صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

هَلْ قَدِمْتَ إلى سلا يا أنتَ ؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

هَلْ قَدِمْتَ إلى سلا يا أنتَ ؟

مُساهمة من طرف عبدالله في الخميس 15 ديسمبر 2016 - 21:27

هَلْ قَدِمْتَ إلى سلا يا أنتَ ؟ إذا قَدِمْتَ، مَرَّةً، فَلأنَّكَ راءٍ أنَّ أمامَ البَحرِ سُورًا تحوَّطَتْ به منَ الآخَر، ولأنَّكَ شَاهدٌ أنَّ، مِنْ جِهَةِ الرَّقراقِ، سورًا ثانيًا مُستَحدَثًا يَفصِلُ بَينَ الذَّهابِ إلى الرَّقراقِ والمَقبرةِ.
لألعَبْ قليلا. الرَّاءُ والقَافُ صَوتيتَان مُشتَركَتان. الرِّقُّ والقُرُّ والقَرُّ: رِقُّ الحالي بيَدِ الخالي، وقُرُّ الرَّاهِن في حَضرةِ السَّاكِن، وقَرُّ المأوى خَارجًا. صَوتيتان في التَّوقير أيضًا. أعْرفُ أنَّني أتأوَّلُ، ولكِنْ مَنْ قَالَ إنَّ الأدبَ كلَّهُ جِدٌّ ؟ تملَّكَتِ المحافَظةُ قَصيدَةَ سلا بما أفقَدتها هُويَّةَ الانتِسَابِ إلى الشِّعرِ. تملكَتْها مَعانيَ ومَبانيَ يَلتَقِطُها العَابِرُ العَادي كَأنها جَاحِظيَّة الطَّريق.
تلكَ المحافَظةُ مَهرَتِ الشَّخْصيَةَ المَغربيَّةَ بعامَّةٍ في العُقودِ الأولى منَ القَرنِ العِشرين، ولَعلَّها امتِدَادٌ لذِهنيَةٍ مُشبَعةٍ بالمُؤسَّسَةِ إذا لمْ تكنْ "مخزَنِيَّةً " فهيَ دينيةٌ ترى انخراطَها في زَاويةٍ منَ الزَّوايَا انضبَاطًا سُلوكيًا، وتَرى أنَّ مَا يفدُ إليها مِنْ مُدرَكَاتٍ ومُستَدْركَاتٍ كَفيلٌ بتَهيئَةِ حُسنِ مآبٍ إلى الدَّار الأخرَى.
أذكرُ التَّركيبَ النَّقدِيَّ القَويَّ لمحمَّد الأخضَر في "الحياةِ الأدبيَّة في المغربِ على عَهدِ الدَّولةِ العَلويَّةِ": ".. وبَعدَ أنْ يَتلقَّى الأديبُ المغربيُّ ثَقافةً مَبنيَّةً في أسَاسِها على مَبادئ الإيمان، يَتَخرَّجُ فَقيهًا يَصطبغُ إنتاجُه حَتىَّ الأدبيّ بالصِّبغةِ الدِّينيةِ. فلقدْ كَانتْ هذه الثَّقافَةُ تَتحَكَّمُ في الثَّقافَاتِ الأخرَى مهمَا كَانَ نوعُها حَتىَّ إنَّ مَنْ أرادَ أنْ يُصبحَ أديبًا كَانَ عَليه أنْ يَصيرَ أولا فقيهًا، بينمَا لمْ يَكُنْ يُشتَرطُ في الفَقيهِ أنْ يَكُونَ أديبًا. لذلكَ فَإنَّ أكثرَ الأدَباءِ الذين نَعتَزمُ دِراسَتَهمْ هُنا هُمْ فقَهاءُ في نفس الوقتِ، تجدُ الواحدَ منهمْ عِندما يُؤلفُ كتابًا أدبيًّا صرفًا يَلتَمِسُ الأسْبابَ ليَجعَلَ البَاعِثَ على التَّأليفِ دينيًا."
ذَلكَ الأديبُ كَانتْ سُكنَاه سلا، وكَانَ المغربُ، برمَّتِه، سُكنى له، فأنىَّ له تملُّصٌ من التمَاس الأسْبابِ على مِنوال المقَامِيين في اختتَام مَقامَاتهم، وعَلى طِراز الشُّعَراءِ واقفِين، في محفلِ المُناسَبةِ الدِّينيةِ، يَقولون مَا قَدْ يَكُونُ شِعرًا ومَا قَدْ يَكُونُ غيرَ ذلكَ.
قَصيدَةُ سلا لمْ تجرُؤ أنْ تَتوضَّأ بماءِ الرَّقراقِ. آثرَتِ التَّيَمُّمَ، صَعيدًا طيِّبًا بمنجَاةٍ مِنْ ضَوءٍ يَقودُ إلى الغَرقِ خَارجَ المكانِ الطِّينيِّ، خَارجَ سورٍ يَقي منَ الغُزاةِ ولَعلَّه الوَاقي مِنْ بدعَةِ المُستحدَثِ. فيمَ إشارةٌ إلى المُستحدَثِ؟ لمْ يكنْ سَاكنُو قَصيدَةٍ مَغربيَّةٍ في سلا يخرجُون إلى البَريَّةِ يَنشُدون كَلامًا شِعريًّا إذا بلغَتِ الحُبسةُ الحُلقومَ وأدركَ القَائلَ منهمْ منَ الإبلاسِ ما أدرَكَه كَما فعلَ الفَرزدقُ حينَ طلبَ بيتًا فأرتجَ عليه فَسارَ إلى جَبلٍ حَتىَّ إذا بلغَه اتَّكَأ على بَعيره فانثالتِ القَوافي عليه انثيالا.
هذا الجَبلُ الرَّائيُّ ليسَ سورًا، ولَكِنَّه مَوسومٌ بـ "التَّعالي الأرضيِّ" كَما طابَ لأدونيس أنْ يقولَ. للجَبلِ رَمزيةٌ في التُّراثِ الثَّقافيِّ العَربيِّ إنْ دينيًّا أو أدبيًّا. يَطيبُ لي أنْ أجْعلَه جبلا رائيًّا كلَّما اتَّسعَ كَلامٌ لي عنْ زَمنٍ غَائمٍ يُؤطِّرُ أوْ يُؤسطِرُ مَا قَبْلَ القَصِيدَةِ، وذَلكَ مَوضوعٌ ثانٍ. لمْ يكنْ شَاعرُ سلا يَودُّ خُروجًا عنْ أيِّ شَيءٍ. سَافرَ عبدُ الرَّحمن حجِّي إلى لندن وقالَ رَائيةً فيها ومَا تهيَّأ له أن يَتنكَّبَ مَسارًا تَقليديًّا. سارَ جَعفر النَّاصري إلى باريس وأنشَأ نونيةً بَسيطيةً كَأنما هيَ وقوفٌ على طللٍ جَاهليٍّ. أقامَ أحمدُ الصبيحي في فيشي فأتى بتائيةٍ طويليةٍ تقليديةٍ أنكرَها عليه التأمُّلُ الحاذقُ للشِّعر.
كَانوا هناكَ يَتلبَّسُهم هنا روحًا وتعبيرًا. لمْ يخرجُوا لأنَّ الشَّاعرَ المَغربيَّ كَانَ رهينَ محابسَ ثَلاثةٍ: المُؤسَّسةِ والمجتمَع ونِظامِ الكَلام. قال أبو العَلاءِ ما لا يُتركُ إذا هوَ رهينُ محبسَين، وما قالَ الشَّاعرُ المغربيُّ لأنَّ حُرِّيتَه، في الكِتَابةِ، كَانتْ شبهَ رَحيلٍ في الغِيابِ عن الذَّاتِ، في حين ذوَّتَ المعرِّي كُلَّ شيءٍ شعرًا وشَرحًا ورسَالتيْ غُفرانٍ وصَاهلٍ وشَاحج. يحضُرني، الآنَ، عبدُ الفتَّاح كيليطو وكتابُه: "أبو العَلاءِ المعرِّي أوْ مَتاهاتُ القول".
هَلْ كَانَ خُروجُ الشَّاعرِ المَغربيِّ إلى الدَّاخلِ ؟ طبعًا لا يُمكنُ أنْ يَكونَ جَوانيًّا، بلغةِ المتَصوِّفةِ، حَيثُ إصَاخةُ السَّمع إلى دَبيبِ النَّمل في دَمِ الكِتابَةِ، ولكِنْ إلى داخِل السُّور حَيثُ الأزقَّةُ الضيِّقةُ والدُّورُ التَّقليديَّةُ. أليستْ هَندسَةُ المعمَار طَريقةً في التَّفكير ؟


د.مصطفى الشليح
avatar
عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 1727
العمر : 46
تاريخ التسجيل : 26/06/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى