صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

رحمة والبحر ...

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

27022015

مُساهمة 

رحمة والبحر ...




 

                                              


                              


رحمة والبحر.

تعلّم المهدي السباحة و أتقنها بين مياه النهر, وعملت ذراعاه و رجلاه في المسبح كسبّاح ماهر ولعبت الفطرة و حبّ الماء دورها في المجازفة وتحدّ لدوران وهيجان الماء , غامر في البحر قرب الأحجار الضّخمة, أخافه والده من خطر الاصطدام بها, وحذّره الأصدقاء من الأمواج العاتية, لكنّ المغامرة المعشوقة أثارت سخونة الاندفاع و حماسة الشباب, طرد من المدرسة بسبب انشغالاته المطردة على ساحل النهر وشاطئ البحر, فكان لا يرى إلا اللون الأزرق على صفحات الكتب و الدفاتر, و بدا له البحر الأسود على السبورة بأمواجه الطباشيرية, القي المؤسسة التعليمية خلفه, ليقع جسمه على رمال البحر وتخمس قدماه في وحل النهر, التقى بباعة الأسماك فلم ينسجم معهم سلوكهم خشن وعنفهم في التجارة البحرية لا يطاق , أحبّ طفلته رحمة التي عاشرها في الدرب ولاعبها بين الاحترام وردع الأخلاق والتقاليد... فكانت النظرة الطبيعية تكفيه ليزيّن حلمه الفقير احتار بين حب الدراويش وكسب اللقمة العنصرية عند توزيعها على الأفواه, زار مركبا من مراكب الصيد المتعثّرة في المرافق والكمّيات الضعيفة عند مواجهة فصول المدّ الهائج, أخيرا وافق " الرايس " فشغّله لترقيع الشباك بعد رسوّ المركب و الجرّ أثناء سحبها من البحر محمّلة بما جاد به الربّ, فرح ورضي بالخطوة الزرقاء نحو النسيم المالح وبالأجرة القليلة التي نجت من مصاريف الأكل والشرب والمبيت التي تكلّف بها صاحب المركب....


مضت شهور...لم يوفّر مهر رحمة ومصاريف الزواج وثمن الكراء و التأثيث, لأنّ منزل الوالدين  والإخوة لا يتحمّل المزيد من الأنفس وعليه وعلى جيبه إعانة أسرته...لذا ضاع الحلّ وسط المشاكل التي تعقّد زواجه من رحمة...لم يجد السبيل...ولن يركب المستحيل...و حبّه عويل بين أضلاعه...اطلع رحمة الطيّبة على المشروع الفاشل...و حثّها على الصبر...و التمسّك به إلى أن تنفطر العراقيل...رجا الأمل المفقود بين الأمواج...لكنّ رحمة فاجأته بالرغبة الأكيدة للعمل...كي تساعده فقط وتنعش سكتة الحب الصافي....


بعد أيّام لاحت الفرصة مع خوف شديد واحتراس من الأخطار, فصاحب المركب يبحث عن طبّاخ...وصّل المهدي خبره إلى رحمة التي عرضت نفسها كطباخة للبحارة الرجال...راضية بالعيش معهم و التعايش بينهم....رفضت رجولة و فحولة المهدي العرض جملة و تفصيلا, عارض رحمة بشدّة مرتكزا على نخوة رجل يمنع الزوجة المقبلة من معاشرة رجال محرومين من الأنثى خلال أيام طويلة فوق سطح بحر لا يرحم, علّقا الموضوع على شمّاعة الرفض...أثار المهدي طلب رحمة نكتة بين أصدقائه...ذاع الخبر المضحك, فجاءت المفاجأة من صاحب المركب الذي ساند رحمة كإحدى بناته ...وافق أن يشغّلها كطبّاخة و منظّفة بأجرة محترمة ....فاشترط الزواج قبل الصعود إلى المركب..


تم القران في حفل بسيط ..بصداق لم يسلّم إلى عائلة رحمة, و جاء يوم مخمور بالبحر بعد أحلام العروسين...صعدا المركب فبدأت مغامرة الأنثى رحمة بنفسها....استعملت الخشونة التي رأتها في الحيّ.... فازت بالاحترام....وأعجبت البحارة تلك الأكلات النظيفة واللذيذة...كأنهم يأكلون طبخ الزوجة أو الأمّ....و فازت أيضا بحجرة مع زوجها أسفل المركب قرب مقصورة " الرايس " الذي صدّ عنها أضرار البحرية...


مرّت الفترة الأولى بسلام....والتي دامت شهرين....ربحت رحمة المال و سواعد التحمّل وجرأة البحّار المتمرّس...سرّ المهدي هذا المكتسب اكترى بيتا و اشترى بعض الحاجيات...ليعيش على اليابسة شهرين ونصف....حياة سعيدة لا لغو يفسدها ولا خصومات....وفي هدوء العشرة و سعادة بين اليابسة  والبحر....ظهر الحمل وكان في شهره الخامس...وهنا احتدّ النقاش و فار اللّجاج....رفض المهدي مخاطرة رحمة بالحمل, أمّا هي ....تشبّثت بالعمل رغم الحمل....تدخّل صاحب المركب و طمأنه أنّ سلامة رحمة من سلامة المركب و أنّ كلّ شيء سيسير على نحو أفضل, ووعده أن العودة ستكون بعد شهرين, و ستبقى المدة كافية للوضع...ضع ثقتك في الله....فكّر المهدي وهدأت أعصابه أمام إلحاح رحمة, غلبته الآراء ولذة الطّبخ فوافق على رحلة المرأة الحامل..


بعد الصّعود على المركب وبداية شقّه للأمواج أخبرت رحمة زوجها أنها إن أنجبت طفلة ستسميها " موجة " وإن أنجبت طفلا ذكرا ستسميه بحرا....ضحك المهدي الذي أخفى اسم زينب وحمزة...نظر طويلا إلى البحر...أدار وجهه نحو زوجته البحرية فقال لها : أنت الشاطئ يا عزيزتي...هاج البحر بعد شهرين....تأخّر الرّجوع إلى اليابسة....وكان الدّخول إلى الميناء في هذه الحالة سيؤدي إلى تحطم المركب.... جاءت أخبار تؤكد حوادث أودت بحياة عدد من البحّارة....طال الانتظار قليلا هدأت الأمواج....وفي بيت الرّاحة العائلية تعالى صوت موجة تبكي على سرير أمها رحمة....ونظرات المهدي تلمع حبا للبحر..

أوباها حسين

ذكر عدد الرسائل : 272
العمر : 74
تاريخ التسجيل : 11/10/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking

رحمة والبحر ... :: تعاليق

لا يوجد حالياً أي تعليق

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى