صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

أيام جبلية لمبارك ربيع •• : الرواية بوصفها أمثولة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أيام جبلية لمبارك ربيع •• : الرواية بوصفها أمثولة

مُساهمة من طرف السعدية الجبلية في السبت 19 يناير 2008 - 21:42




1 ُتعرّف قواميس المصطلحات الأدبية في مجملها "الأمثولة"؛"Exemplum" بأنها
شكل أدبي لاتيني قروسطوي، يتمثل في قصة مقتضبة،غايتها صنع القدوة، انطلاقا
من حدث عاشه المؤلف، أو نُقِل إليه، وعلى المتلقين استخلاص العبرة منها.
وبإمكاننا توسيع هذا النوع الصغير أو اعتباره فرعا من الجنس الأشمل القائم
في آداب العظة والنصح بمتلفظها المباشر، منه كمّ لا بأس به في تراثنا
العربي،أو الموضوع بصيغة الخيال،المصنوع وفق شروط البنية الحكائية
عامة،وهو موجود في آداب مختلف الشعوب،القصص الديني أولها، غايتها النصح
والعبرة، وهي مطروحة على هذا المنوال،ليس لنسق التخييل فيها دور إلا ما
جاء لاحقا على سبيل التأويل والتشخيص اللذين ابتدعهما الرواة عبر الأزمنة،
كما أن منه ما ُنقل إلينا منه جاء على لسان الحيوان مثلا،أو غيره،لا نريد
التوسع فيه هنا. وما لنا لا نذهب إلى أن التعبير الأدبي، حامل ثمار
المخيلة البشرية وأحلام الإنسان عبر تاريخها المديد، لهو قبل كل شيء وعاء
للمثُل، ومَعْبَر للأخلاق والقيم والأحاسيس الموصوفة بالنبل والتقوى،
والحاثة على الاقتناع بها والتزام سننها، تبين الحوادث والمصائر المرسومة
صدقها أو هاوية تنكبها؛ بهذا المعنى فهو تعبير ذو دلالة أخلاقية، ونزعة
تبشيرية، وهو الدور الذي لم يتخل عنه الأدب يوما بعد كل ما عرفه من تطور،
وتسربل به من طرُز البيان والمجاز، وحلق به خيالا وتهويما في آفاق الوجود
ورحاب الذات الواسعة وقلق الإنسان وتطلعاته، مع مشاعره المتضاربة. وإذا
كان الشعر بين أشكال التعبير الأدبية قد اقتطع مساحة لغوية وبلاغية
وإيقاعية جعلت مركزه ينأى عن حدود قوله، ذي الطابع الاستعاري أساسا، وإلا
فهو أراجيز ومحفوظات تعليميةـ خطابية، فإن النثر غير الملتزم بقواعد
النظم، والموضوع في الغالب للتبليغ والإقناع قبل الإطراب والتحبيب،باختصار
ليس ابتغاءُ الجمال ضرورة مقصودة فيه، أولا بد منها لتمام النوع؛ هذا
النثر دأب على حمل رسالة،الصلاح لسانها وتفطين الإنسان بما يجعل الخير
سيدا له،والشر شيطانا هلاكه في الانقياد إليه. تأتي الرواية في مقدمة
الأنواع الأدبية الهادفة لهذا المرمى، فإن هذا الجنس، سليل الملحمة
ونقيضها في آن، ما كان ليتبلور إلا وقد توارى عالم الإلهيات، وتهافت
مطلقها،وإلحاح الحاجة إلى قول يصوغ تجربة الإنسان المادي الحديث في ثورته
التجارية الصناعية وبنياتها المستحدثة، من ثم البحث عن أجوبة وآفاق لأسئلة
الإنسان في العصر الجديد. إن فن الرواية منذ ثرفانتيس ورابلي،وصولا، لو
شئنا إلى ماركيز ون.محفوظ، لهو تاريخ هذا البحث المضني، حيث تنتزع
الواقعية حصة الأسد، وتبدو رؤيتها هي الأشمل والأغنى في احتضانها لأهم
تجارب إعادة رصد معالم الحياة واختبار طاقة الإنسان واستبطانها في مواجهة
مصيره؛ ذاك المأساوي حقا ، من منظور لوكاتش. نحن نعتبر،ونعتذر عن
الاختزال،أن الاقتناع بالواقعية منهجا ورؤية أنتج طرائف فنية وأساليب
وخطابات بعينها اتخذت التنوير وتسويغ التحديث والصراع الاجتماعي ذي
المرتكزات الاقتصادية مادة أولى فيها ، وابتغت وما تزال الاستفادة من
ضحايا وحطام هذا الصراع، أفرادا ومؤسسات،ُبغيةً ُمثلى،هنا فكرة العظة
والنصح؛ بالمناسبة فإن الأدب البورجوازي،الواقعي، وبتفاوت، تبشيريٌّ كله،
حامل قيم وإيديولوجيا وُمُثل،أي أنه، مع مراعاة خصائص النوع، أمثولييٌّ في
النهاية، أو يمكن تلقيه، بعد الأجرأة، كما يقال اليوم،على هذا الأساس. لا
يبتعد السرد الروائي للروائي المغربي الكبير الأستاذ مبارك ربيع عن هذا
الصنيع، يتلمسه تارة عن قرب وأخرى، حتى وهو يوحي بالابتعاد عنه، نراه ما
ينفك يحوم حوله ليصله بأكثر من سبب. إذ فضلا عن النهج الواقعي الذي اختطته
أعماله، المؤسسة منها في الصدارة"الريح الشتوية"بجزأيها
(1977)و(1980)،وظلت تندرج فيه بين تجربة وأخرى عبر تنويعات معمارية وتقنية
حافظت على الهيكلة الجمالية والرؤية الاجتماعية، تمثيلية وتصويرية،فإن
النزعة النقدية تبقى مهمازها لا تكاد تحيد عنها، فإن انزاحت قليلا إلى سجل
كتابة ذات مسحة مجازية وإهاب رمزي يوظف الحكاية الشعبية والأسطورة بعيدا
شكلا عن نهجها الأصلي" بدر زمانه" (1984) فإنما ليعود النبع إلى سابق
مجراه كأنما ليتأكد ويؤكد نقاء مشربه وصفائه. والحق أن مبارك ربيع،ومنذ
نعومة نثره ترعرع في القص القصير،"سيدنا قدر"(1969)،بدا الكاتب الذي يريد
أن يصنع من نثره أدبا،ومن أدبه سردا فنيا محكما،وأن يمكّن لسرده في أرض
المعذبين في الأرض،المتقلبين على جمر الحرمان، فيه أنواع، تحذوه، أو
بالأحرى شخصيات قصصه ورواياته ـ تمثل اليوم كمّا وازنا من تراثنا السردي
الحديث ـ وهي تمثل نماذج عدة، بين تناغم وصراع مع الحياة؛ تحذوها آمال
وتحفزها رغاب، متراوحة بين السقوط إلى القاع أو التطلع إلى الذرى، في
مسارات شرعية أو احتيالية، على غرار العملة السائدة، وثالثة حالمة أو
واهمة، تصطدم مع صلابة الواقع لتعانق مصيرها المحتوم، الجدير بها روائيا،
أيضا، بعد أن تكون قد نُقشت وشما على جلده المسحور؛علينا أن لا ننسى أنه
جلدٌ روائيٌّ، مصنوع من لغة، وأبطالُه من ورق،أطيافاً في واضحة النهار
ببراءة الملائكة يرفرفون،وأشباًحا في الظلام بجبروت الظالمين والمتآمرين
يطفئون عيون الحياة ويسرقون قلوب الطيبين. وبين الحالتين والنموذجين،
الممثلين لزوج تضاد لا ينتهي، حسب قانون الصراع الذي نستشف إيمان الكاتب
به دائما، من غير أن يعليه إلى مستوى الإيديولوجية التي تتأسس عادة خارج
النص، ويسقطها البعض عليه عنوة، يتأبى عليها ربيع حاله حال الرُّسل، فله
عقيدته الإنسانية همّه أن يبلغها للناس في كتاب أدبي،من طراز مختلف،لا
يطمح للإعجاز ولكن للتأثير والتحويل الهادئ، ولا بأس من التغيير إن جاء،
فهو، مثل أجيال الكتاب العرب جميعا،كاتب ملتزم، اتخذ من القلم صوتا
وسلاحا، ونذر قوله في سبيل هذا الالتزام وتبعاته؛ لذا في البداية، في
الوسط، وإلى كل نهاية محتملة تصطف نصوصه وشخصياتها،إيجابية وسلبية،
أيضا،في مقام القدوة الأمثولية،وأمثولة الاقتداء؛ ذي هي إيديولوجية
الرواية الربيعية.

السعدية الجبلية

انثى عدد الرسائل : 524
العمر : 51
تاريخ التسجيل : 31/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أيام جبلية لمبارك ربيع •• : الرواية بوصفها أمثولة

مُساهمة من طرف السعدية الجبلية في السبت 19 يناير 2008 - 21:43

2 في آخر
رواية له" أيام جبلية" (2003) لم يشذ مبارك ربيع عن هذا النهج، ولا انفصل
عن مقتضى رؤيته العامة، بمتطلبات مواده التمثيلية والنقدية، من صلب بيئة
معينة وبؤرة معتركية، وبالأدوات الفنية التصويرية والتشخيصية المنسجمة مع
بضاعته، وأضحى فيها ُمعلما بعد أن أتقن الصنعة غدت له فيها مهارات وحذاقات
جُلّى، من غير تحذلق أبدأ. إن هذه الرواية التي جاءت بعد ثلاثية"درب
السلطان" (2000) ولم ينبس عنها النقد عندنا إلا ببنت شفة، من شدة انشغاله
بكشط جلده النظري،عجبا(!)، لهي في زعمنا تمثيل أقوى من سابقاتها،وأغنى
للنزعة الأمثولية،من جهة البيئة (الفضاء الاجتماعي) والشخصيات وعوامل
الصراع، وقواه، وخلفيات الأحداث، وطبيعة الدلالة/الدلالات ومغزاها،
ولكونها، وهو جوهري هنا، طابعها الرمزي، المحفوف بالغموض، المسبوك في
الالتباس المتعمد على امتداد صفحاتها الطوال، قد تخطّئ قارئها في أن
رؤيتها مشوشة،ومساراتها متباعدة، ومقاصدها متضاربة، قل حوادثها متنافرة
،مما لا يحتمله عمل واحد، وشخصياتها مأسورة أكثر منها مشدودة إلى خيط واحد
تسلس القياد بيسر ليد الممسك به؛ قد تخطّئه في هذا كما قد تجذبه نحو الفلك
الساحر لتوصيفات وهيكلة من معدن "أليغوري" خالص، وهو مما لا يتأتى إلا لمن
له الدراية في القراءة شطرا، والدربة على صنعة الأساليب شطرا آخر،لكن لا
مندوحة له من الإقرار أخيرا،أي حين يهتدي إلى سواء سبيل هذه العناصر
والمواد مجتمعة، ويقرنها متآلفة،ويضم إيقاعات أجزائها متناغمة،بأن القصد
أبعد من سرد واحد من حوادث الدهر،وأكثر من الوقوف على معضلة اجتماعية
برسمها وفضحها والتنديد أو التهليل لأفق انفراجها السعيد، صنيع أي رواية
واقعية تقليدية، وساذجة غالبا؛ بل المنظور الرسولي ـ الرسالي الأعمق هو
المطلب، وهي حكمة الكاتب التي يريد لها أن تتنفس منها مسام سرد وفّر له كل
ما في عدة الروائي من أدوات الصناعة المخبوءة في تلك العلبة التي قال
الروائي الأمريكي استفن كينغ بأن على الكاتب أن لا يفارقها لن يعدمها عند
الحاجة؛ كتابنا :"عمل الكاتب،الكاتب وهو يعمل"،(عمان،أزمنة،2007)،أي ما
يحيل مرة جديدة إلى المثل العظمى التي يرى أن حياة الإنسان لا تستقيم
بدونها، من قبيل الحب والوفاء والإخلاص والكفاح والعدل وحب الخير وسواها،
ما همّ أن تكون شرائع دينية وتشريعات دنيوية قد نادت بها، وفلاسفة وأدباء
كبار دائما اعتنقوها،الأهم أن يصل الكاتب،هو الروائي هنا،إلى مرحلة اختبار
نضجه الحقيقي وتأهيله الفعلي، نعني عندما تصبح له عقيدة تتنفس وتنبض داخل
النص، يرى عبرها، وبواسطتها كلماته تتفتح خارجه دلالات وهي تنتصب علامات
فارقة بصدقية المعنى، بعد أن تكون قد حازت صدقية المبنى وتفوقت فيها إلى
ذلك الحد الذي يصبح معها التزاوج الحميم بين الطرفين هي الجمالية الموثوق
بها للنص السردي، الممهورة بالتوقيع الشخصي لروائيها في صورة أسلوب كتابة
وعقيدة حياة تخصه هو بالذات لا غيره، من ثم لا يبقى جدال أن الأمثولة
عندئد هي شكل إلى جانب كونها مضمون،والعكس. ماذا ترسم " أيام جبلية" وأي
عالم تقدم، وبأي فاعلين تتحرك، وعلى أي أرضية مادية تنهض، وما هي بؤر
التوتر الكبرى فيها بما يجعلها فعلا مدار أفعال روائية حقيقية وممكنة، وما
هي أقوى الرهانات التي تتخفى في مسار الشخوص، نفسها التي تمثل بحث الروائي
عن عالم يحمل قيما، أي مثلا قابلة لاستتباب رؤيته الأمثولية ؟؟؟ للجواب
على بدايات هذه الأسئلة يحتاج القارئ،ونحن معه، إلى التعرف على بعض حلقات
المحكي الروائي، بلغت من الكثرة والتفرع حدا يتعذر معه لمّ شعثها، يستحسن
الإشارة إلى بعضها مختصره،المخل طبعا، وعلى سبيل الافتراض فقط، ما دمنا لن
نعرف على وجه اليقين هوية الشخصية المركزية التي تتكلف في آن بدور السارد،
ولأن كل ما يحدث بفاعليه وأسبابه يأتي على وجه الاحتمال، خدعة تتقاطع في
كل فصل،أو فقرة روائية مع خبر يتحول إلى لازمة تعتريها تغيرات يبدو أنها
تطور الخبر وإن لم تزده إلا التباسا وتحييرا؛ يقول الخبر:" مسافرون يقضون
ليلتهم بالقطار في العراء، برأس الجبل. حدث ذلك بفعل تحويل لخط السكة
الحديدية إلى اتجاه غير مستعمل". نحن أمام خمس معلومات:مسافرون؛ليلة؛
قطار؛ رأس الجبل؛ تحويل؛ اتجاه..، نستبقى منها معلومتين أساسين هما ما
يستخدمهما المؤلف تعلّة للحكي بأكمله، وفضاءهما مجالا لتوليد النموذج
الأمثولي، مع الدلالات القرينة به. لن نكتشف إلا في الأخير بأن الأمر رهن
بحيلة لاستدراجنا لمتابعة بحث ( تحقيق) عن حادث التحويل لا أهمية له إلا
بقدر ما يسمح للرواية بالتكوين، أي بصناعة الكذب الروائي( التخييل) حاضن
مادة الحكي. بالفعل، فال(بطل) السارد يصل إلى مكان الحادث( رأس الجبل)
للغرض المذكور مبعوثا من جهة غير معلومة، لنقدر أنها صحيفة، فهو قد درس
الإعلام،حيث يصطدم بأول مفارقة عندما يفاجأ بأنه خُدع ف"لا رأس ولا جبل،
وإنما بقعة منبسطة، إن لم نقل منخفظة (..) بلا جبل ولا رأس. مزحة!" (ص10).
سيشتغل المحقق ببطء شديد، لأن تحقيقه سيأخذ وجهة أخرى، فعوض أن يتقصى
أسباب حادث القطار الذي زاغ عن سكته الأصلية ومضى في اتجاه لم يصل إليه من
قبل،اعتبرت تربته غير صالحة، نجده يولي الأهمية كلها للمكان الذي نزل
به،ويتنقل في جغرافيته الخرائطية والبشرية، متعرفا على مواقع أهله
ومشاغلهم وطباعهم،مثل أي مكتشف لمكان مجهول،وهو ما يبقى كذلك أو مسدلة
عليه أستار الغموض،ثم لن يلبث أن يسلم المهمة إلى رفيقة له،إعلامية
بدورها،كي تخوض مسلكا خاصا من المغامرة لاستكمال معرفة عالم (رأس الجبل).
هو تقاسم أدوار، واحد مختص بالكشف عن وجه الخير وحسناته،دور السارد ـ
المحقق1، ممثلا في المعلم رضوان،القانع بموهبة الشعر الزجلي،والمحبط في
حبه؛ومبجلا خاصة في عيوشة صاحبة الدار التي تؤوي الفتيات،تعلمهن صنعة
الحياكة والطرز،رمزها دار للصلاح وملاذ للتوبة وهي التي عاشت ماض بشوائب،
يرمز إليه الحاج،وابنها فؤاد، ثمرة العلاقة غير الشرعية وعقابها في آن.
والدور الثاني وجه الشر والفساد الذي يعوق "المدينة الفاضلة" عن الكمال،
تتكفل الرفيقة حبيبة أو دليلة بتعريته،المحقق2، فضاؤه(الدرب الوراني)
يتستر عليه سكان الرأس، ويتخوفون من ساكنته الموسومة بالفجور والتهتك،بيوت
دعارة ومجون،وأخطر منه مقر عصابة لابتزاز الفتيات لتهريبهن إلى الخارج
يحلمن به في ذلك الطريق البحري المحفوف بالموت،والآمال،أيضا.

السعدية الجبلية

انثى عدد الرسائل : 524
العمر : 51
تاريخ التسجيل : 31/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: أيام جبلية لمبارك ربيع •• : الرواية بوصفها أمثولة

مُساهمة من طرف السعدية الجبلية في السبت 19 يناير 2008 - 21:45


وبين التحقيقين في فضاء1 ، و2، لعالمين يبدوان كأنهما منفصلان تقوم مسالك
لعبور شخصيات وسيطة عديدة ومموهة تنتقل بيسر أو تستر بين دار (للاعيوشة)
و(الدرب الوراني): اليزيد؛ حجامي؛الرايس؛هنية؛جبريللو، هذا الأخير خاصة
المتقنع ظاهرا في الجغرافية الأولى بتسيير محل لإصلاح هياكل السيارات فيما
هو من أساطين مهربي الحشيش، واسطة عقد الجغرافيتيين. 3 لن يخفى على القارئ
اللبيب أن مبارك ربيع يستعمل لعبة "الدمى الروسية"، إذ ما إن يقرب شخصية
إلا وفي طيها أخرى، ليس لأن حبكته المضاعفة(حادث القطار المصطنع وألغاز
راس الجبل) تربكه، ونزعته كروائي واقعي مذهبا وطريقة تدفعه، أحيانا تحشره
في استقصاءات وحفور تثقل كاهل السرد بلا طائل فتفكك عروة الحبك، بل لأن له
شاغلين قاده إليهما معتقده الفكري عماده الإخلاص لما في الحياة من خير
وصلاح، بأداة الأدب الذي ينبغي أن يسخر لهذا المسعى، اختار تجسيدهما ، منذ
باكورته الروائية"الطيبون"(1972) ب"استراتيجية"كتابية تنحو إلى تغليب رؤية
وسطية، في منتصف الطريق بين التصالح مع الواقع والتمرد عليه، لكنها لا
تتساهل أبدا في شجب الظلم الاجتماعي،وهذه مسألة أخلاقية؛ إنها سياسة
الكاتب التي يحدث أن نبحث عنها خطأ في كاتب السياسة. لا عجب أن تتناغم مع
الطريقة الفنية لديه حافظت لمدى عقود على خط منتظم، في أفق متسق،لا ينضب
معينه، ويغتني سبكه، ويبتدع له سننا فرعية، دون أن تنقطع عن طريقها
السيّار،لا يتيه سائقه عن مقصده، لا يأخذه عُجْبٌ ولا ينال منه تعب،
فالطريقة الفنية حلقات متواصلة، متواشجة، ومتكاملة، وهذا ضرب من الإخلاص
للفن خاصة حين يعطي الدليل تلو الدليل على نضج مفحم في امتلاك الناصية؛
إنها ، أيضا، سياسة الفن، لا يملكها إلا كاتب له باع. فأما الشاغل الأول،
فهو توسيع رقعة المحكي وتنويع الوظائف الحكائية المنتجة للمعرفة والخبرة
بالعالم الروائي، هي ذاتها تسند إنجاز الشاغل الثاني فيما ترسخه، إذ الأهم
يكمن في استخلاص العبرة والإفادة من حوادث الدهر، لنبذ الطالح والاقتداء
بالصالح، وهذا لا يأتي على لسان واعظ، ولا من نبوءة أو مزمور، وإنما، وكما
سلف الذكر، بوتيرة أدبية ُجبِلت على الحبك والسّبك وجدْل الخيوط الحكائية
مطرزةً في تخييل ليس كأي تخييل، بل يبتدع نهجه عل النحو الذي ُتنفّذ به
خطة مرسومة من مطلع الرواية في شكل خبر، لتنتهي برسالة تعطل قيمة الخبر
للإعلاء من قيمة الرمز وتكثيف دلالته التي ما انفكت تتنامى، منتقلة من
المحسوس إلى المجرد، من الواقعي إلى الإيهامي،وهذا هو أفق الرواية ومرماها
الأبعد، اتخذ "الإليغورية" مطية لبلوغه. تفيدنا قواميس المصطلحات الأدبية
في شرح مصطلح"Allégorie" أن جذره اليوناني"allègorein" يشير إلى التحدث
بطريقة مغايرة، من قبيل أن تعيين صورة محبوكة وحية منقولة بواسطة مدلولات
كبرى منسجمة، في سياق سردي ذي محمول رمزي، يحيل بصيغ متماثلة، واستعارية
على الأغلب، إلى إطار مرجعي من طبيعة مغايرة (تجريدات فلسفية، أخلاقية،
وغيرها)؛( ُينظر جاريتي، ك الجيب) . بطبيعة الحال، فإن لهذا السياق أن
يتعدد أنواعا، فسرده يمكن أن يكون مقتضبا، شأن القصة القصيرة، أو الأمثولة
المخصوصة سابقا، علما، وللتنبيه فقط، فبالوسع تعميم وظيفتها لتشمل سردا
طويلا، يمتد إلى القصة الطويلة والرواية بأصنافهما. هذا، وعلى الرغم من أن
"رأس الجبل" تقدم مقروئية في غاية الاتساق للسرد الواقعي الكلاسيكي، من
مقتضيات شكلية، وهيكلة، ومكونات تمثيلية ووصفية بدوالها المعلومة، تنقلها
تلفظات لا تشد لا تحدث أي بلبلة في صنع نظام المحاكاة وتلقي عوالمه،هي
متكاثرة قصدا في رواية ربيع لتبقى مشدودة جلها إلى الغطاء الأليغوري ينشر
ظله على النص بأكمله مستخدما الصيغ التماثلية ليحفزنا على قراءة تخرق
ميثاق القراءة الضمني بين متلق نمطي ورواية ما أكثر ما يغرر به صاحبها وهو
يقدمها له في حلة منمطة، ومثله. على الرغم من هذا ف"أيام جبلية"،إذن،
تتنزّل نصا خادعا بمظاهره الخارجية، مستبطنا ما تحتها لتفضي إلى معانٍ
أبعد مما يطفو فوق السطح بالصورة التي بدا عليها. لنضف بأن"الأليغورية"
ليست مسلكا بلاغيا وحسب،إذ اتُخِذت في العهد الوسيط أداة لمعرفة وشرح
العالم بالاستناد إلى التقليد التأويلي للكتاب المقدس بأبعاد معانيه
الأربعة:الحرفي أو الحدث الظاهري، الخلقي، الروحي، والمضمر(ج ،م.س)؛ إن كل
شيء في الرواية يدعم خضوعها لهذا النسق، وكل أو بالأحرى جل الشخصيات
والأحداث والحبكات والتقلبات، وكثير مما حَشرت من قضايا وأزمات تشغل
المغاربة راهنا، من قبيل الرشوة والفساد الإداري والانتخابي، والتهريب،
وعمليات الاحتيال،وشبكات المخدرات،والاتجار في اللحم البشري في البغاء
وقوارب الموت، وأمور أخرى أثثت الفضاء اليومي والاجتماعي لبلدة" رأس
الجبل" وحشرها المؤلف أحيانا حشرا محدثة اكتظاظا يبغي بها معرفة الشمول
وهو المدرك بأن الرواية تستخدم معرفة الخصوص،أي ليست وعاء لكل شيء. رأيناه
جازف بهذا كله وغيره، حتى ليدفعنا للتساؤل: بم يا ترى تختص هذه البلدة
الواقعة على البطحاء،غير المحددة الموقع إلا بالقياس لخط سكة الحديد الذي
انحرف(براديغم الانحراف)، وأي شيء، من نفع أو ضر،يحدث لسكانها أكثر مما
نعلم في مدن وبلدات أخرى،وهل من شخصيات ذات حروف قاطعة على تكوين ومزاج
مخصوصين بها وتصبح لها علامات مائزة،ما هو موصوف ومطلوب للرواية المبنية
على أقانيم "الميميزيس"؟؟؟ مثل هذه الأسئلة كثير، لكننا نفضل أن نصرف عنها
النظر لأنها شَرَكٌ منصوب في الطريق لتحرفنا عن القراءة الأصوب ـ بالطبع،
في ضوء فاعلية التأويل القرائي ـ كما زاغ القطار عن خطه الأصلي في
بلدة"رأس الجبل" ليجعلها قبلة أنظار، ومحج محققين،ومناط تجمع لأخطر
براديغمات ورموز ما يحبل به الواقع من معضلات، هي ذاتها ما يشغل الكاتب
فيتصدى لها بذريعة السرد ، المحاكاة، التخييل، ترسم الخانة الأولى من مربع
قراءة الواقع: الحرفية، وغايتها أن تتسلسل تدريجيا لإكمال مهمة رسم خانات
المربع الباقية. ليست شخصيات هذه الرواية أكثر من صور نمطية تنتج أفعالا
وسلوكا من نوعها، والنمط هنا قابل لحمل صيغة المستنسخ، والقياس،
والاستعارة، والمماثلة، أي الأليغورية تحديدا، التي ندفع إليها أفق
التأويل . المحقق، رضوان، حبيبة، هنية، جبريللو، نعيمي، عيوشة والحاج
خاصة، فؤاد، هنية، تسلك في هذه السبحة، رامزة كل واحدة بالهوية المعطاة
لها والأفعال المنسوبة إليها إلى خليقة ومرتبة قيمية يستخلص من تناقضاتها،
كما يستخلص اللجين من التراب،مرتبة الفضيلة مقابل الرذيلة المتفشية في
المجتمع،والصلاح نقيض الفساد؛إن السيدة عيوشة التي تتبرع بعضو من
أعضائها،سرا،للحاج (الثري،السياسي، العشيق،،)، فاعلة خير، وباذلة تضحيات
عديدة أخرى تأتي في رأس هرم أمثولة نهضت على قواعد جنس الرواية، لا القص
المقتضب، مؤصلة لغرض تشييد القدوة مهماز النوع. تتلقى عيوشة بعد عيادتها
للحاج في مشفاه بباريس من مديرة العيادة رسالة هي ختام الكتاب يقول
مطلعها:"..أود أن أؤكد لك كم أنا فخورة بك، معتزة بصداقتك، وبما نستطيع
القيام به خدمة للإنسانية التي قدمتِ أنتِ مثالا رائعا في سبيل خدمتها
وإسعادها."(ص347). بينما ُتمنى الشخصيات الأخرى إما بالخسارة أو الخيبة أو
الإحباط،أو حتى بالجنون(الوادي الذي يوكل إليه المؤلف دور ضمير البلدة،
ويصدر على لسانه تعليقات زجلية موازية للأحداث وموشية لها،على غرار دور
الكورَس في الفن الملحمي) لتأكيد المنزع الأخلاقي في وجهيه الإيجابي
والسلبي، باعتباره قائما على زوج، ثنائية قسمة الوجود إلى خير وشر،لا جرم
قسمة مثالية في قلب مذهب الرواية، وتنسجم مع برنامجها السردي، بل هي
الوشاح المسدل أخيرا على أمثوليتها، تتكفل بدعمها تلفظات غنائية، أي على
سنن لا سردي، خارج روائي في صيغة منظومات زجلية تؤكد المنزع إياه، فتجهر
به خطابا مضمونه وغايته إحقاق الحق وإزهاق الباطل، أو لا يكون! 4 لن يفوت
المتتبع بانتظام لتجربة الروائي المعلم مبارك ربيع جنوحه إلى هذه الأداة
الجديدة في مسار كتابته، تحسبه في البداية يستعير أشعار غيره أو يتناص
بالمأثور الشعبي منها، وإذا هو يفاجئك أنه زجال من طراز رفيع أنشأها
إنشاءا،وله فيها مآرب، سيطرب لها محبو هذا اللون، أما إلى أي حد تعود
بالفائدة على العمل أو ينأى بها، فتلك قضية أخرى،وإن كان لنا أن ندفع برأي
لا نجد أفضل منه تكملة لقراءة هذه الرواية التي لا شك تغني خزانة السرد
الحديث في أدبنا،وتطمح على طريقتها تلقيحه ليثمر متنوعا، متجددا. إن
المتتبع المعنيّ لاشك ملاحظ أن المؤلف في متنه هذا طمح إلى أن يجمع مجد
الرواية من أطرافه، على الأقل، كما تدرب على نسجها ومهر في مسالكها
وصنعتها، إلى حد أن ساردها، العليم، لم يترك شأنا يفلت منه، ولا لشخصية أن
تشط، رسمها على هواه، وخط سيرها وحوادثها بما يناسب خلقيته، وعمّم لديها
خطابا موحدا، منسّقا، منخولا في لغته، مصبوبا في قالبه، حتى إننا نرى صنعة
الرواية فاضت عن الحاجة،أو حاجتها، كما لو أن مبارك ربيع وقد سلخ عقودا في
فن القص تقلب فيها بين تجارب وشاد صرحا روائيا بلا جدال،أسوة بالرائد عبد
الكريم غلاب،فهما مؤسسان للرواية في أدب المغرب بلا منازع؛ كما لو أنه
يطرح نصه أمثولة أخرى، معلمة تقتدى، وهذه المرة لوجه الفن لا الأخلاق
وحكمة الحياة، ولعمري هما واجبان على الكاتب، ويتكاملان
.

2008/1/18

أحمد المديني



الإتحاد الإشتراكي

السعدية الجبلية

انثى عدد الرسائل : 524
العمر : 51
تاريخ التسجيل : 31/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى