صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

الفن بين الصناعة والتكنولوجيا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الفن بين الصناعة والتكنولوجيا

مُساهمة من طرف said في السبت 14 يونيو 2008 - 20:21


الفن بين الصناعة والتكنولوجيا (*)
بنيونس عميروش
من
نافلة القول أن الفن الجيد والصناعة الفنية الجيدة (الديزاين، التصميم،
التعليب، الإشهار، الخدمات...) رهينان بالتكوين الجيد الذي يستجيب لأساليب
العصر الجديدة والمتسارعة. من ثمة، فإن التكوين الفني يضعنا اليوم،
وبإلحاح شديد، أمام تحديات القرن الحادي والعشرين المرسوم بانبثاق قواعد
وآليات جديدة لاقتصاد جديد قائم على التطور الهائل والسريع لتقنيات
الاعلام والمعلومات والاتصالات (الانترنيت، البريد الإلكتروني، التلفزيون،
الراديو...) التي تثير تحولا سائرا في إلغاء الحدود الثقافية بين الشعوب
والاقطار. فمع المد التفاعلي للصورة الرقمية وقابلية تحقق الواقع
الافتراضي التفاعلي، وتواتر ابتكار العمليات والبرمجيات صرنا محاطين
بإمكانات إبداعية لا حصر لها في دائرة الفنون التكنولوجية والتقانية (تكنو
آر). ومثلما تعددت الوسائط تعددت الاشكال التعبيرية والأدائية الطلائعية
(الفوتوغرافيا، الصورة الرقمية، أعمال الفيديو الثلاثية الابعاد، التراكيب
السينوغرافية، المنشأة installationالتفاعلية، البرفورمانس،
الهابنينغ...)، فيما تداخلت الأجناس الابداعية فيما بينها، ذلك ان هذا
الانتقال عبر الرقمية الثنائية قد مس في الآن نفسه الصورة والنص ليجمع
بذلك المهندس والباحث والكاتب والتقني والفنان تحت ناظم مشترك كما يؤكد
رجيس دوبريه (1).
ما هو موقع نظامنا العام من هذه التغيرات التي قلبت
القوانين السياسية والسوسيواقتصادية والثقافية؟ في المجتمع العربي يرى
الاستاذ محمد عابد الجابري أن اندماج التعليم قد أفرز ـ وكان لابد أن يفرز
ـ صنفين من النخب: نخبة عصرية أوربية وأمريكية التكوين والميول والرؤية،
غريبة عن المحيط العربي والتراث، ونخبة تقليدية تراثية التكوين والميول
و،الرؤية، غريبة عن العصر الذي تعيش فيه مضيفا ان «هذا الانشطار على صعيد
النخب راجع الى انشطار مماثل على صعيد التعليم والثقافة بصفة عامة»، ليخلص
الى أن «التعليم السائد اليوم في الوطن العربي إما تعليم تقنوي (تكنولوجي،
وضمنه العلوم «الحقة» يصنع عقولا قانونية دوغمائية، وإما تعليم ميثولوجي
تلقيني يصنع عقولا راكدة أسطورية» (2) مشيرا الى أن مهمة التعليم تكمن في
أن يغير لا أن يندمج.
في بلدان شمال افريقيا حيث لا تحظى الفنون
الجميلة بالاهمية المتوخاة، لتكون ضمن الاسس التعليمية الى حد استطاعت أو
تستطيع معاهد ومؤسسات التعليم الفني التي لا تخرج في مجملها عن إفراز
الصنف «التقليدي» من النخب، أن تواكب هذا التطور الجارف، بحيث تعمل على
تكوين طلبة يمتلكون أدوات ومعارف السوق الجديدة ومتطلباتها بعد تخرجهم؟
أكان هؤلاء الطلبة سيمتهنون الفن بمعناه الصرف، أو سيمتهنون الفن النافع
بمعنى الصناعات القائمة على المعارف والمهارات الفنية، أو هما معا، حيث
الإبداع بمعناه الواسع رديف للصناعة.
هل تفكر هذه المؤسسات في إخضاع
أطرها التربوية للتكوين المستمر، وهل تفكر في التعديل المتعاقب للبرامج
الموازية لتكييف المناهج بحسب مستجدات العصر السريعة؟ إذا «كان القرن
التاسع عشر عصر الإيديولوجيات السياسية والاجتماعية، وكان القرن العشرون
عصر العلم والتحليل العلمي، فإن القرن الحادي والعشرين سيكون عصر ما بعد
الصناعةpost industriel وفيه سيلعب الذكاء الانساني الدور الاكبر في إعادة
تصميم النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والانسان هو صانع هذا كله
(3). من ثمة لا تتسنى مواجهة العصر الجديد بمبادئ تعليمية قديمة عاجزة عن
مسايرة التطورات العلمية والتكنولوجية المرفقة بأجواء اجتماعية حديثة،
لذلك تنبغي إعادة نظر جذرية في البرامج الاكاديمية التي صارت تقليدية،
السائدة في المدارس وفي مختلف مؤسسات التكوين الفني، ليتم تجاوز الطابع
المدرسي الضيق للتربية، في اتجاه «حوسبة النظام التعليمي، وتوسيع نطاق
الحرية المدعوم بخلق الارضية المناسبة لمضاعفة الطاقات الإبداعية وشحذها
للتمكن من السيطرة على المشكلات وحلها، خاصة وان سوق العمل (الصناعي
والتجاري والمعلوماتي) أضحى يتطلب «أربع كفايات أساسية: القدرة على
التفكير وحل المشكلات، تحويلات إبداعية في إنتاج السلع والتصاميم، ثروة
لغوية غنية مبنية على فهم عميق للغة والاحوال الإنسانية التي تمثلها،
تدريب جيد في تكنولوجيا المعلومات» (4). يتعلق الامر إذن بقدرات وكفاءات
تعليمية جديدة، إلا أن هذه المكتسبات، وحتى على مدار المسار المهني، تحتاج
الى مصاحبة التطورات المتعاقبة لفتح منافذ التطلعات والخيارات المتعددة،
من هذا الباب يتأكد وجوب تطوير الملكات في برامج التعليم، وخاصة منها تلك
المتعلقة بالقدرة على مواصلة التعليم والإقبال عليه كما يرى
ليدبيترLeadbeater 1999 إذ يجب على التعليم أن يستثير توقا للتعلم، بدلا
من تقديم معرفة صارمة في بيئة تحت السيطرة (5).
في هذا المنحى، كان
لابد من إيجاد الحلول والبدائل المواتية لمواجهة الاقتصاد الجديد القائم
على عولمة ليبرالية جديدة، لتتوجه السياسات والبرامج التعليمية نحو
التسليم بفعالية «الانتقال من الفنون والثقافة الى الصناعات الابداعية»،
باعتبار فكرة الصناعات الابداعية تسعى الى «توضيح التقارب المفاهيمي
والعلمي بين الفنون الابداعية (الموهبة الفردية) والصناعات الثقافية
(النطاق الجماهيري)، في إطار تقنيات إعلام جديدة داخل اقتصاد معرفة،
يستخدمها مواطنون ـ مستهلكون تفاعليون جدد (6). ففي تلقين آليات الاعلام
التفاعلي الجديد وإدراك قواعده، يكمن أساس التعليم الذي يروم إدماج خريجيه
في الصناعات الابداعية التي تمنحهم فرص الشغل بطرائق غير مباشرة، من خلال
ابتكار افكار جديدة واقتراح مشاريع وخدمات ومنتوجات، مع امكانية تغيير نوع
الصناعة، والتعاون مع فريق قابل للتغيير واختيار النمط الذي يناسب تنفيذ
إبداعاتهم وتحقيق أهدافهم التجارية. ومن داخل ديارهم يشتغل المهنيون
المبدعون بشكل ذاتي، بوصفهم « مراسلين اليكترونيين». وفي سلاسة ابرام
حلقات التعاون، والتداخلات المنبنية على الثقافات المتعددة، يتضح تميز هذه
الصناعات بقابلية المشاركة المنفتحة، السائرة في منح الخيارات التي تجعل
من المستقلين يتحلون ب«قيم فردية، لكنها تمارس بأعلى قدر من التعاون.
وشبكاتهم التعاونية تعد درسا أمام القطاعات الاخرى بتقديمها لأشكال أكثر
تشبيكا من التنظيم» (7) .وفي هذا التوجه الذي يعمل باستمرار على توسيع
الانضمام الى السوق العالمية الجديدة نلامس الانفتاح الذي يؤكد «رؤية
النجاح في التعاون لا في رؤوس الاموال والمشروعات الضخمة، غير ان هذا
يحتاج الى بيئة وتعليم يدعمان الفكرة» (8.
تبقى الفنون المعاصرة
بإمكاناتها التعبيرية وثرائها الجمالي، مرجعا أساسا في تطوير الصناعات
والمنتجات، وفي استلهام أنماط التعليب والتقديم وتصميم السلع وأساليب
الاعلان، بحسب الفئات والأذواق والتقليعات... فمن هنا تتجلى تدخلات
الاساليب الفنية الراقية، حيث يشتغل الفنان باعتباره اخصائي جماليات يلتقط
ويستثير التوقعات الحسة لدى المستهلكين المستهدفين» (9). في حين تتأكد مدى
أهمية الفنون البصرية في قواعد اللعبة التجارية، إذ صارت «سوق الفن
البصرية سوقا احتكارية تنظمها الآليات المسيطرة على الحياة الفنية
العالمية»، كما يقول ريموند مولان Raymonde moulin (10)، فيما تظل الفنون
البصرية من أكثر الانتاجات الفنية استجابة لشروط الانتشار التي تمليها
العولمة الاقتصادية والرقمنةDigitalisation، مما يجعل «بعض قطاعات عالم
الفنون البصرية لا تعرف الاستقرار، شأنها في ذلك شأن بورصة الاوراق
المالية التي تتبادل فيها الايدي أموالا طائلة» (11)، ذلك ان المسألة
الابداعية عموما لم تعد تتعلق بالتكتلات الثقافية والصناعية والمؤسسات
المصرفية فحسب، بل أضحت تدخل في صلب اهتمامات وسياسات العواصم الاقتصادية
وتوجهاتها الجديدة. فبالإضافة الى كون مدن مثل نيويورك وطوكيو ولندن تنمي
نشاطها بوصفها مراكز رئيسة في الاقتصاد العالمي ومراكز للمال والخدمات،
فإنها تخطط استراتيجيتها باعتبارها مواقع إنتاج بما في ذلك الابداع،
وأسواقا للمنتجات والابتكارات (ساسكيا ساسن 1991 sassen).
لعل هذه
التوجهات الجديدة، أمست رديفة للمعارف الفنية والجمالية لدى العمال
المبدعين الذين يجدون أنفسهم مرغمين باستمرار على استيعاب قواعد بيئية
عالمية جديدة، سرعان ما تتبدل قوانينها العلمية والثقافية والتقنية التي
باتت تحكم الاقتصاد الجديد المنبني على العنكبوتية العالميةGlobal Web،
حيث تنبغي ملامسة البيئة العالمية المتشابكة، وفهم التداخلات التي يمكن ان
تجمع بين أكثر من حساسية فنية وعلمية وصناعية، وتوحد بين أكثر من قطر في
صناعة منتوج أحادي، فتصنيع سيارة رياضية مثلا «يمول من اليابان ويجري
تصميم السيارة في إيطاليا وتجمع أجزاؤها في أنديانا أو المكسيك أو فرنسا
وتدخل في بنائها أجهزة كهربائية متطورة مخترعة في نيوجيرسي، فإذا اكتملت
السيارة أعيد تصديرها الى اليابان على انها سيارة إيطالية. هذا الواقع
الدولي الجديد يجب ان تعرفه وتقدره أجيالنا الجديدة لأنه سيؤثر في تقرير
مصيرها الاقتصادي والاجتماعي» (13).
بناء على كل ما سبق، تتضح رؤية
الصناعات الإبداعية التي برهنت على أهمية عائداتها التي قدرت بـ 2,2
تريليون دولار أمريكي على مستوى العالم في 1999، فيما تشكل 7,5 من إجمال
الناتج القومي (هاوكينسHowkins2001) (14) وعليه نفهم لماذا تدار برامج
الجامعات والمدارس في الولايات المتحدة الامريكية كما لو كانت مشروعات
استثمارية (15). من ثمة أصبحت الصناعات الابداعية تعتبر من مقومات قوة
العمل، المشفوع بأنماط الشغل المستقل، المتطلع لمختلف الخيارات التي
تستدعي معارف ومهارات وكفايات تعليمية مستحدثة تمنح تأهيلا شاملا يسمح
باتخاذ المبادرة وإنضاج الملكات والمواهب، كما يتيح التعامل الجماعي المرن
والالتفاف حول عمل المشروع المدعوم بروح الفريق، وبالبعد التعاوني الذي
يخلق الاحساس بالانتماء ويساهم في تفعيل تماسك اجتماعي يقوم على التحدي
والتشارك والتبادل والتعاقد، وعلى التلاقي المثمر، حيث يمسي «مجتمع الشبكة
كشكل سائد للتنظيم»، ويمسي «فهم الفن كممارسة لا تتعارض مع القدرات
الانتاجية لاقتصاد عالمي مدعوم بالتكنولوجيا (16).
إذا صح الحديث عن
«صناعة فنية محلية» في المغرب، فإنها مرهونة بعدد لا يستهان به من الاطر
الاجنبية التي تشتغل لحساب مؤسسات الانتاج على اختلافها، إذ تقوم بتصميم
السلع والمنتجات وأشكال التعليب، كما تصمم أساليب الاعلان والاشهار وتقدم
الخدمات... هذا الوضع يدفعني لأضم صوتي لصوت الباحث الجمالي موليم لعروسي:
لماذا لا نطور تعليما فنيا نافعا نابعا من تربيتنا ومن مخيالنا، ونكون
بذلك قد حررنا إبداعنا وفتحنا أبواب الشغل لأبنائنا (17).
في الوقت
الذي يظل فيه التكوين الفني عندنا، مقطوع الصلة بمنظومة وزارة التعليم
العالي، وفي الآن الذي يضيف فيه أفق الدولة إزاء مشكلة البطالة لتعلق
آمالها على تشجيع المقاولة، الصعبة المنال، فإن القرار السياسي الذي يحسم
في إحداث تعليم فني جامعي يشرك بين الفني والنفعي والتكنولوجي، يمكن أن
يفتح أفقا لإنعاش «الصناعات الإبداعية» بوصفها منفذا من منافذ التشغيل،
مادامت تتيح للفرد إمكانية العمل الذاتي المستقل، دون الحاجة الى الانتماء
المؤسساتي بالمعنى الوظيفي.

تشكيلي وناقد فن، المغرب

< هوامش:
(*)
يتعلق الامر ـ في الأصل ـ بالمداخلة التي ساهمتُ بها في سمبوزيوم «رهانات
وشبكات الفن في عصر ما بعد المعاصرة»، نظمته الشقة 22 أيام 25/27 أكتوبر
بالرباط و29/30 أكتوبر 2007 بمراكش.
(1) ريجيس دوبريه، حياة الصورة وموتها، ترجمة: فريد الزاهي، افريقيا لشرق، الدار البيضاء، 2002، ص.ب 277.
(2) محمد عابد الجابري «مهمة التعليم: أن يغير لا أن يندمج!»، المغربية، ع.6792 /20/21 أكتوبر 2007:
(3)
محمد جواد رضا «العرب والتربية في القرن الجديد، التحدي الصعب والاستجابات
الممكنة»، مجلة العلوم التربوية والنفسية كلية التربية ـ جامعة البحرين،
المجلد 1، ع1 دجنبر 2000 ص.180.
(4) Ibidص181.
(5) جون هارتلي، الصناعات الابداعية.
john hartly;Creative Industries
ـ ترجمة: بدر السيد سليمان الرفاعي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت، ج.1 ع.388 ابريل 2007 ص11.
(6) Ibidص12
(7)
جو ن هارتلي، الصناعات الابداعية، ترجمة: بدر السيد سليمان الرفاعي،
المجلس الوطني للثقافة والفنون ا لكويت ج2 ع339 ماي 2007 ص116.
(8 جون هارتلي،ج 1،Op-Cit ص34
(9) جوست سمايرز، الفنون والآداب تحت ضغط العولمة
- Joost Smires, Arts under pressure (Promoting cultural diverstity in the age of globalisation)
ترجمة: طلعت الشايب، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، ع 909 ، 2005، ص 103.
(10) Ibid, ص 98.
(11) Ibid, ص 31.
(12) Ibid, ص 61.
(13) محمد جواد رضا، Op-Cit, ص 183.
(14) جون هارتلي، Op-Cit, ج 2 ص 167.
(15) جون هارتلي، Op-Cit, ج 1 ص 258.
(16) جون هارتلي، Op-Cit, ج 1 ص 17.
(17) موليم لعروسي، «مشكلة التعليم الفني بالمغرب»، عالم التربية، الدار البيضاء، ع 11، 2001، ص 41.

2008/6/13








الإتحاد الإشتراكي 2004

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى