صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

قراءة في كتاب : " اللغة العربية والثقافة الإسلامية بالغرب الإفريقي وملامح من التأثيرالمغربي "

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

قراءة في كتاب : " اللغة العربية والثقافة الإسلامية بالغرب الإفريقي وملامح من التأثيرالمغربي "

مُساهمة من طرف عبدالرحيم في الثلاثاء 4 أكتوبر 2016 - 7:02

قراءة في كتاب :
" اللغة العربية والثقافة الإسلامية بالغرب الإفريقي
وملامح من التأثيرالمغربي " 
للأستاذ الدكتور عبد العلي الودغيري

أ.د. نجاة المريني 
كلية الآداب / جامعة محمد الخامس / الرباط 
نستأذن الأستاذة الدكتورة نجاة المريني الأستاذة الباحثة بجامعة محمد الخامس ـ الرباط في أن نقتصر الآن على نشر هذا القسم من بحثها القيم الذي شاركت به في الندوة العلمية التي نظمها بالرباط يومي 27 و28 سبتمبر 2016م معهد الدراسات الإفريقية بالرباط بالتعاون مع مؤسسة مفتاح السعد للرأسمال اللامادي للمغرب وشارك فيها باحثون من إفريقيا والمغرب ، وكان موضوعها : اللغة العربية بإفريقيا : الواقع والتطلعات . وونظراً لطول البحث فقد اضطررنا للأكتفاء بهذا الجزء من العرض ،مُرجِئين نشرالبحث كانملاً لفرصة أخرىوكان أنسب وأرحب بحول الله ، 
وهذا نص القسم المختا من البحث :


لقد حُبِّرَتْ كتب كثيرة عن البلاد الإفريقية في مختلف تجلياتها الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية والتجارية سواء تعلق الأمر بالمؤلفات الإفريقية أو العربية ، فممن كتب في الموضوع محمود كعت الثالث الفتاش ( ت 1002هـ) في مؤلفه " تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس "،وعبد الرحمن السعدي ( 1066هـ ) في مؤلفه " تاريخ السودان "، وأحمد بابا التنبكتي ( ت1036هـ) في مؤلفيه "نيل الابتهاج بتطريز الديباج وكفاية المحتاج" ،والبرتلي الولاتي (ت 1219هـ) في مؤلفه "فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور"،وشيخو أحمد سعيد غلادنثي في مؤلفه "حركة اللغة العربية وآدابها بنيجيريا"، وإبراهيم طرخان في مؤلفه "دولة مالي الإسلامية " وآدم عبد الله الألوري في مؤلفه "الإسلام اليوم وغدا في نيجيريا " وعلي أبوبكر في مؤلفه " الثقافة العربية في نيجيريا "وحسن أحمد محمود في مؤلفه "الثقافة العربية في إفريقيا" وعز الدين عمر موسى في مؤلفه " دراسات إسلامية في غرب إفريقيا "، والقائمة طويلة بالمؤلفين الذين اهتموا بإفريقيا العالمة .
وكان لمعهـد الدراسات الإفريقية منذ إنشائه سنة 1990 دور كبير وحضور وازن في التعريف بالثقافة العربية في إفريقيا عن طريق نشر محاضرات ونصوص ووثائق وندوات أشرف المعهد على تنظيمها ،ويجهد الأستاذ يحيى أبو الفراح مدير المعهد على تقوية الروابط بين المغرب ودول إفريقيا الغربية ، فيحتضن المعهد اليوم ندوة علمية دولية عن اللغة العربية في نيجيريا ،مؤكدا ما للعلاقات الثقافية من دور كبير في إرساء دعائم التعاون بين البلدين بالانفتاح على الثقافة والحضارة واللغة ويتأكد الحضور النيجيري في رسم ملامح الثقافة الإسلامية واللغة العربية بالبلاد ، من خلال مؤلفات الأستاذ الخضر عبد الباقي مدير المركز النيجيري للبحوث العربية بنيجيريا،وكلها مفاتيح واعدة لما للغة العربية من حضور في الأوساط الإفريقية منها: "واقع اللغة العربية في إفريقيا " 2010 ،"الثقافة العربية في نيجيريا والتحديات المعاصرة " الكويت 2005 ، "صورة إفريقيا في الأدبيات المعاصرة "2008، "صورة العرب لدى الأفارقة " 2009 "،الرؤية الثقافية للأفارقة " ،رابطة العالم الإسلامي العالمية ، مكتب القاهرة 2005 ، "اللغة العربية على لسان الأفارقة " ، جمعية لسان العرب لرعاية اللغة العربية ،القاهرة 2006، "العرب والأفارقة: النظرة المتبادلة " ، المركز الثقافي اليمني بالقاهرة 2006 ..
إن مثل هذه الكتاباتُ على تنوعها واختلافها تـتـغـيَّى إرساءَ دعائم علاقات علمية وأخوية بين المغرب والدول الإفريقية الإسلامية، وهي كتابات يقظة متحررة استوطـنَتْ اللغة العربية في ثناياها بعثا لنهضة علمية وحركة أدبية وترسيخا لروح إسلامية مشرقة امتدت من الفتح الإسلامي إلى اليوم .
كما أنها مؤشر لامـتـداد تاريخي لعلاقات مغربية إفريقية سامقة منذ العصر المرابطي فالموحدي فالمريني فالسعدي فالعلوي بانتظام قوافل تجارية بين المغرب وإفريقيا أو برحلات علماء وأدباء من المنطقتين للتواصل العلمي ساهم فيها وشجعها ملوك وأمراء، وتحدثت عنها مؤلفات مغاربة وأفارقة، كما كان للبعد السياسي دوره في إحكام متوازن لهذه العلاقات، ويثـمِّن هذا البعد اليوم سياسة الملك محمد السادس التي تتوخى ربط جسور التواصل الأخوية مع دول إفريقية كثيرة سواء في رحلاته إلى الدول الإفريقية أو في الاتفاقيات الاقتصادية والثقافية والسياسية بين المغرب وهذه الدول ،وآخر ما حفل به النشاط الملكي ــ كان يوم الثلاثاء 8 رمضان 1437 /14 يونيو 2016 ــ تـنصيبه لأعضاء مؤسسة المجلس الأعلى لعلماء إفريقيا بمدينة فاس ،وهي خطوة مباركة تواكب مختلف الأنشطة التي تسعى إلى تجذير العلاقات الدينية والروحية والثقافية بين المنطقتين كما كان عليه الأمر في عهود سابقة إلى اليوم ،وقد نشـر الشاعر محمد الأمين جابي من غينيا كوناكري الأستاذ بالجامعة الإسلامية بالنيجر" رحمه الله ـــ (وقد وافته المنية يوم الأربعاء 22 شوال 1437هـ/ 27 يوليوز 2016م،ولعل هذه القصيدة كانت آخر ما نظم) ـــ قصيدة تقدير وشكر لجلالة الملك محمد السادس على مكرمته الملكية التاريخية تأسيس "رابطة علماء إفريقيا"، وذلك بمناسبة تنصيبه لأعضاء المجلس الأعلى لمؤسسة علماء إفريقيا يوم الثلاثاء 8 رمضان 1437هـ/ 14 يونيو 2016 بمدينة فاس منها (3): البحر الكامل 
المغرب الأقصى مـحطُّ مطّـيـتي ومـحـطّ آمـال الجمـوع الــوُقّـد
بـلــدُ المعارف ما أتــاه طالب إلا ارتوى من نبع أطيبِ مورد 
... والعلم منـــبعـه بفــاس منتهـى جُـهد الرجــال العارفين الـزُّهــد 
...في ظــل عاهـله المعـظّـم شأُنـه في ظـلّ مـلْـك بالإلــه مــؤيـــد 
...فالمغرب البوابةُ الكـبـرى التــي منها أتتْ كـلُّ العــلوم السُّــرَّد 
عبر الخطوط المغربية هـاجرتْ تلك العـلـومُ إلى البــلاد الأبعـد 
حفظتْ تـراث العلـم في إفـريقيا لولا جمـال رسومها لــم تَــخْـلُـد 
إفريقيا كم أنجبتْ من عــالــم أو شاعر حَــذِقَ العـروض مجـوِّد 
بلغوا بهمزياتـهم شـأو الألـى حَـفـِلَـتْ قصائدهـم بمــدح محــمد 
بـلغوا بألفياتهم مرقـى ابن ما لكٍ فارتقـوا أرقى سـنام السـؤدد 
تقع القصيدة في خمسين بيتا شعريا .
وقد جاء في كلمة الملك محمد السادس في حفل التنصيب :" إن المؤسسة تشكل إطارا للتعاون وتبادل التجارب،وتنسيق الجهود بين العلماء للقيام بواجبهم في التعريف بالصورة الحقيقية للدين الإسلامي الحنيف وبقـيمه السمحة القائمة على الاعتدال والتسامح والتعايش" ( نشر نص الكلمة في مختلف الجرائد الوطنية المغربية بتاريخ الأربعاء 15 يونيو 2016 ) . 
من هذا المنطلق ،ومن هذا الحضور اللافت للعلاقات المغربية الإفريقية المتوهجة اليوم على مستوى قياديي المنطقـتـين أومن خلال المصنفات التي سبقت الإشارة إلى بعضها، يساهم الأستاذ عبد العالي الودغيري من خلال مؤلفه " اللغة العربية والثقافة الإسلامية بالغرب الإفريقي وملامح من التأثير المغربي " الصادر ضمن منشورات كلية آداب الرباط ، سلسلة بحوث ودراسات رقم 51 سنة 2011،في التعريف بالعلاقات المغربية الإفريقية العلمية واللغوية والثقافية ، وهو من أكثر المصنفات السابقة تشريحا وتحليلا لواقع اللغة العربية بالغرب الإفريقي ، حبَّره قلم لغوي متمرس باللغة العربية في أبعادها المختلفة ،وباحث احتك بالمنطقة وأبنائها وعلمائها لفترة زمنية طويلة (4)، فخبر ظروفها وتحرَّى أخبارها ، وأسفرت تجربته الإفريقية عن معلومات ومستخلصات أهمها (5) : 
ــ " تعلق الأفارقة بالإسلام دينا وثقافة ونظام حياة ؛وكانت كتب الفقه المالكي زادهم في الارتشاف من ينابيع الدين الإسلامي ؛ 
ــ حرص الأفارقة الشديد على تعلم اللغة العربية وإتقانها نطقا وكتابة ، والتعمق في آدابها وثقافتها ؛ 
ــ تعاطف تلقائي لشعوب الغرب الإفريقي مع المغرب ثقافيا واجتماعيا ودينيا ،" وهذا التعاطف الموروث عبر حقب التاريخ الماضية هو الرصيد الحقيقي الذي ينبغي للمغاربة أن يستثمروه في تنمية علاقاتهم مع كافة دول المنطقة وشعوبها " .
ولا شك في أن احتكاك الأستاذ الودغيري بشعب النيجر أتاح له فرصة التعرف إلى واقع المنطقة الإفريقية التي اتخذت الإسلام دينا واللغة العربية هُـويَّة عند أكثر العلماء والأدباء وعامة أبناء المنطقة 
يؤكد الأستاذ الودغيري أن للمغرب حضورا وازنا في الغرب الإفريقي وتأثيرا ملموسا منذ قرون،رحل إليه علماؤه وزاروا مدنا كثيرة كتوات وتنبكتو وبورنو وكانم ، فالمغاربة قاموا " بدور الوسيط الذي أوصل الرسالة إلى أهل السودان الغربي ، ورعاية الإسلام في تلك الديار بحكم القرب والجوار وحماية ظهره والدفاع عن وجوده ،والعمل على إرساخ جذوره وتثبيت دعائمه وتصحيح مسيرته باستمرار،ولذلك فإن الحضور المغربي وتأثيره القوي كانا متميزين عبر التاريخ "(6) ، فمن العلماء المغاربة الذين رحلوا إلى الغرب الإفريقي الفقيه المغيلي ( ت 909هـ) والبلبالي ( ت940هـ ) وعبد الرحمن سقين ( ت956هـ) وغيرهم ممن كانت لهم أدوار ريادية في نشر الإسلام وإذكاء روح تعاليمه في التلاميذ وعامة الناس ، كما ساهموا بدروسهم في الأوساط المختلفة في تعليم اللغة العربية وتشجيع العلماء والكتاب على التعامل بها كتابة وتداولا . 
كما كان لرحلة علماء الغرب الإفريقي (وهو بلاد السودان كما كان معروفا ) إلى المغرب أثر قوي في تمتين أواصر العلاقة بين البلدين،نذكر منهم الشاعر والمؤلف إبراهيم الكانمي ( ت 609هـ) الذي قام بدور كبير في تمتين أواصر العلاقة بين المغرب وبلاد السودان ،فهو " الشاعر المشهود له بالإجادة " كما يقول ياقوت الحموي(7)، وينوه به الدكتور ابن شريفة في بحث عنوانه (8)" إبراهيم الكانمي أنموذج مبكر للتواصل الثقافي بين المغرب وبلاد السودان" ،فيقول : "كان الكانمي عالما بالأدب شاعرا ،وكان شخصية ثقافية طريفة ، وكانت من الثمرات المبكرة لتسرّب الثقافة العربية المغربية إلى مملكة غانا ومملكة كانم الصغيرة ، شعره جيد يجمع بين مزيتي الطبع والصنعة ويستـند إلى محفوظ شعري غزير ومحصول لغوي كبير"(9) ، وقد ورد ذكره في مصادر عربية ومغربية وكلها تنوّه به وتذكر إعجابه بالمغرب وملوكه ،ومن الوافدين إلى المغرب العالم أحمد بابا التـنبوكتي ( ت1036هـ) الذي تعددت الأقوال حول رحلته إلى المغرب وظروفها وما صاحبها من أحداث، لكن الأهم هو ما أنتج خلال فترة إقامته بالمغرب من مؤلفات وكتابات ،ولعل فيما نوّه به المؤرخ السوداني عبد الرحمن السعدي ( ت1066هـ ) في كتابه " تاريخ السودان" ما يفيد تأثر البلاد بالمغرب وثقافته وحضارته، يقول :"وقد تجـلَّى أثر الحضارة المغربية في السودان في انتشار المذهب المالكي وتشابه الأعراف والعادات حتى إن اللهجة العامية ومنهجيات التعليم في الخلوة ( الكتاب) والمساجد وحفظ المتون ووحدة الاتجاهات الصوفية تكاد تكون واحدة " (10) ، ويأتي السعدي بمسرد لعلماء سودانيين كانوا يتدارسون كتاب الشفا للقاضي عياض مشيرا إلى المؤلفات المغربية في صفحات كثيرة من مؤلفه (11) ،كما يذكر هجرة العديد من علماء السودان إلى مراكش لطلب العلم والاستفادة من علمائها خاصة في العصر السعدي أي أواخر القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر الهجريين "( 12).
إن علماء المغرب لم يتوانوا عن الدفع بعجلة النشاط الثقافي ببلاد السودان ، فقد حلّ بحواضرها جمّ غفير من الأعلام المرموقين ، وأفاد من زادهم العلمي طلبة وعلماء هذه الربوع مثل تنبكتو، ويذكر الشيخ إبراهيم الكتاني( ت 1991هـ) في مقدمة تحقيق كتاب " فتح الشكور" للولاتي " بأنه اهتدى من خلال المخطوط إلى مجموعة من نقط الالتقاء والتأثر بالثقافة المغربية، وإذا رجعنا إلى كتب الدراسة عندهم فإننا نجدها في الأعم الأغلب نفس كتب الدراسة في فاس وتونس وفي القاهرة، منها كتاب الشفا للقاضي عياض ودلائل الخيرات للجزولي،وشرح الحكم العطائية للشيخ زروق الفاسي وغيرها(13) . 
تناول كتاب الأستاذ عبد العلي الودغيري خمسة مباحث : دور المغرب في نشر الإسلام ولغة القرآن في الغرب الإفريقي ، ملامح من التأثير المغربي في الحركة الإصلاحية للشيخ عثمان بن فودي،اللغة العربية في جنوب الصحراء : الماضي والحاضر والمستقبل ،ألفاظ مغربية في عربية السودان الغربي من خلال أربعة نصوص،ألفاظ مغربية أندلسية في كتابات أحمد بابا التنبكتي .
المبحث الأول : دور المغرب في نشر الإسلام ولغة القرآن بالغرب الإفريقي 
الكتاب مسح تاريخي وأدبي لواقع اللغة العربية في الغرب الإفريقي ، وللمغرب منذ البدايات دور في حمل مشعل التنوير إلى المنطقة ، إسلاما ولغة وثقافة،فالكتاب يضم مباحث تفصيلية للمراحل التي ساهمت في انتشار الإسلام واللغة العربية في نفس الآن ، وما كان للعلماء والفقهاء من تأثير قوي في الإشعاع الديني واللغوي ،وسيلّـتُـهم الرحلة إلى السودان أو رحلة علماء السودان إلى المغرب كما جاء في أول العرض، هدفهم تعميق أواصر العلاقـتين الروحية واللغوية بين شمال إفريقيا وجنوبها ،فالبكري يذكر أن " بالمنطقة فقهاء وحملة علم "(14)، أما ابن بطوطة (15) " فإن ما استحسنه من أفعال السودان مواظبتهم للصلوات والتزامهم لها في الجماعات وضربهم أولادهم عليها ...ومنها لباسهم الثياب البيض الحسان يوم الجمعة وعنايتهم بحفظ القرآن العظيم ، وهم يجعلون لأولادهم القيود إذا ظهر في حقهم التقصير في حفظه، فلا تُـفَـكُّ عنهم حتى يحفظوه !"،أما تنبكـتو التي سحرت ألباب التجار من عرب وغيرهم ،فعُرفت بكثرة علمائها ومساجدها ومدارسها ،يقول الحسن الوزان في كتابه"وصف إفريقيا"(16):" وفي تنبكتو عدد كبير من القضاة والفقراء والأئمة، يدفع الملك إليهم جميعا مرتبا حسنا ، ويعظم الأدباء كثيرا ،وتباع أيضا مخطوطات كثيرة تأتي من بلاد البربر،وتُـدِرُّ أرباحا تفوق أرباح سائر البضائع "، وكثيرة هي الأخبار المروية عن الممالك الإسلامية الإفريقية كمملكة السنغاي وكاغو والدولة الفوتية في السينغال والخلافة العثمانية الفودية في نيجيريا وغيرها ،" إذ جعلت هذه الممالك من اللغة العربية اللغة الثقافية والتعليمية والدينية والإدارية ومعاملاتها التجارية ومراسلاتها ومكاتباتها الرسمية ،وأبلت البلاء الحسن في نشرها وتعليمها،وفي ظلها وبتشجيع منها نبغ كبار العلماء والشعراء والأدباء والمؤرخين الذين أغنوا التراث الإسلامي ومكتبته بجليل أعمالهم ومؤلفاتهم التي لم يَـرَ النورَ منها إلا النزرُ القليل جدا " (17) كما يقول المؤلف .
كما كان للدعاة والعلماء دورٌ في الرفع من مستوى تعليم اللغة العربية في غرب إفريقيا أو السودان كما كان معروفا ،منهم كما سبقت الإشارة الإمام محمد بن عبد الكريم المغيلي (ت909هـ) الذي " استقبل بحفاوة بالغة في هذه المناطق وقـرَّبه أمراؤها وملوكها وجعلوا منه مستشارهم الخاص ومرجعهم الفقهي الأعلى وكتب لهم رسائل ووصايا وفتاوى في أمور الحكم والدولة والسياسة الشرعية " ،بل " إن تأثيره كان قويا في ذاكرة الأجيال من أبناء السودان الغربي ونيجيريا على الخصوص "(18)، فامتاح من مؤلفاته الفوديون الثلاثة عثمان بن فودي وابنه محمد بَلُّو وعبد الله شقيق عثمان ، "وظلت أعماله وآثاره المكتوبة والروايات الشفوية المنقولة عنه يحفظها العلماء ويتداولها أهل الصلاح والسياسة ورجال الدعوة إلى أن وصلت إلى مرحلة قيام الحركة التي قادها عثمان بن فودي فاستثمرها أحسن استثمار" ( 19)،وتأكيدا لدور المغيلي في البلاد الإفريقية ألف الشيخ آدم عبد الله الإلوري كتابا عنوانه :" الإمام المغيلي وآثاره في الحكومة الإسلامية في القرون الوسطى في نيجيريا "،كما تحدث الأستاذ شيخو أحمد غلادِثني النيجيري في مؤلفه "حركة اللغة العربية وآدابها في نيجيريا "عن دور الإمام المغيلي في انتشار اللغة العربية والثقافة الإسلامية بالبلاد ،ومن العلماء المغاربة الذين رحلوا إلى بلاد السودان الشيخ مخلوف بن علي البلبالي (ت 940هـ )" الذي دخل بلاد السودان وأقرأ أهلها...ثم رحل إلى تنبكتو ودرَّس هناك "(20)، وعبد الرحمن سقـيـن (ت 956هـ) " الذي قضى بالسودان بضع سنوات متمتعا بحظوة الملك وعلية القوم هناك، استغنى فيها بعد إملاق وتمتع بعد حرمان ،رجع إلى فاس ممتلئ العقل واليدين" (21) ،ويذكر الأستاذ محمد بن شريفة " أن سقين دخل مدينة كانو وغيرها وحدّث هنالك بمحضر ملوكهم ،فعظموه وأجلسوه يحدث على الفرش الرفيعة ووصلوه بالصلات الجزيلة .... ونال عندهم المنزلة الرفيعة " (22) .
ومن الشيوخ الذين أثّـروا كذلك في الحركة العلمية في نيجيريا بمؤلفاتهم الشيخ محمد العبدري الفاسي المعروف بابن الحاج ( ت 737هـ ) ومؤلفه " المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على كثير من البدع المحدثة والعوائد المنتحلة " ، وكذلك الشيخ الحسن اليوسي ( ت 1102هـ) بمؤلفه " المحاضرات " إضافة إلى مؤلفات القاضي عياض ( 542هـ) وكتابه الشفا ، والزقاق ( ت 912هـ) ومنظومته " المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب " والونشريسي ( ت 917هـ) ومؤلفه المعيار ، وغيرهم ممن كانت مؤلفاتهم مصدرا للحركة العلمية في نيجيريا . . 
كما لا يجب أن نغفل ما كان للطرق الصوفية المغربية من تأثير في إفريقيا كالشاذلية والناصرية والتيجانية والقادرية وقد تحدث عن تأثيرها الأستاذ الودغيري فقال:" ولا شك في أن تأثير الطرق الصوفية المغربية في هذه المنطقة ــ أي الغرب الإفريقي ــ تأثير قوي جدا ما يزال فاعلا وحاضرا في كافة الطبقات والشرائح الاجتماعية على اختلافها ، ولا شك في أنها قامت بأدوار وأدّت خدمات جليلة بإسهامها الكبير في نشر الدين والثقافة والتعليم العربيين الإسلاميين من جهة، وبصمود رجالها في وجه الغزو الاستعماري والثقافي في العصر الحديث من جهة أخرى "(23)،وقد تناولت إحدى ندوات معهد الدراسات الإفريقية سنة 2001 موضوع " الطرق الصوفية في إفريقيا " وصدرت أعمالها ضمن منشورات المعهد سنة 2004 . 
المبحث الثاني : وخصَّصه للحديث عن الفوديـيـن الثلاثة 
يذكر الأستاذ الودغيري أن : " أمراء الدولة العثمانية الفوديوية وسلاطينها كانوا قمة في العلم والتبحر في العلوم الدينية واللغوية والأدبية ...وبلغت العربية والثقافة الإسلامية في عهدهم ما لم تبلغه من قبل ،وظهر منهم ومن أصحابهم وتلامذتهم شعراء وكتابٌ كبار ومؤلفون وعلماء متبحرون وبلغاء وفصحاء مجيدون "( 24) ،وفي مقدمة هؤلاء الأمراء الشيخ عثمان بن فودي(ت 1233/ 1817) " الذي استطاع أن يبني أسس دولة دامت مدة قرن كامل، ولم يكن هذا الشيخ في حقيقة أمره إلا رجلا تشبع بثقافة إسلامية واسعة،ومُنِـح الصفات الخلقية والمواهب العقلية والشجاعة في الرأي والصدق في الإيمان والإخلاص في العمل وحسن الموعظة ما هيّأه الله تعالى به ليقوم بدور المصلح الديني المجاهد في سبيل نشر الدين ومقاومة الكفر والوثنية "( 25).
إن الحديث عن الشيخ عثمان بن فودي هو حديث عن غرب إفريقيا ، فقد كان عالما مجددا وامتدادا للحركة العلمية الدينية التي شهدتها البلاد ،وخصه المؤلف الأستاذ الودغيري بمبحث فصَّل فيه الحديث عن عمله من أجل ترسيخ دولة إسلامية تسعى " إلى التنظير للأسس الفكرية والدينية التي قامت عليها الدولة الناشئة " كما أولت دولته عناية بنشر التعليم " (26) ، فازدهرت اللغة العربية ومعها الثقافة الإسلامية ازدهارا لم يسبق له في السودان الغربي إلاَّ مثال واحد ونعني بذلك الازدهار العلمي الذي عرفته مدينة تنبكتو خلال عصرها الذهبي أيام دولتي مالي وسنغاي " (27) ، أما مؤلفاته فقد تحدث عنها الأستاذ الودغيري بشيء من التفصيل في هذا المبحث . 
وانتهج نفس الخط السلطان محمد بلّو بن عثمان فودي ( ت 1253/1837) الذي كان "يـتقن اللغة العربية شغوفا بالعلم مطلعا على مصادر عربية كثيرة، وصاحب مؤلفات في التاريخ والتصوف والجهاد وغيرها، وأشهرها كتابه "إنفاق الميسور" (28)،ومن ثم يظهر أن اللغة العربية كانت اللغة السائدة في جميع الأوساط السودانية إلى أن كان الاستعمار الذي عمل على محاربة اللغة العربية وتعليمها وإغلاق المدارس الدينية والكتاتيب القرآنية مما أضعف الوضع اللغوي بالمنطقة. 
ولعل إعجاب مؤلف "كتاب الفتاش " بأسكيا داوود( ت 991هـ ) سلطان السنغاي،يؤكد ما كان للغة العربية في عصره من تألق، فيقول:" وكان أسكيا داوود سلطانا مهيبا فصيحا خليقا بالرئاسة ، حافظا للقرآن ..وهو أول من اتخذ خزائن المال حتى خزائن الكتب ، وله نساخ ينسخون له كتبا ، وربما يهادي بها العلماء ...إلخ ) ( 29 ). 
أما الحرفيون والتجار وأصحاب القوافل التجارية إلى المناطق الإفريقية وغيرهم من الوافدين من جهات مغربية عديدة كفاس ومراكش فقد اندمجوا في حياة السكان الأهلية وتزوجوا بنساء المنطقة ،محتفظين بلغتهم ولهجتهم ،بل أصبح المغاربة في بعض الأحيان من ذوي السلطة والجاه في البلاد،ومن ثم صارت اللغة العربية هي السائدة في جميع الأوساط ، فهي لغة الدين والتعليم والمعاملات الإدارية والتجارية مع ما يتخلل ذلك من لهجات محلية وغيرها . 
المبحث الثالث: اللغة العربية في منطقة جنوب الصحراء : الماضي والحاضر والمستقبل 
استأنس المؤلف في مباحث الكتاب بنصّ ثمين " حول اللغة العربية ومناهج تعليمها وأسماء الكتب المغربية أو المستعملة قديما في التعليم المغربي وانتقل استعمالها وتأثيرها إلى السودان الغربي "(30)، وهو نص لأحد علماء دولة مالي المعاصرين الشيخ محمد ابن الشيخ سعد الدين العتيق السوقي الدغوغي ،وهو نصٌّ طويل أحكمت فقراته وتراصت أساليبه في الحديث عن طرائق تعلم السوقيين للغة العربية بدءا بقراءة القرآن وحفظه مرورا بالتفقه في النحو من خلال مؤلفات ابن أجروم وألفية ابن مالك وكافيته ثم اللغة العربية والمنطق وعلم الفقه والتفسير وغيرها من العلوم التي تحدث بتفصيل في كتابه "الجوهرالثمين في أخبار صلحاء الملثمين ومن يجاورهم من السوَّادين" (31) ( والكتاب لا يزال مخطوطا، ويقع في ستمائة صفحة من القطع الكبير،حصل الأستاذ الودغيري على نسخة مصورة منه)، فـرغ منه كاتبه سنة 1999،ويظهر أنه من المصادر الثمينة التي أرخت بدقة لتاريخ الإسلام والمسلمين في غرب إفريقا وتحدثت عن دولهم وممالكهم وثقافتهم ... ،وينبه المؤلف إلى أن "علم النحو صار عند بعضهم معيارا على العلوم ، مَنْ أحسنه جعله وسيلة إلى غيره من العلوم حتى يتقنها ، ومن لم يحسنه ترك التعلم رأسا لاستحيائه من اللحن في الكلام الذي يوجبه الجهل بالقواعد النحوية ، واللحن في القراءة عندهم من أقبح القبائح ، وكما قال القائل : (32) 
الـنـحـو زيـــنٌ للـفـتـى يُــكـرمه حيث أتـــى 
مَـنْ لــم يـكـن يُحسـنه فــحـــقّــه أن يــسكـتـا
فإتقان اللغة العربية بقواعدها وأساليبها لا يمكن أن يتم إن لم يسلم لسان المتعلم وقلمه من اللحن ، وكما يقول ابن مالك في أول " كـافيتـه : فالنحو صلاح الألسنـة " (33) .
وللتضلع في اللغة العربية وأساليبها يجتهد التلميذ والطالب في دراسة مختارات من الشعر الجاهلي ومقامات الحريري مستعينا بمعاجم اللغة العربية لما تتضمنه مثل هذه الكتب من الكلمات والمفردات العربية الصعب فهمها في سياقها ودلالاتها.
يحفل هذا النص بأسماء كتب ومصادر في علوم مختلفة على الطالب أن ينظر فيها ويتمعن في موضوعاتها ومنها (33م) :
ــ كتاب السُّـلم المرونق في المنطق: لعبد الرحمن الأخضري (من علماء الجزائر في القرن 10 هــ) ،وهو عبارة عن أرجوزة تقع في مائة وثلاث وأربعين بيتا شعريا ؛ 
ــ الجوهر المكنون أو ألفية المعاني في علم البلاغة لعبد الرحمن الأخضري ؛
ــ مختصر الشيخ خليل ( ت776هـ ) في فقه مالك ( ت179هـ) ،
ــ جمع الجوامع لابن السبكي ( ت 776هـ) في أصول الفقه ، 
ـــ تفسير الجلالين لجلال الدين المحلي (ت864هـ) وجلال الدين السيوطي( ت 911هـ)؛
ــ ألفية الفقيه العراقي (ت 806هـ ) في علوم الحديث المسمى "التبصرة والتذكرة "،
ــ ألفية السيوطي (ت 911هـ) في علم الحديث ،
ــ كتاب الشفا للقاضي عياض ( ت542هـ) ،
ويستعرض هذا المبحث من كتاب " الجوهر الثمين" أصناف العلوم التي كانت متداولة سواء تعلق الأمر بعلم القراءات أو الحساب أو علم التصوف أو علم صناعة الإنشاء وصناعة الخط وغيرها من العلوم التي يعكف على تدارسها أبناء المنطقة على اختلاف مستوياتهم .
لقد عرفت اللغة العربية ازدهارا في عصور سابقة ، تحدثت عن ذلك مؤلفات عديدة سبقت الإشارة إليها كما عنيت بنشر بعضها منظمة الألسكو منها:" مكانة اللغة العربية في لغات إفريقيا وثقافتها ،الحرف العربي واللغات الإفريقية،اللغة العربية في اللغات الإفريقية وغيرها .
أما الاستعمار فكان له دور خطير في محاربة اللغة العربية بمنع استعمالها في المدارس والمرافق الإدارية وغيرها، لكن تباشير الانبعاث بعد أصباح الاستقلال والتخلص من الاستعمار تدعو إلى كثير من التفاؤل حول استرجاع اللغة العربية لمكانتها في البلاد الإفريقية . وبالمناسبة يشير المؤلف إلى دور المنظمات العربية والإسلامية في خلق تعليم إسلامي عربي ، وفتح جامعات تُعنى بالدراسات الإسلامية والعربية وأهمها الجامعة الإسلامية بالنيجر التي أنشئت سنة 1986 تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي ( منظمة المؤتمر الإسلامي سابقا) ، وهي تؤتي أكلها بتكوين طلبة أفارقة في اللغة العربية والدراسات الإسلامية ، كما أن البعثات الطلابية الإفريقية إلى المغرب لمتابعة الدراسة والتكوين لها حظوظ في انتشار اللغة العربية وتداولها . 
وإذا كان واقع اللغة العربية اليوم بالغرب الإفريقي جنوب الصحراء يدعو إلى الاطمئنان ،فلابد لخدمتها وتطويرها من خلال : 
ــ دعم مادي كبير منتظم ومتواصل ؛
ــ إصلاح تربوي شامل بمراجعة المناهج والمقررات الدراسية في كل دولة . 
المبحث الرابع : ألفاظ مغربية في عربية السودان الغربي 
يتناول هذا المبحث ألفاظا وتعابير مغربية تضمنتها أربعة كتب لعلماء المنطقة (34)،وهي من " أقدم المصادر التي وصلت إلينا عن تاريخ المنطقة ... كما أن لها أهمية لغوية تتجلى في الاطلاع على صور وملامح من التأثير الذي مارسته عربية المغرب خلال القرنين الحادي والثاني عشر الهجريين ...وما جاء في هذه النصوص الأربعة وجرت به أقلام كتابها من استعمالات لغوية مغربية كان رائجا ومستعملا بالفعل في البيئة السودانية " (35) ،أما المؤلفات فهي : 
تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس:"المنسوب للشيخ محمود كعت التنبوكتي( ت1002هـ)،وإن كان قد اشترك في تأليفه آخرون كما حصل لكتاب "المغرب في حلى المغرب لابن سعيد" ( ت 685هـ) ، أرّخ محمود كعت في هذا الكتاب لأيام السلطان أسكيا الحاج محمد من ستة 925هـ إلى غاية سنة 1007هـ ،أي بعد وفاته، مما يؤكد أن للمؤلَّف أكثـرَ من كاتب ؛ 
تاريخ السودان : للشيخ عبد الرحمن السعدي (ت 1065هـ) ويتناول في مؤلفه الأحداث التاريخية ابتداء من دولة السنغاي إلى وفاة السلطان محمد الشيخ السعدي ،كما يتحدث عن هجرة العديد من علماء السودان إلى مراكش لطلب العلم والاستفادة من علماء المغرب خاصة في العصر السعدي / أواخر القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشرالهجريين ؛ 
تذكرة النسيان في أخبار ملوك السودان لمؤلف مجهول ( ت1164هـ)، وهو تأريخ لفترة امتدَّتْ أزيد من قرن ونصف لحكام السودان الغربي ؛
وفيات قاسم بن سليمان ( كان حيا سنة 1215هـ) ، وهو مسرد لوفيات أعيان السودان الغربي مع أهم الأحداث التاريخية خلال نصف قرن من ( 1160 إلى 1215هـ ) .
من خلال قراءة هذه المصادر نستفيد ما للهجة المغربية في العصرين السعدي والعلوي من حضور في البيئة الإفريقية على الرغم من أن أصحابها لم يقوموا بزيارة المغرب، وجميعهم من مدينة تنبكتو، أي أنهم تعلموا اللغة العربية ببلادهم ، ويعزو الأستاذ الودغيري استعمال اللغة العربية في المنطقة إلى أفراد جيش السلطان أحمد المنصور السعدي الذي استقر أغلبه بالمنطقة فتزوجوا وأنجبوا واحتفظوا بلغتهم ،كما كان للحرفيين والتجار ممن وفدوا إلى تنبكتو واستقروا بها دور في انتشار كلمات وعبارات مغربية في أوساط العامة مما ساعد على ترسيخها في أوساطهم بتلقائية . 
كما أورد المؤلف الأستاذ الودغيري مسردا لهذه الألفاظ المغربية المستعملة في بلاد السودان الغربي من خلال الكتب الأربعة المنوه بها،مرتبة ترتيبا أبجديا من الألف إلى الياء،وسماه " قاموس الألفاظ المغربية الذي تجاوز مائتين وخمسين كلمة وتعبيرا"(36) ، وشغل ثلاثة وخمسين صفحة ،(من 139 إلى 192)، من هذه الألفاظ :كلمة باشا ،باطل، براح، تبنْدَق ( انحنى انحناءة كبيرة،وهي علامة الطاعة )،تسبيح بمعنى سبحة ،تسلطن، تغافر ،تفارق ، خابية ، داسر، دلال ،رحبة ، زربية، زغاريت، تسلطن،شريفات ،طالب، طيفور ، إلخ . 
ويظهر أن المؤلف بذل جهدا كبيرا في استخراج هذه الألفاظ من مصادرها مع إشارات توثيقية لأماكن وجودها في كل كتاب، إنه عمل يستحق التقدير لما فيه من سياحة علمية منتجة ومفيدة ، فهو يتقصى المفردة في المصدر بصياغتها ودلالتها واستعمالها ثم يذكر صفحتها . 
ويؤكد المؤلف أن أهمية هذه الكتب الأربعة تكمن في "التأريخ لتطور اللغة العربية في كل مساراتها الزمانية والمكانية"(37).وتثمينا لاستنتاجه يقول:"أما الشيء الذي يؤكد أن كل ما جاء في النصوص الأربعة وجرت به أقلام كتابها من استعمالات لغوية مغربية كان رائجا ومستعملا بالفعل في البيئة السودانية ،فهو أن جميع مؤلفي هذه الرباعية كانوا من أبناء مدينة تنبكتو الحاضرة الكبرى لدولة السنغائ ومقر كرسي الحاكم المغربي من بعد ذلك ، فيها عاشوا وتعلموا وأقاموا وتقلبت بهم ظروف الحياة ، ولم يغادروها إلا لما جاورها وأحاط بها من المدن والقرى والمناطق القريبة ، وما ثبت أن أحدا منهم كانت له رحلة أو زيارة إلى المغرب الأقصى أو إقامة في بلد من البلاد المغاربية الأخرى حتى يمكن أن يكون هناك احتمال تأثرهم بعربية المغرب ولهجاته خارج البيئة الإفريقية الأصلية "(38). 
المبحث الخامس : ألفاظ مغرية أندلسية في كتابات أحمد بابا التنبكتي 
وهو آخر مبحث في هذا الكتاب(39)، يذكر المؤلف أن الشيخ أحمد بابا التنبكتي استقى مفرداته العربية من مصادر مغربية وأندلسية بحكم إقامته في مراكش واستفادته من الخزانة المغربية آنذاك،وأورد مسردا للألفاظ المغربية الأندلسية في كتابيه " نيل الابتهاج بتطريز الديباج وكفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الديباج "،منبها إلى أن أحمد بابا استقى الألفاظ المغربية الأندلسية من مصادرها لا من ثمرة إقامته بالمغرب، على الرغم من إقامته الطويلة به ( 40) ، ولعل السبب يرجع إلى أن مؤلفات أحمد بابا لا تعتمد على الروايات الشفوية، إضافة إلى أن مستوى الشيخ أحمد بابا العلمي ـ بل هو رأس طبقات العلماء ـ يفوق مستوى المؤلفين الأربعة الذين ليسوا من علية المثقفين والعلماء المتمكنين من اللغة العربية الفصحى .
لقد اتكأ الشيخ أحمد بابا في مؤلفيه على كتب مغربية وأندلسية منها : التشوف إلى رجال التصوف للتادلي (ت 627هـ ) والصلة لابن بشكوال ( ت 578هـ) والذيل والتكملة لابن عبد الملك المراكشي ( ت 703هـ ) ورحلة ابن بطوطة ( ت 779هـ) ومؤلفات ابن الخطيب ( ت 776هـ) ورحلة ابن خلدون (ت 808هـ )وغيرها من المؤلفات التي استفاد منها واستخلص منها بعض ترجماته ، وقد استقصاها الأستاذ الودغيري بدقة ووضع لها قائمة حسب الترتيب الأبجدي ، أذكر منها : كلمة تقضَّى أي ولي القضاء ،رياض: بيت مغربي أندلسي تقليدي في وسطه أغراس ونافورة ،الشروط : العقود ،وغيرها من المفردات العربية المتداولة ... كتاب مفيد وممتع يسحق القراءة .... 
ولا شك في أن العلاقات العلمية واللغوية والاقتصادية منابر أساسية في تمتين أواصر التواصل بين المغرب وأشقائه في غرب إفريقيا ،وما نلمسه مؤخرا في السنوات الأخيرة من حرص على تمتينها سواء من خلال رحلات جلالة الملك محمد السادس إلى الدول الإفريقية أو رحلات رؤساء هذه الدول إلى المغرب يعتبر خطوات إيجابية لبناء إفريقيا واعدة وناهضة وقوية قادرة على صيانة وحدتها وتأسيس مشروع حضاري مغربي إفريقي يروم تنمية ثقافية ولغوية وروحية واقتصادية وغيرها .
ولعلي في ختام هذا العرض أقتنص كلمة للأستاذ عبد العلي الودغيري في رثاء صديقه الشاعر الغيني محمد الأمين جابي منوها بالمثقفين الأفارقة في قوله :" لم يكن الأستاذ الأمين جابي في حقيقة الأمر إلا نموذجا لامعا من أولئك المثقفين الأفارقة الذين ما زالوا قابضين بأكفهم على جمرة اللغة العربية وآدابها ، معيدين لجِـذوتها وتوهجها واشتعالها على الرغم من كل ما عمله الاحتلال الأجنبي لأجل إطفائها وإخمادها " (40م). 
& & & &
وفي إطار النهوض باللغة العربية في الغرب الإفريقي نثمّن مبادرة منظمة التعاون الإسلامي بإنشاء الجامعة الإسلامية بالنيجر منذ سنوات ( 1986) فـساهمت في تكسير الفجوة بين الأفارقة واللغة العربية بتكوين أفواج من الطلبة في اللغة العربية وبتأسيس كليات ومدارس جامعية منها كلية اللغة العربية والدراسات الأدبية وكلية الشريعة والإسلامية والمعهد العالي للتربية وتكوين الأساتذة حرصا على استعادة ما كان للغة العربية من حضور في هذه البلاد وإحياءً لماض مشرق أصابه ضعف وضمور بعد أن عمل المستعمر على محاربة اللغة العربية وتأسيس كيان استعماري تعليما وإدارة واقتصادا، كما أن في إنشاء معهد الدراسات الإفريقية بالرباط (1990) دورا كبيرا في تطوير علاقاته بالجامعات الإفريقية وخاصة جامعة تنبكتو والمركز النيجيري للبحوث العربية وغيرهما من المؤسسات العلمية الإفريقية ،مما يدعو إلى الاعتزاز بمثل هذه الجهود سواء في إطار المحاضرات والندوات أو البحوث والدراسات أوغيرها .
أما بالنسبة للمغرب فإن جهوده متواصلة في إطار التعاون والأخوة والصداقة مع الدول الإفريقية منها : 
ـــ إنشاء معهد الدراسات الإفريقية التابع لجامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1987 ، وتفعيل أنشطته انطلاقا من سنة 1990 ، وهو " مؤسسة تعنى بدراسة التراث المشترك بين المغرب وباقي الدول الإفريقية ، وكذا بالبحث في مختلف مظاهر الحضارات واللغات واللهجات الإفريقية " ، من كلمة تعريفية بالمعهد في دليل خاص بأنشطته ، وقد تمت الإشارة في أول العرض إلى أنشطة المعهد المختلفة من خلال ندواته ومحاضراته وأبحاثه الدقيقة حول العلاقات المغربية الإفريقية ، وحرصه على نشرها . 
ـــ انفتاح الجامعة المغربية بمختلف تخصصاتها على دول غرب إفريقيا بتكوين أفواج من الطلبة الأفارقة في العلوم القانونية والشرعية والطبية والأدبية يؤكد عمق الأواصر التاريخية ولحمة التعاون بين المغرب وأصدقائه في إفريقيا لتحقيق أهداف مشتركة تـتغـيَّى ترسيخ الهوية الدينية الإسلامية والاعتزاز باللغة العربية كلغة علم وحضارة وإدارة ، ويمكن اعتبار هؤلاء الطلاب سفراء نجباء لاستعادة إفريقيا وهجها اللغوي والحضاري ، وتذكر السيدة جميلة المصلي الوزيرة المنتدبة لدى وزير التعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر أن " الطلبة الأفارقة يشكلون بمختلف المؤسسات الجامعية الوطنية نسبة 80 % من الطلبة الأجانب، 90 % منهم حاصلون على منح دراسية من المغرب في إطار اتفاقيات التعاون الموقعة بين المغرب وبعض الدول الإفريقية ، و20% يمارسون تكوينهم بأسلاك الماستر والدكتوراه... إن المغرب وهو يسخر طاقات هائلة من خلال الوكالة المغربية للتعاون الدولي ومختلف المؤسسات الجامعية الوطنية جعل التكوين مرتكزا أساسيا لبرامج التعاون التي تربطه بالدول الإفريقية ...فالمغرب أول دولة في إفريقيا تستقطب أكبر عدد من الطلبة الأفارقة بعد جنوب إفريقيا" (41) . 
ـــ مشاركة علماء أفارقة في الدروس الحسنية الرمضانية بلغة عربية سليمة وموضوعات دينية قيمة تتناول الجانب الروحي في أبعاده ورؤاه والعلاقات الثقافية والتاريخية بين المنطقتين ، ومثل هذه المشاركات مؤشر واضح على العلاقات المتميزة بين المغرب وإفريقيا منذ العصر المرابطي إلى اليوم . 
ـــ كما يشكل إنشاء معهد تكوين الأئمة الأفارقة بالرباط / المغرب سنة2013 مرحلة هامة في تمتين أواصر العلاقات المغربية الإفريقية باعتبار التكوين الروحي ثوابت مشتركة بين المغرب وإفريقيا وامتدادا طبيعيا لروح الأخوة والتعاون بين المنطقتين . 
ـــ تدشين نشاط أكاديمية المملكة المغربية سنة2015 بعقد ندوة دولية موضوعها "إفريقيا كأفق للتفكير "وذلك في دجنبر 2015 ، هدفها كما يقول أمين سر الأكاديمية الأستاذ عبد الجليل الحجمري :" التفكير في إفريقيا بطريقة مغايرة من خلال مفكريها ونخبها ،وأن تفكر إفريقيا في نفسها بنفسها... فالندوة مناسبة لتقديم رؤية مغايرة عن إفريقيا ، وإنتاج تفكير مغاير عن القارة .. فعلى إفريقيا أن تفكر في نفسها بنفسها وتصنع وتنتج أفكارها الخاصة حول قضاياها وحولها ، ...وتتوخى الندوة أن تكون منتدى فكريا للتعبير عن انشغالات الشعوب الإفريقية وتحليل رؤاها لذاتها واستشراف مستقبلها " .(42) 
ــ إنشاء المجلس الأعلى لمؤسسة علماء إفريقيا بالمغرب وتنصيب أعضائه يوم الثلاثاء 8 رمضان 1437هـ / 14 يونيو 2016 بمدينة فاس. 
ــ كما تجب الإشارة إلى العديد من الدراسات والأبحاث التي اهتمت بالتراث الإفريقي وبالعلاقات المغربية الإفريقية منذ الثمانينات ،وصدرت في مقالات كثيرة بمجلة دعوة الحق وبمجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط أو بمجلة أكاديمية المملكة المغربية وغيرها.
ـــ إسهام الرسائل الجامعية المغربية في البحث في عمق العلاقات المغربية الإفريقية منها: 
ـ العلاقات التحررية بين المغرب والسودان في العصر المريني للباحثة مارية كريمي ؛
الدين والسلطة في إفريقيا الغربية للأستاذ خالد شكراوي ؛ 
ـ الذاكرة الإفريقية في أفق التدوين إلى غاية القرن 18م ( نموذج بلاد السودان ) للأستاذ أحمد الشكري ؛
ـ إفريقيا الغربية من خلال الصحافة الحزبية في المغرب إبان الفترة الاستعمارية للباحث أحمد المقدم ، وغيرها من الرسائل والأطاريح الجامعية . 
وأخيرا لابد من التنويه بجهود العلامة الباحث محمد بن عبد الهادي المنوني الذي فصَّل القول في علاقة المغرب بإفريقيا في مقال نشره بمجلة دعوة الحق عدد 269،أبريل / مايو1988،وأعيد نشره في كتابه "قبس من عطاء المخطوط العربي "، الجزء الثاني ، ص 1046 منشورات دار الغرب الإسلامي 1999 ،عنوانه " التكامل الثقافي بين المغرب وإفريقيا في العصر الحديث من خلال المصادر العربية في تاريخ إفريقيا "، وأعتقد بأن هذا المقال لبنة أساسية في إلقاء المزيد من الأضواء على هذه العلاقات وتطورها ،ومن ثمّ أقترح اعتماده بوابة لأعمال هذه الندوة العلمية المتميزة عند نشرها مستقبلا . 
هوامش :
1 ) ديباجة رسالة المشاركة في الندوة ؛
2) انظر دليل منشورات معهد الدراسات الإفريقية بالرباط،
3) مقتطفات من قصيدة نشرت بالأنترنيت في صفحة الشاعر على الفيسبوك بتاريخ 19 يونيو2016 ، وقد وافت المنية الشاعر يوم الأربعاء 22 شوال 1437/ 27 يوليوز 2016 ؛
4) عُيِّنَ الأستاذ الودغيري رئيسا للجامعة الإسلامية بالنيجر التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي ( منظمة التعاون الإسلامي ) من 1995 إلى غاية 2006 ؛
5) اللغة العربية للأستاذ الودغيري صص 7،8،9 ،10؛
6 ) اللغة العربية ص 18 ؛ 
7) معجم البلدان ، مادة كانم؛
8) منشورات معهد الدراسات الإفريقية بالرباط ، 1991 ؛ 
9) إبراهيم الكانمي ص 13، 32؛
10) تاريخ السودان للشيخ عبد الرحمن السعدي ،/ نشر هوداس ، باريس1898 / ص 13 ؛ 
11) نفسه ، صص 29،36،39 وغيرها ؛ 
12 ) نفسه صص 212، 214؛
13 ) فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور لمحمد بن أبي بكر البرتلي الولاتي، تحقيق الأستاذ إبراهيم الكتاني ومحمد حجي ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت 1981، ص 10 ؛
14) نقلا عن كتاب الودغيري ص 99 ؛
15 ) رحلة ابن بطوطة ، تحقيق د. عبد الهادي التازي، منشورات أكاديمية المملكة المغربية 1997 ، ج4/ 265 ؛
16 ) تحقيق محمد الأخضر ومحمد حجي ،منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر ، ط2 / 1983 ، ج2/ 167 ؛
17) اللغة العربية للودغيري ص 100 ؛ 
18) نفسه ص 78 ؛
19) نفسه ص 82 ؛
20) نيل الابتهاج بتطريز الديباج للشيخ أحمد بابا التنبكتي ،عناية وتقديم د. عبد الله الهرامة ،منشورات دار الكاتب ،طرابلس ، ليبيا 2000 / ص 608 ؛
21 ) الحركة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين للأستاذ محمد حجي ، منشورات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر 1976/ ج2/ 349 ، فهرس المنجور، تحقيق الأستاذ محمد حجي ، دار المغرب ، الرباط 1396هـ ، ص 33 ؛
22) من أعلام التواصل بين بلاد المغرب وبلاد السودان للأستاذ محمد بن شريفة ،منشورات معهد الدراسات الإفريقية 1999 / ص 155 ؛ 
23) اللغة العربية ص 20؛
24) نفسه ص 38؛
25، 26 ، 27 ) نفسه صص 65، 67 ؛
28) إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور لمحمد بلو بن عثمان فودي ،تحقيق الأستاذة بهيجة الشاذلي ، منشورات معهد الدراسات الإفريقية ،الرباط 1996 / صص 15، 16، 17 ؛
29 ) تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس للشيخ محمود كعت التنبكتي، تحقيق عبد الرؤوف أحمد ميغا والشيخ محمد الماحي سيسا ،وسعد أحمد طراوري والشيخ التيجاني البخاري ،منشورات معهد أحمد بابا للدراسات العليا والبحوث الإسلامية ، تنبكتو 2014 ، ص 151،152؛ 
30 ) اللغة العربية للودغيري ص 45 ؛
31 ) نفسه ص 44 ؛
32، 33) نفسه ص 46 ؛
34 ) نفسه ص 131 ؛
35) نفسه ص 133، 134 ؛
36 ) نفسه ص 138؛
37،38 ) نفسه ص 134 ؛
39 ) نفسه ص 195 ؛
40) نفسه ص 196 ؛
40 م) مقتطف من الأنترنيت ،صفحة الشاعر الأستاذ جابي ؛
41) من كلمة السيدة المصلي يوم الأحد 24 مايو 2015 ، خلال افتتاح "اليوم العالمي لإفريقيا بالمغرب" الذي نظمته المؤسسة الدبلوماسية ومجموعة السفراء الأفارقة بشراكة مع وزارة الشؤون الخارجية والتعاون . المصدر : منبر الأنترنيت في موضوع : تكوين رصين للأطر والأئمة الأفارقة بالمغرب ؛
42 ) ما سجلته من كلمته الافتتاحية للندوة أثناء حضوري الندوة بالأكاديمية .

الرباط ، الإثنين 24 ذي الحجة 14
الموافق 26 شتنبر 2016م




عبدالرحيم

ذكر عدد الرسائل : 352
العمر : 38
تاريخ التسجيل : 05/08/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى