صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

السرد..والحكي..

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

السرد..والحكي..

مُساهمة من طرف منصور في الإثنين 4 أغسطس 2008 - 23:08


شهادة: السرد المفضي إلى الحكي دون نية إحداثه

أنيس الرافعي

كما لايخفى عنكم جميعا،ليس ثمة من كاتب يمكن أن يكتب كل ما يخمنه،لأنه من
الصعوبة بمكان نقل التخمين إلى الكتابة.حسب طني،لم يفعل احد ما ذلك من
قبل،ولن يفعل احد ما ذلك فيما بعد،لان أشياء عدة تضيع حالما نشرع في شرحها
(خوان رولفو)• أسهب المعلم محمد خضّير ضمن سيرته النظرية الموسومة ب
الحكاية الجديدة، الحديث عن العصور الثلاثة للحكاية: عصرنشأة الحكاية،عصر
اكتشاف الحكاية، وعصرالعودة إلى الحكاية. لكن، حسب زعمي المتواضع - ربما
فاته في سياق بنينة هذه النمذجة ثلاثية الأبعاد، ذات الارتباط الوثيق بما
يطلق عليه اسم قصة الرؤيا المرئية، وضع الحجر الأساس لبعد رابع ودينامي في
برنامج تحسين جودة النسل القصصي، هو عصر الالتفاف على الحكاية، الذي دشنته
بمعاول المغايرة الأساليب السردية المتحولة أو المنكسرة حسب التوصيف الذي
ارتضاه انريكي أندرسن امبرت في مؤلفه القصة القصيرة: النظرية والتقنية
لتعميد النمط التجريبي في كتابة القصة القصيرة. ولعل مسوغ التنويه بهذا
البعد الرابع، يجد له جذرا راسخا وموضوعيا في دفع تهمة السرد المفضي إلى
الحكي دون نية إحداثه أو دعوى تدمير أيقونة الحكاية، التي كثيرا ما الصقها
الذرائعيون و محترفو الإكراه البدني للسرد ومتممو مكارم أخلاق القصص
القصيرة ومقاصدها بكل من سوّل له الانحراف الحكائي تدبير تلك الجريمة
البيضاء والباذخة، المعنونة ب قصة ما بعد السرد. قصة مابعد السرد، التي
تتطلع إلى أن تصرخ بملء التجريب بان على الحكاية أن تخدم شيئا آخر غير
الحكاية كما صرخ بملء الألوان روني ماغريت بان على التصوير أن يخدم شيئا
آخر غير التصوير. قصة ما بعد السرد،التي تتوق إلى أشرعة تحب الرياح
الهائجة. أشرعة الامداء الباردة.أشرعة غناء البحارة من صنف القراصنة.أشرعة
إيقاظ الشياطين المتلبسة لروح الموج. وأشرعة الإبحار تجاه تلك الأعماق
الساحقة التي تجاسر باسكال، شخصيا، على التلميح بأنها ترعبه لدرجة الصمت
عن الحكاية أو الالتفاف عليها لان الأشياء الموجودة التي وقعت لن نجدها
أبدا. قصة مابعد السرد، التي تنضبط جمالياتها النوعية ومستنداتها النظرية
للشعار التالي: (لا ارتجال، لا الهام، ولا مصادفة) إذ لا ارتجال في سرد
يستريب في واقعية السرد. ولا الهام في سرد لايرضى بالإقامة في تاريخانية
السرد. ولا مصادفة في سرد يضرب صفحا عن فطرية السرد. وهو الشعار ذاته،الذي
لايضع من بين أولوياته الاستجابة لشرائط ومقتضيات دفتر تحملات
الحكاية،باعتبارها أطروحة ادلوجية مغلقة وتشميلية، تتطلب الإجماع و التجمع
، في حين أن التجريب المسفر عن قصة مابعد السرد ، لايعدو أن يكون احتمال
مشروع نرجسي مفتوح على النسبية" ينحاز باستمرار إلى الخروج والقطيعة، كي
يصير - بلغة الناقد هارولد بلوم- خريطة كتابة ضالة :تحيي نفسها
بنفسها،تغذي نفسها بنفسها،تلغي نفسها بنفسها،تشرد نفسها بنفسها،وتقتل
نفسها بنفسها. ولهذا الاعتبار، فهو مشروع انتحاري بامتياز للمضي في خطوط
منحنية ولولبية وملتوية بلا هوادة،لايمكن بتاتا أن تسقط عموديا في غرام
الخطوط المستقيمة لل الحكائية.لأن الدور الطبيعي المنوط ب قصة ما بعد
السرد ،هو الالتفاف بالكلمات وسط حريتها؛بالمخيلة التي بلا أسلاك؛
باللاتوافق المنطقي للزمان والمكان والحدث - حسب التوجيهات الرشيدة
لتوماسو مارينيتي محررالبيان التقني للأدب المستقبلي- على حكايات مدارها
غير معروف بالمطلق، حتى يسمح للالعالم اللامكتوب/اللامتعين- كما يسميه
الجليل ارنسطو ساباطو- كي يعبر عن لاسوائه و اعطابه من خلال ذات
القاص،التي توازي في فداحتها ولانسقيتها هذاالعالم/الكارثة فيما يشبه
التوازي الفيزيائي فوق حبل من السرعة مشدود بين حقلين مغناطيسيين
متضادين.إذ إن مجمل القصص التجريبية القصيرة التي يشار إليها بالبنان أو
بسوء الفهم الجميل، تبتكر في غالب الأحيان من الفكرة المزعجة التي مفادها
بان من المستحيل علينا إيجادمواد حكائية صالحةلإنشاء مثل هذه القصص
القصيرة. وحتى نغادرسياق التبرير صوب سياق الكشف ونتمادى أفضل في تمجيد
هذهالنظرية اللاقياسية التي لاتخضع لاحتمال الصدق - كما قد ينعتها العالم
بول فيرابند- لفكرة الالتفاف، نوجه عناية ترف السجال إلى أن النمط
التجريبي لكتابة القصة القصيرة لايجب أن ينتظر منه الانطلاق نحو سماء محفل
التلقي من منصة الحكاية، بل من طاقة الصفر؛منالعاب الفراغ؛منسديم
البياض؛منهندسة العدم،لأنه نمط يعمد إلى دفن الحكاية بإتقان تحت جلد اللغة
كما يعمد الممثل فيمسرح البانتوميم إلى دفن الصوت بمنأى عن الحوار داخل
تربة الأعماق.وإذا كان بإمكانالمجاز الحركي للجسد أن يعوض"التوق السامي
إلى الكلام المفقود" في المسرح، فإن "المجاز الحركي للغة"- إذا صحت
المقايسة- بإمكانه،أيضا، أن يصير بديلا عن"التوق السامي إلى الحكي الغائب"
في القصة القصيرة. وتوسما لمزيد من أدوات الإيضاح، يمكن أن نعتبر الحكي في
القصة القصيرة التقليديةعيانيا مثل موجات مائية منظورة اثر حركة ما في
بركة،لكنهلامرئي في قصة ما بعد السرد ويحتاج إلى تظهير أوتفريز لأنه مثل
موجات الضوء في حقل كهرومغناطيسي يصعب اكتشافه بسهولة.كأنه- بالاستنارة من
قوانين النسبية العامة- يقفز داخل"ثقب اسود" في مكان ما، ليخرج من"ثقب
ابيض" في مكان بديل،ممارسا نوعا من"السفر الحكائي الكوسموسي"،الذي ينجم
عنه تعطيل كلي للقوانين التي ينهض عليها الحكي كما تتعطل قوانين الجاذبية
أثناء عبورها بين حدي السواد والبياض داخل الفجوات الكونية.
وحلية"العطالة"هاته.بالتأكيد، هي إحدى الخصيصات الفارقة المميزة ل"قصة
مابعد السرد".فإذا كان النمط التقليدي لكتابة "القصص القصيرة"(بالألف
واللام من فضلكم) يسعى إلى بناء"نموذج"ما عبر الحكاية، فإن النمط التجريبي
على النقيض من هذا الطرح يقوض هذا"النموذج"أو يعتبره أداء لايمكن إدراكه
إلا بعد أن يتم إحقاقه."نموذج إلى حين فحسب" ينجزه كل من "محتوى
الشكل"و"شكل المحتوى"،ثم يلغيانه. يذهبان كل مرة إلى انجازه،ثم كل مرة
يؤوبان إلى إلغائه.وهكذا دواليك يتم الانجاز والإلغاء بين فكي هذه الجدلية
القاسية مع كل قصة قصيرةجديدة تكتب(من دون الألف واللام-هذه المرة-من
فضلكم).إذ إن"النموذج"هنا"أصل لايتكرر"-كما يقول رولان بارث- وسمة دامغة
على الفرادة. ولعمري- والاجتهاد اعلم- فان كل ما فصّلنا القول فيه، ما
يمنح القصة التجريبية القصيرة وضعها النخبوي/الارستقراطي الضروري، الذي
يحصنها ضد ابتذال الكلاسيكية كما شرحته الروائية الكندية مارغريت اتوود في
تأملاتها حول الكتابة الحاملة لعنوانمفاوضات مع الموتى، ويحول دونها
وامتلاك "جماهيرية واسعة"بالمعنى الضار للكلمة.إذ إن هذه"الشرعية
المفتقدة"أو بالأحرى هذه"اللاشرعية المفتقدة" مصير استراتيجي وحيوي لحياة
نصوص من هذا الطراز المارق. فإن يقرأك الجميع هو الابتذال.وابتذال هو أن
تعجب الجميع. الابتذال هو أن يحبك الجميع.وهو الابتذال أن تكون ملكا
للجميع.لان اتساع دائرة مقروئية القصة التجريبية القصيرة
يهدد،بالتأكيد،بتدهورها إلى "مؤسسة أدبية مكتملة ذات لوائح مضبوطة
ومحددة"،في حين أنها ملزمة بان تظل صنفا انقلابيا من المحكيات يرتقي إلى
جعل الحياة عسيرة بالنسبة إلى المحكيات الأخرى المسالمة.أو بلغة صديقنا
المفكر مصطفى الحسناوي:ملزمة بان تظل تجربة استطيقية ووجودية لاسيادة
لها،ترتبط بالاقليات،باللاشرعية،وبرمزية المنفى. وهذا ،فعلا، ماهي عليه
مواصفات كل قاص تجريبي: كاتب بلاسيادة كاتب ينتمي إلى الأقلية كاتب لاشرعي
وكاتب مجلل برمزية المنفى..المنفى القصي حيث يمكن العثور دائما على
الكتابة الحقيقية المكتوبة بقبضة نزيهة.


2007/7/12


الاتحاد الاشتراكي

منصور
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل: 1903
العمر: 34
Localisation: loin du bled
تاريخ التسجيل: 07/05/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى