صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

في الشارع كركح اجتماعي•••/مصطفى الحسناوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

في الشارع كركح اجتماعي•••/مصطفى الحسناوي

مُساهمة من طرف السعدية الجبلية في السبت 19 يناير 2008 - 21:58

الشارع مجرد
مكان قد يندغم في حياده القاتل أو يتماهى و أكثر التمظهرات حدة وصخبا، قد
يكون أو لا يكون، يكون بالكثافات الإنسانية و الحشود الجسدية السائرة،
المتكلمة، المتحركة التي تخترقه أو لا يكون، أي يعود إلى تمظهره المحايد،
يصير مجرد جدران آيلة إلى صمتها المقبري• أحيانا نعبر الشارع حين تجتاحه
الحشود و تمخره الامتلاءات الجسدية كما لو أنه رحمنا، ملاذنا العفوي،
مآلنا الذي به / فيه نحس بأننا كائنون و أننا لسنا مجرد عزّل بلا علاقات
وكثافات و تقاطعات، نستسلم فيه لعضوية الانتماء للجنس البشري، نحتك بأجساد
أخرى، نشم روائح عرقها أو عطرها أو عفونتها، نرى أنفسنا في ملامح المارة
في ألبسة العابرين في نظراتهم في حركاتهم و سكناتهم في آلامهم و أفراحهم
في كل الصخب الحسي الذي يجعلهم قريبين جدا من ذلك العمق الغريزي البدائي
الذي تروم الانتظامات الاجتماعية و المعتقدات و الدوكسا و القيم و الأحكام
الجاهزة طمره أسفل المواضعات المتفق عليها• داخله نكتشف بأننا حشد بلا
جسد• و أحيانا أخرى، يكفي أن نعبر الشوارع ليلا أو في الصباح الباكر،
لنكتشف بأننا داخلها، في أتون صمت شبيه بصمت المقابر مجرد جثة / جثث• عوض
دفء الرحم، و الثقة الغريزية في الانتماء للجنس البشري نكتشف برودة
الجدران والرعب المندلق من الزوايا و العتمات و الشك الذي يخلفه كل هسيس•
في الشارع بالذات نكتشف حسنا القطيعي الذي ننساه بطريقة لا واعية، نلقي به
في جب اللامفكر فيه، نرصد الآخر / الآخرين الذي يتكلمون فينا / يسكنوننا•
إن الشارع هو عرينا، عنفنا المتكلم أو الصامت، تفاهتنا و بشاعتنا، مرضنا و
نقاهتنا، فيه نرى فداحة الإقصاء و الاستيلاب، و بذخ الانخطاف• داخله نكون
في حضرة لكن بلا محتوى صوفي، نمارس السقوط الحر و ننجذب نحو الأسفل، نلج
حيز التيه، و نضرب في المتاهات دون أن نترك سطحه المليء بالأخاديد
والثقوب• الشارع صحراء تمخرها طرق موصدة، قد نتيه فيها سنين دون أن ندرك
بأننا ما نني نراوح في المكان• هو أول الصخب و آخر الصمت، ألق البداية و
كوارث النهاية،عظمة الأجساد و انحطاطها• نعبر الشارع / الشوارع، نمخر
الحشود من الأجساد التي من الضروري الانفصال عن كل تصور أو إدراك ساذجين
لها كجسد مسالم• إن الحشد من الأفراد ليس فضاء محايدا تلجه أو تساقط عليه
الأحداث، بل هو مجرد نظام مستقر للعنف وبالمعنى الجيلوجي فهو قد يشبه تارة
طبقة من الترسبات اللاواعية وتارة أخرى حمما بركانية غير مستقرة يمكنها
الانطفاء من تلقاء ذاتها أو حرق محركيها والفعلة فيها• هناك في الشارع
الأسراب و العصب و القطيع و التحالفات و غير ذلك من العلائق المتناقضة
التي تجعل منه دغلا أو صحراء، و داخله قد تختبر منافع الانذغام الحيواني
في القطيع و مضاره أو تختبر أقصى درجات العزلة و الصموتات البالغة النأي•
فيه قد تكون جزءا أو تصير جزيرة، و أحيانا كثيرة قد تصير الوقائع و
التفاصيل التي يتم سردها عنه / فيه سواء كانت متخيلة أو واقعية سياقا يصير
السارد نفسه موضوعا له، كما في السرد الفيلمي الذي انبنى عليه فيلم
[كولاتيرال] للمخرج المتميز مايكل مان ( بطولة توم كروز)• في أول لقاء
القاتل المحترف و الأنيق و المتضلع في فنون الموسيقى كالجاز و البلوز
(كروز) مع السائق الزنجي الذي سيعبر و إياه ليل لوس أنجلس عبورا كارثيا
سيتماهى مرار و خط الموت، سيحكى القاتل للسائق حكاية الشخص الذي مات بسكتة
قلبية في ميترو المدينة و ظلت جثثه الجالسة طيلة النهار في مكانها دون أن
ينتبه إليها أحد، و عند نهاية اللقاء / نهاية الفيلم سيعيش السارد /
القاتل المحترف الحكاية ذاتها و يعرف المصير ذاته• في هذا الفيلم بالذات،
كما في فيلم مايكل مان للآخر (Heat) مع العملاقين آل باتشينو و روبير دي
نيرو، و الذي أعتبره شخصيا من روائع السينما العالمية، يرينا المخرج كيف
يمكن لعين السينما أن تستخرج / تستبطن شارعا / شوارع أخرى أسفل الشوارع
الأصلية لتخرج هذه الأخيرة من مدينتها و حضارتها و تلج حيز العنف المنهجي
البدائي الأول الذي أصله السرد الهوميروسي في [الإليادة] و [الأوديسة] أو
السرد الممسرح عند سوفوكل و يوربيد.

السعدية الجبلية

انثى عدد الرسائل : 524
العمر : 51
تاريخ التسجيل : 31/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في الشارع كركح اجتماعي•••/مصطفى الحسناوي

مُساهمة من طرف السعدية الجبلية في السبت 19 يناير 2008 - 22:02


يبدو مشهد المطاردة الاخير تحت جنح الظلام بين باتشينو و دي نيرو كما لو
كان خارجا للتو من تراجيديا إغريقية تتصارع فيه حيوات محتومة المصائر سلفا
و في فيلم [كولاتيرال] هناك ذلك المشهد البدائي الحيواني حين يقف الطاكسي
في إحدى شوارع لوس أنجلس الفسيحة الفارغة ليعبر أفراد من القبوط ( الذئب
الأمريكي الصغير) و تتوقف بدورها هي الأخرى لتحدق مليا في راكبي السيارة
بعيونها التي تبدو كما لو كانت مشتعلة لهبا بفعل انعكاسات أضواء النيون•
قد تكون اللقطة استعارة لشيء ما و لكنها أيضا جزء من الحقيقة لأن المدينة
الشاسعة الأطراف محاطة بصحارى و أراضي قاحلة تأتي حيواناتها أحيانا كثيرا
ليلا لتجوب شوارعها الفارغة بكل دعة• الملاحظ هو أن الإنسان منذ اكتشاف
السلط الخفية أو المرئية، الصامتة أو المعلنة للأمكنة العامة و مصائره
تنلعب داخلها، و خصوصا منها الشارع الذي يمتد أحيانا كثيرة، يمتد، يمتد و
يستطيل، ليصير شبيها بخيط يغطي السنوات كلها، خيط على مقاس الخط الذاهب من
الولادة على الموت• من يتكلم، يصرخ، ينحلم فينا غير الشوارع التي عبرناها،
مشيناها، اشتغلناها و اشتغلتنا، اكتشفنا فيها أول حب و أول جرح، أول شعار،
أول معركة•• إلخ، تلك الشوارع التي نحمل آثارها و أوشامها في متخيلاتنا و
أجسادنا• أتذكر كنت صغيرا وحين أقترف خطأ لا يغتفر أخاف العودة إلى المنزل
فألوذ بالشارع إلى منتصف الليل إما مستلقيا فوق عشب الحديقة أو مختبأ في
موقف السيارات المجاور لها، و حين تأتي أمي للبحث عني أخرج و أصحبها مطأطئ
الرأس كجندي مهزوم لأتلقى عقابي، و حين كنا أطفالا صغارا فقراء و جوعى
نكتشف حرب الشوارع الطبقية عبر صناديق القمامة في أحياء الأغنياء الراقية
و التي لم تكن بأي وجه من الوجوه تشبه محتويات صناديقنا العجفاء• هنا
بالذات في الشارع / الشوارع نعثر على اشتغالات السلطة / السلط التي تتلاعب
بالوجود الملموس للحيوات و الأجساد، نعثر على النظام الذي يلتهم الواقع و
يحوله إلى مجرد فرجة معمقة لمتفرجين محايدين المحاكي أكثر مما يعبر الجسد
الذي هو نحن بالذات لأن هناك مواضعات، تراتبات، معطيات تمنح العبور
الاجتماعي فينا قصب السبق• لا نصير هنا غير فائض القيمة الذي يترتب عن
رأسمال رمزي يتجاوزنا بكثير، كما أننا لا ننتمي لزمن تراكماته و تحولاته
كرأسمال و لا ننوجد إلا في لحظة ما، حتى و لو دامت الحياة كلها، من لحظات
اشتغاله وسيولته• هكذا نفقد إمكانية التواصل مع شبكات حياة اختلافية أخرى
لأن الجسد الاجتماعي الذي يستثمره الرأسمال الرمزي بقوة و عنف و إلحاح
يستدعينا إيديلوجيا كذوات معزولة ونحن نعلم بأن فعالية الإيديلوجيا تكمن
في استدعاء الأفراد كذوات• نكون داخل القطيع وخارجه في آن دون أن نفقد
حسنا القطيعي الاجتماعي• داخل هذا الانتظام الإكراهي لا ننتج الوجود و لا
معناه بل نلفي أنفسنا باستمرار خاضعين / تابعين لأنماط حياة و لمناطق
ذاتية مرتبطة جذريا بمعايير التقليد و العلاقات مع الجماعة و العمل و
الدين و الجنس••• إلخ من المعايير التي تشتغل كمعينات اجتماعية و ذاتية في
آن• يسهم الشارع بفعالية، بما هو المكان الاجتماعي بامتياز أو كركح
للتمظهرات الاجتماعية القطيعية، في تشييد هذه الأنماط والمناطق و طرح هذه
المعينات• اللافت للنظر أن الرأسمال الوحيد الذي يحوزه الفرد في هذا
السياق هو حياته، في كل عريها و بؤسها و حفاظها على البقاء و مقاومتها،
الحياة التي ترسمل، تنتج فائض القيمة تصير هي نفسها قيمة قابلة للرسملة•
إنها الصيرورة البارانوية العصابية الصلبة التي تفقد الحياة كل معانيها
الخلاقة و الحميمية و تمارس عليها سلطتها، لتعوض السلطة / السلط الإكراهية
الممارسة على الحياة قوة الحياة في ذاتها و لذاتها• ما دامت السلطة تخترق
كل مجالات الحياة فإن الصراع الطبقي سيظل حاضرا بكل فعاليته وإجرائيته
كصراع يطال مجموعة من الذاتيات البروليتارية التي تروم التحقق في فرح
مغاير للوجود، و في حق تمثيل الذات لذاتيتها و رسم شروط و أهداف وجودية
مختلفة في أفق تأسيس ذاتية مناضلة جديدة• بهذا المعنى يمكن لهذه الذاتية
المناضلة و المغايرة أن تبتكر سياستها الشيزوفرينية، الأقلياتية المرنة، و
أن تؤسس لمناطق ملساء للاجتماعي و أن تنتج أنماط وجود إنسانية مستقلة
نتحقق داخلها كذوات / أجساد راغبة متحررة من مكائن أسر الفاشيات• بدون
التفكير في هذه الصيرورة الذاتية المناضلة الخلاقة المستقلة و الممكنة
سيكون مآل الاجتماعي ومآلية الشارع من حيث هو ساحة تمظهر هذه الأخير
بمختلف تنويعاته، السقوط بشكل متزايد وكارثي في أحضان الفاشية التي ستنتج
مزيدا من الأشكال الجديدة للعنف الاجتماعي، الأشكال التي هي غوغائية أكثر
مما هي شعبية و ستصير السرقة و التهريب و العنف و الإيذاء الجسدي و
الانتحار و التطرف العدمي الوسائل الوحيدة المتروكة للحشود للحصول على
ملكية شيء ما أو توهم التحقق في كرامة أو مجد ما و بدل التنافس الخلاق
للأجساد داخل العمل سيؤسس الاقتصاد المافيوزي كنموذج له التبادل المعمم
للأجساد الخاضعة و المستعبدة و المتطرفة أو المعهرة و سيصير الهروب إلى
الأمام، عميقا في أتون الليل الاختيار أو الانتحار الجماعي الوحيد• ستصير
الرغبة في الوجود بالنسبة للمقصيين من دوائر الإنتاج و النمو، مساوقة حد
التماهي للرغبة في الموت• إن الشارع لم يكن في أي وقت من الأوقات و لن
يكون الملاذ الآمن و لا محل الراحة، بل فيه تنلعب الكوارث المعلنة والخفية
و تنبجس التمظهرات / الممارسات الفاشية الارتكاسية و فيه أيضا قد تنعلن
الرهانات البديلة و التحررية و قد يكون فضاء انبجاس لسياسة وجودية آتية أو
قبرها•

2008/1/18




الاتحاد الاشتراكي
الإتحاد الإشتراكي

السعدية الجبلية

انثى عدد الرسائل : 524
العمر : 51
تاريخ التسجيل : 31/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى