياة اليومية ومظاهرها المتنوعة. والحقيقة أن هذا ليس خطأ، كما أنه ليس جوابا تاما، ولاشك أنه، بصورة من الصور، نصف الجواب، بينما النصف الآخر، وغالبا ما يتناساه هؤلاء هو جمالية النص القصصي. ومن هذه الزاوية فإن القصة الواقعية، ليست واقعية بسبب أنها ترتبط بالحياة اليومية فحسب، بل لأنها بنيت على أساس قواعد وتقنيات ووسائل تعبير أسستها المدرسة الواقعية، من جهة كحاجة فنية وجمالية اقتضتها شروط الواقع ومتطلباته الجديدة، ومن جهة أخرى، وتبعا لذلك بطبيعة الحال، كرد فعل على وسائط فنية لم تعد قادرة على استيعاب الواقع الجديد وهي تنتمي إلى مدارس وحركات أدبية لها هي أيضا جدارتها وفي مقدمتها المدرسة الكلاسيكية.
الواقعية إذن بصورة عامة ابتكرت طرقا جديدة لمعالجة الواقع، ولذا فإن القصة تعتبر واقعية لكونها عالجت الواقع لكن بآليات جديدة تقوم على قيم اجتماعية جديدة ووجهة نظر تحاول أن تؤطر الواقع بشكل مبتكر. وبتعبير آخر، يمكن لنا الحديث عن نوع من العلاقة الجدلية بين الأمرين. ولتوضيح ذلك نشير إلى أن القصة إلى حدود أواخر القرن التاسع عشر كانت تتداخل فيها الحقائق الواقعية بأمور الغيب والسحر والخوارق والمثالية مما جعلها تبتعد عن واقع الإنسانية وقضاياه الحقيقية. وحينما تشكل الوعي الفني الجديد بمفهوم الواقع تخلصت (القصة) من مظاهر التراث القصصي القديم الروماني واليوناني وقصص العصور الوسطى وأيضا عصر النهضة الأوروبي، واتجهت نحو معالجة موضوعات، وسرد أحداث من الحياة اليومية التي يحياها الناس. وموازاة مع ذلك، وبالضرورة، تم تجديد طرائق الكتابة القصصية وتجديد رسالتها الاجتماعية والفنية بصورة دقيقة.
إن ما نتحدث عنه هو وعي جديد بالكتابة السردية ونشوء شكل قصصي فني بعيدا عن الأشكال البدائية للحكي. وهذا لا يعني أن الأشكال البدائية ليست لها قيمة فنية، وإنما كونها استنفدت قدرتها على الاستمرار، ونشأ شكل قصصي جديد وفق ما وصل إليه المجتمع الإنساني من وعي فكري وفني في هذه الفترة. وهكذا، كما أنماط تعبيرية أخرى، انتصرت القصة للواقع وللمحسوس ولمشاكل المجتمع بوعي استدعى إلى جانب ذلك ابتكار ضوابط وتقنيات فنية وجمالية تتلاءم مع التيمات والقضايا التي يطرحها واقع الحداثة، وتتلاءم أيضا مع الرسالة الاجتماعية والأدبية والإنسانية للكتابة.
وفي هذا السياق لابد أن نذكر بعض الرواد الذين أسسوا لهذا التحول، في مقدمتهم الكاتب الفرنسي جي دي موبسان وهو من أبرز تلامذة الروائي الفرنسي فلوبير، ومن أكبر من ساهموا بأعمالهم في تكون القصة القصيرة بمدلولها الفني الحديث. نذكر كذلك الكاتب الروسي أنطوان تشيخوف الذي يعتبر من كبار الرواد الذين رسخوا تقاليد هذا الفن بما وفروا له من إمكانيات وقدرات على استيعاب قضايا الواقع والإنسان ضمن الهواجس الفنية والفكرية التي تحكمت في كتاب القصة الواقعيون بشكل عام.
وفي العالم العربي كان لمفهوم القصة الحديث هذا تأثير في تكون الوعي بطرائق الكتابة القصصية والكتابة السردية عموما منذ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وظل هذا الوعي يتطور مع الاحتكاك بالغرب وعوامل أخرى وطنية واجتماعية وإنسانية (وغيرها) ساهمت كلها في تكون ونضج الوعي الفني بوسائل التعبير الجديدة التي مكنت الكتاب من معالجة موضوعات الحياة اليومية وتصوير مشاكل الناس الاجتماعية والفردية. وهكذا تحولت من القصة التراثية إلى قصة قائمة على أسس فنية حديثة في كل ما
يتعلق ببناء النص القصصي، أي أنها تحولت إلى معالجة الواقع والحياة اليومية بعيدا عن الخوارق والأساطير وهو ما منحها تميزها عن القصص التراثي ومنحها تفردها الفني وقيمتها الأدبية في الثقافة المغربية.
هذا الارتباط بالواقع نلاحظ آثاره الجلية على تشكل النص القصصي منذ فترة الستينيات بصورة خاصة، وظل هذا الوعي ينمو إلى أن أضحى بالصورة التي أعطت للقصة المغربية إطارا استوعبت فيه مقومات الكتابة القصصية وأساليب التعبير الحديثة التي ظهرت وتطورت مع ظهور وتطور المدرسة الواقعية. وهكذا نلاحظ أنه إلى جانب الوعي بأهمية اليومي في التعبير الأدبي الذي يعد من ركائز المدرسة الواقعية كما أكد على ذلك منظروها وكتابها، يوجد الوعي بالجانب الشكلي والفني وهو الوجه (أو النصف) الآخر المكمل لهذه العملية الإبداعية.
وفي إطار هذا الوعي تأصلت وترسخت القصة في الأدب العربي عامة بوصفها جنسا أدبيا له مقوماته وضوابطه من حيث أساليب السرد وبناء اللغة والحوار وشخصيات النص الحكائي وما إلى ذلك. ومن خلال هذه العملية يتجلى الوجهان الأساسيان لمفهوم القصة الواقعية الذي لا ينحصر كما يدعي البعض في التعبير عن الواقع اليومي، وإنما يتعداه ليشمل الجوانب الفنية والجمالية.
ولابد من التنبيه إلى أن الواقعية كما استلهمها الكتاب في الأقطار العربية لا شك أنها تحمل علامات الحداثة والانفتاح على العالم المعاصر، غير أن هذا لا يعني، وأنا أتحدث أساسا عن الإبداع القصصي، وضع الواقعية في المطلق. فمن المفيد أن نلتفت إلى ما لاحظه الكتاب حول بعض مقوماتها وعملوا على تجديدها باستمرار وفق ما طرأ من تطور في الوعي الفني وما عرفته الحياة الثقافية والاجتماعية من تحولات. وقد مس هذا التجديد جوانب متعددة، منها بناء الشخصية التي لم تعد كما كانت في السابق مركزية في النص، وبناء الزمن الذي لم يعد بالضرورة يخضع للتطور الخطي، والتعامل مع مكونات أخرى فنية ولغوية.. ومن العناصر التي تغيرت وتغير معها بناء النص تغيرا جوهريا عنصر الرؤية التي على أساسها يبني السارد هيكل عمله القصصي.
إن السارد في القصة التي تندرج في هذا الاتجاه أو بالأحرى الاتجاهات التي تكون المدرسة الواقعية يتميز بخصائص نوعية تجعل منه عنصرا متحكما في بناء القصة، وتحديدا في شخوصها التي يعلم ما تظهره وما تخفيه، مما يجعل منه كائنا مطلق المعرفة. هذا التفوق تأكد مع تطور الوعي بالكتابة القصصية أنه لا يخدم فنية النص والرؤية التي يتأسس عليها، ولذلك عمل الكتاب المجددون على تصحيح موقع السارد ومجال الرؤية، وجعل الحوار حيزا لالتقاء اللغات والأفكار، ووضع الشخصية في مكانها الطبيعي من العملية الإبداعية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه إذا كان من الجائز إطلاق مصطلح التجريب على هذا التوجه (التجريب كعملية فنية ترتكز على وعي حقيقي بآليات الكتابة القصصية وبغيرها من الألوان الإبداعية) فإنه من الجائز أيضا إطلاق مصطلح الواقعية للدلالة على تجربة توخت الانتقال بالأدب القصصي من فضاء الخرافة والذات إلى الواقع. والنقطة التي يتمحور حولها هذا الموضوع هي أن هذا التحول لا يعكس فقط الوعي (أو نضج الوعي) بالواقع فحسب، ولكنه يعكس أيضا الوعي بآليات الكتابة القصصية وقيمها الفنية والجمالية كما تجسدت في الاجتهادات النقدية والنظرية وفي الإبداع القصصي على حد سواء.
31/1/2014
محمد غرناط

العلم الثقافي

عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 1674
العمر : 46
تاريخ التسجيل : 26/06/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى