صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

الثالوث المحرم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الثالوث المحرم

مُساهمة من طرف said في السبت 7 يونيو 2008 - 6:13

الثالوث المحرم..



ملف- حكيم عنكر



لما
كتب المفكر السوري بوعلي ياسين كتابه ذائع الصيت «الثالوث المحرم، دراسة
في الدين والجنس والصراع الطبقي» الصادر سنة 1973 لم يكن يفكر أن يكون
لهذا الكتاب كل هذا المصير المتقلب، فمن كتاب ممنوع معاقب على تداوله من
قبل الجهات الأمنية إلى كتاب يمرر مستنسخا كالنشرات السرية، إلى كتاب
مطروح في الأسواق.
بالفعل، لقد تطلبت الحكاية زمنا طويلا استمر أكثر من ثلاثة عقود،
وقتها كان الكثير من معالم الأشياء القديمة قد شارف على الزوال، واتضح
للنظام العربي مقدار الخطأ الذي ارتكبه من منع دراسة أكاديمية كان من
الممكن أن تقدم خدمات كبيرة إلى العالم العربي، أولاها وأقلها ثمنا فهم
الذات العربية المغرقة في تخلفها وقسوتها ودكتاتوريتها.
واليوم، بعد مرور حوالي أربعة عقود على صدور هذا الكتاب، هل
الثالوث المحرم في العالم العربي مايزال هو هو، في حجمه الأبدي، أم إن
الأمور قد تزحزحت قليلا تحت «بطن» هذه القارة العربية العجوز؟ ثم كيف دارت
رحى هذه المعركة في الساحة الثقافية المغربية، ومن خلال المنتج النصي،
رواية وشعرا وفكرا؟

لكل ذلك ننظر في بعض مسارات كتاب وشعراء وروائيين وباحثين مغاربة
نراها جديرة بالاهتمام، لأن إمكانية تأثيرها السلبي أو الإيجابي في الحاضر
ماتزال مستمرة.

محمد شكري وخبزه


يمكن اعتبار رواية» الخبز الحافي» من أكثر الروايات العربية التي
أصبحت علامة على طبيعة الصراع الثقافي بين بنية اجتماعية تقليدية قائمة
على آلية تحريم جاهزة وبين بنية اجتماعية أخرى نقيض لها على التمام.
ربما لم يكن شكري نفسه يتصور أن تحقق الرواية، التي كتبها في فصول
مرتبكة، شهرة طارت في الآفاق، وبالأخص بعد أن دخلت «الخبز الحافي» في
دائرة الكتب الممنوعة، كي تخلد كرواية خارج الزمن.
ظل شكري مكبلا بنجاح روايته، ولم يعرف كيف يتجاوزها في أعماله التي
تلت، لقد شعر بخيبة أمل أن يكون معتقلا داخل نص روائي واحد به يعرف، وإليه
تؤول كل شهرته. وقد عبر عن هذا الانزعاج، بل وعن هذه المعاناة التي عاشها
غيره من الكتاب العالميين الكبار.
وجد شكري نفسه محشورا في مثلث لا قبل له به، روايته اعتبرت رواية
جنسية وفاضحة بينما رآها الليبراليون انتصارا للهامش ضد قيمهم «الكونية»،
في الوقت الذي اعتبرها فيه رجل السياسة تقوض مشروعه السياسي من الداخل،
لأنها طافحة باللاجدوى.
لكن شكري كان خارج كل هذا، معتبرا أن روايته بعيدة كل البعد عن أن
تكون رواية جنسية، وأن من يرى فيها ذلك مجرد «مكبوت» لا علاقة له بالأدب،
وليست له القدرة على الفصل بين الواقع والعالم الافتراضي الذي تشيده
الرواية.. لقد كان ينتشي حقا عندما يجد التأويلات الاجتماعية والسياسية
تسعفه، لأنها الوحيدة التي تقي ظهره من سياط الفهم الأخلاقي لوظيفة الأدب.
كان يؤمن حقا بأن الأدب الحقيقي هو الذي يستطيع أن يتعالى على الأقانيم
الثلاثة: الدين والجنس والسياسة، وألا يسقط في فخاخهم، لأن وظيفته مختلفة
تماما عن وظيفة هؤلاء الثلاثة. أطروحة الثالوث المحرم للمفكر السوري ياسين
بوعلي كانت تلائمه تماما، لأنها تؤمن له غطاء نظريا، لكنه في النهاية لم
يكن يحتفل بهذا، همه هو الكتابة ولا شيء غير الكتابة.

المرنيسي وحريمها السياسي


تشكل فاطمة المرنيسي إلى جانب الباحثة المصرية نوال السعداوي نموذج
الباحثة العربية التي تتحلى بنفس أكاديمي، مغامرة بالبحث في مجالات شديدة
الحساسية في الثقافة العربية الإسلامية. ولعل كتاب المرنيسي «الحريم
السياسي» هو مفتاح عملها في مجال ملتبس وفيه الكثير من المخاطر ومن مزالق
التأويل، إنها هي نفسها واعية بمغامرتها وبمخاطر هذه المغامرة، ولذلك لم
تتوقف المرينسي عن الحديث عن تربيتها الإسلامية وعن معرفتها بالقرآن
والسنة النبوية، بينما يعتبرها المفكرون الإسلاميون أو الإسلامولوجيون
مجرد باحثة ورثت الكثير من المنظورات الأجنبية، وبالأخص الاستشراقية منها.

تقول المرنيسي في ما يشبه الدفاع عن نفسها: «كمغربية تلقت تربية حسنة
على يد علماء جامعة القرويين بفاس، الذين فتحوا أولى المدارس المختلطة في
وجه البنات للتباري مع أقرانهن الذكور، في إطار الحركة الوطنية التي توجت
بتحرير البلاد سنة 1956، ولجت المدرسة الصوفية، منذ سن الخامسة من عمري
كنت أدخل الفرح والبهجة إلى قلب والدي باستظهار حديث البخاري في باب حفظ
اللسان، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فليقل خيرا أو ليصمت». إذ ليس علينا فحسب الرد على الشتيمة، ولكن أيضا أن
نمارس استراتيجية «الأدب»، وهي الطريقة التي بها ننتزع من كمال المعلومة
الثمينة عن ابن حزم، تلك المعلومة التي تجعله أرعن إلى هذا الحد. «الأدب
هو أن تضيفي إلى معلوماتك المعلومة التي في ذهن الآخر» حسب «جهيزة» الذي
ساعد الخلفاء العباسيين في تأسيس الامبراطورية الإسلامية، من المغرب إلى
الصين، وذلك بالاعتماد على فن التواصل الذي هو عنوان أحد كتبه، إذ
استثمروا الأموال لترجمة كتب أعدائهم من هنود وفارسيين وأوربيين إلى
العربية.. وانتصروا. سأفعل نفس الشيء مع كمال: أغتني بمعلوماتك «الأدب عقل
غيرك تضيفه إلى عقلك»..

بلقزيز ونقده المعرفي


الباحث المغربي عبد الإله بلقزيز مشغول أكثر بطبيعة عمل النظام
العربي، والتي يراها عقيمة ومحافظة تخاف من إطلاق عقال الحريات والحقوق،
وأخشى ما تراه هذه الأنظمة مهددا لها هو حرية الرأي والتعبير والمطالب
بمسارات ديمقراطية من قبل شعوبها.
ليست الأنظمة هي وحدها من تخاف، حسب بلقزيز، بل حتى الأحزاب العربية بما فيها التنظيمات التي تدعي الديمقراطية.

ويمثل كتابه «السلطة والمعارضة، المجال السياسي العربي، حالة
المغرب»، الصادر عن المركز الثقافي العربي، مادة غنية تتناول المجال
السياسي العربي المعاصر، من حيث تكوينه ومسارات تطوره وأنماط التناقض
والصراع فيه والديناميات العميقة التي تؤسس علاقاته وثنائياته.
يقودنا كتاب بلقزيز إلى معرفة طبيعة تشكل الحقل السياسي العربي ومدى
فاعليته الشعبية وكيف ساهم رجل السياسة في صياغة منظور للفعل السياسي، توج
على المستوى العربي بترسيخ تلك العلاقة الملتبسة بين مجال عمل الدولة
ومجال عمل رجل السياسة، وكيف أن علاقات المصالح المتصارعة التي كانت سائدة
بين الخطاب الرسمي والخطاب المعارض في الستينات والسبعينيات قد انمحت
اليوم في أغلبية المشاهد السياسية في ظل قدامة الخطاب المعارض أو بسبب
هيمنة الدولة القمعية على النخب والأحزاب، ومسلسل الإفقار السياسي الذي
رسخ المزيد من هيمنة الدولة، وتدني أداء الفكر المعارض، وتكرس عوامل
النكوص التي قضت بالضربة القاضية على ما تبقى من الحلم في الديمقراطية.
وبحكم الزمن الطويل الذي قضاه عبد الإله بلقزيز في تتبع آليات عمل
الطروحات الفكرية والعروبية ومعرفته العميقة بالمشاهد السياسية العربية من
موقع الصحبة والمشاركة، يكون هذا الكتاب بمثابة دليل في فهم انتكاسات
اللحظة وأزمة المثقف العربي.
لم يكتف بلقزيز بالحديث عن المشاهد الثقافية في العالم العربي، بل
خصص جزءا مهما من الكتاب للمشهد السياسي المغربي، ومرد ذلك إلى كون الحالة
المغربية تكتسي تمثيلية وازنة في النطاق العربي العام، كما يقول المؤلف،
«وخاصة في باب تكوين المجال السياسي، ثم لأن المغرب شهد أشكالا من الحراك
السياسي النشط، دفعت بعلاقات السياسة والسلطة فيه إلى حدود من التميز
بعيدة»، هذا ليس وحده هو الباعث على إفراد مساحة وازنة للمشهد السياسي
المغربي، ولكن لأن التجربة المغربية جديرة بالاعتبار، على المستوى العربي،
وبالمعرفة، فالكثير من العرب لا يعرفون ماذا يجري في المغرب على وجه
الحقيقة في المستوى السياسي وفي مجال الصراع الاجتماعي، حتى وإن كانت
العناوين الكبرى ملفتة للانتباه، وهذا يتبدى في حالة الخلط حتى بالنسبة
إلى النخبة السياسية المثقفة في المشرق العربي، التي نعرف عنها نحن الشيء
الكثير أكثر مما تعرفه هي عنا، وربما يعود هذا بشكل أساسي إلى كون بلدان
المشرق مصدرا قويا للإيديولوجيا بخلاف المغرب الذي ظل متلقيا أو»مستهلكا»
بدءا بالأفكار السلفية والإسلامية ومرورا بالأفكار القومية والاشتراكية
وانتهاء بحالة التفتت التي أصابت المشارقة والآن تنتقل عدواها إلى
المغاربة، على جميع المستويات، سياسيا وثقافيا، بينما يمضي النظام العربي
إلى مزيد من التمزق.
الكتاب غني بالتفاصيل والوقائع التي لا يعرفها إلا رجل مجرب ومثقف
من عيار بلقزيز، هو الذي خاض في مياه كثيرة، هو الذي يقول، وما أغنانا عن
القول، إن حراكا بغير رؤية محض تنفيس للضغط».
لتتحول المعارضة في العالم العربي إلى شكل صوري لا «أساس له من الصحة».


بنيس ومواجهة آلية الإخضاع


منذ «بيان الكتابة» الذي أصدره الشاعر المغربي محمد بنيس في أواسط
الثمانينيات، وهذا الشاعر لا يكف على الاحتكاك بمحيط السياسة، لأنه يعتبر
أن مجال السياسة في المغرب هو مجال التحالفات، وأن رجل السياسة في المغرب
ما هو في النهاية إلا رجل أمي، لا يطيق أن يرى مثقفين حوله في الحزب أو في
النقابة، ولذلك يعمل على طردهم تباعا من جنته الأرضية ملقيا بهم في عراء
السؤال.
آخر صرخة ألم صدرت عن هذا الشاعر هي الرسالة التي بعثها إلى الشاعر
الراحل عبد الله راجع، صديقه وملازمه في تجربة مجلة «الثقافة الجديدة».
يكتب له التالي: «من يعلم أكثر منك أننا عشنا زمنا قاسيا، وأننا،
جنبا إلى جنب، تقاسمنا علناً أو بالتواطؤ ذاك الذي كان علينا فعله كي
نقاوم زمن التدمير؟ المؤسسة الحزبية مجسدنة في اتحاد كتاب المغرب، أو
جريدة الاتحاد الاشتراكي (ولها سلسلة من الأسماء) كانت ورثت (وليست وحدها)
تاريخاً من إخضاع وتبعية الثقافي للسياسي. كنا في الشعر، كما في الثقافة
الجديدة أو البحث في الشعر المغربي المعاصر، متضامنين. تضامننا لم يكن
يحتاج إلى وثائق إثبات. كنا كل أسبوع نتبادل الرسائل بين المحمدية والفقيه
بن صالح ثم اللقاءات الأسبوعية، لاحقا، في بيتك بالحي المحمدي بالدار
البيضاء. سنوات عديدات تقارب العشرين، وتلك الحياة المشتركة التي كنا فيها
نتقـاسم ألم اختيار حريتنا في بناء قصيدتنا وفي الدفاع عن فكرة جديدة
للشعر والثقافة في المغرب. ما الذي كان لنا أكثر من ذلك؟ لا شيء. لم يكن
يخطر ببالنا أننا نبحث عن امتياز ما أو عن منفعة. كنا نحفر بحثا عن
الطبقات السفلي لليتم والأسئلة. وفي الحفر كان عذاب المطاردة يزداد ويقوي
ويبطش».

نيد علي يروي قصص حب الجزارين


رواية «غراميات متعلم جزار» من كتب فن الحب والهوى، إنه مثل كتاب
أوفيد، يليق لأشياء كثيرة، منها تعلم الحكمة من الكتب ومن الحياة، ومنها
أيضا استغوار عالم المرأة بتتبع خيط الحب إلى آخره حتى وإن كانت اللحمة
الأساسية التي تقوم عليها رواية «غراميات متعلم جزار» لمحمد نيد علي
الصادرة عن منشورات «الفنك» لا تقوى على حمل القارئ إلى مناطق بعيدة،
لكنها مع ذلك ونظرا إلى طابع موضوعها الطريف، تفرد لنفسها مكانا في حديقة
السرد المغربي.
سيكون قدر بطل الرواية «التهامي» أو لنقل الشخصية الرئيسية
المتكلمة في الرواية والتي تسيطر على دفتي الحكي من البداية إلى النهاية
سيطرة مطلقة وببراعة تجمع بين حنكة الجزار وبين فتوة الشباب وطلاوة
اللسان، سيكون قدره أن يقع في حب زينب، الزوجة الشابة غير المقتنعة بزوجها
في فراش الزوجية، والتي تخرج من البيت بعلة التسوق واقتناء كيلو من اللحم
كل يوم.. موعد في التواطؤ من أجل كيلو لحم بين المتعلم الذي صار معلما
جزارا يشهد الجميع بجودة «لحمه» وبين الفتاة الشابة طرية العود واللحم،
ينتهي بتلك الخلوات التي يختلط فيها المنع بالشوق الجارف بالولع بمساندة
من «الحاجة» المرأة ذات الماضي المقدود من اللذة، تلك اللحظات التي تمر
سراعا دون أن يتمكن الجزار الشاب من إطفاء جمرة الشوق من زينب الجموح،
والتي لا تكفي ساعة أو بعض ساعة كي يكون الوطر أحسن ما يكون.
تدخل هذه الرواية، التي كتبت أساسا باللغة الفرنسية قبل أن تتم
ترجمتها إلى العربية، ضمن أعمال أدبية لجيل جديد من الكتاب المغاربة الذين
يكتبون بلغات أخرى، فرنسية وإنجليزية، متخلصين من ثقل الموضوع المحظور،
وبانين لعلاقة أخرى مع الواقع في رؤية أقرب إلى الرواية التسجيلية. همهم
الغوص في التفاصيل، والاقتراب من زوايا الحياة الحادة، ومن اللعبة
الإيروتيكية الخطرة. نيد علي واحد من هؤلاء.

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الثالوث المحرم

مُساهمة من طرف said في السبت 7 يونيو 2008 - 6:16

الزاهي يفكك عمل حقل السياسة في المغرب




حكيم عنكر




يقدم الباحث السوسيولوجي المغربي نور الدين الزاهي جهدا معرفيا هاما في
بحثه في أشكال اشتغال السياسي في المشهد السياسي المغربي. وفي كتابه «بركة
السلطان»، الصادر عن منشورات «وجهة نظر»، نلمس بعمق قدرة هذا الباحث على
قراءة تاريخ السياسة في المغرب باعتباره متواليات تخضع لنفس الميكانيزم.
إننا نعرف عن قرب كيف «تأكل» الشرعية السياسية كتف الشرعية
الدينية، وكيف تتغذى بها قبل أن تتعشى الأخرى بها. نحن نتكلم عن المغرب،
والذي هو المغرب سواء في القرن السادس عشر أو في القرن الواحد والعشرين..
والكتاب في فهم دينامية الجماعة وتأثير الزوايا على صاحب القرار
السياسي، كما يعد كتابا في سوسيولوجيا الولاية والولي، وفي تتبع كيفية
اشتغال «المخيال» الديني، وتحكمه في صياغة الحقل الاجتماعي والسياسي في
مغرب لم ينفك يوما على إحلال الوجه الكراماتي المساحة الكبرى، مشيدا لنوع
من العلاقة «الجارية» بين رجل السياسة ورجل الدين، وبين منتج الخطاب
الديني ومستقبليه من الخاصة أو عامة الناس.
هذا الموقف سيتغير طبقا لتغير المصالح والعلاقات، فكلما ضعفت الدولة
ارتفع صوت رجل «الصلاح» وكلما كان السياسي قويا في دولته لزم «رجل الصلاح»
زاويته وتعبد فيها إلى حين يصبح العصر في «خسر».
ينبش الزاهي في الحدود الفاصلة بين «سلطان» ديني وسلطان دنيوي،
يتنازعان الاختصاصات والمصالح، ويتحالفان ويعتركان من أجل غلبة الواحد على
الآخر، وإخضاع القوي للأقل قوة، ولقد عاش حقل السلطة في المغرب موزعا بين
هذين القطبين.
يطرح نور الدين الزاهي هذه القضايا وما يرتبط بها من إشكالات معرفية
وثقافية، وأيضا من لبس في طريقة اشتغال المجال الديني في مغرب الزوايا، أو
على الأقل بالنسبة إلى عدد من الزوايا التي لعبت دورا حاسما في الصراع
الديني والسياسي في المغرب، وفي حرب المشروعيات التي لم تنته إلى اليوم،
في شبه حرب مفتوحة بين الطرفين، قائمة، في شكلها المظهري، على «إسداء»
النصيحة للسلطان، غير أنها تعبر، في حقيقتها وتجليها العملي، عن الرغبة في
تقاسم أو في تملك المجال السياسي، أو على أقل تقدير توجيهه لفائدة
المشروعية الدينية.
يصوغ نور الدين الزاهي إشكالاته وطروحاته النظرية والفكرية دائما
بالاعتماد على «الوقائع» التاريخية، خالصا إلى أن المظاهر السوسيولوجية،
أو موحيا بها، والتي نعيشها اللحظة، ما هي إلا حلقات في سلسلة طويلة من
تاريخ الصراع الثقافي في المغرب.
تمنع السلطة السياسية زاوية أو تقرب أخرى، وتضرب بيد من حديد على
أتباع بدؤوا يتكاثرون، وتساهم في «بناء» زاوية قد تخطفها التشرذم والبوار،
لعبة سياسية متقنة شبيهة بما يحدث في الحياة السياسية أو الحزبية من حيث
التحكم في تيرمومتر البعد أو القرب من دوائر القرار، بينما تبدو السلطة
أو«بركة السلطان» هي الوحيدة القادرة على تخليص ا«لشعب» من ضحالة اليومي
وبؤس «الزوايا الجديدة».
بطبيعة الحال، لم يكتب الباحث نور الدين الزاهي هذا الكتاب من أجل
أن «يخرج القارئ صفر اليدين»، بل نلاحظ أن الزاهي، وبالتحلي بالصرامة
المنهجية والحياد والموضوعية العلمية، يدفع القارئ إلى الخروج من حيز
المتلقي «الأعمى» إلى القارئ المبصر، من خلال لفت الانتباه إلى أن طبيعة
اشتغال الحقلين السياسي والديني لا تختلف في مغرب القرن السادس عشر وما
تلاه عن مغرب الآن، مهما تباعدت السياقات الاجتماعية ومهما تلون «الصلحاء»
بتلاوين الجماعة أو الحزب، كما أن السلطان نفسه لم يغير استراتيجيته،
مستفيدا من تاريخ التجربة الطويل في «ضبط» المجال الديني، فلا مزاح حينما
يكون القطب السياسي والقطب الديني شيئا واحدا.

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الثالوث المحرم

مُساهمة من طرف said في السبت 7 يونيو 2008 - 6:19

« المقهى الأزرق» لإدمون عمران المالح




براهيم الخطيب



يتألف
كتاب « Le café bleu أو الزريرق» للكاتب المغربي اليهودي إدمون عـمران
المالح من مجموعة مقالات غير مؤرخة، وبضع مداخلات ألقيت في ندوات عقدت في
إسبانيا بين 1987 و 1992، وفي ندوة جرت أشغالها بإيطاليا سنة 1995،
بالإضافة إلى المقدمة التي وضعتها السيدة ماري سيسيل ديفور.

ويمكن تصنيف المقالات والمداخلات إلى نوعين:

مقالات ذاتية: وفيها يتحدث الكاتب عن مقهى «الزريرق» في أصيلة، وعن
فقر وغرابة صديقه الفنان خليل الغريب، وعن مقبرة اليهود في نفس المدينة،
قبل أن يتحدث عن تجربة كتابة روايته الأولى
«المجرى الثابت» طارحا قضايا نقدية مثل قضية الهوية الثقافية، واللغة الأم ولغة الكتابة، والسيرة الذاتية والتخييل.

مقالات حول كـُتاب ونصوصهم: وفي هذه السلسلة من المقالات، يتحدث إدمون
عمران المالح عن كتاب « الليلة الناجية » La nuit sauvée الذي ألفته زوجته
السيدة ماري سيسيل ديفور عن فكر والتر بنجامان، كما يتحدث عن كاتبين
مغربيين هما الشاعر مصطفى النيسابوري والروائي والشاعر محمد خير الدين،
وعن أربعة كتاب إسبان هم يوحنا الصليب (1542-1591)، واندريس سانتيش
روباينا، وخوسي أنخيل فالنتي، وخوان غويتيصولو، وعن الفيلسوف وعالم
اللاهوت الإيطالي جيوردانو برونو (1548-1600)، وأخيراعن جان جينيه الذي
خصه بثلاث مقالات تتغيا مقاربة كتابه «الأسير المتيم» Le captif amoureux
من زوايا متعددة.


«أصدقاء الكلام»


والملاحظ أن إدمون عمران المالح خص الكتاب الإسبان الأربعة الذين
أشرنا إليهم بست مقالات، من أصل الإثنتي عشرة مقالة المكرسة للكـُتّاب (أي
ما يعادل 50%)، وذلك ما حدا بي إلى تأمل هذا الملمح وجعل مقاربة الثقافة
الإسبانية في كتاب «الزريرق» موضوعا لهذه المقالة التي يجب أن أقول أن
الغرض منها لا يعدو أن يكون ملامسة الموضوع وليس التعمق فيه.
تتوفر مقاربة الثقافة الإسبانية في مقالات إدمون عمران المالح على
بعد حضاري يتم التعبير عنه من خلال إبراز أهمية تعايش الديانات الثلاث،
المسيحية والإسلام واليهودية، ونبذ كل نزعة تفتيش من شأنها تدمير هذا
التعايش بواسطة النفي والإحراق، وعلى بعد زمني يمتد من موسى بن ميمون وابن
عربي المرسي (في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين) مرورا بيوحنا
الصليب ولويس دي غونغورا (من القرن السادس عشر) وثيرفانطيس ( من القرن
السابع عشر)، ووصولا إلى كتاب القرن العشرين؛ كما أن تلك المقاربة تتوفر
على بعد جغرافي موسّع، حيث لا يندرج فيها كتاب من إسبانيا فقط ولكن أيضا
من أمريكا اللاتينية الناطقة باللغة الإسبانية، وإن كان الكتاب الذين
ينتمون إلى هذا الفضاء إنما تتم الإشارة إليهم باختصار بين آونة وأخرى،
وهم: كارلوس فوينطيس (مكسيكي) وخوسي ليثاما ليما (كوبي) و سيفيرو ساردوي (
كوبي) و أوكتافيو باث (مكسيكي)، دون إغفال استشهادات دالة على شكل فقرات
أو جُمل اقتبست من إنتاجهم لإغناء رؤى وتوجهات صاحب الكتاب. وهناك بعد آخر
لمقاربة الثقافة الإسبانية، وهو بعد تجنيسي يتجاور فيه الشعر والرواية،
وإن حظي الشعر بالنصيب الأوفر من اهتمامات إدمون عمران المالح كقارئ، رغم
أنه في العمق لا يولي التجنيس أي اعتبار.


جدل القراءة والكتابة


لكي ندرك طبيعة اختيارات إدمون عمران المالح، يجدر بنا أن نتفحص
خصوصية مقاربته: فهو يرفض النقد، خاصة النقد المنهجي أو الأكاديمي
الاحترافي المستمد من اللسانيات وعلم الدلالة، ويعتبر أن قراءة نص ما تعني
كتابته مجددا أي إعادة صياغته: فليس هناك حد فاصل بين الكتابة والقراءة.
إنه يرى أنه ليس ضروريا، عند الشروع في القراءة، أن نبدأ من الصفحة الأولى
ثم نتدرج نزولا مع الصفحات الموالية، وإنما يمكن الانغماس في النص من أية
صفحة شئنا، حيث يتحكم في القراءة حدس الاكتشاف. ثم إننا، عند القراءة أو
تأمل النص، لا يجب أن نظل سجناء ملفوظه، بل علينا أن نسبح في دلالاته
فنغادر النص بحثا عن هوامش وعوالم وأنساق مجاورة قد تكون الفلسفة أو
التشكيل أو الموسيقى أو ذكريات خاصة بالقارئ، كما أنه من حقنا أن نستعمل
تجاربنا كمرادفات لذلك النص أو نبحث في كياننا الروحي عن أصداء له بعيدة
الغور.

ويعتبر إدمون عمران المالح أن لكل نص لغته الخاصة، لكن هذه اللغة
تواكب لغة أو لغات أخرى في حركة تماس تؤدي إلى تلاقيها، دون أن تتغاضى عن
سلالتها الأصلية أو تقف منها موقف اللامبالاة. إنه يرى أن القراءة،
المنضبطة بنظام معين والمتنبهة فقط إلى تقدم النص، لا تستوعب هذا النص رغم
ضرورتها، ذلك أن القراءة الحقة لا تبدأ إلا بعد الانتهاء من قراءة النص،
وأنها تكشف، عقب كل خطوة تخطى في وضوح وصفاء حقيقيين، سريته التي يستحيل
الدخول إليها أو اختراقها.


روائي وثلاثة شعراء


خص إدمون عمران المالح الشاعر والمتصوف ورجل الدين الكرملي يوحنا
الصليب بمقالتين: حيث أبرز في الأولى، وعنوانها «همهمات صوت أخرس في ليل
أوبدا Ubeda» (وأوبدا مدينة أندلسية عتيقة تقع في إقليم Jaen أو جيان)،
أهمية استرجاع محنة الرجل في أسره بطليطلة، وعدم اعتبار عفو الكنيسة عنه
وتعميده قديسا فيما بعد مبررين لنسيانها، إذ من قلب تلك المحنة نبع شعره
الصوفي الذي تغتني عروقه بمختلف تيارات التصوف الإسلامي واليهودي. ويرى
إدمون عمران المالح أن يوحنا الصليب، إذا كان صاحب مذهب يهدف إلى إيصال
معتقداته إلى الناس، فإنه هو ذاته نص يستحق القراءة، وإنه لولا الكتابة
لما كان قد أثار اهتمام حركة التفتيش الديني التي ترى في كل نص مخالف
لتوجهاتها خروجا عن الإجماع الذي يكون في الغالب مفقرا للروح. أما في
مقالته الثانية المعنونة «القديس يوحنا الصليب»، فقد ألح إدمون عمران
المالح على ضرورة قراءة تصوف الرجل من زاوية الروافد اللغوية الثلاثة
(الإسبانية والعربية والعبرية) التي لا يستبعد اتصالها، عن طريق الترجمة،
بالحكمة الشرقية وخاصة الصينية («اطلبوا العلم ولو في الصين»). ويلاحظ
إدمون أن تجربة يوحنا الصليب الصوفية تنطلق من صيرورة جسدية تنقل المتصوف
من حالة العمى إلى حالة الاستبصار الوجودي والاستغـراق فـي نـورانية
الرمز. ثم يصف شـعره، وخاصة «الـنشيد الروحـي»el cantico espiritual،
بكونه «معجزة نصية عبرت العصور، متجاوزة شتيمة النسيان والتحريف المتعمد،
والتهديد الدائم بإحراق افتراضي» (ص 165).

وحظي الشاعر خوسي أنخيل فالنتي، بدوره، بمقالتين تحمل أولاهما عنوان
«نافذة مفتوحة» والأخرى «من أجل خوسي أنخيل فالنتي». يشعر إدمون عمران
المالح إزاء كتابة هذا الشاعر بانتشاء لا يوصف فيسترجع أشعاره، ويرددها
بين آونة وأخرى، ويحول كلماتها إلى مشاعر شخصية، لكنها المشاعر التي لا
تستخف بثقل النص وحجمه ووقعه في الوجدان والمخيلة. إنه ينظر بإمعان أيضا
إلى صرامة لغته، ودقتها البلورية، فيخشى أن تكون قراءته قد أضاعت شيئا من
جوهرها أو انزاحت عنه لاصطناع انفعالات لا صلة لها به. ويبرز إدمون عمران
المالح، أثناء قراءته لديوان «دروس العتمات الثلاثة»، الأثر العبري في شعر
فالنتي، وخاصة أثر القبَّالة، نافيا في نفس الوقت خضوع الشاعر لأي تأويل
مذهبي مسبق، ومن هنا ينطلق للتساؤل حول ماهية لغته : « بأية لغة يكتب
فالنتي؟ هل بالآرامية أم بالعبرية أم بلغة ابن عربي الرائعة، أم بلغة
يوحنا الصليب التي لا تقل عنها روعة؟» واصلا تراثه الشعري بتراث أسلافه
الخارجين في أعماق القرون الماضية، ومذكرا إيانا بما يقوله خوان غويتيصولو
في كتابه «شجرة الأدب» من أن «الشاعر لا يخلقـُه أسلافـُه، وإنما هو الذي
يخلق أسلافَـَه».

ضيف في محفل الكتابة


يتعلق الأمر إذن بأربعة كتاب إسبان، يعتبرهم إدمون عمران المالح «
أصدقاء الكلام». ومع أنهم ثلاثة شعراء وروائي واحد، فإنه لا يفرق فيهم بين
الروائي والشاعر، بل يعتبر أنهم يمتحون جميعا من « تلك المركزية النصية
التي تنبض بالرغبة»، مركزية الكتابة، وينتمون جميعا إلى أرض تنفرد بكونها
مسقط رأس متصوفة مسلمين ويهود ومسيحيين نابهين هي الأندلس، وأن كتابتهم
حافظت على جذورها واخترقتها في نفس الوقت مبتكرة عوالم جديدة لا يستطيع
السير فيها إلا الذين وُهبوا نعمة القراءة المستبصرة. تلك القراءة التي
تجعل من ذات القارئ، بكل ما تنطوي عليه من يقينيات وشكوك وتجارب وإرهاصات،
الأداة الوحيدة للاقتراب من أسرار النص.

يقرأ إدمون عمران المالح أولئك الكتاب بجدية من يدخل في ديانة جديدة،
فتحرك نصوصهم فيه سيلا من الانطباعات وردود الفعل، وتستدعي ذاكرته النصية
وذاكرة جذوره الروحية التي تنغرس في المغرب وإسبانيا السفاردية، وتتطاول
قرونا عديدة، كما تنغرس في نص الثقافة الأوربية وخاصة حسب تأويل والتر
بنجامان لهذا النص. قراءة مخصبة ترتبط رهاناتها بالوجود والصيرورة، وتجعل
القارئ ضيفا مبرزا في محفل الكتابة، وليس مجرد متطفل عليه.

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الثالوث المحرم

مُساهمة من طرف said في السبت 7 يونيو 2008 - 6:22

بورخيس وغيريرو يدخلان حديقة أسطورية في «المخلوقات الوهمية»



نبيل منصر



لا
شك أن بورخيس كاتب استثنائي، وأسطورته لا ترتبط فقط بالعمى الذي داهمه،
على نحو كلي، في منتصف العمر، ولكنها تتصل، عمقيا، بذكائه النادر وبنبرته
الخاصة في التأليف، كما تتصل بجمعه بين انشغالات ثقافية متنوعة، جعلت منه
كاتب قصة من نوع خاص، وناظم قصائد باهرة الحكمة والإشراق، وموقع مقالات
تبلبل مفهوم الجنس الأدبي ونقاءه المفترض. وهو إلى جانب ذلك كله، صاحب
مؤلفات طريفة، لا تعكس فقط سعة الاطلاع الذي ميز هذا الكاتب الأرجنتيني،
وإنما تعكس أيضا جانبا قويا من شخصيته الإشكالية، التي جعلته يتجاوز
الحدود «الوهمية» القائمة بين الواقع والكتب، إلى درجة أنه يمكن الزعم بأن
بورخيس ما هو إلا شخصية قصصية لهذا المؤلف العظيم.

ويبدو لي أن «كتاب المخلوقات الوهمية» (المركز الثقافي العربي2006/
ترجمة بسام حجار)، الذي ألفه بالاشتراك مع مرغريتا غيريرو، هو واحد من
أطرف الكتب التي تدل على تبحر بورخيس وعبقريته. والكتاب لا يحيل فقط على
الثقافة العربية الإسلامية من خلال استدعاء كتاب «عجائب المخلوقات وغرائب
الموجودات» للعلامة القزويني، وإنما يحيل أيضا على مؤلفات مرتبطة
بالتقاليد الوثنية الصينية واليابانية والهندية والإغريقية والمصرية
القديمة، كما يحيل على مؤلفات أخرى مرتبطة بالتقاليد المسيحية. وعبر هذه
وتلك، تتألق سرود وخرافات ومحكيات أسطورية، ومقاطع شعرية مقتطفة من ملحمة
جلجامش أو الإلياذة أو الانياذة أو من جحيم دانتي، أو غيرها من الملاحم
والقصائد، التي أبدع عبرها الإنسان، في محاولة لفهم ذاته وتاريخه، نوعا من
الخيال العجيب.


من الواقع إلى الأسطورة


في مقدمة الطبعة الأولى للكتاب (1954)، يعمد المؤلفان إلى توضيح
خصوصية العمل وحدوده، فيؤكدان، بداية، أن الطفل عندما يزور حديقة الحيوان
صحبة والديه، فإنه «يشاهد للمرة الأولى جحافل مملكة الحيوانات الجامحة،
وعوض أن يجفله المشهد أو يرعبه، يلاقي في نفسه استحسانا»(ص9). ولعله
استحسان مقترن بالرغبة في الاكتشاف التي تغذي خيال الطفل وثقافته وتجعله
ينتقل، بسلاسة ودونما خوف، من حيوانات الكتب المصورة إلى حيوانات الواقع.
في هذا الكتاب ينتقل المؤلفان من «حديقة حيوانات الواقع إلى حديقة
حيوانات الأساطير، حيث شعب الحيوان ليس أُسْدا بل سفنكس وعنقاء مُغِرب
وسنتور» (ص10). ولما كانت حيوانات الأساطير تتناسل، في المتخيل الإنساني،
وفق مبدأ المزج أو المسخ، فإن الكاتبين يفترضان أن عدد حيوانات الأساطير
يربو على عدد حيوانات الواقع، بما أن «احتمالات فن المزج يقارب
اللانهاية»(ص10). غير أن من يقرأ قائمة المخلوقات المثبتة في فهرس الكتاب،
بالرغم من روح التحري في بطون الكتب ورحم الأساطير والديانات، التي ميزت
الكاتبين، لا بد وأن يلاحظ أن «علم حيوان الوهم أقل غنى ووفرة من علم
حيوان الرب».
تطفح حديقة حيوان الأساطير بأصناف من المسوخ، ومنها ثعبان
القُهيقَران، وهو «ثعبان ذو رأسين، أحدهما في موضعه الطبيعي والآخر عند
الذيل، يسعه النهش بالرأسين، ويعدو عدوا رشيقا، وعيناه تلمعان
كشعلتين»(ص16). وهناك التنين، وهو ثعبان أسطوري له قرنا أيل، ورأس جمل،
وعينا شيطان، ورقبة أفعى، وبطن رخوية، وحراشف سمكة، ومخلب نسر، وأخمص
أقدام نمر، وأذنا ثور، ومن الشائع «تصوره بلؤلؤة تتدلى من عنقه هي شعار
الشمس. في هذه اللؤلؤة يكمن سلطانه. وإذا نُزعت عنه يغدو مسالما» (ص58).
وتميز الثقافات الوثنية القديمة بين التنين السماوي الذي يحمل على ظهره
بلاطات الآلهة، والتنين الرباني الذي يولد الرياح والأمطار لخير البشرية،
والتنين الجوفي الذي يحرس الكنوز المحرمة على البشر. ولقرون طويلة اتُخذ
التنين شعارا إمبراطوريا، حتى سمي عرش الإمبراطور بعرش التنين.

رماد الطائر


تحدث مرة كونفوشيوس عن العنقاء التي لا تأتي. وهي، حسب الشروح، «طير
ذو ألوان زاهية، أشبه بالتُّدرُج والطاووس». ويذكر أن هذا الطير كان، في
عصور ما قبل التاريخ»، يزور الحدائق وبلاطات الأباطرة الفاضلين كدلالة
مرئية على الحظوة السماوية. أما الذكر منها، وله ثلاث قوائم، فكان يقطن
الشمس» (ص71).

للعرب، في حديقة حيوان الأساطير، طائرهم الخاص، وهو طائر الرخ الذي
يدين بشهرته لكتاب «ألف ليلة وليلة». وكلنا نذكر أن السندباد «حين خلفه
صحبه على الجزيرة رأى من بعيد قبة بيضاء، وفي اليوم التالي حجبت عنه سحابة
عظيمة نور الشمس. كانت القبة هي بيضة الرخ والسحابة هي الطير الأم».
ويُروى أن الرخ من القوة بحيث «يحمل بمخالبه فيلا ويحلق به في الفضاء، ثم
يُسقطه من علو شاهق لكي يلتهمه فيما بعد» (ص44).

للعرب أيضا، كما للشعوب الأخرى، في هذه الحديقة مخلوقات أخرى، ويتحدث
القزويني عن حصان البحر، وهو شبيه بحصان اليابسة، «عرفه أطول وكذلك ذيله،
ولونه أجلى وحافره مشقوق كحوافر البقر الوحشي، وحجمه أضأل من حجم حصان
اليابسة، وأكبر قليلا من حجم الحمار»(ص49). وورد في «المنتخبات الصينية»
أن الحصان البحري يظهر على الشواطئ سعيا وراء أنثى، وأحيانا قد يؤسر
«فروته سوداء لامعة، ذيله طويل يكنس التراب، على الأرض اليابسة يعدو كما
تعدو الجياد الأخرى، وهو وديع وقد يقطع في نهار واحد آلاف الأميال. من
المستحسن ألا يغسل في النهر، لأنه ما إن يلمح المياه حتى يسترد طبعه
القديم فيبتعد سابحا» (ص51).

تعيش، بحديقة حيوان الأساطير، أفيال أيضا. ولعل أغربها الفيل الذي
تنبأ بولادة بوذا، ويُروى أنه «قبل مجيء المسيحية بخمسمائة سنة، رأت ملكة
النيبال مايا، في منامها، أن فيلا أبيض قادما من «جبل الذهب» يدخل في
جسدها. كان هذا الحيوان الحُلمي بستة أنياب عاجية مطابقة لأبعاد للمكان
الهندونيسي: أعلى وأسفل وأمام وخلف وميسرة وميمنة. تنبأ فلكيو الملك بأن
مايا ستنجب ابنا من شأنه أن يغدو إمبراطور العالم أو ثواب الجنس البشري.
النبوءة الثانية، كما نعلم جميعا، هي التي تحققت» (ص55 ).
هناك أيضا السفنكس، وفيه المصري واليوناني. فسفنكس الصروح المصرية
هو «أسد رابض على الأرض برأس إنسان(أو جدي)، يُعتقَد أنه كان يمثل سلطان
الملك ويحرس الأضرحة والقبور»، أما السفنكس اليوناني فهو أسد برأس امرأة
ونحرها، وجناحي طائر، وهناك من يزعم أن له جذع كلب وذيل أفعى. ويحكى أنه
«كان يحيل أرضاً طيبة إلى قفر بإخضاعه البشر لامتحان الألغاز»(ص72)، وهو
الذي اعترض طريق أوديب، وسأله عن المخلوق الذي له أربعة أقدام أو قدمان أو
ثلاثة أقدام، وكلما ازداد عددها ازداد وهنا.

بهذه الحديقة الأسطورية، تُذكَر أيضا مصاصات الدماء التي تقطن، بحسب
قدماء اللاتين واليونان، إفريقيا. وهن مخلوقات لهن حتى الخصر هيئة امرأة
حسناء، وما دون الخصر هيئة أفعى. ويُذكر أنهن «حُرمن من ملكة الكلام، ولكن
حُبين بصفير شجي. في الصحارى يستدرجن المسافرين بغية افتراسهن» (ص110).
كل من قرأ «كتاب المخلوقات الوهمية» يمسه ضرب من السحر، ويُؤخذ
برغبة لا تقاوم في التعرف على كل حيوانات هذه الحديقة الأسطورية، التي
أبدعها الخيال البشري، منذ آلاف السنين، انطلاقا من مبدأ المزج أو المسخ.
وإذا كنتُ قد أشرتُ، في هذه النماذج، إلى المشهور من مخلوقات هذه الحديقة،
فلكي أحرض القارئ الكريم على قراءة الكتاب، للتمتع، مع بورخيس ومرغريتا
غيريرو، بأغرب المخلوقات المجتلبة من أصقاع بعيدة في مخيلة الإنسان. قراءة
للمتعة، ولكن أيضا لتخصيب الشعر بأعمق الرموز.

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الثالوث المحرم

مُساهمة من طرف said في السبت 7 يونيو 2008 - 6:25

حكيم عنكر


طابو وطوطم مغربي
المساء6-6-2008



لكي
يمر مبدع مغربي شاب إلى النشر كان عليه أن ينتظر طويلا في الصف، بل كان
عليه أيضا أن يتحلى بالكثير من أخلاق «الأولاد الجيدين» وأن يمر من تحت
إبط المعلم، والذي هو في هذه الحالة، المثقف الصنديد الخارج من الحزب أو
من النقابة أو من المشروعية التاريخية، الذي يملك الحقيقة، معلبة في صندوق
العجب.

ليس عيبا أن يتعلم اللاحق من السابق ولا أن ينصت «المتعلم» للمعلم أو
حتى أن يحمل له الحقيبة من باب الجامعة إلى السيارة العامرة، أو أن يتسقط
له الأخبار في المقاهي والحانات وفي الحرم الجامعي وبين صحف اليمين
واليسار، فحق على المثقف المغربي الصنديد أن تكون له كافة المعطيات عما
يجري في الكواليس وما يقال فيه من مديح أو هجاء، وحق له أن يشكل فرقة
المديح العالي.

قرون استشعار الطوطم المغربي تمتد إلى النوايا، فتفرد لها المقام
الأوفى في التحليل وفي «التنكيل»، فكم من صاحب رأي في السياسة أو في
الكياسة انتهى به المقام إلى أن يأخذ علقة جيدة وسط دفء الرفاق في وطيس
الحماس، وكم من أصبع أشارت في لعبة التجريم والتحريم «هذا بوليس»، وكم من
قبعة كانت إلى عهد قريب تتفاخر بالمعارك و الغبار فانتهت إلى مجرد بوق
صغير في جوقة نفارين مهرة، يزفون الشائعة التي اسمها الديمقراطية إلى هودج
من «مزاح».

ليس عيبا أن تتكسر النصال على النصال في حرب المشروعيات، وأن يأكل
الأخ لحم أخيه حتى وإن كان نيئا غير مطبوخ، وليس في الأمر أدنى عتب أن
يعود الخوارج بعد حالة «فوضى غير منظمة» إلى جحور الأمهات والآباء خانعين
طائعين، فالبلد غفور رحيم.

أعرف مثقفا يشغل جماعة من شلته، تجمع له الأخبار، وتتكلم باسمه في
المنتديات وفي اللقاءات وتروج لفكره «الحر»، وتستل ألسنتها من بين أفكاكها
وتلهج بـ»كيت وكيت وكيت».

وأعرف مثقفا آخر كريما للغاية، وأعرف مثقفا قوالا، وأعرف مثقفا
مهرولا في كل اتجاه، وأعرف رجل سياسة لا يستقيم له قعود إلا إذا كان
التقرير اليومي بين يديه حول فلان الفلاني وعلان العلاني، وقد يتكرم
سعادته ويرسل لهم رسالة مدموغة ببعض اللكمات والكدمات، وقليل من محاضر
الشرطة.

وأعرف رجل سياسة يسري ومعه أهلون من كل الأطياف والألوان، فلا بد
للتعددية من أن تأخذ معناها الحقيقي، ولا بد للخلاف من أن يرتفع حتى يفسح
المجال سانحا للمصلحة «العليا».

وأعرف رجلا ورعا وغير ورع، يلوي أعناق «النصوص» والفصوص، فمتاع الدنيا براق خلب، لا مجال لمنكافته.

الطابوالمغربي يقول لك لا تقرب. الطابو المغربي يقول لك: انتهز الفرصة السانحة.

الطابو المغربي يقول لك: مالك وهذا الصداع. الطابو المغربي يقول لك: هذا طوطمي أطعمه إن جاع واكسه إن عري وكالمه إن هزه السكوت.

في الثقافة وفي السياسة طوق محكم، وسدنة قائمون، وستكتشف بصدفة
الأشياء أن القبيلة السياسة حتى وإن اختلفت فهي واحدة تتعشى على ذات
المائدة وتنصب نفس الكمائن للعابرين أو للدهماء، وتضحك على «الشباب الغفل»
الذي أراد أن يقود تغييرا من القمة إلى القاعدة، في الوقت الذي أصبحت فيه
القمة حادة مثل شوكة في الحلق، تحبس الأنفاس.

الطابو المغربي رجل إقطاع، رب مصنع، جزمة سلطة، يد الرفيق التي تصفع،
عينا الأخ الخوانتان، الرجل صاحب الألسنة، المتوهم امتلاك الحقيقة، الذي
يجيش ويسوق القطيع.

فمن كان منكم شجاعا، فليرم طوطمه بحجر.

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى