صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

غويتيسولو في مراكش

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

غويتيسولو في مراكش

مُساهمة من طرف izarine في الأحد 16 نوفمبر 2014 - 15:46

تتسلق خيوط الفضاء البيضاء خيوطه السوداء. ينسل إلى مقصورته بعلية منزله الكائن بدرب سيدي بو الفضايل، قرب سينما إذن.. يفتح النافذة. شجرة الليمون واقفة. تبدأ الطيور محاوراتها. ينكب على مخطوطته ليمدها قسطا من الحبر.
ينكتب... بدأ ذلك الألم، الملازم لكل مربي كلمات، تسلله إلى العنق، فتوقف عن الكتابة. كانت الحياة، آنها، قد بدأت نسج جديدها. دخل المريد حلقة من حلقات الساحة. وهو يستمع إلى قول صاحب الفصوص، بدأ السفر.
- »اخوان، تعال تعال...! يناديه طبيب الحشرات. أعادته صيحة الطبيب، ببحته المعهودة إلى عالم الحلقة. ينتقل عند صديقه ليستمع إلى وصفاته الخارقة يتابع جولته المعتادة حول الحلقات. يحييه الصاروخ بقامته الفارعة، يرد التحية. لمح المريد عينا تلاحقه منذ أن بدأ الطواف. بادر فقال: »من أنت؟« أجابه الآخر: »أنا مثيلك.. »اتفقا أن يلتقيا عشية في مقهى ماطيش.
سأله الراوي مرة:» »لماذا هذا المقهى بالذات؟« أجابه: »ماطيش هي مرصدي في الساحة. فيها يجتمع الموسيقيون والرواة والحلاقية، ولأنها وسط الساحة فهي مليئة بالحياة. »مكاينش شي قهوة نشيطة في العالم بحال ماطيش«. صمت هنيهة ثم أضاف: »تمنيت أن تحمل بطاقة هويتي تعريفي الحميم: »أنا ولد جامع الفنا«.
في شقة الكاتبة الفرنسية مونيك لانج، زوجة الكاتب، بحي السانتييه، غيتو الاقليات والهامشيين، التقى غويتيسولو، في 8 من أكتوبر عام 1955، صديقا عرفته عليه مونيك اسمه جان جونيه. كان خوان في ذلك الوقت قد كتب مجموعة من النصوص ذات طابع سياسي مناهض لنظام فرانكو. أحدث لقاؤه بشاعر الجريمة والسرقة والمثلية الجنسية، كما يحب أن يسمى صديقه الأبدي جونيه، تغييراجذريا في مساره الإبداعي. يقول: »من دونه، من دون مثاله، ربما لم أكن ساجد القوة الكافية للانقطاع عن سلم القيم المعمول به لدى مواطني، يمينا ويسارا. ولا لكتابة ما سأكتبه انطلاقا من عملي الروائى »»دون خوليان».


خوان غويتيسولو، عادة ما تقدم نفسك باعتبارك «»المراكشي الشرفي»«...

هذه هي الحقيقة. منذ وقت طويل وأنا أقضي بضعة أشهر من السنة في مراكش. في هذه المدينة تعلمت »»الدارجة« «(العامية المغربية) وكونت عائلتي الكبيرة: أصدقاء يكونون برفقتي دائما. بدأت قرابتي بمراكش ببعدها الجمالي - مراكش أجمل مدينة عرفت - ثم تطورت هذه القرابة وانتقلت إلى ناس المدينة ولغاتها ونكتها وثقافتها. لهذا أْعتبر الآن نفسي مراكشيا. ومن ثم أهديت مخطوطة روايتي مقبرة - التي استلهمت في جزء كبير منها فضاء المدينة - إلى مدينة مراكش. وللسبب ذاته، كوني مراكشيا أهديت جائزة «»نيلي ساش»« التي منحت لي في ألمانيا إلى مدينة مراكش. لا أعرف إن كنت مراكشيا شرفيا أو مراكشيا وكفى!.

وجهت، حين كنت منفيا في طنجة، صرخة مدوية تجاه الضفة الأخرى للمتوسط: »أيتها البلاد الجاحدة، البائسة، القذرة، لن أعود إليك أبدا«.
مذاك أصبحت حياتك ترحالا مستمرا. كتاباتك هي الأخرى قد تحولت تماما من كتابة سياسية (إبان الفرنكوية) إلى كتابة أدبية. ماهو الدرس الذي وجدتموه في هذه الأسفار؟

تعلمت مع تقدم العمر أن مفاهيم الأرض والوطن، وكذلك التصورات القومية أو الوطنية حول الأدب ليس لها أى علاقة بمنظوري الخاص للثقافة، بالنسبة إلي، هي دائما متحركة، تنتقل وترحل. فالثقافة هي نتاج الأسفار واللقاءات والتنقلات المستمرة. لهذا السبب لا أعتقد بوجود ثقافات وطنية. كل ثقافة هي نتاج مجموع التأثيرات الخارجية التي تحصل عليها. وحيوية كل ثقافة تتجلى في مدى قدرتها على أن تربط علاقات مع الثقافات الأخرى. وتتمثل قوتها، كذلك، في درجة حواريتها مع هذه الثقافات. ولنا في الثقافة الاسبانية والثقافة العربية مثال واضح على ذلك: كل مراحل ازدهارهما الثقافي كانت بفعل تلاقح وانفتاح وتأثير متبادل.
أما فترات الانحطاط التي عرفتها الثقافة العربية ابتداء من القرن 14والثقافة الاسبانية في القرن 16 فلم تكن إلا نتيجة لتقليدية فجة وانغلاق على الذات.

تثير انتباهنا عند قراءة أعمالك الأدبية تلك العين التي تترصد المشاهد وتقتفي آثار الأشياء والتفاصيل. لن أقول عينا أدبية بل عين »»بركاك» (بصاص) خبر مهمته.. هل هذه العين هي وليدة اهتمامك بالسينما؟ وكيف تنظر للعلاقة التي تجمع الكتابة الأدبية بالسينما..؟

ثمة بين السينما والكتابة الأدبية تقاطعات واختلافات. هناك أعمال سينمائية يمكن أن نعتبرها أعمالا أدبية. إن أعمالا مثل »سيتزن كان« «لأورسون ويلز وجل أعمال «»فليني»« لهي أعمال أدبية. إن المسار السينمائي الذي شيده فليني يشبه إلى حد بعيد تجربتي الخاصة في ميدان الرواية. صرح فليني مرة أنه يأسف كثيرا لكونه قد ولد نصف قرن بعد ولادة السينما: في ذلك الوقت لم تكن قواعد أو تعاقدات مسبقة، ولم تكن الصناعة السينمائية، آنذاك، تمارس ضغوطها بعد. وقتئذ كان بالإمكان بكل حرية. كانت عملية تحميض الأفلام تتم بطريقة شخصية كما كان الشأن في عهد شابلن. ويضيف فليني قائلا إن كل انجازاته في مجال السينما كانت سعيا لتحرير واستعادة تلك البراءة وذلك الارتجال المفقودين. وتصبح القواعد والسنن والأنظمة السينمائية المعقدة موضع تساؤل كبير. لقد كان ذلك مسعاي عند تشييد مساري الخاص . ان النصوص التي تمسني كثيرا هي نصوص القرون الوسطى، كتابة لا تدخل نطاق الاكاديمية وليست سبية قواعدها ولا خاضعة لسيطرة ما يدعى أجناسا تعبيرية! ان نصا مثل كتاب الحب الطيب لخوان رويث (القرن 14) هي إبداعات متفردة.
مع مجيء عصر النهضة وقدوم النماذج المستوردة من إيطاليا، اندثرت تلك الحرية الابداعية التي نجدها لدى رابلي في فرنسا. ولدى روخاس وكبير قساوسة هيتا في اسبانيا.

عندما بدأ سرفانتس الكتابة كانت مختلف القواعد والسنن السردية قد وجدت الكوميديا «لوب دي فيكا»، الرواية الشطارية، الرواية الريفيةBucolique الرواية البيزنطية.. الخ. لقد كان سرفانتس السباق الى الثورة على الفهرسة التنظيمية للاجناس، التي تعزل كل جنس من الاجناس مع مثيله. لقد مزجها كها وقلبها رأسا على عقب. لقد شق طريقه بعيدا عن الصراط. فمن خلال المحاكاة ومزج الكل، أنشأ عمله العظيم المسمى «دون كيشوط» والذي يعد الجزء الثاني منه خاصة التأسيس الفعلي للرواية الحديثة. كل الكتابات التي تمسني كثيرا تتبع تلك الخلخلة وذاك الطريق الذي شقه سرفانتس. كتابة تقوم على استعادة الحرية الابداعية والسخرية من سنن وأنظمة المرحلة. و يمكننا ان نضرب لذلك مثلا بهذه العمال: تريستان شنداي ل «ستورن» في انجلترا. «جاك القدري» لديدرو، وبوفار وبكوشي لفلوبير في فرنسا، سان جون دي لاكروا في لقائه بالتصوف وعمل الشاعر الاكبر غونغورا. سلالة شجرة الادب اسمها، مملكة الاستثناءات الكبيرة، ان كتاب «غيردية الاندلس» لفرانسيسكو ديليكادو لهو مثير جدا، اذ توجد به صفحات كأنها «مصورة» بواسطة كاميرا سينمائي. ان نظرة عينه شبيهة بعدسة الكاميرا من خلال الحوارات يمكننا ان نتتبع تنقلات الشخوص داخل شارع روما أو ليس ذلك استثمارا مذهلا؟

لاحظ الكثير من القراء تعدد اهتماماتك فأنت روائي وناقد وسينمائي...

أقوم، بين الفينة والاخرى، بأعمال هي بمثابة تكميل لعملي الاساسي كروائي. ربما هي تربة للاشتغال. بين 1969 و 1975 أعطيت دروسا في الجامعة الامريكية. و محاضرات حول أعمال أدبية قديمة مثل لاسيليستينا. كيفيدو، وأخرى حول روايات معاصرة مثل «أرضنا» لكارلوس فوينتس واعمال ليزاما ليما. وقد ساعدتني تلك المحاضرات في كتابة مجموعة من المقالات سوف تدمج في كتاب «شجرة الادب». كانت تلك المحاضرات عونا لي في عملي الروائي. الشاعر الجيد هو قبل كل شيء ناقد جيد. فالنقد يمتزج كلية بالابداع. ومن جهة أخرى فقد انجزت تحقيقات صحفية لفائدة صحيفة «البايس» كتلك المجموعة في كتاب «رحلات الى الشرق». و في الاطار نفسه اشرفت على انجاز سلسلة تلفزيونية اسمها «القبلة» لفائدة التلفزة الاسبانية.
في رواية الاربعينية، على سبيل المثال، فإن نص «مدينة الاموات» سيظهر ثانية وبطريقة مختلفة. تجد ايضا ضمن دفتي نفس الكتاب. عناصر من الشريط الوثائقي المنجز في ايران (ضمن سلسلة القبلة التلفزيونية) حول الزورخانة وقد دخلت. ضمن سياق مغاير، الى الرواية ذاتها.
تصبح هذه المواضيع (التكميلية) بعد ان تخضع الى عملية تحويل وتطوير جزء لا يتجزأ من المتن الروائي.

دشن كتابك «فضائل الطائر المتوحد» مرحلة ادبية جديدة في مسارك الابداعي. أصبح الموت الفضاء الكتابي لهذه النصوص.

تحرص الثقافة الاوروبية دوما على إبعاد الموت. يشيح المجتمع الاوروبي بطرفه بعيدا عن فكرة الموت. يدفن الاحياء موتاهم في الخفاء. في الولايات المتحدة يسترون الموتي وكأنهم احياء... كل ذلك حتى يبعدوا فكرة الموت عنهم. ربما كانت هذه النصوص (فضائل الطائر المتوحد برزخ) بمثابة «عودة للمبعدين». ولم يكن من قبيل الصدفة أن يلعب منظور المجتمعات الاسلامية. الخاص بالموت دورا اساسيا داخل اعمالي. ففي هذه المجتمعات يعتبر الموت واقعا غير مفرغ من حقيقته. تطوف المنية حول شخوص فضائل الطائر المتوحد. لكي انجز هذا النص مزجت صورا من تصوف أحد أكبر شعرائنا (سان جون دي لاكروا) مع صور من التصوف العربي أقصد تصوف عمر بن الفارض. اما بالنسبة لرواية الاربعينية فقد تم بناؤها انطلاقا من اختفاء صديقة الراوي ورغبته في تعقب أثرها خارج عالم الظاهر. والسفر الى هناك يتحقق من خلال الكوميديا الالهية لدانتي. ولقد أصبح معروفا اليوم انها كانت مستلهمة من الاساطير الاخروية الاسلامية، فقد سبق لدانتي ان اطلع على قصة المعراج المترجمة الى الاسبانية في عهد ألفونس العاشر الحكيم. وقد وجدت، الان، نسخ من الترجمة التي كان هذا الأخير قد أمر بانجازها الى الفرنسية والقطلانية واللاتينية، عدة سنوات قبل ظهور الكوميديا الالهية. اما المصدر الاخر الذي اعتمدت عليه فهو عمل ابن عربي، خاصة في كتابه الفتوحات المكية. كتاب جميل وفاتن. اظن أن دانتي لوا طلع على كتابات ابن عربي وعلى رؤيته الشاملة والمتفتحة حول الرحمة لكان التصور الاوروبي. حول العالم الاخر قد تحول كلية. ان مايسميه ابن عربي بالخيال الديني لهو جد رائع. كل صفحة من كتابه تفتح افاقا كثيرة وامكانيات للتأويل لا تحد. ابن عربي» بورخيس الخيال الديني» كتابة محي الدين هي الحداثة المطلقة. وقد كان مسعاي. حين استلهمت في كتابة «برزخ» نص ابن عربي، هو إظهار هذه الحداثة.
يجب أن لا نعتبر كاتباً من أمثال ابن عربي وابن الفارض كتاباً قدامى في تاريخ الأدب العربي، بل هم كتاب أحياء مازالوا قادرين على إخصاب وإلهام كتاب معاصرين...

تحتفل كتابتك بنصوص ابن عربي والحلاج والعطار ونصوص عمر ابن الفارض. لماذا النص الصوفي؟

أولا، هناك عنصر الحداثة المثير جداً، والذي تحدثت عنه قبل قليل. إن قصيدة الخمرية، مثلا، لابن الفارض شعر ذو جمال خارق. يمكننا أن نقرأها بطرق ألف. كذلك الشأن بالنسبة لـ »»النشيد الروحي»« لسان جون دي لاكروا. هذا لأقول إن الحداثة لم تتأسس، كما هو مشاع، مع رامبو. لقد بدأت قبله بكثير. إن نصوص شعراء الصوفية بغموضها وصورها والتباساتها لذات غنى لا يحد، لهذا فإن كاتباً معاصراً سيجد فيها أشياء مثيرة جداً. ومن جهة أخرى، أهتم بالرؤية الصوفية للعالم، وقراءة كتابات سان جون دي لاكروا وكتابات الصوفية، جزء من حياتي الشخصية.

نفهم من ذلك أن الحداثة ليس لها أي ارتباط بالزمن؟

ليس للحداثة أي ارتباط بالزمن. يمكنني القول، إن نسبة 95بالمئة مما يكتب اليوم هو كتابات ميتة. الكتاب المعاصرون حقاً هم سرفانتيس، س. ج. لاكروا، روخاس، ابن عربي، ابن الفارض والعطار.. لذا، فإن منظوري الخاص للحداثة يقوم على أنه ليس الكتاب المعاصرون وحدهم هم الذين يعدون حداثيين. كلا، علمتني تجربتي في ميدان مغاير لميدان الأدب، ميدان الفن وكذا الأسفار التي قمت بها إلى كل من مصر واليونان أن الفن المصري، وبالخصوص ذاك الذي يعود وجوده للأزمنة الأولى، يعقد حلفاً مع عالم بيكاسو وجياكوميتي. ولما شاهدت الفن الإغريقي الكلاسيكي وجدتني أمام فن قديم، ربما هو فن جميل لكنه لا يمسني أبداً: هو جزء من ماض ليس له أية علاقة بعصرنا الحاضر. لا يرتبط مفهوم الحداثة بالزمن...

ذات مساء في مقهى ماطيش ـ »»المركز العالمي للثقافات»«، كما تحب أن تسمي مكانك المفضل بساحة جامع الفنا ـ كنت حينها تكتب روايتك «»الأربعينية««. والحرب بين العراق وأعدائه على أشدها. قلت لي إن الأربعينية هي وليدة أجواء مذبحة الخليج. ومتتبع أعمالك يلاحظ اشمئزازك وحساسيتك المفرطة تجاه كل حرب. حرب فلسطين، حرب البوسنة وحرب الجزائر. كيف يمكننا أن نفهم ارتباطك بهذه الشعوب.. هل للأمر صلة بالحرب الأهلية الإسبانية؟

كنت دائماً أخاف الحروب والعنف. ربما ذلك راجع لذكريات الطفولة عن الحرب الأهلية الإسبانية. اغتظت كثيراً من تلك الإبادة المنظمة المسماة »»حرب الخليج«« كانت صدمتي قوية عند معاقبة شعب بريء هو الشعب العراقي. فهذا الأخير ليس مسؤولا بتاتاً عن أخطاء وجرائم نظام لم ينتخبه الشعب قط، يمكننا أن نعتبر الشعب الألماني مسؤولا عن جرائم هتلر. إذ أنه انتخبه مرتين في انتخابات ديمقراطية. لقد كان ذلك اختياره. أما العراقيون فلم يكن بوسعهم انتخاب نظام جديد. إن معاقبة الأبرياء عار كبير.
أما بالنسبة للبوسنة، فالأمر كان جد مختلف، فمأساة البوسنة تعود للامبالاة واستخفاف القوى الأوربية تجاه التطهير العرقي الذي يمارسه الصرب حيال المسلمين. جرحتني تلك اللامبالاة، فذهبت إلى سراييفو لكي أحمل شهادة عما يجري هناك. طبعاً ثمة علاقة بالتجربة التاريخية الإسبانية، فاللغة التي يستعمل القوميون المتطرفون الصرب هي ذات اللغة التي كان يستعمل القوميون الكاثوليك الإسبان أو ما كان يدعى بـ «»الكاثوليك القدامى»«، أولئك الذين حبذوا التطهير العرقي في إسبانيا، وإبعاد اليهود أولا ثم الموريسكيين فيما بعد. ولم يكن موقف المجموعة الدولية المتمثلة في الأمم المتحدة أحسن من موقف تلك القوى: لقد كان موقفاً رخوا وبئيساً شبيها بذاك الذي نهجه مجتمع الأمم إزاء الجمهورية الإسبانية. ففي الحالتين معاً، اتبعت المجموعة الدولية سياسة تفضيل المعتدي على المعتدى عليه، تفضيل الجلاد على الضحية. لهذه الأسباب جميعاً ذهبت إلى البوسنة محاولا أن أفضح، قدر المستطاع، هذا النفاق وذاك الصمت الذي تمارسه المجموعة الدولية.
أما بالنسبة لفلسطين، فقد دافعت منذ أمد طويل عن حق الشعب الفلسطيني في دولة فلسطينية مستقلة لها حدود معترف بها، حدود الأراضي المحتلة عام 1967. لا يمكن للمشكل أن يحل، الآن بإعطاء الفلسطينيين فتاتاً من فلسطين. فإذا أرادت إسرائيل السلام، فعليها أن تعطي الدليل على حسن نواياها، وأن تظهر رغبتها في ذلك.

نعم وهل للأمر صلة باختلافك الشخصي؟

أكره المجتمعات المتجانسة لأنها تعمل دوماً على أن تجعل حياة مواطنيها »»سوية«« كل الأقليات يجب أن تحترم. لذلك كنت دائماً ومازلت أدافع عن حق الهامشيين في الوجود. أدافع، قدر المستطاع، ضد العنصرية. ثمة في أوربا اليوم خطر كبير يهدد الطائفة الغجرية، ضحية معسكرات التعذيب والموت زمن هتلر. ويرجع سبب هذا الخطر للموقف الشيزوفريني للمجتمعات الأوربية »السوية« و »المتجانسة« مع ذاتها!؟ إنها تقول للغجر: »نحن لا نحبكم لأنكم لا تشبهوننا، أنتم غرباء«« ومن جهة أخرى، ترفض إدماجهم: »إننا لا نريد أبداً أن تشبهونا«. وعند محاولة تعليمهم وإدماجهم يعمد الكثير من الناس إلى حرق مدارس الغجر حتى لا يدمجوا سوياً في أحياء مختلطة. وهذا الموقف يؤدي بالتالي إلى إبعاد مطلق للغجر، الشيء الذي سينتج عنه، لامحالة، إحباط داخلي للضحية.

في نفس الإطار، هل يمكننا أن نعتبر كتباتك هي «سليلة »أدب ملتزم««؟

لا أحب عبارة »»أدب ملتزم««. عندما كنت شاباً، كانت الفرنكوية هي النظام. آنذاك كان واجبي، باعتباري مواطنا، يحتم علي كتابة «»أدب ملتزم««. إن الالتزام الحقيقي بالنسبة للكاتب هو التزام ذاتي: إذا لم يستطع أن يخلق مساراً خاصاً به وأن يبدع موطنا جديداً داخل محيط الثقافة التي ينتمي إليها وفي اللغة التي يكتب بها، فإنه لا يعد كاتباً ملتزماً. الالتزامات السياسية هي التزامات ثانوية. نعم، وباعتباري مواطناً كذلك، ورغم أني خدعت أحيانا ككل الناس، فإني مازلت أعبر عن آرائي حول ما يحدث في العالم الآن.

يعلن مشروعك الكتابي أن الأدب هو بالدرجة الأولى أدب مذخر يقوم على نفي كل عرقية أو وطنية. خوان بالنسبة لك، كيف تنكتب شجرة الأدب؟

كتابتي أدب هجين، شبيهة بكتابة سان جون دي لاكروا وأنطونيو غاودي. ويجب التنبيه هنا إلى أن جزءاً من عملي الكتابي هو نقد لنواة الثقافة الأوربية الصلبة.» ففي »مناظر بعد المعركة»«، مثلا، أو في »»حياة آل ماركس الطويلة«« أعبر بسخرية ونقد. المذخرية ملتقى ثقافتين وحضارتين مختلفتين. لقاء الثقافة الإسبانية والثقافة العربية، مثلا. كل واحدة منهما هي تكميل وإنعاش للأخرى.

في كتابتك يمتطي الشعر السرد وهذا يعانق النقد. ليس ثمة فواصل بين الأجناس التعبيرية.. كتابة مفتوحة.. مدى مفتوح كساحة جامع الفنا...

كما قلت لك سابقاً، أنا لا أحب مقصورات الأدب المغلقة، وأبدا التقسيمات الأجناسية،فجل أعمالي الروائية، خاصة تلك التي كتبت انطلاقاً من دون خوليان، تقرأ في الآن ذاته بوصفها رواية وقصيدة ومقالة نقدية. أكره التصنيفات.. كل النصوص التي تثير اهتمامي هي نصوص مفتوحة تنفلت من التصنيفات. وهنا يلعب الشفوي دوراً أساسياً. جل أعمالي كتبت لتقرأ بصوت مرتفع. لذلك أشدد دائماً على أن تحتوي الترجمات التي تنجز لأعمالي ـ هذا بالنسبة للغات التي أعرف كالإنجليزية والفرنسية ـ هذه الشفوية. فالإيقاع وكذلك الشاعرية هما جد أساسيين بالنسبة لي. كان لي لقاء بالتقاليد التي وجدت عهد رابلي، ولم تعد موجودة عندنا الآن، لكنها لاتزال موجودة حالياً داخل حلقات جامع الفناء. منذ مدة طويلة وأنا أستمع لقصص »»الحلايقي««. أعتقد أن سرفانتيس عندما كان مقيماً في الجزائر قد كان بإمكانه الاحتكاك بهذه التقاليد الشفوية. رغم أنه لم يلتق بقصص ألف ليلة وليلة، فإنه استمع إلى حكايا وقصص الإرث الشفوي الذي كان شائعاً، آنذاك، بالعالم العربي.

نشرت ضمن سلسلة القبلة للكتاب، السلسلة التي تديرونها، مجموعة من الترجمات الإسبانية لبعض الكتب العربية المعاصرة. هل هذا يعني أن علاقتك بالثقافة العربية لا تنحصر فقط في بعدها الكلاسيكي؟

أحاول دائماً أن أكون على اطلاع على ما يكتب في مختلف البلدان العربية. للأسف، فإن عدم إجادتي للعربية الفصحى يحول دون قراءة النصوص في لغتها الأصلية. لذلك أنتظر دائماً صدور ترجمات لها. هناك مجموعة من الأعمال الروائية أحبها كثيراً وأعتبرها معاصرة حقاً ـ من الصعب الاستشهاد بجميع الأسماء، لذلك سأقتصر على بعضها فقط، إن عمل الطيب صالح لهو صوت عصرنا. رواية كالزيني بركات لجمال الغيطاني وأعمال إدوار الخراط وكتابات صنع الله إبراهيم الذي أكن له ولعمله بالغ الحب..

عن كتاب «قوي مثل تركي»

الاتحاد الاشتراكي

حاوره: عبد الغفار سويرجي

15/11/2014

izarine

ذكر عدد الرسائل : 1856
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى