صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

الأستاذ الشاعر محمد بن الراضي : ولكنْ مَنْ كثيِّرُ عَزَّتيْن ؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الأستاذ الشاعر محمد بن الراضي : ولكنْ مَنْ كثيِّرُ عَزَّتيْن ؟

مُساهمة من طرف عبدالله في الثلاثاء 29 نوفمبر 2016 - 15:49


.. وهـذا الشعرُ أعرفه.
أرتبني لأعرجَ إلى ما يُداني عقدين تصرما أو يعرجان إليَّ.
كانَ الزمانُ يكتبُ الذي لستُ أعلمه, وكانَ المكانُ يشربُ الفتى المُكبَّ على سفر لا ينتهي في جغرافية الإعلام المغربي الصادر في عهد الحماية, وكنتُ أسلبُ التاريخَ دهشته لأسكنها باحثا في الثقافة المغربية عنْ تجلياتها النصية, وعن أسئلةٍ ما كنتُ أعرفها حتى أزعمَ أنني كنتُ طارحها. كنتُ أبحثُ عني.

كانَ المجالُ سلويا انتهيتُ إليه مغامرًا لا أعْرفُ عنه إلا ما استلمته رواية شفهية, وإلا ما استرقَّ انتباهي والآخرون يشيرون إلى علم من الأعلام, ويُشيدون, إنْ سدادًا وإنْ عنادًا, بالاقتدار الفكري, والاعتبارالإبداعي, إشادة رأيتُ, بعد السبْر النصيّ, أنَّ بها اطرادًا تقريظيا ينزاحُ عنْ سلا ليشمل أدبا مغربيا برمته.
كنتُ, في ذلكَ المجال أترقبُ الحياة الأدبية في سلا لأصاحبَها وأقاربَها وفق سمتٍ أكاديمي. 
لعلي, يومئذٍ, كنتُ عاطفا على نص مغربي لمْ تأخذنا الجامعة إليه, بدرس نظاميٍّ, في رباعية الإجازة, ولعلي أخِذتُ بالسلسال النصي أكثر من انصباب تـقصٍّ ثـمَّ تقصصِّ ما صدرعنْ أدباء حاضرة سلا منْ كتاباتٍ يُمكنُ اعتبارها نماذجَ مصغرة للنتاج الثقافي المغربي دونما توهم تميز يندُّ بها عن النسيج العام.

ذاك السلسال النصي وهذا الانشغال المتقصي كانا حافزين أو لعلهما تجاورا حتى تآصرا حافزًا مشتركا نجمَ عنه ما تصدرَ, آنفـًا, منْ أنَّ هذا الشعـرأعرفه.
أعتقدها مجلة " رسالة المغرب ", وأزعمُ أنني قرأتُ بها غير قليل من شعر مغربي لما يُغترفْ منه, بعدُ, متنٌ نصيٌّ للمجالسة العالمة, وبها قرأتُ نصا مختلفا, منْ حيثُ بلاغته الرقراقة, ومنْ حيثُ لغته الأسيلة الدفاقة, ثـمَّ منْ حيثُ التذويتُ المتأنق السامقُ بالحدث إلى إبداعيةٍ غير مأنوسة في المعهود من الشعر حينئذٍ.
لعله كانَ نصا يتأبط ألفته في اختلافه, ويتأبطني ذاكرًا له, منذ يفاعتي, باعتباره مذاعا بين الناس, وذا سيرورةٍ تماهى, عندها, الحـرف والوتر, وتناهى الطيف إلى القمر, ومنْ حيثُ يرقى اختلافه من ألفته.
منْ ثمة ابتهجتُ به متـلقيا منتبها إلى التوقيع الذي ذيله, وكانَ لشاعر يُدعىَ محمد بن الراضي, وكانَ عنوانه: " يا صاحب الصولة والصولجان "؛ القصيدة التي سمعـتها ذات غضارة عمر, ولكنْ ماعرفتُ لها صاحبا. تلكَ التي وثبتْ, منثالة جذلا, منْ ذاكرتي إليَّ, وصاحبي يُـقدمني في" هرهورة ٍ" جراريةٍ, ويقولُ لي: الأستاذ محمد بـن الراضي الشاعر. قلتُ: " يا صاحب الصولة والصولجان ". قالوا: ولها أخيّـاتٌ أخر ذاتُ نفاسةٍ وغرر.
هُو شاعرٌ, وما كانَ يُمكنُ أنْ يكون إلا شاعرًا.
للشاعر أبَّهة مائية ليستْ هِـبة لغيره, وله أهْبة رائية ما تهادتْ إلى سواه.

ومحمد بن الراضي 
قصيدة تقالُ 
إذا تسافرُ, عن الكلام, الحروفُ.

ومحمد بن الراضي واقفٌ, الآن, في صبيحة مراكشية يُنشدُ سينية رائقة في التكريم الذي أقامته كلية اللغة العربية لأستاذنا د. عباس الجراري, وكانتْ صبيحة سبتيـة لأربع عشرة خلون من نونـبر سنة اثنتين وتسعين وتسعمائة وألف, ومن جنباتِ المدرج تشرئب أعناقٌ ليتعانقَ السمع والبصرُ لذاذة تلق للقصيدة التي رفتْ إلى المشرئبين, بلثغة طافتْ بالآذان جداولَ من بيان.
ومحمد بن الراضي نادفٌ, بعدُ, شمسَ المعاني, معربًا مغربًا, ومسجمًا معجما, لتكونَ قلائدَ منْ عبق ومنْ ألق, ولنكون المسافرين المسامرين المندل الوضيءَ, وقد طربَ المغنى وانطرب, وصبا المعنى وانسكب, وليكونَ شاعرًا ثـمَّ مقاماتيـًا ناثرًا إذا عبر الوزن بقي, في جُبته, ما يعبرُ إليه شاعرًا باللغتين: عربية وفرنسية.
ومحمد بن الراضي قاطفٌ جنى الجنتين تراثا واستحداثا, منْ مختلفِ الفنون والمعارف ومؤتلفها, فلقدْ يسرتْ له أنفته العصامية أنْ يأخذ سعة المشاركة من تلك المداومة التمثلية للفكرين العربي والغربي, ومنْ تلك المساءلة التأملية للآثارالفنية المتسللة منهما, ومنْ هذه المسافة التأولية التي تصل الذات بالنص إنشاءً وانتشاءً.
ومحمد بن الراضي شاعر الذات, في بعديْها الرؤيوي والوجودي, وشاعرٌ لا يقولُ الشعرَ ولكنه ينقالُ شعرًا, ولعلَّ المُنقالين, من المغاربة, نزرٌ يسيرٌ, وأيسرُ منه الذاهبون, بالشعر, إلى الشعر؛ وهذا منعرجٌ آخر لبحثٍ عن شعرية الذات في القصيدة المغربية على امتداد تاريخها.
ثمَّ إنه شاعرٌ, في تفاعله مع الحدث, ينأى عنه إذا يدنو به, ليتلفعَ الذاتَ, أفقا تحويليا يعدلُ عن المقال إلى السؤال عن المقال, وعن بُـلغةِ الكلام إلى لغةٍ للكلام.
قالَ محمد بن الراضي جوابـًا عنْ دعابةٍ مقاميةٍ كنتُ أنشأتها بعنوان: " مقامة الاغتباط بذكـر ما جرى بين سلا والرباط " قصيدة اختارَ لها أنْ تكونَ:
سلافُ النهْر ورضابُ الثغـر

هـفـا قلـبـي لكلـتـا العُـدوتـيـن
كـمـزواج يـحـبُّ الزوجـتـيـن

يـهـيـمُ بـهــذه وبـتـلـك بـهــرًا
عـلـى أمــل التمـتـع باثنـتـيـن

إذا مــا رام وصلهـمـا بـفـكـر
وهـبَّ إلـى اقتـعـاد الربوتـيـن

تـألـقَ فـكــره نـظـمًـا ونـثــرًا
بـألـمـاس يــزيــنُ الحلـيـتـيـن

إذا مــا سـائــلٌ نـــاداه يـومًــا
وراوغَ مـــــرة أو مــرَّتــيــن

لمعرفة التـي التفضيـل نالـتْ
فضـولا منـه بيـن الضرتـيـن

أجابَ:أنا أحـبُّ سـلا وأهـوى
رباطَ الفتح " كلتـا الجنتيـن "

بهاؤهما الذي مـا انفـكَّ ينمـو
" ترقرقَ" في سناء الوجنتين

هـمــا كالمقلـتـيـن لــكــلِّ راء
وهــلْ راء بغـيـر المقلـتـيـن؟

أيـا صحْبـي, حنانيكـمْ, فإنِّـي
بـــلا مـيْــن كـثـيـرُ عَـزتـيــن

أحبُّهما, وأكتبُ عـنْ غرامـي
قصـائـدَ بالنـضـار وباللجـيـن

فيحفظهـا أبـو رقـراق شــدوًا
ويـرويـهـا لأهْـــل الضفـتـيـن

ولقدْ كنتُ ساجلتُ القصيدة الراضية, بُعيدَ إلقائها, بأبياتٍ توخيتُ لها عنوانا: 
ولكنْ منْ كثيِّرُ عزَّتين ؟

ســـلامٌ أمْ حــديــثُ النخـلـتـيـن
أم الـرقـراقُ داعــبَ وجنـتـيـن

أم الأشـــواقُ كاسـتـهـا دهـــاقٌ
أم الإشــراقُ طــيّ قصيـدتـيـن

أم العشـاقُ مـنْ ثـغـر القـوافـي
جـمـيــلٌ أمْ كـثــيــرُ عَـزتــيــن

أم الشـعـراءُ مــاءُ مطـارحـاتٍ
مـراوحُــه رحـــابُ العـدوتـيـن

أم الـنــادي وروضـتــه نــــداءٌ
لـكــلِّ ملـيـحـةٍ مـــنْ واحـتـيـن

وللـصّـبـواتِ مُـطــرحٌ شـــذيٌّ
ومنـه الشـعـرُ خــاط عباءتـيـن

وعنده موكـبُ الكلمـاتِ بعـضٌ
مـن البعـض المسافـر ربوتيـن

أم الكلمـاتُ قافـيـة ابــن راض
وتــأويــلٌ يُـعـابــثُ لـوعـتـيــن

أتانـي مـنْ حديـثِ الشعـر وردٌ
تبـسَّـمَ فــي خــدودِ الجـارتـيـن

ومنْ صلـواتِ نرجسِـه قصيـدٌ
تنـهَّـدَ فـــي عـيــون الغـادتـيـن

ومـنْ غـزل أتـانـي مــا أتـانـي
وشــاعــرُه مُــحــبٌّ لاثـنـتـيــن

كـأنـي بـالـزمـان رأى عـجـابًـا
ولـيـلـتــه اشــرأبـــتْ لـيـلـتـيـن

وقدْعبثَ الهـوى وأنـاخ ركـبٌ
رحـيــلا ثـــمَّ هَـــمَّ بهـجـرتـيـن

وبـيـنَ الهجرتـيـن عبـيـرُ نــاي
يُسـلـسـلـه عــبـــورُ الـجـنـتـيـن

بـرقــراق ومـــا الــرقــراقُ إلا
سـمـيـرٌ أو سـفـيــرُ العـذبـتـيـن

ومــا الـرقـراقُ إلا حـلـمُ مـــاءٍ
إذا عـبـثَ الـهـوى بقصيـدتـيـن

ومـا عقـدُ القوافـي غـيـرُ مــاءٍ
يـــرفُّ جـنـاحــه بالمـوجـتـيـن

فأيـن الموجتـان؟ وأيـنَ رفٌّ ؟
ومـنْ أيــنَ الـحـدودُ لدارتـيـن؟

وكيـفَ مسـافـة تـدنـو ؟ وأنــىَّ
لـعــزة أنْ تـصـيَّــرَ عَـزتـيــن؟

وهـلْ وهـمَ الـرواة بمـا تـنـادوا
ومـنْ عجـبٍ أجـازوا كِلمتيـن؟

فهـلْ كانـتْ سـلا وربـاط فتـح
سـوى ســرِّ الشـمـوخ لعِزتـيـن

وللـتـاريـخ عـنـدهـمـا خــيــولٌ
سنابكهـا أصــولُ الحضرتـيـن

وللـشـعـراء حولـهـمـا عــيــونٌ
مقـاطـعُـهـا فــتــونُ مقـامـتـيـن

وللعـلـمـاء صوبَـهـمـا حـديــثٌ
إذا يُــروى شـجـونُ محبـتـيـن؟

ولـي الـرقـراقُ أبـقـى قافـيـاتٍ
هـي الرقـراقُ بـيـنَ قصيدتـيـن

مسـاء الــورد ياجمـعًـا كريـمًـا
نـوائـلــه فــيــوضُ الـراحـتـيـن

مساء الشعر يا "عبـثَ الوليـد"
و" مُعجـزَ أحمـدٍ " بخريدتـيـن

و" مِرسي" إنَّ شعركَ عامريٌّ
ولـكـنْ: مَــنْ كثـيـرُ عَزتـيـن ؟

كتبتُ القصيدة في متم يوليوز من سنة ست وتسعين وتسعمائة وألف, وحالتْ شؤونٌ دونَ تداولها, وقدْ كنتُ أنسيتها حتى أخبرتُ أنَّ جمعية " رباط الفتح " أزمعتْ تنظيمَ ندوة تكريمية للوطني المناضل والكاتب الشاعر الأستاذ محمد بن الراضي؛ وما ذكرتها إلا حين التقائي به,
ومبادرتي السلام عليه قائلا: " مرحبًا بالشاعر الكبير" فأجابني: ".. أينا الشاعر؟ ". وكانَ, منْ قبلُ, قالَ لي لما أهديته ديوانَ " وماء العراق يشربه القصف " :
يا صديقي حاولتُ تقريظ شعر
شيدَ بالدرِّ والنضار المزخرفْ

نمَّ عنْ مُرهف الشعـور, ونبـع
كلـمـا هـــمَّ بالـتـدفـق رفـــرفْ

فتوقفتُ, مُكرهًا, خـوفَ لمـس
لسناه , وأنـتَ بالشعْـر أعـرفْ

و.. ما عرفتُ لماذا لم أردَّ على الفائية التي قـيَّدني بها الشاعر الكبير الذي لما يُختبرْ شعره الراقي بعدُ .. ألغيابي أمْ لاحتجابه أمْ لكون الشعر يُصرِّفنا منطقه إلى مناطقَ لا نحتملُ لها تأويلا ؟ 
لكنَّ الشعرَ يُدركني اختتامَ تحيةٍ وتَجلةٍ لشاعر ليسَ له أنْ يكونَ إلا شاعرًا :
أنتَ أم شِعرُك النديُّ المهفهفْ
أمْ عيونٌ من الوضاءة تقطـفْ

أمْ إشـاراتٌ, والبساتـيـنُ كــرمٌ
ظامئٌ, تشردُ امِّحاءً وترشـفْ

أمْ رؤى شاعـر تــرفُّ سـنـاءً
كأسُه؟ ماعرفتُ. إنكَ أعـرفْ 
********
انظر ترجمة للفقيد الكبير الشاعر محمد بن الراضي في 
- " النادي الجراري بالرباط لمؤسسه العلامة عبد الله الجراري " للدكتور محمد احميدة. ص 450. مطبعة الأمنية . الرباط 2004. ط 1
- " الوطني الشاعر محمد ابن الراضي: صوفية النضال وسمو الإبداع " إعداد وتنسيق الدكتور مصطفى الجوهري. منشورات جمعية رباط الفتح. مطبعة بني يزناسن. سلا 2006, ط 1.

مصطفى الشليح

عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 1675
العمر : 46
تاريخ التسجيل : 26/06/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى