صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

يوسـُف عليه السلام

اذهب الى الأسفل

يوسـُف عليه السلام

مُساهمة من طرف ندى في الأحد 6 يناير 2008 - 19:55

يوسـُف عليه السلام

الطيور المخيفة

قال تعالى:{ ودخل معه السجن فتيان, قال أحدهما اني أراني أعصر خمرا, وقال الآخر اني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه, نبئنا بتأويله, انا نراك من المحسنين}

1.في البدء كلمة

الأنبياء عباد الله, خصّهم ربّهم بمكانة عظيمة, ومنزلة رفيعة, فزيّن لهم فعل الخيرات, لأنهم كانوا من عباده المخلصين, وجعل الله لكل نبي معجزة أو معجزات لا تكون لبشر غيرهم, ومنهم يوسف عليه السلام الذي أصابه اضطهاد اخوانه وأشقائه فحاولوا التخلص منه, ولمن الله كان له خير حافظ والله أرحم الراحمين.

وقد اختص الله عز وجل يوسف بالرؤيا الصادقة التي تحدثت عن أحداث كثيرة قبل وقوعها, فكانت رؤياه وحلمه وهو نائم معجزة,وكان تفسيره للأحلام معجزة كبيرة تدل على ما اختصه ربه به من معجزات عظيمة ما زلنا نسمعها وتصيبنا بالدهشة فنسبح بحمد الله القادر على كل شيء لأنه سبحانه عز وجل ليس كمثله شيء.

2.يوسف في السجن

منذ أن خرج يوسف من البئر ومضى مع بعض الناس الذين باعوه لوزير من وزراء مصر اسمه العزيزو منذ هذا اليوم ويوسف يعيش عيشة هانئة راضية يحبه أهل هذا البيت, فهو في دار العزيز أحد وجهاء مصر وامرأته "زليخة" بنت أخت الملك الريان بن الوليد ملك مصر.

نشأ يوسف نشأة عظيمة وأصبح شابا جميلا, بديع الجمال والبهاء مما جعل النساء ينظرن الى جماله وبهائه, وكان ممن نظر اليه زليخة امرأة العزيز, وحاولت أن تجعله خائنا لسيّده العزيز ولكن يوسف نبي من سلالة الأنبياء, عصمه ربه وحماه من الفاحشة, ومن مكر النساء, فهو سيّد النجباء, والسبعة الأتقياء الذين قال عنهم الرسول محمد خاتم الأنبياء:

"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الاه ظله:
امام عادل
ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عينينه
ورجل قلبه معلق بالمساجد اذا خرج منه حتى يعود اليه
ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه
ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقته يمينه
وشاب نشأ في عبادة الله
ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال اي أخاف الله.
رواه البخاري في صحيحه10\36\660, ومسلم والترمذي والنسائي ومالك وأحمد.

لما كان يوسف أحد هؤلاء السبعة الذين تحدث عنهم رسول الله فقد رفض خيانة سيده العزيز, وعصى أمر زوجته "زليخة" وقال لها منكرا ما تريد:{ معاذ الله انه ربي} يقصد زوجها صاحب المنزل, ثم استكمل يوسف حديثه فقال: انه أحسن الي وأكرم مقامي عنده وفي فعلي هذا الذي تدعينني له ظلم,{ انه ربي أحسن مثواي لنه لا يفلح الظالمون}.

حاولت امرأة العزيز أن تجعل من يوسف الطاهر الطيّب, فاحشا خائنا ولكنها فشلت, وخرج يوسف من دارها هاربا مسرعا, ولما عاد صاحب الدار وهو زوجها اشتكت له مرّ الشكوى ووصفت يوسف بأنه خائن فاحش, زورا وبهتانا, واتهمته بالباطل, ولكن الرجل لم يصدق هذا الاتهام وحقق مع يوسف, وثبتت براءته, ولكنها لم توقف كيدها ليوسف عليه السلام, وخاصة أن نساء المدينة تحدثوا عنها وعن يوسف فأصابها غيظ شديد, وخاصة أنهن نساء الأمراء والكبراء, فقد طعنوا فيها وعابوا عليها, وشنعوا بها.

علمت بمكرهن وسمعت به, فأرادت أن تثبت لهن عذرها وأنهن لو شاهدن يوسف وما عليه من جمال لفعلوا مثل ما فعلت, ففكرت في حيلة تثبت من خلالها صدق ما فعلت, كي يعذرها النسوة, لأنها متأكدة من أن ما عليه هذا النبي الكريم يجعل الفتنة في قلوب النساء, فأرسلت لهن دعوة للغداء جامعة في منزلها, وأعدّت لهن مجلسا مريحا جميلا, وضيافة رائعة, وأحضرت من جملة ما أحضرت من الطعام وأدواته سكاكين يقطعن بها فاكهة وطعاما, وآتت كل واحدة منهم سكينا, وهيأت يوسف عليه السلام وألبسته أحسن الثياب, وكان في ريعان شبابه مليئا بكل تقاسيم الجمال, وأمرته ان يخرج عليهن وهو بكامل زينته وجماله فخرج عليهن وهو بدر في جماله, وروعة في ثيابه وشبابه.

فلما رأته النساء وهن في مجلس زليخا أعظمنه وأجللنه, وأخذتهن الهيبة والدهشة من فرط جماله وحسنه, وجعلت النسوة يقطعن أيديهن بالسكاكين ولا يشعرن بالجراح الاتي أصابتهن من يوسف وقد وصف القرآن الكريم هذا المشهد فجاءت الآيات تقول:
{فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاشى له ما هذا بشر ان هذا الا ملك كريم}.

وقالت زليخا للنساء:{ فذلكن الذي لمتنني فيه} فعذرت النساء زليخا التي مدحت يوسف ووصفته بالطهارة والعفة, ولكن يوسف لم يستمع الى حديثهن ودعوتهن له الى طاعة سيدته, وقد هددته زليخا بادخاله السجن ان لم يكن لها من الطائعين, وقالت:{ لئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين}.

استجار يوسف بربه ودعاه دعاء خالصا, بأن يخلصه من بين أيدي النساء, وقال في هذا الدعاء:{ قال رب السجن أحب الي مما يدعونني اليه والا تصرف عني كيدهن أصب اليهن وأكن من الجاهلين}. يوسف 33.

قال مناجيا ربه: يا رب ان تركتني لنفسي, فليس لي من نفسي الا العجز والضعف, ولا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا الا ما شاء الله, فأنا ضعيف الا ما قويتني وعطمتني وحفظتني بحولك وقوتك.

عند ذلك استجاب الله عز وجل لدعاء نبيه يوسف عليه السلام فقد فضل السجن على المعصية, معصية الله عز وجل, ولقد اعتبر يوسف عليه السلام أن السجن رحمة من اله عز وجل, وطريق يسلكه الى الطاعة ويعصم نفسه بدخول السجن من المعصية.

ودخل يوسف السجن رغم ثبوت براءته عند العزيز, الا أن العزيز وامرأته بدا لهم من الرأي أن دخول يوسف السجن ولو لوقت قصير يقلل من كلام الناس حولهم, وحكي أن يوسف عليه السلام لما دعا ربه قائلا:{ السجن أحب الي} أوحى الله اليه:" يا يوسف! أنت حبست نفسك حيث قلت السجن أحب اليّ, ولو قلت العافية أحب اليّ لعوفيت. القرطبي ج9 الآيتان 33-34 ص 121 .

اقتاد الناس يوسف الى السجن مظلوما, فحمل مقيدا على ظهر حمار, وطيف به وقد قال بعضهم: "هذا جزاء من يعصي سيدته" أما يوسف فكان يقول: هذا السجن أيسر وأهون من مقطعات النيران, وسرابيل القطران, وشراب الحميم في جهنم, والأكل من شجرة الزقوم في جهنم والعياذ بالله, فلما وصل يوسف السجن وجد قوما قد انقطع رجاؤهم, واشتد بلاؤهم, فيومهم عمل شاق, ومذلة وتعذيب فقدوا من خلاله كرامتهم وعزتهم, واكتوت ظهورهم بسياط السجانين وظلمهم, واختلط فيهم المظلوم بالظالم والجاني بالبريء.

رأى يوسف حالتهم هذه, فتقدم اليهم وقال لهم: اصبروا وأبشروا تؤجروا, فقالوا له: يا فتى! ما أحسن حديثك! لقد بورك لنا في جوارك, من أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف ابن صفي الله وحبيبه يعقوب, ابن نبي الله اسحاق, ابن خليل الله ابلااهيم عليه السلام.

أصبح يوسف في السجن وقد رأى الناس على حال يرثى لها فمنهم الحزين ومنهم المريض والجريح, فكان يعزي فيه الحزين, فلا يتركه حتى يذهب عنه الحزن والبأس, وكان يعود المريض, فيخفف عنه آلامه, ويداوي الجريح حتى يشفى من جراحه, وكان يوسف عليه السلام يصلي الليل كله قائما خاشعا لله عز وجل الذي أنعم عليه ونجاه من فتنة النساء.

وكان يقف بين يدي ربه باكيا حتى تبكي معه جدر البيوت وسقفها والأبواب من شدة خشوعه وخوفه من الله عز وجل, حتى طهر به السجن, واستأنس به أهل السجن, فكان اذا خرج الرجل من السجن رجع حتى يجلس في السجن مع يوسف!
avatar
ندى

انثى عدد الرسائل : 596
العمر : 28
Localisation : اسفي
Emploi : مستخدمة في القطاع الخاص
تاريخ التسجيل : 16/10/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: يوسـُف عليه السلام

مُساهمة من طرف ندى في الأحد 6 يناير 2008 - 19:56

وقد نشأت علاقة ود شديدة وحب صادق بين يوسف وقائد السجن وصاحبه فوسّع عليه فيه, وأكمل له سبل الراحة, وقال له ذات يوم:

يا يوسف! لقد أحببتك حبا لم أحب شيئا مثل حبك!!

قال يوسف: أعوذ بالله من حبك.

قال قائد السجن: ولم تقول ذلك يا يوسف؟ وظن الرجل أن يوسف يرفض منه هذا الشعور الطيّب والود الخالص ولكن يوسف استدرك قائلا:" أحبني أبي ففعل بي اخوتي ما فعلوه".

يقصد أن اخوته ثارت غيرتهم عليه لما أحبه أبوه واستدرجوه الى البئر وألقوه فيه, وقالوا لأبيهم ان يوسف أكله الذئب وتبع ذلك بيعه للعزيز بعد اخراجه من البئر.

ثم قال يوسف: وأحبتني سيدتي فنزل بي ما ترى.

تبسّم صاحب السجن ولكن حديث يوسف عليه السلام لم ينقص الود بينهما فكانا يلتقيان دوما ويسمران, وأصبحت شخصية يوسف دواء يشفي جراح المساجين, ويهون كروبهم وهمومهم, فاذا أصبح أهل السجن بحثوا عن يوسف ليستبشروا به, وشاوروه في آمالهم وأحلامهم, وحكّموه في خصامهم, وقبلوا حكمه بروح طيبة ونفس عالية, وأصبح السجن ليوسف ومن معه روضة جميلة, واسعة اتساع الحرية, هنيئة هناء الطاعة وتاعبادة, وانصرفت مشيئة الله الا يكون سجن يوسف سجنا با رحمة وحرية الى الطاعة, وذلك أرحم من سجن المعصية, فالذنب الذي يرتكبه الانسان يسجنه طوال عمره فيه أما الحرية فهي في عفة النفس اللسان واحترامها, فليست الجدران وحدها هي السجن, وانما السجن هو سجن النفس المذنبة الذليلة.

3.صاحبي السجن

قال تعالى: { ودخلمعه السجن فتيان}يوسف 36.

ظل يوسف في حبسه وسجنه راضي النفس قانعا بقضاء الله والذي هو خير له, ولما طالت أيام السجن أصبح ليوسف صحبة ةأصحاب, ومن أصحابه الذين كانوا يلازمونه فتيان أحدهما اسمه "مجلب" والآخر " نبوا" كان يوسف يودهما كما يود أصحابه في السجن ويحبهما كما يحب أهل السجن جميعا مما زاد في التصقهما به, ودوام مجالسته والتحدث اليه في كل أمر يخطر ببالهما. لم يكن يعلم يوسف سبب سجنهما, ومع دورة الأيام والزمن علم السبب فقد كان الملك الوليد بن الريان ملك مصر طويل العمر والملك, وأمضى زمنا طويلا في ملكه ما جعل الناس يملون ملكه فكادوا له, وبدأ الكيد من جماعة من مصر فأرادوا المكر بالملك واغتياله فدسوا الى هذين الغلامين وأرسلوا لهما من يفاوضهما في الأمر, فقد كان "مجلب" صاحب الطعام وخباز الملك وطباخه الذي يقدم له الطعام كل يوم ويطعمه, أما "نبوا" فقد كان ساقيه يقدم له الئراب بأنواعه, ولا يأمن الوليد لغيرهما في تقديم الطعام والشراب له سواء أكان وحيدا أو مع حاشيته وضيوفه. جاءهما جماعة من مصر وعرضوا عليهما مالا كثيرا وبساتين ومزارع جميلة اذا هما دسا السم في طعام الوليد, وضمنا لهما السلامة من أي خطر قد يتعرضان له, طالت المفاوضات, وبعدها وافق "مجلب" سريعا وتردد "نبوا" كثيرا, وفي النهاية وافقا على طلب هؤلاء الناس وحصلا على بعض المال منهم.

جاء موعد غداء الملك في اليوم التالي, فدس مجلب السم في الطعام وعمل بما اتفق عليه مع المصريين الماعارضين للملك الواليد بن الريان والراغبين في اغتياله ليخلو لهم حكم مصر, أما نبوا فقد حفظ عشرة سيده ورغب ألا يخون الأمانة, فلم يضع سما في شراب الملك.

حمل كل منهما ما يخصه من الطعام والشراب فتقدم مجلب بمائدة طعام الملك وحمل نبوا أواني الشرب ودخل على مليكه, وامتدت يد الواليد بن الريان للطعام فصرخ نبوا قائلا:" لا تأكل يا مولاي ففي الطعام سم وضعه مجلب"!! تراجع الملك ورفع يده فورا عن الطعام بعد أن امسك به, ونظر الى مجلب في دهشة, وتنقل بصره بين مجلب ونبوا, وقال موجها حديثه لنبوا وقد وقف مجلب يرتعد من شدة الخوف, قال: ما تقول يا نبوا؟!

قال نبوا: أقول يا مولاي ان الطعام الذي أمامك مسموم فقد دس مجلب السم فيه.

فقال الملك: وأنت ماذا فعلت يا بنوا؟ أوضعت السم في الشراب؟

فقال نبوا: حاشا لله يا مولاي, فأنت ولي نعمتي, ومليكي الذي أرتع في قصوره, وأسعد بجواره, وأكرّم نفسي من أمواله, هل يعقل أن أخون كل هذا يا مولاي؟

فقال الملك وهو ينظر الى مجلب نظرة قاسية:

اذن.. تناول الشراب واشربه يا نبوا!!

شرب نبوا كأس الملك وأتبعه بكأس آخر, ووقف هادئا سليما لم يصبه شيء من الأذى لأن الشراب كان خاليا من السم وطازجا.

اعتدل الملك في جلسته, ونادى محجب كي يقترب منه قليلا, وقال له: كل من هذا الطعام يا مجلب.

قال مجلب وهو يرتعش وقد تصبب عرقا: لا أستطيع أيها الملك لا أستطيع, اعفني من هذه المهمة.

صرخ الملك في مجلب قائلا:

أيها الخائن, أنت تعرف أن الطعام مسموم, أتخاف من الموت الآن, وقد أردت أ، تقتلني, قل لي من وضع السم في هذا الطعام؟

تأتأ مجلب وارتبك وقال في تردد وخوف: لا..لا أدري.

نادى الملك جميع حراسه, وقال: اقبضوا على هؤلاء وأحضروا لي حيوانا أو دابة تأكل من هذا الطعام.

أحضر الحراس حصانا كبير السن وجعلوه يأكل من الخبز المسموم والطعام. فجاؤوا به, ولما أكل صهل بصوت عال صهلة وسقط على الأرض ميتا, عندئذ تأكد الملك من صدق نبوا وقبض على مجلب ومعه نبوا وأجريت معهما التحقيقات التي أدانتهما ادانة شديدة, مجلب وضع الطعام مسموما أمام الملك ولم يحفظ الأمانة التي ائتمنه عليها الملك وهي حياته, فمن يأمن لانسان أن يقدم له طعامه, فانه يأمنه على حياته وعمره, ونبول لتهم أيضا بأنه كان على علم بالمؤامرة وتأخر في الابلاغ عنها حتى اللحظات الأخيرة.

وسيق الاثنان الى السجن ليقضيا عقوبة رادعة, بعد أن نجيا من حكم الاعدام, وهناك في السجن أصبحا مع يوسف عليه السلام في كل مكان يجلس فيه صباحا ومساءا.

وذات يوم جلس الفتيان الى جوار يوسف وقد أهمهما أمر وشغلهما, وساد فيهم صمت لوقت قصير قطعه نبوا بقوله:

ما علمك الذي تعلمه يا يوسف؟

فقال يوسف: اني أعبّر الرؤيا وأفسرها تفسيرا كاملا بأمر الله.

عاد الجميع الى صمتهم الأول ونظر يوسف في وجه نبوا ومجلب فوجدهما مكروبين مهمومين, كأن بهما كربا أو أصابتهما صائبة أو مصيبة, عندئذ بادرهما يوسف عليه السلام بقوله: ما لي أراكما مكروبين؟ القرطبي ج 9 ص 36-38.

قالا: انا رأينا في المنام ما كرهنا أن نراه.

قال يوسف: وما هو؟ قصا عليّ ما رأيتما.

تردد الفتيان لحظة في الحديث ثم استهل مجلب الخباز حديثه قائلا:

أتنبئنا يا يوسف بتأويل وتفسير ما رأينا؟

قال يوسف: نعم لقد قلت لكما أنني أسطيع أن أنبئكما به ان شاء الله تعالى..

قال مجلب على الفور:

رأيت كأنني اختبزت وصنعت خبزا في ثلاثة تنانير أو ثلاثة أفران لصناعة الخبز وجعلت الخبز في ثلاث سلال, فوضعته على رأسي فجاء الطير تأكل منه.
avatar
ندى

انثى عدد الرسائل : 596
العمر : 28
Localisation : اسفي
Emploi : مستخدمة في القطاع الخاص
تاريخ التسجيل : 16/10/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: يوسـُف عليه السلام

مُساهمة من طرف ندى في الأحد 6 يناير 2008 - 19:57

وقال نبوا ليوسف:

رأيت كأني أخذت ثلاثة عناقيد من عنب أبيض, فعصرتهن في ثلاث أوان, ثم صفيته فسقيت الملك كعادتي فيما مضى, صمت يوسف قليلا وقد اشرأبت أعناق صاحبيه ينتظران على شوق تفسير حلميهما العجيبين, ثم تغيّر لونه لما عرفه من تفسير الرؤيا, عندئذ أعاد نبوا رؤياه بصيغة أخرى فقال ليوسف: أيها العالم رأيت كأني في بستان فاذا أنا أقف تحت كرمة عنب عليه ثلاث عناقيد فجنيتها, وكان كأس الملك بيدي فعصرتها وسقيت الملك شربة. عرائس المجالس للثعلبي ص 108.

نظر اليه يوسف عليه السلام, عرف أنه يستعجل التفسير, ونظر باشفاق الى مجلب الذي لم يشأ ا، يكرر سرد رؤياه عليه مثل ما فعل نبوا.

كره يوسف عليه السلام أن يعبر ويفسر لهما ما سألاه عن الرؤيا لما علم في ذلك من المكروه الذي سيقع على أحدهما وهو مجلب, فقد كان تفسير رؤياه مشقة عليه لا يبشر بخير, لهذا السبب أعرض يوسف عليه السلام وامتنع عن تفسير الرؤيا وبدأ يتحدث في أمر آخر فيه اعراض عن الخوض في تفسير الرؤيا, وفيه دعوة لاسلام أهل السجن وهو كفار.

رتب يوسف عليه السلام أفكاره, وجعل همه الأول هو الدعوة لله عز وجل لأن ما عنده من علم هو من الله عز وجل لا يستطيع أن يدعي أو أن يقول ان ما عندي من تفسير للرؤيا هو من علمي الذي جاء من أفكاري, وليجعل في قلوب هؤلاء الأصحاب الذين يعيشون معه في السجن شيئا من الايمان والتقوى, تستقيم معه شروط صدق الرؤيا, فايمان الانسان وصدقه يجعل رؤياه صادقة, فلن تجد رؤيا صادقة لانسان كاذب أو عاص لله عز وجل, الرؤيا الصادقة نعمة من الله, والمعصية تحرم الانسان من هذه النعمة, فالمعاصي تزيل النعم وتقضي عليها, والطاعات تجلب الخير والبشر والسعادة للناس جميعا, لهذ اتجه يوسف اتجاها مغايرا في حديثه قبل أن يفسر الرؤيا.

بيّن يوسف لصاحبي السجن أن الله خصه بعلم عظيم, ومن هذا العلم قال يوسف:{ لا يأتيكما طعام ترزقانه الا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما}.

يعني لا يجيئكما غدا طعام من منزلكما الا أخبرتكما به الآن قبل أن يأتي.

فقالا له: هذا من فعل العرّافين والكهنة.

فقال يوسف: ما أنا بكاهن, وانما ذلك مما علمنيه ربي, اني لا أخبركما به تكهنا وتنجيما, بل هو بوحي من الله عز وجل. تفسير القرطبي ج9 ص 127.

وبيّن لهم يوسف عليه السلام دينه ومذهبه, وقال لهما: اني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت دين وملة آبائي ابراهيم واسحاق ويعقوب وكلهم أنبياء مؤمنون موحدون لله عز وجل وما ينبغي لي ولا لآبائي أن نشرك بالله من شيء, وهذا الايمان فضل من الله علينا أن عصمنا من الشرّ كله, وزيّن لنا فعل الخيرات للناس, ومن فضل الله علينا أن جعلنا أنبياء صالحين, وفضله سبحانه عز وجل على الناس وهم عباده الصالحين, ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله على ما أتاهم من نعمة وفضل تحيط بهم ولا يشعرون بها.

استمع الفتيان لحديث يوسف عليه السلام وقد تشوّقا لتأويل الرؤيا, ولكن يوسف لم ينه دعوته ورسالته لهما بعد بل مضى يقول:

{ يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} بأي صفة تحبون أن يكون لكم رب تعبدونه؟ أتحبون أن تعبدوا آلهة متفرقة في العدد والسن؟ انها اصنام تلك التي تعبدونها لا تضر ولا تنفع, أهذه الأصنام خير لكم أم الله الواحد القهار الذي قهر كل شيء, ان الآلهة المتفرقة تتفرّق في الارادة, ولو كانوا كذلك لعلا اله على اله, ولتصارعت كل واحدة مع الأخرى.

ان ما تعبدونه من أصنام يا صاحبي السجن من دون الله عز وجل ليست من الأوهية في شيء, وما هي الا أسماء سميتموها أنتم, لانها جماد لا يتكلم ولا يعقل.

تحدث يوسف عن الايمان والعقيدة والربوبية والطاعة فهذه رسالته في الدنيا شأنه شأن أي نبي, يدعو الناس لعبادة الله الواحد القهار, ويدعوهم للتوحيد والطاعة, والايمان بأن الربوبية لله, ولا يعبد الناس الا الله من خلال هذا الدين القيّم.

4. تفسير الرؤيا

قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام:{ يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا, وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه, قضي الأمر الذي فيه تستفتيان}. يوسف 41.

بعد أن دعاهما دعوة الايمان, وبيّن لهما فطنته ودرايته, وميز لهما بين تلك الأصنام التي لا تنفع ولا تضر, وبين الله الواحد القهار الذي لا اله سواه ولا شريك له في الملك, وهو على كل شيء قدير. بعد كل هذا بدأ يوسف عليه السلام في تفسير الرؤيا فقال موجها حديثه للساقي: انك ترد الى عملك الذي كنت فيه وهو سقاية الملك بعد ثلاثة أيام.

وقال للآخر: أما أنت فتدعى بعد ثلاثة أيام فتصلب فتأكل الطير من رأسك.

نظر مجلب ونبوا في يوسف وتفحصا بعضهما بعضا من المفاجأة.

وارتعد نبوا خوفا وقال: والله ما رأيت شيئا وان هذه الرؤيا كذبنا بها عليك لنعرف مدى فراستك في تفسير الأحلام.

وقال الثاني: ما رأينا شيئا انما كنا نلعب ونجرّب عملك هذا.

فقال يوسف عليه السلام في حزم شديد.

{ قضي الأمر الذي فيه تستفتيان}.

أي انتهى الأمر ولا جدال مرّة أخرى.

وقال يوسف في سلام لنبوا وهو الساقي الذي ظن أنه سينجو من الموت ويعود الى حالته الأولى مع الملك الوليد بن الريان, فيدخل قصره ويكون ساقيه مرة أخرى, قال له يوسف:

{ اذكرني عند ربك} أي تحدث عني عند سيدك, واذكر له ما رأيته من حالي, وما أنا عليه من تفسير الرؤيا, وأخبره أني محبوس بلا ذنب, وقد كان لهذا الطلب من يوسف عتاب شديد اذ استعان وهو في محنته ببشر ولم يستعن بالله عز وجل. وقد ذكر العلماء أن يوسف ظل في السجن بضع سنين وجاء ذلك في الآية الكريمة:

{ فلبث في السجن بضع سنين}.

وذكر المفسرون أن جبريل عليه السلام, دخل على يوسف عليه السلام في السجن, فعرفه يوسف, فقال جبريل: يا أخا المنذرين! ما لي أراك من الخاطئين؟! وقال جبريل أيضا: يا طاهر ابن الطاهرين! يقرئك السلام رب العالمين ويقول: أما استحييت اذ استغثت بالآدميين؟! وعزتي وجلالي! لألبثنك في السجن بضع سنين.

فقال يوسف: يا جبريل أهو عني راض؟

قال جبريل: نعم!

فقال يوسف: لا أبالي الساعة. تفسير القرطبي الجزء الاتسع ص 128.

وروي أن جبريل عليه السلام جاءه فعاتبه عن الله تعالى في ذلك, وطوّل سجنه, وقال له: يا يوسف من خلصك من القتل من أيدي اخوتك؟!

قال الله تعالى.
فقال له: من أخرجك من البئر؟
قال يوسف: الله تعالى.
قال جبريل: فمن عصمك من الفاحشة؟
قال يوسف: الله تعالى.
قال جبريل: يا يوسف فمن صرف عنك كيد النساء؟
قال يوسف: الله تعالى.
فقال جبريل: فكيف وثقت بمخلوق وتركت ربك فلم تسأله؟!. تفسير القرطبي ج9 ص 129.
قال يوسف: " يا رب كلمة زلت مني".

وجعل يوسف عليه السلام يتوسل الى ربه ويدعوه ويقول: أسألك يا اله ابراهيم واسحق والشيخ يعقوب عليهم السلام أن ترحمني.

فقال له جبريل: فان عقوبتك يا يوسف أن تظل في السجن بضع سنين.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه الصلاة والسلام:" رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قال:{ واذكرني عند ربك} ما لبث في السجن بضع سنين".

لهذا ظل يوسف في السجن سبع سنين, وكان يمكن أن يخرج قبل هذا لولا كلمته للساقي بأن يذكره عند الملك, ليعلم ما وقع عليه من ظلم, وما أوتي من علم في تفسير الرؤيا وتعبيرها تعبيرا صحيحا بفضل الله وارادته عز وجل.

ظل يوسف ينتظر الفرج, فرج الله عز وجل كي يخرج من السجن بعد هذه التجربة الكبيرة, وقد كان السجن له في البداية رحمة وتفضيلا فضله يوسف على كيد النساء عندما اختار قائلا:

{ رب السجن أحب اليّ مما يدعونني اليه}.
avatar
ندى

انثى عدد الرسائل : 596
العمر : 28
Localisation : اسفي
Emploi : مستخدمة في القطاع الخاص
تاريخ التسجيل : 16/10/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: يوسـُف عليه السلام

مُساهمة من طرف ندى في الأحد 6 يناير 2008 - 19:58

5.رؤيا الملك وخروج يوسف من السجن
انصرفت مشيئة الله أن يخرج يوسف من السجن, ودنا فرج الله على يوشسف, فقد رأى الملك الوليد بن ريان رؤياه التي تسببت في خروج يوسف من السجن, فنزل جبريل فسلم على يوسف وبشره بالفرج, وأن ارادة الله قد انصرفت كي يخرج من السجن.
وقال جبريل: ان الله مخرجك من سجنك, وممكن لك في الأرض, يذل لك ملوكها, ويطيعك جبابرتها, ومعطيك الكلمة العليا على اخوتك وذلك بسبب رؤيا رآها الملك.
والرؤيا تقول أن الملك الأكبر الريان بن الوليد رأى في نومه كأنه خرج من نهر يابس سبع بقرات سمان, كبيرات الحجم, يكاد اللحم يسقط من جوانب كل واحدة من كثرة السمنة, وهذ البقرات السبع تطاردهن سبع عجاف هزيلات ضعيفات لا يظهر منهن سوى الهيكل العظمي, وظلت تطاردهن حتى أمسكت كل بقرة من البقرات الضعاف الهزيلات ببقرة من السمان في آذانها وأكلتها فلم تبق منها الا القرنين, ورأى الملك سبع سنبلات قمح خضراء قد أقبل عليهن سبع سنبلات يابسات فأكلتهن حتى أتين عليهن فلم يبق منهن شيء وهن يابسات, وكذلك البقرات السبع كن عجافا ضعافا هزيلات حتى بعد أن أكلن البقرات السمان.
استيقظ الملك الريان من نومه فزعا خائفا فقد هالته الرؤيا وأخافته, فكيف يرى الانسان بقرة ضعيفة هزيلة تأكل بقرة سمينة ضخمة مكتنزة باللحم, ترك الملك فراشه على الفور وارتدى ملابسه مسرعا وغادر غرفة نومه الى ديوانه ومجلسه, حتى رآه وزراؤه على هذه الحالة وحاشيته, ولما أخذ مجلسه نظر الى الحضور في قلق وبدأ يقصّ رؤياه على الحاضرين فقال:
{اني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات, يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي ان كنتم للرؤيا تعبرون}. يوسف 43.
كان مجلسه جامعا, فقد أرسل الى الناس وأهل العلم منهم والعرّافة والكهانة والنجامة والسحرة, وأشراف قومه. فلما توجه اليهم بالأمر وطلب أن يفسروا رؤياه وقال:
{يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي ان كنتم للرؤيا تعبرون}.
أجابوا جميعا اجابة واحدة قالوا فيها انها مجرد أحلام خاطئة وهي أشياء مختلطة عليك أيها الملك وأنت نائم, وما نحن بتفسير الأحلام بعالمين, أي لا نعرف تفسير الأحلام لأنها مجرّد أشياء وأحداث مختلطة يتخيلها النائم في نومه.
قطع كل هذه الأصوات صوت نبوا ساقي الملك الذي خرج من السجن منذ فترة وجيزة وقال في صوت واثق حازم بعد أن تذكر حاجة يوسف الى نسيها سنوات عديدة عندما قال له يوسف:{ أذكرني عند ربك} أي عند ملكك.
قال: أنا انبئكم بتأويل هذه الرؤيا وتفسيرها, وأعرف من يفسرها لك أيها الملك بدقة. فوافق الملك على طلب الساقي.
فقال الساقي: أرسلني الى السجن بعيدا عن المدينة, فبعثوه فأتى بيوسف فقال له: أيها الصديق الصادق في تفسير وتأويل الرؤيا أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف, وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع الى الناس لعلهم يعلمون.
فقال يوسف عليه السلام: تزرعون سبع سنين, فالسبع بقرات سبع سنين تزرعون فيهن فيأتي المحصول عاليا, وتكون هذه السنوات السبع الأولى سنوات خير, وعليكم بترك ما يزيد عن حاجتكم في سنبله حتى لا يفسد عند تخزينه فترة زمنية طويلة, لأن السبع سنوات التالية لها ستكون شديدة لا زرع ولا محصول فيها. فتأكلون ما تم تخزينه من السبع الأولى, فاذا حبستم بذور القمح في سنابلها ستجدونه سليما, تصنعون منه طعامكم ولا تحدث بينكم مجاعة أو هلاك. وأضاف يوسف لرؤيا الملك شيئا من عنده يدل على ما أتاه الله من علم للغيب يتجاوز حتى رؤيا الملك التي فسرها تفسيرا صادقا تؤكده الأيام والسنون.
أضاف يوسف قائلا:{ ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون}.
يغاث فيه الناس بالمطر والخير الكثير الوافر حتى أنهم في هذا العام يعصرون العنب خمرا والسمسم دهنا, والزيتون زيتا, وتحلب الألبان لكثرتها في ضروع الماشية, ويدل ذلك على كثرة النابات وعلى كثرة ووفرة الغيث, ونجاة الناس مما كانوا فيه من حاجة.
وبهذا العام الذي أضافه يوسف عليه السلام لرؤيا الملك الذي تحدث فيه عن سبع وسبع أي أربعة عشر عاما أضاف يوسف عليه السلام عامه اظهارا لفضله, واعلاما لمكانته العلمية وبمعرفته لعلم الغيب الذي خصه به ربه كما خص عيسى بن مريم أيضا.
عاد الساقي الى الملك الريان, وقص عليه تأويل يوسف لرؤياه والسنةالتي أضافها لرؤياه مما يدل على صدق ما فسر يوسف وأنه واقع بأمر الله لا محالة من ذلك. مما جعل الملك يشعربمكانة هذا الرجل الصالح والنبي الطاهر يوسف الصديق عليه السلام.
6..خروج من السجن وبراءة عظيمة
عرف الملك أن الذي قاله يوسف لا بد وأنه واقع لا محالة, فقال لساقيه نبوا وحرسه وأصحاب السجن القائمين عليه:
{ائتوني به} اذهبوا وأحضروه فورا.
خرج نبوا مسرعا من المدينة قاصدا السجن وقد عرف أنه تأخر على يوسف ولم يكره الا بعد بضع سنين. ولما وصل السجن دخل الى يوسف مهللا فرحا سعيدا بخروجه من السجن ولكن يوسف عليه السلام فاجأ صاحبه وقال: لن أذهب معك الآن واشترط لخروجه شرطا من الساقي أن يبلغ للملك, فقال يوسف:
{ارجع الى ربك فسئله ما بال النسوة التي قطعن أيديهن ان ربي بكيدهن عليم}. يوسف 50.
رفض يوسف عليه السلام الخروج حتى تصح براءته عند الملك مما قذف به واتهم به, ودخل من أجله السجن وهو بريء منه.
رفض يوسف هليه السلام أن يخرج من السجن بعطف الملك, ويرميه الناس بعدها ويقولون: ذا الذي رواد امرأة مولاه. فأراد يوسف أن يبين براءته, ويحقق منزلته ومكانته من العفة والطهارة والخير.
فلهذا قال لنبوا ساقي الملك: ارجع الى الملك وقل له واسأله:{ ما بال النسوة التي قطعن أيديهن, ان ربي بطيدهن عليم}.
فرجع رسول الملك نبوا من عند يوسف حاملا رسالته هذه, فلما سمع الملك كلام يوسف, دعا النسوة اللاتي قطعن أيديهن ومعهن امرأة العزيز, وقال لهن: ما شأنكن, وذلك أن كل واحدة منكن كلمت يوسف في حق نفسها, فأجبن جميعا اجابة واحدة وقلن: حاشا لله ما علمنا على يوسف من سوء فهو شاب طاهر عفيف النفس حسن الخلق.
ونهضت امرأة العزيز من وسط النسوة وقالت:{ الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه} وان يوسف صادق ولم يكذب, فلما سمع يوسف هذا الكلام وهذه البراءة من امرأة العزيز قال:ليعلم سيدي العزيز أني لم أخنه بالغيب كما قيل عني واتهمني الناس.
فلما تبين للملك عذر يوسف عليه السلام وبراءته, عرف أمانته وكفايته وديانته وعلمه وعقله, وقال: {ائتوني به أستخلصه لنفسي} فلما جاء نبوا الساقي ورسول الملك الى يوسف قال له: أجب الملك الآن.
خرج يوسف من السجن ودعا لأهل السجن بدعاء مشهور قال فيه:
"اللهم عطف قلوب الأخيار, ولا تعم عنهم الأخبار" فهم أعلم الناس بالأخبار الى اليوم في كل بلدة.
ولما خرج من السجن كتب على بابه:
"هذا قبر الأحياء, وبيت الأحزان, وتجربة الأصدقاء, وشماتة الأعداء" العرائس للثعلبي ص 111.
ثم اغتسل يوسف وتنظف وتطهر من درن السجن, ولبس ثيابا جديدة رائعة, وقصد الى قصر الملك الريان, فلما وقف باب الملك قال: حسبي ربي من دنياي وحسبي ربي من خلقه عز جاهه وجل ثناؤه ولا اله غيره.
فلما دخل على الملك قال: اللهم اني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بك من شره وشر غيره.
فلما نظر اليه الملك سلم عليه يوسف بالعربية, فقال له الملك: ما هذا اللسان؟ وما هذه اللغة؟
قال يوسف: لسان عمي اسماعيل, ثم دعا له بالعبرانية.
فقال له الملك: ما هذا اللسان؟
قال يوسف: هذا لسان أبي يعقوب.
أعجب الملك بفصاحة يوسف ولغاته كما أعجب بأخلاقه وعفته وكان يوسف قد بلغ الثلاثين عاما, وأجلسه الى جواره وقال: اني أحب أن أسمع رؤياي منك مشافهة.
فقال يوسف: نعم أيها الملك," لقد رأيت سبع بقرات سمان شهب حسان غير عجاف كشف لك عنهن نهر النيل, فطلعن عليك من شاطئه, ينزل اللبن من ضروعهن, فبينما أنت كذلك تنظر اليهن وقد أعجبك حسنهن اذ نضب النيل, وغار ماؤه, وأصبح قليلا, وظهر قاعه, فخرج من طينه ووحله, سبع بقرات عجاف بطونهن لا تظهر, ليس لهن ضروع من شدة الضعف, ولهن أنياب وأسنان مخيفة, وأضراس وأكف كأكف الكلاب, وخراطيم كخراطيم السباع, فاختلطن بالبقرات السمان وهجمن عليهن وفترسهن افتراس السباع, وأكلن لحمهن, ومزقن جلودهن وحطمن عظامهن, فبينما أنت تنظر وتتعجب كيف غلبنهن وهن مهازيل ضعاف ثم لم يظهر فيهن سمنة مما أكلن اذا بسبع سنبلات خضر وسبع أخر سود يابسات في منبت واحد جذورهن في التراب والماء, وبينما تقول في نفسك ما هذا؟ هؤلاء خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات في المنبت واحد وأصولهن في الماء اذ هبت فردت أوراق السنبلات السود اليابسات على الخضر المثمرات فأشعلت فيهن النار فأحرقتهن وصرن سوادا متغيرات فهذا آخر ما رأيت من الرؤيا, ثم انتبهت مذعورا" العرائس للثعلبي 111-112 .
فقال له الملك: فما ترى في رؤياي أيها الصديق؟
فقال يوسف: أرى أيها الملك أن تجمع الطعام وتزرع زرعا كثيرا في هذه السنين الخصبة وتبني الأهرام والخزائن وتجعل القمح فيها بسنبله وقصبه ليكون أبقى ولا يفسد وقصبة القمح تصبح علفا للدواب. وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخمر فيكفيك ما جمعته من طعام لأهل مصر ومن حولها. ثم يأتيك الناس من كل مكان ليأخذوا مما كنزت لهم من هذا الطعام, فيجتمع عندك من الكنوز ما لا يجتمع لأحد من قبلك.
تبسّم الريّان ونظر ليوسف نظرة اكبار واجلال وقال له: ومن لي بهذا ومن يجمعه ويبيعه لي ويكفيني الشغل فيه؟
فقال يوسف:{ اجعلني على خزائن الأرض اني حفيظ عليم} أي أعلم بسني المجاعة وكاتب حاسب لهذا كله.
فقال الملك: ومن أحق منك؟ وولاه خزائن الأرض وقال له:{ انك اليوم لدينا مكين أمين}.
وهلك العزيز الذي كان على هذه الخزائن قبل يوسف, وزوّج الملك يوسف بامرأة العزيز, وأنجب منها رجلين هما أفراثيم بن يوسف, ومنشا بن يوسف, القرطبي ج 9 ص 140, وأصبح يوسف من يومها مكينا أمينا, بعد أن خصه الله بمعجزات كثيرة لا تحص ولا تعد, ولعل أشهرها تأويله للرؤيا, رؤيا صاحبي السجن ورؤيا الملك الوليد.
avatar
ندى

انثى عدد الرسائل : 596
العمر : 28
Localisation : اسفي
Emploi : مستخدمة في القطاع الخاص
تاريخ التسجيل : 16/10/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

إخوة يوسف .. ودموع التماسيح/د. وهدان

مُساهمة من طرف abdelhamid في السبت 31 يناير 2009 - 6:51

كنت أقرأ في وردي القرآني اليومي.. وقد توقفت طويلا أمام قول الله عز وجل
في سورة يوسف "وجاءوا أباهم عشاء يبكون.." وسألت نفسي: لماذا جاء الاخوة
عشاء ولم يجيئوا نهارا؟".

يقول المفسرون: هذه الآية بيان لمكر اخوة يوسف بأبيهم بطريق الاعتذار
الموهم لموته القاطع.. وقدموا "عشاء" لأنه وقت الظلمة المانعة من احتشامه
في الاعتذار الكاذب. ومن تفرسه في وجوههم الكذب. وأوهموا ببكائهم وتفجعهم
عليه افراط محبتهم له المانعة من الجرأة عليه.

لقد جاءوا أباهم "عشاء" وتلك أول أمارات الكذب الذي جاءوا به معهم..
إنهم جاءوا ملفقين في ظلام الليل. خوفا من أن يفضحهم ضوء النهار ويمزق هذا
القناع الزائف المموه بتلك الدموع الكاذبة التي بللوا بها خدودهم.

إن العين إذا التقت بالعين.. كشف لها ذلك عن كثير من خفايا النفس.
وقرأت علي الوجه ما لا يصرح به اللسان. ولا تبوح به الكلمات. ولهذا بجرؤ
الانسان علي أن يقول في الظلام ما لم يكن ليقوله في النور حين تلتقي العين
بالعين.

ويري بعض المفسرين أن تعبير القرآن العظيم عن "تباكيهم" بقوله
"يبكون" لأن الإنسان إذا تباكي انتهي تباكيه المصطنع ببكاء حقيقي. وبيان
ذلك أن الأفكار والخواطر التي تمر بأذهاننا يتأثر بها جسمنا. فكل عواطفنا
تؤثر في أجسامنا. ولذلك جاءت امرأة إلي شريح القاضي فجعلت تبكي. فقالوا:
يا أبا أمية.. أما تراها تبكي؟

فقال: جاء اخوه يوسف أباهم عشاء يبكون وهم ظلمة ولا ينبغي لأحد أن
يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية. ولذلك قال الأعمش رحمه
الله: لا يصدق باك بعد اخوة يوسف".

ويقول الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي رحمه الله: إن القرآن الكريم
في هذه الآية الكريمة أدي أداء دقيقا للانفعالات التي توجد في النفس
البشرية. اخوة يوسف خدعوا أخاهم ومكروا بأبيهم. وأخذوا يوسف وصنعوا به ما
صنعوا. مع أنهم يعلمون أن أباهم يحبه حبا شديدا. فكيف يواجهونه؟ ذلك هو
الانفعال النفسي الذي لا تستطيع فطرة أن تخفيه. قالوا: كيف تقابل أبانا
بعد هذا الذي فعلناه بيوسف؟ فأجابوا أنفسهم بأنفسهم: نؤخر اللقاء معه إلي
العشاء.. لماذا؟ لأن العشاء محل الظلمة. والظلمة ستر للانفعالات التي قد
توجد علي وجوههم من الاضطراب. ومن مناقضة كذب ألسنتهم لأنهم يتحدثون عن
الواقع فتفضحهم حركاتهم وتفضحهم سماتهم أمام أبيهم فاختاروا الظرف الزمني
المناسب لهم وهو العشاء حتي لا ينفضح أمرهم.

والتعبير بقوله: "يبكون" دليل علي أنهم كانوا متصنعين ومتقمصين شخصية
الحزاني. فالبكاء انفعال غريزي لحدث مهاجم لا يملك الانسان أن يصد البكاء
فيه.

إنما الذي يكون مفتعلا هو "التباكي" لا البكاء. ولذلك نجد البعض
يقول: ليست الباكية بأجر كالثكلي. الثكلي بكاؤها ملتهب شديد واقعي معبر.
عما في كيانها من شدة الحزن والألم. إنما الندابة فهي كذابة في بكائها
لأنه لا يعبر عما في داخلها.

وقيل: لا تطلب الحاجة بالليل فإن الحياة في العينين. ولا تعتذر
بالنهار من ذنب فتتلجلج في الاعتذار ونتعلم من هذه الآية عددا من الدروس
منها:

* بكاء المرء لا يدل علي صدقه لاحتمال ان يكون تصنعا.


* البكاء انفعال غريزي. والتباكي بكاء مفتعل.


* علي القاضي ألا يتأثر بانفعالات الناس بين يديه. فلربما كان ذلك سلاحاً منهم لستر الحق.


نسأل الله عز وجل ان يعلمنا. وأن ينفعنا بما يعلمنا. وأن يهدينا إلي طريق الحق إنه نعم المولي ونعم النصير.

_________________
أحمد الله وأشكره
avatar
abdelhamid
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4743
العمر : 61
Localisation : SUD
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

حدث في بيت العزيز/د. عبدالباسط أمين

مُساهمة من طرف abdelhamid في الثلاثاء 3 مارس 2009 - 10:59

وصلت القافلة التي بها يوسف إلي مصر وكان الذي اشتراه فيها عزيز مصر أو من ينوب منابه وهو وزير الخزانة في ذلك الزمان.


قال ابن اسحاق: واسمه قطفير بن روحيب قال: وكان ملك مصر يومئذ الريان
بن الوليد وهو رجل من العماليق. قال: واسم امرأة العزيز: "راعيل" بنت
رماييل. وقال غيره: وكان اسمها "زليخا" والظاهر أنه لقبها.

واستقرار يوسف عليه السلام ببيت العزيز كان من لطف الله عز وجل به
ورحمته وإحسانه إليه. بما يريد ان يؤهله له ويعطيه من خيري الدنيا
والآخرة.

وهذا ما بينه الله تعالي في قوله: "وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته
أكرمي مثواه عسي أن ينفعنا أو نتخذه ولدا. وكذلك مكنا ليوسف في الأرض
ولنعلمه من تأويل الأحاديث. والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا
يعلمون. ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين" "يوسف:
21 - 22".

وقد اختلف في مدة العمر الذي هو بلوغ الاشد فقال: مالك وربيعة وزيد
بن أسلم والشعبي: هو الحلم وقال سعيد بن جبير: ثماني عشرة سنة. وقال
الضحاك: عشرون سنة. وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة وقال السدي ثلاثون سنة.
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة وقال الحسن: أربعون سنة هو
الأنسب ويشهد له قوله تعالي: "حتي إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة"
"الأحقاف: 15". وهو حد الأربعين الذي يوحي الله فيه إلي عباده النبيين.

ولما بلغ يوسف عليه السلام أشده وأصبح شاباً قوياً بديع الجمال
والبهاء وقد أعطي نصف الحسن والجمال هبة من الله العلي القدير وهو مع ذلك
الحال يعيش مع امرأة العزيز علي ما قيل فيها من الجمال والمنصب والشباب
وعدم الانجاب وقيل ان زوجها كان ليس له في النساء. ومع عفة يوسف عليه
السلام الشديدة ما كان من امرأة العزيز الا ان تراوده عن نفسه فقد فتنت
بجماله فيستعصم يوسف عليه السلام منها. فتغلق الأبواب وتلبس أحسن الثياب
وأفخرها وتتهيأ له وتتصنع له وهو مع كل ذلك يأبي. فتهجم عليه أو تهم به ان
تواقعه غصباً فيفر ويهرب منها ويدفعها عن نفسه. وهذا ما يصوره لنا القرآن
في قوله تعالي: "وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت
هيت لك. قال معاذ الله إن ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون. ولقد همت
به. وهم بها لولا ان رأي برهان ربه. كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء. إنه
من عبادنا المخلصين" "يوسف 23 - 24".

والهم من ناحية يوسف عليه السلام قيل في معناه أنه: حديث النفس كما
في حديث النبي صلي الله عليه وسلم "إذا هم العبد بسيئة فعملها كتبت عليه
سيئة واحدة وإذا لم يعملها كتبت له بها حسنة".

وقيل معناه: أنه قام بدفعها عن نفسه. وقيل معناه: أنه همَّ بها ضرباً.


والذي يجب اعتقاده هنا: أن الله تعالي عصم يوسف وبرأه ونزهه عن
الفاحشة وحماه عنها وصانه منها. ولما اتجه يوسف ناحية الباب المغلق ليفتحه
كي يهرب من أمامها. فاتبعته ولاحقته وأمسكت بقميصه من الخلف وجذبته فقدته
من دبر. وهما مع ذلك يستبقان إلي الباب يوسف يريد فتحه وهي تريد ان يظل
مغلقاً. فلما فُتح الباب وجد السيد أو العزيز بالباب. وبسرعة قالت له: ما
جزاء من أراد بأهلك سوءاً. حيث بادرت باتهام يوسف بالاعتداء عليها. فقال
يوسف مدافعاً عن نفسه هي: "راودتني عن نفسي".

وأراد الله كشف الحقيقة وتبرئة ساحة يوسف عليه السلام. فكان مع
العزيز شاهد وصفه القرآن بأنه من أهلها أي قريب لامرأة العزيز "زليخا"
وقيل فيه انه كان صغيراً في المهد روي ذلك ابن عباس وأبوهريرة والحسن
البصري وسعيد بن جبير والضحاك.

وقيل انه كان رجلا قريباً من العزيز وزوجته. روي ذلك عن ابن عباس
وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والسدي فقال هذا الشاهد مبيناً حقيقة الأمر.

إن كان قميصه قُد من قبل اي من الامام. فصدقت زليخا وكذب يوسف لانه يكون قد راودها فدافعته حتي قدت مقدم قميصه.


وان كان قميصه قُد من دبر أي من الخلف. فكذبت زليخا وصدق يوسف لأنه
يكون قد هرب منها فاتبعته وتعلقت فيه فانشق قميصه لذلك وكذلك كان. فلما
رأي قميصه قُد من دبر علم براءة يوسف من اتهام امرأة العزيز وانها هي التي
راودته عن نفسه. فلما أبي اتهمته بالباطل وذلك من كيد النساء.

فقال العزيز ليوسف عليه السلام أعرض عن هذا اي لا تحدث به احدا وقال لامرأته "استغفري لذنبك. إنك كنت من الخاطئين".


وهذا كله صوره لنا الله عز وجل في قوله تعالي: "وراودته التي هو في
بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك. قال معاذ الله إنه ربي أحسن
مثواي إنه لا يفلح الظالمون. ولقد همت به وهم بها لولا أن رأي برهان ربه.
كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء. إنه من عبادنا المخلصين. واستبقا الباب
وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدي الباب. قالت ما جزاء من أراد بأهلك
سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم. قال هي راودتني عن نفسي. وشهد شاهد من
أهلها إن كان قميصه قُد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين. وإن كان قميصه قد
من دبر فكذبت وهو من الصادقين. فلما رأي قميصه قد من دبر قال إنه من
كيدكن. إن كيدكن عظيم. يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك. إنك كنت من
الخاطئين" "يوسف 23-29".

نخرج مما سبق بالآتي: أن بعد الشدة فرج ومع العسر يسر وانه ما اجتمع
رجل وامرأة اجنبية عنه إلا وكان الشيطان ثالثهما. وانه لا يجوز بأي حال من
الأحوال ان يخلو رجل بامرأة دون محرم وان كيد النساء عظيم فالحذر كل الحذر
من كيدهن وان من بين السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل
دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله.

_________________
أحمد الله وأشكره
avatar
abdelhamid
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4743
العمر : 61
Localisation : SUD
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

يوسف.. والتمكين في الأرض / د. عبدالباسط أمين

مُساهمة من طرف abdelhamid في السبت 9 مايو 2009 - 6:58

بعد تعبير يوسف لرؤيا الملك بأن للملك كمال علمه وفطنته. أمر بأن يأتوا به
من السجن؟ ولكن يوسف أبي ان يخرج من السجن قبل ان تظهر براءته مما نسب
إليه وفي ذلك قال تعالي "وقال الملك ائتوني به. فلما جاءه الرسول قال ارجع
إلي ربك فاسأله مابال النسوة اللاتي قطعن أيديهن. إن ربي بكيدهن عليم"
"يوسف 50"

ويستجيب الملك لطلب يوسف عليه السلام فيستدعي النسوة اللاتي راودن
يوسف عن نفسه وكذلك امرأة العزيز؟ فيبرأن جميعاً ساحة يوسف عليه السلام
وتعترف امرأة العزيز بأنها هي التي راودت يوسف عن نفسه وتندم علي ذلك
وتطلب العفو والمغفرة وهذا ماصوره القرآن في§ قوله تعالي:"قال ما خطبكن إذ
راودتن يوسف عن نفسه. قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز
الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه. وإنه لمن الصادقين. ذلك ليعلم أني لم
أخنه بالغيب وأن الله لايهدي كيد الخائنين. وما أبريء نفسي إن النفس
لأمارة بالسوء إلا مارحم ربي. إن ربي غفور رحيم" يوسف "51- 53"

ولما علم الملك ببراءة يوسف. وأحاط علمه بكمال يوسف وعلمه وتمام عقله
ورأيه. أمر بإحضاره ليكون من جملة خاصته بل علي رأسهم قال تعالي "وقال
الملك أئتوني به أستخلصه لنفسي. فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين"
"يوسف 54" فلما رأي يوسف ذلك الترحيب من الملك والاهتمام. طلب منه ان
يوليه خزانة مصر لحفظه وعلمه وأمانته فقال كما أخبر القرآن: "قال اجعلني
علي خزائن الارض إني حفيظ عليم" "يوسف: 55"

وفي هذا دليل علي جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الامانة
والكفاءة. وأما من لايقدر عليها فلا يجوز له طلب الولاية أوالتعرض لها.
فقد سأل أبو ذر الرسول صلي الله عليه وسلم يومآً ان يوليه من أمر المسلمين
شيئاً فقال له النبي صلي الله عليه وسلم: يا أباذر إنك أمرؤ ضعيف وأنها
أمانة وأنها يوم القيامة حسرة وندامة.

ويستجيب الملك لطلب يوسف ويوليه علي خزائن مصر مكان العزيز زوج زليخا
وكان يوسف آن ذاك ابن ثلاثين سنة. وقيل انه لما مات العزيز زوج زليخا زوجه
الملك منها. فوجدها عذراء. لأن زوجها لم يكن له في النساء.

وهكذا يمكن الله عزوجل ليوسف في الارض قال تعالي: "وكذلك مكنا ليوسف
في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء. نصيب برحمتنا من نشاء. ولانضيع أجر
المحسنين ولأجر الأخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون" "يوسف 56: 57".

وقد تعددت صور تمكين الله عز وجل ليوسف في الأرض منها:


أولا: ان الله اجتباه وعلمه من تأويل الأحاديث قال تعالي: "وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث.. " "يوسف 6".


ثانياً: جعل الذي اشتراه عزيز مصر وليس غيره فقال تعالي: "وقال الذي
اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسي أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. وكذلك
مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث.." "يوسف 21".

ثالثا: يظهر الله عز وجل براءته مما نسب إليه ويعترف الجميع بما فيهم
امرأة العزيز ببراءة يوسف وصدقه. قال تعالي: " قلن حاش لله ماعلمنا عليه
من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن
الصادقين" "يوسف 51".

رابعاً: أصبح ذا مكانة عند الملك. قال تعالي" وقال الملك ائتوني به
أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين" "يوسف 54"

خامساً: مات قطفير زوج زليخا. فولاه الملك مكانه وزوجه زليخا.


سادساً: تولي يوسف أمر خزائن مصربعد السجن الضيق والحصر قال تعالي: "وكذلك مكنا ليوسف في الأرض. يتبوأ منها حيث يشاء.." "يوسف 57".


سابعاً: ذكر محمد بن اسحاق ان صاحب مصر وملكها الوليد بن الريان فرعون ذلك الزمان اسلم علي يدي يوسف عليه السلام.


هكذا مكن الله عز وجل لعبده ونبيه يوسف عليه السلام في الارض. وهكذا
يمكن الله عز وجل لعباده وأوليائه. فالتمكين أولاً وأخيراً هو من الله عز
وجل اذا توفرت شروطه في عباده قال تعالي: "وعد الله الذين آمنوا منكم
وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن
لهم دينهم الذي ارتضي لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لايشركون
بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون" "النور: 55".

_________________
أحمد الله وأشكره
avatar
abdelhamid
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4743
العمر : 61
Localisation : SUD
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

إخوة يوسف.. وحيلة النبي/د.عبدالباسط أمين

مُساهمة من طرف abdelhamid في الثلاثاء 12 مايو 2009 - 19:45

بعد أن مكن الله عز وجل ليوسف عليه السلام بعد البلاء الشديد وتربع علي عرش مصر وأصبح هو الآمر الناهي فيها وخاصة بعد أن نجابها من خطر المجاعة التي حلت بمصر في السبع سنين العجاف بما سنه من الادخار من السبع سنين السمان وبما اتخذه من إجراءات فيها من العبقرية الكثير.
ويوسف عليه السلام في وسط هذا النجاح والسلطة والعرش يخبرنا تعالي عن حال إخوته الذين جاءوا من بيت المقدس وأرض فلسطين المجاورة لمصر يطلبون طعاما فقد حل بديارهم وأرضهم سنين الجدب التي حلت بمصر. وكان يوسف علي السلام إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينا ودنيا فلما دخلوا عليهم عرفهم ولم يعرفوه. لأنهم لم يخطر ببالهم ما صار إليه يوسف من المكانة والعظمة وهم الذين باعوه بدراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين فلهذا عرفهم وهم له منكرون فقال تعالي: وجاء أخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون" "يوسف 58".
وكان يوسف عليه السلام قد سأل إخوته عن حالهم. وكم هم؟ فأجابوه: بأنهم كانوا اثني عشر رجلا فذهب منهم واحد وبقي شقيقه عند أبيهم. وكان ذلك بعد أن أعطاهم من الميرة والطعام ما جرت به عادته من اعطاء كل إنسان حمل بعير لا يزيد عليه وبعد أن زودهم بالميرة وسمع حكايتهم طلب منهم إذا قدموا إليه العام القادم أن يأتوه بأخيهم من أبيهم وذلك بعد أن رغبهم في الزيادة من الميرة أن أتوا به ورهبهم بالمنع منها إن لم يأتوه به. فقالوا سنكلم أبانا في الأمر فأمر يوسف برد البضاعة التي جاءوا بها من بلادهم لاستبدالها بالميرة والطعام ووضعها في رحالهم دون أن يشعروا حتي يعود بها في العام القادم خشية ألا يجدوا بضاعة يرجعوا بها إليه وزيادة وترغيبا في الرجوع مرة أخري قال تعالي: ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلي أهلهم لعلهم يرجعون "يوسف 59 62" فلما رجعوا إلي أبيهم وقصوا عليه ما حدث وأنهم سيمنعون الكيل إن لم يرسل معهم أخاهم وقد ألحوا علي أبيهم في ذلك وخاصة بعد أن وجدوا أن بضاعتهم قد ردت إليهم. ولكن يعقوب عليه السلام كان يضن بولده بنيامين ولا يفرط فيه أبدا ولا يجعله يغيب عن عينه. لأنه كان يشم فيه رائحة أخيه. ويتسلي به عنه. ولذلك رفض أن يرسله معهم إلا بعد أن يعطوه العهود والمواثيق علي أن يرجعوا به إلا أن يغلبوا جميعا دون ذلك.
ثم أوصاهم بعدم الدخول من باب واحد وأن يدخلوا من أبواب متفرقة وذلك خشية من العين والحسد فقال تعالي في هذا الشأن: فلما رجعوا إلي أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون قال هل آمنكم عليه إلا كما آمنتكم علي أخيه من قبل. فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم. قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا. ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير. ذلك كيل يسير قال لن أرسله معكم حتي تؤتون موثقاًمن الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم . فلما آتوه موثقهم قال الله علي ما نقول وكيل. وقال يا بني لا تدخلو من باب واحد وادخلو من ابواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء. إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها. وأنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون" "يوسف 63 - 68".
ولما دخلوا علي يوسف في المرة الثانية ومعهم أخاهم "بنيامين" من أبيهم كما طلب منهم يوسف. أوي إليه وعرفه بنفسه وحقيقته وأنه أخوه وشقيقه يوسف وأمره بكتم ذلك عن باقي اخوته.

_________________
أحمد الله وأشكره
avatar
abdelhamid
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4743
العمر : 61
Localisation : SUD
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

إخوة يوسف.. وحيلة النبي/د.عبدالباسط أمين

مُساهمة من طرف abdelhamid في الخميس 21 مايو 2009 - 14:58

لقد أخذ يوسف يختال لإبقاء أخيه معه. فأمر فتيانه بوضع سقايته وصواعة في
رحل أخيه ثم أمر المنادي ينادي بسرقة صواع الملك وأوقفوا العير لتفتيشها
فقال أخوة يوسف ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين فقال يوسف فما جزاء
من وجد الصواع في رحله قالوا فهو جزاؤه أي يكون ندا للصواع بمعني أنه يكون
عبدا يباع ويشتري وملكا لصاحب الصواع وهذه كانت شريعتهم في السارق ويوسف
كان يعلمها جيدا.

فلما فتشوا أوعيتهم ورحالهم وجدوا الصواع في رحل بنيامين وأصبح من حق
يوسف الاحتفاظ بأخيه معه حسب شريعتهم. فلما رأوا ذلك وعاينوه قالوا إنه
سرق كما سرق أخ له من قبل وهم يقصدون يوسف. فقد قيل أنه كان قد سرق صنم
جده لأمه وهو صغير فكسره وقيل كانت عمته قد علقت عليه بين ثيابه وهو صغير
منطقا كانت لاسحاق وكشف الأمر وقيل كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه
الفقراء فأسر يوسف ذلك في نفسه ولم يبدها لهم حتي لا ينكشف أمره وحيلته ثم
بدأوا في استعطافه وبيان حال والده. وطلبوا منه أن يأخذ احدهم مكانه ولكن
يوسف رفض أن يأخذ إلا من وجدوا المتاع في رحله وهو المطلوب والمقصود وقد
صور لنا القرآن ذلك في قوله تعالي: "ولما دخلوا علي يوسف آوي إليه أخاه.
قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون فلما جهزهم بجهازهم جعل
السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون قالوا وأقبلوا
عليهم ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به
زعيم قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين قالوا
فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه. كذلك
نجزي الظالمين فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه.
وكذلك كدنا ليوسف. ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله. نرفع
درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل
فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم. قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما
تصفون قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه. إنا
نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذن
لظالمون" "يوسف 69 79".

فلما يأسوا من أخذه. خلصوا وهم يتناجون فيما بينهم. وقد ذكرهم أخوهم
الأكبر بعهد أبيهم وميثاقه عليهم بالرجوع بأخيهم وقد رفض هو أن يرجع معهم
دون أخيه قال تعالي: فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا
أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل لما فرطتم في يوسف فلن أبرح
الأرض حتي يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين" "يوسف 80"./

_________________
أحمد الله وأشكره
avatar
abdelhamid
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4743
العمر : 61
Localisation : SUD
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

"لقاء يوسف وأبيه عليهما السلام"/بقلم: د.عبدالباسط أمين

مُساهمة من طرف abdelhamid في الأربعاء 10 يونيو 2009 - 13:24

ان أخذ يوسف أخاه بنيامين ليحتفظ به معه ويأس باقي اخوته من تخليصه خلصوا ناجين بأنفسهم إلا الأخ الأكبر منهم وهو "روبيل" الذي رفض أن يرجع معهم بدون بنيامين فقد عاهدوا أباهم من قبل ألا يفرطوا فيه أو يرجعوا إليه بدونه ولكنه أمرهم بأن يقصوا علي أبيهم ما حدث لعله يصدقهم فيأذن له بالعودة وهذا ما صوره الله عز وجل في قوله تعالي: "ارجعوا إلي أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين. واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون" "يوسف: 81: 82"
ويرجع إخوة يوسف إلي أبيهم ويقصون عليه ما حدث ولكنه لا يصدقهم ويتهمهم بالتحايل عليه ويصدم يعقوب عليه السلام بالصدمة الثانية فقد صدم بيوسف أول مرة وها هو هذه المرة يصدم بفقد والديه بنيامين وروبيل ولكنه مع ذلك لا يقول إلا ما يرضي ربه "فصبر جميل" ولم ينقطع رجاؤه في ربه أبداً وفي رجوعهم إليه جميعاً ويلتم شملهم مرة أخري ولكن عاطفة الأبوة تغلب عليه فهو بشر فينعزل عن أولاده وينطوي علي نفسه حزيناً علي أولاده الثلاثة الذين فقدهم حتي إنه من شدة البكاء علي فراقهم يفقد بصره هو الآخر فتعظم مصيبته حتي يوشك علي الهلاك وهو مع ذلك الحزن الشديد لايشكو حزنه إلا لله ولم ييأس من روح الله وأخذ بالأسباب فأمر أولاده بقص أثر اخوتهم والبحث عنهم.
وبعد أن بث يعقوب في أولاده روح الأمل وبشرهم بأن الفرج قريب رجعوا إلي مصر حيث فقدوا أخاهم الأصغر بنيامين وحيث تخلف عنهم أخوهم الأكبر روبيل وهم في نفس الوقت جاءوا أيضاً للتجارة فقد جاءوا ببضاعة يريد من استبدالها بالميرة أو الطعام فلما دخلوا علي عزيز مصر وهو يوسف قصوا عليه ما حل بهم من أذي وضرر مجاعة ولكن يوسف في هذه المرة يحاول ان يكشف لهم عن نفسه ويتعرف إليهم ولكي يتم ذلك سألهم سؤال مفاده: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه؟ وأمر يوسف لا يعلمه إلا الله ثم هو؟ ففي الحال عرفوا أنه هو يوسف فبدأوا يقدمون له الاعذار ويعترفون بخطئهم في حقه ويطلبون منه العفو عنهم فعفا يوسف عنهم حيث ان العفو عن المقدرة من شيم العظماء وهذا ما بينه الله تعالي في قوله تعالي: "فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين. قال هل علمتهم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون. قالوا أئنك لأنت يوسف. قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا. إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين. قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين. قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين" "يوسف: 88- 92".
وبعد أن تعرف أخوه يوسف عليه وأقروا بخطئهم وعفا عنهم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه ويلقوه علي وجه ابيهم فيرد إليه بصره ثم بعد ذلك يرجعوا جميعاً بأهلهم إلي يوسف في مصر.
فلما تحركت العير نحو فلسطين بيت المقدس حيث يعقوب عليه السلام وقبل ان تصل العير إليه من مسيرة ثلاثة أيام إذ بيعقوب يشم رائحة يوسف عليه السلام من قميصه الذي بالقافلة وذلك بعد فراق دام ثمانين سنة فلما سمع منه الحاضرون ذلك قالوا إن يعقوب مازال في ضلاله القديم وهو الاغراق في محبة يوسف عليه السلام فلما وصلت العير وجاء من معه القميص والقاه علي وجه يعقوب فُرد إليه بصره فعلم من حوله قدرة الله تعالي ووحيه الذي يخص به من يشاء من عباده فاعترفوا بخطئهم مرة أخري وطلبوا الصفح والمغفرة.
ويرجع يعقوب مع أولاده إلي مصر ويدخلون علي يوسف ويلتقي يوسف بوالديه بعد غياب دام ثمانين سنة علي الأرجح ويرفع يوسف أبويه علي كرسي عرش مصر ويخضع له الجميع وتتحقق رؤيا يوسف عليه السلام ويشكر يوسف ربه علي ما أولاه من نعمة وفضله ويطلب منه تعالي ان يتوفاه مسلماً ويلحقه بالصالحين من عباده ويحتمل أنه سأل الله ذلك عن احتضاره عليه السلام قال تعالي: "فلما دخلوا علي يوسف آوي إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين. ورفع أبويه علي العرش وخروا له سجداً وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد ان نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم. رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الاحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين" "يوسف: 99- 101".
وقد ذكر ابن اسحاق عن أهل الكتاب: ان يعقوب أقام بديار مصر عند يوسف سبع عشرة سنة ثم توفي عليه السلام وكان قد أوصي إلي يوسف عليه السلام ان يدفن عند ابويه إبراهيم وإسحق.
وقد مات يعقوب عن عمر يناهز المائة وأربعين سنة ولما مات يعقوب بكي عليه أهل مصر سبعين يوماً وأمر يوسف الأطباء فطيبوه بطيب ومكث فيه أربعين يوماً.. ثم استأذن يوسف ملك مصر في الخروج مع أبيه ليدفنه عند أهله فأذن له وخرج معه أكابر مصر وشيوخها فلما وصلوا حيرون دفنوه في المغارة التي اشتراها الخليل إبراهيم من عفرون بن صخر الحيثي وعملوا له عزاء سبعة أيام.
ثم حضرت يوسف عليه السلام الوفاة فأوصي ان يحمل فيدفن عن آباذه فحنطوه ووضعوه في تابوت فكان بمصر حتي اخرجه معه موسي عليه السلام فدفنه عند آبائه وكان يوسف عليه السلام وقد مات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين.


_________________
أحمد الله وأشكره
avatar
abdelhamid
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4743
العمر : 61
Localisation : SUD
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى