صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

شرفة أطلسية / محمد بنقدور الوهراني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

شرفة أطلسية / محمد بنقدور الوهراني

مُساهمة من طرف عبدالله في الأربعاء 11 نوفمبر 2015 - 20:55



أيتها الشرفة
ها أنا أجيئ إليك،
آتيك بقلب سليم،
كلما أشرقت شمس
وكلما لاح بين جوانبك
نجم أو بدر أو قمر،
وكلما سالت من مآقيك
آهات أنين
ومن قلبي
زخات من حنين للمدينة.

أجيئ إليك بقلب سليم
لأحدثك،
عن همسات الروح
الساكنة قرب الماء الجديد،
وعن وصية البحر للنهر
يلقنه كيف يوقظ الغيمة من غفوتها
كيف يترقب عودة الخطاف
وكيف يختال بنبوءة الريح،
وعن الوردة التي أحبت خيالها
حتى لا يضيع شذاها بين المراكب
وتتيه في دهاليز المدينة.

أيتها الشرفة
كلما آتيك، أنصت إليك
أسمع آهاتك، شطحاتك
شكواك وابتهالاتك،
تارة ترددين مع الريح
أغنية الزمن الجميل،
تارة تلوحين لعندليب الربيع
وهو يشاكس فراشاته الشاردة،
تارة تحتفين بغياب الشمس
نكاية في نكبة الخريف،
تارة تبكين مع المطر
لكي يظفر الشتاء
ببعض العنفوان،
وتارة تضجرين
من صخب الصيف،
من غبش الغروب
ومن تعب المدينة.

أيتها الشرفة،
كلما آتيك
أرى الممرّات إليك،
صعودا أو نزولا،
حكاية.
أرى الخطوات إليك،
ذهابا أو رواحا،
حكاية.
أرى الزرقة فيك،
برا أو بحرا،
حكاية.
أرى الجرح فيك،
حالا ومآلا،
حكاية.
أرى الدمعة فيك
تطيل المقام في القلب
تهفو قليلا
ولكنها تظل في الروح
لها ألف حكاية وحكاية.

كلما آتيك
على مهل أو على عجل
أراك دالية عناقيدها
من نبض ومن ذهب،
أراك حسناء أهوى غوايتها
أبني لها قصرا بين السقائف
يذكرها بالمجد وبالمواويل
ويذكرني بالضباب وبالريح
بالشيح وبوجع المدينة.

أيتها الشرفة
تعلمت منك الكثير،
تعلمت منك
أن مواعيد العشاق
وثرثرات المحبين
يسجلها البحر
بمداد من صخر
على حافة النسيان،
وأن وشوشات النوارس
أنشودة تليق بها السعادة،
وأن خلف الحاجز المتهالك،
المؤدي إلى البحر وإلى الأحلام،
تسكن أسطورة الغيمة
بخيرها وبجلالها
تمسك السماء بخيط من وهن
وبيد بيضاء تسند المدينة.

تعلمت منك
أن ( لـلّا زوينة ) كانت تنام
كل ليلة في حضن قصيدة،
وأنها كانت تعرف، بفطرة العرائشيات،
كيف تسقط النجوم في البحر
وكيف تخبئ أسرار الجميلات
قريبا من ( عين الشقة )
مخافة العيون المطلة من خلاء المقبرة،
وأنها كانت تتمسك بزمنها المشتهى
عند كل رقصة صاخبة مع الموجة السابعة،
وأنها، عندما تحاصرها الأحزان،
كانت تغزل من صوف المرارة جمرا،
وتحيك من خيوط الصبر فجرا
وقطعة قماش أبيض
ترميه على صخرة العمر
لتلف فيه أسرار المدينة.

تعلمت منك
أن حوريات البحر
ينمن تحت أعتابك الشريفة
يحلمن بدفئ العناق
وبقبلات خائفة،
وأنهن ينتظرن الشُعَاع البعيد
ليقتربن من شط الكلام
من لذة هاربة
ومن عتمة المدينة.

أيتها الشرفة،
منك تعلمت
أن ما بين زهرة الأقحوان
وأنامل الصبايا
أحاسيس مشتركة،
وأن مابين شقائق النعمان
وأسراب النحل
أكثر من رحيق
وأكثر من شهد
وأكثر من قبلة ،
وأن زهرة الفوتوغراف الحمراء
لم تذبل بين أحضانك
إلا لأن شهوة الغناء
كان لها رنين يشبه النعيق.
ونحيباً يشبه المدينة.

منك تعلمت
كيف تصارع الريح
موج الخريف،
وكيف تصير الصخرة
في وزن فراشة،
وكيف يلين الماء
بجراح الأشرعة
وتسير السفن
بنزيف المجادف
وتفاصيل العناق،
وكيف يمكن للطحالب
أن تصير، بقدرة قادر،
ورودا في مقابر المدينة.

منك تعلمت
أن الموجة إسم آخر للقيتارة
وأن الرذاذ الصاعد بعنفوانه
نحو السماء أو نحو القلب
يستطيع لمس خد الحالمين
يغريهم بالضفة الأخرى،
بنسمة من هوى أندلس
أو همسة من صدى مدينة الضباب
أو قطرة من عطر الملائكة،
أو بفسحة بعيدة في اتجاه الموت
وفي اتجاه المدينة.

منك تعلمت
أن المنارة لا تعلم
متى ينتهي النهار
وان قبس النور
الذي تراه المراكب
ليسعفها على التحديق
طويلا في الشمس
والتحليق بعيدا في المدى
يدلها على الماء
ويدلنا على السراب،
إذ لا ضوء هنا
يبدد عتمة المدينة.

أيتها الشرفة،
منك تعلمت
أن الضباب رداء الماء
وأن المساء يلوح للشمس
يستعير منها شيئا من الشفق
وبعضا من هيبة الظلام
ثم يخبرها بسر الانْطِفاءات،
وأن الزمن كلما انحدر
تتعدد الخيبات
وتتنوع فصول انحناءات المدينة.

منك تعلمت،
أن البحر يجدّد دمه
كل مدٍّ وجزر،
وأن الموت الذي يهزمنا
يزف إلينا إغراءاته بِغُنْجٍ
يأتي، يرحل
يأخذ معه زرقة الماء
ويترك لنا ملوحة المكان
وعشق المدينة.


-----------------------------------

http://larache24.net/?p=68989

عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 1673
العمر : 46
تاريخ التسجيل : 26/06/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى