صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

رحل درويش

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رحل درويش

مُساهمة من طرف iswal في الأحد 10 أغسطس 2008 - 21:42

محمود درويش... في حضرة الغياب
رحل عنا محمود درويش يوم السبت 9 آب 2008 بعد 67 عاما من حياة دأب ينتقل فيها من قمة إلى أخرى أعلى منها، دون كلل أو ملل. كان إنسانا جميلا، قبل أن يكون متنبي عصرنا الحديث، يرى ما لا نراه، في الحياة والسياسة وحتى في الناس، ويعبر عن كل هذه الأمور بلغة وكأنها وجدت ليكتبها. وحين قرر أن يخوض غمار هذه العملية الجراحية الأخيرة اعتقدنا أنه سيهزم الموت، كما هزمه في مرات سابقة، لكنه، بعينه الثاقبة، رأى على ما يبدو شبحه "قادما من بعيد".
أراد أن يفاجئ الموت بدلا من أن يفاجئه الأخير بانفجار "القنبلة الموقوتة" التي كانت عبارة عن شريانه المعطوب. كان مستعدا كعادته، وتركنا نحن وراءه كي "نربي الأمل".

iswal
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 1025
Localisation : CASA
Emploi : j'ai 1 travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رحل درويش

مُساهمة من طرف ع أ ع في الإثنين 11 أغسطس 2008 - 15:20

للأسف رحل في زمن التردي الفلسطيني والعربي رحم الله الفقيد.....تحياتي

ع أ ع
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 2167
العمر : 52
تاريخ التسجيل : 10/08/2006

http://www.facebook.com/iklisse

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رحل درويش

مُساهمة من طرف ابن الأطلس في الإثنين 11 أغسطس 2008 - 16:46

الســـــــــلام عليكــــم ورحمــة الله تعــــــالــى وبــــركــــــــاته

يا حمام خذ بيدي للعالي، كي أشاهد تراتيب الجنازة حين يمضي جسدي في وجع التراب، يا حمام وقل لأمي لا تتركي قمصاني على حبل الغسيل، إني أخاف عتمة الليل فوق الأساطيح، ويا حمام يا أبيض خذ بيدي حيث الرسائل تغفو في أهداب الغياب، للموت طقسه الغائم ولي طقسي حين ألوذ بالصمت، أرتب فوضى أحلامي كما يليق بالآتي، حيث البهو الطويل والسلم اللازوردي يوصلني حد النهايات الفريدة. كيف لا أقوى على ذرف دمعة وأنا المسجى فوق السرير أعرف من أكون وأعرف أصحاب تلك الجلبة وأعرف أن ثمة أحبة ينتظرون قصيدة حبلى بالحب والوطن المراوغ والقمر.
أعتقد أن فلسطين الآن يتيمة، لأنها لم تعد بدون رموز، لقد كان العالم يعرف فلسطين من خلال إسمين كبيرين هما ياسر عرفات ومحمود درويش والآن لم يعد لفلسطين إسم يعرفها العالم به وأعتقد أن الشعر صار يتيما وأن اللغة العربية فقدت الكثير من نبضها الحيوي، وأعتقد كذلك أن إدوارد سعيد ومحمود درويش هما اللذان كانا سر جمال صورتنا أمام العالم والآن وقد رحل الإثنان فإن صورتنا تزداد سوءا خصوصا مع الأحداث الأخيرة المؤسفة والجارحة، وأعتقد أن الشعراء الفلسطينيين كانوا جميعهم يكتبون الدراما والحدث الوطني والسياسي والمقاوم لكن محمود درويش وحده الذي كتب دراما الروح الجماعية وأظن أن الشعر العربي خسر أباه وأن محمود درويش صاحب المدرسة الأكثر تأثيرا قد تركنا من دون اباء. محمود درويش قامة كبيرة من الصعب أن تتكرر كثيرا سنحتاج إلى ألف سنة أخرى لنجد قامة شعرية وثقافية لا تمثل أو تقدم القصيدة فحسب بل تقدم الوجدان العربي بأكمله، محمود شاعر كبير ولا يتكرر وقصائدنا الشخصية فيه خسارة كبيرة فهو شاعر ممثلا للشعر العربي في العالم، نحن نأمل أن القصيدة الفلسطينية والعربية أن تستمر في التطور لتمثيل الوجدان العربي الرافض لليأس والمتشبث بأحلام هذه الأمة وحقوقها وهويتها.
غياب محمود درويش سيترك فراغا كبيرا لكن بالتأكيد هناك من الشعراء من سيبقون دائما يمثلون دفاعات كبيرة عن هذه الأمة ولن تخلو الساحة الساحة الشعرية من شعراء يغطون مثل هذا الغياب ولو جزئيا فقبل غياب درويش كانت الساحة الشعرية في عافية ووجود قامة كبيرة مثل درويش دلالة على عافية هذه الساحة وغيابه لن يشير إلى موت هذه الحالة بل سنجد في هؤلاء الشعراء من يرثون هذا الإرث العظيم الذي تركة محمود درويش.

إلى محبي محمود درويش، إلى محبي الشعر العربي الفلسطيني الأصيل،
إليكم هذه الباقة الشعرية التي أتمنى أن تروق إعجـــــــــــــــــــــــابكــــــــــــــــــــــــــــــم Smile

* قصيدة لتكريم الطفل الفلسطيني الشهيد محمد الدرة رحمه الله :
http://www.youtube.com/watch?v=A4g0NSmtLwo

* قصيدة (فكر بغيرك) :
http://www.youtube.com/watch?v=nTVBzinyqQM

* قصيدة ( أنا يوسف يا أبي ) :
http://www.youtube.com/watch?v=tb8MbUBgM3I

* قصيدة ( أحمد العربي ) :
http://www.youtube.com/watch?v=76RkH1hBalU

* قصيدة ( سقط القناع ) :
http://www.youtube.com/watch?v=yqXBR8TUy38

* قصيدة ( إلى قاتل ) :
http://www.youtube.com/watch?v=zUZjZnPlS6Y

* قصيدة ( حيفا الجزء 9 ) :
http://www.youtube.com/watch?v=m2IOPJwA_h4



عدل سابقا من قبل ابن الأطلس في الأربعاء 13 أغسطس 2008 - 0:59 عدل 1 مرات

_________________
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
ابن الأطلس

ابن الأطلس
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 3549
تاريخ التسجيل : 21/07/2008

http://www.seghrouchni.skyrock.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

محمود درويش... قصيدتنا الأخيرة

مُساهمة من طرف slimani في الثلاثاء 12 أغسطس 2008 - 21:39

محمود درويش... قصيدتنا الأخيرة
حسن طارق

-1-يقول على حافة الموت:لم يبق بي موطىء للخسارة،حُرٌّ أنا قرب حريتيوغدى في يدي...سوف أدخل، عما قليل، حياتيوأولد حراً بلا أبوين،وأختار لإسمي حروفاً من اللاّزورد...(محمود درويش، حالة حصار، صفحة 14)قال في آخر الليل: خدني إلى البيت،بيت المجاز الأخير...فإني غريب هنا يا غريبُ،قلت: وماذا عن الروح؟قال: ستجلس قرب حياتيفلاشيء يثبت أني ميتولاشيء يثبت أني حي(محمود درويش، لا تعتذر عما فعلت، صفحة 146)وقال: إذا مت قبلكأوصيك بالمستحيل!سألت: هل المستحيل بعيد؟فقال: على بُعد جيلسألت: وإن مت قبلك؟قال: أعزّي جبال الجليل(محمود درويش، قصيدة مهداة الى إدوارد سعيد من ديوان كزهر اللوز أو أبعد. صفحة 195)« الموت لا يعني لنا شيئا. نكون فلا يكون. الموت لا يعني لنا شيئا. يكون فلا نكون».(محمود درويش، لا تعتذر عما فعلت، صفحة 60)جاءت القصاصات الأولى وجيزة ومقتصدة في التفاصيل. «مات محمود درويش». يا أ الله! كم كان الخبر قاسيا تلك الظهيرة القائضة. كما كان النبأ موجعاً. كم كان هذا الموت البليد غادراً.مات الشاعر. كما لو كان يكتب إحدى قصائده الحديثة، بلا مقدمات تقريبا. بإيجاز فاتن. بكثافة قصوى. بمسحة غموض ضروري. بحرص على الانتباه للمفارقة دائما (الموت في أمريكا)، فقط بلا تفاصيل تحتفي باليومي، كما يفعل عادة في نصوصه الأخيرة.يقول الخبر القصير: «مات محمود درويش» هكذا بحياد ماكر وجفاء غريب تأبن اللغة أحد ساحريها الكبار. هكذا إذن لا مجال للمجاز ولا للقراءات ولا للتأويل ولا مكان للعب بالكلمات.هو الموت بطعم الفجيعة، هو الغياب بفداحة الخسارات. آن للكلمات الآن أن تخجل قليلاً وهي تدرك أنها منقادة لمرثية الشاعر الكبير.آن لفلسطين أن تشعر بيتم مضاعف وهي تفقد صوت وحدتها، في زمن لم تختر البندقية الفلسطينية من هدف سوى صدراً فلسطينياً آخر، ولم يستبح الدم الفلسطيني سوى دماً من «فصيل» آخر لنفس السلالة.آن للشعر أن يتدثر بالسواد وللقافية أن تعلن حداداً مستحقاً. وللإنسانية أن تحزن ملياً وأن تتحسس أن ثمة شيئا قد انكسر جنوب روحها.ولشعب محمود درويش أن يستشعر هول الغياب، وأن يختبر عالما خاليا من استعارات قصيدته، حيث البرتقال ليس وطنا طازجا في ذاكرة الطفولة، وحيث الزيتون ليس دليلا على هوية جريحة، حيث الخبز ليس حنينا لرائحة الأم، حيث الأندلس ليست عنوانا آخر للفقدان.ولمحمود درويش الآن فقط أن يجرب حلمه الأقصى بأن تعيش قصيدته حياة ثانية، حياة أخرى، بقراء يهتمون بالشعر لا بشرطه التاريخي، له الآن أن يتحول من شرطية التاريخ وأن يتأمل قصيدته تحلق بعيدا في سماء الخلود، له الآن أن يتحرر من «الحب القاسي» ومن القراء الذين يبحثون وسط القصيدة عن جدوة «البيان»، ومن القراء الذين يصرون على أن «الحبيبة» هي بالضرورة فلسطين.له الآن أن يجاور صديقه الحميم أبو الطبيب المتنبي، وأن يطلا معا على عبور الشعر لتعاقب الأزمنة، وعلى انتصار المعنى وسحر الكلمات وحقيقة الحداثة».بإمكاننا الآن أن نستعيده كل من زاويته الخاصة، السياسيون منا سيستعيدون محمود درويش رمز الثورة وأيقونة النضال الفلسطيني، أحد قادة الحركة الوطنية ومدبج إعلان الدولة الفلسطينية. المثقفون منا سيستعيدون محمود درويش الذي يدبر المسافة الضرورية للشاعر مع القيادة السياسية: وهو يستقيل من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير عام 1993 ملوحا بتلك الجملة الصغيرة الماكرة «دفاعا عن الثقافة، وليس ضد السياسة»، وهو يعتذر لصديقه الكبير أبو عمار عن قبول منصب رسمي في السلطة. العشاق يستعيدونه في قصائده «درس من كاماسوطرا» ، «ليتني كنت أصفر» و«في الانتظار» وفي الكثير من شعره الجديد المليء بالحب والحياة...ثم بإمكاننا أن نتفق جميعا على أن ثمة أسطورة تحمل هذا الإسم الخالد، أسهمت في صياغة الوجدان الجماعي لأجيال وأجيال من الباحثين عن الحرية والجمال.. وفي بناء مخيالهم المشترك.عزاؤنا أن في هذا المرور الرائع لشاعرنا الكبير، في عالمنا، الكثير من النكاية بسطوة «الموت» نفسه. ألم يهزم محمود درويش «الموت» شر هزيمة في «الجدارية» التي كتبها على فراش عملية القلب التي أجراها بفرنسا عام 1999، و التي تعد منازلة شرسة بين شاعر خدله قلبه في منتصف الطريق الى القصيدة، وبين موت جبان متربص به«هزمتك يا موت الفنون جميعهاهزمتك يا موت الأغاني في بلادالرافدين، مسلة المصري، مقبرة الفراعنةالنقوش على حجارة معبد هزمتكوانتصرت، وأخلت من كمائنكالخلود..فاصنع بنا واصنع بنفسك ماتريد»محمود درويش، الجدارية، صفحة 55-54من قال إذن أن الموت قد انتصر على الشاعر؟
2008/12/8

slimani

ذكر عدد الرسائل : 579
العمر : 58
Localisation : SALE
تاريخ التسجيل : 12/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رحل درويش

مُساهمة من طرف القيطي في الثلاثاء 12 أغسطس 2008 - 21:51

الشاعر والميلشيات
حكيم عنكر
رحيل الشاعر العربي محمود درويش ترك حزنا في النفوس، في أصيلة الجميع يتحدث عنه، ومساء إعلان الخبر أنشد على مسامعي الزميل حاتم البطيوي قصيدة «أحمد العربي». كان يحفظ قصيدته على ظهر قلب، وكنت في الحقيقة مبهورا بذاكرة حاتم الحادة، أنا الذي لا أتمتم إلا ببعض مقاطع من نصوص متفرقة له.
ولكم كانت بادرة جميلة وفي محلها تلك التي اتخذها محمد بن عيسى على الفور عند سماعه بخبر رحيل شاعر العربية الكبير، حيث أوقف أعمال الندوة وبث الخبر، مثل أي إعلامي محترف، ضاربا موعدا لتأبين الشاعر الكبير في فعاليات الموسم.
تقدير الإبداع والمبدعين هو واجب جميل، وتقديرهم في الموت وفي الحياة أجمل هدية، وأما ما دون ذلك فزائل.
في الحوار الذي أجريته مع الشاعر والروائي المغربي أحمد المديني، وخصصته لعلاقته بالشاعر محمود درويش، يتحدث المديني عن الوجه الآخر، أو بالأحرى عن الوجوه الأخرى لشاعر الثورة، هو الذي كان يضيق ذرعا بهذه الأوصاف التي أفلت منها بأعجوبة بالغة، وكافح من أجل الهروب من تنميطاتها.
يتحدث أحمد المديني عن الإقامة الباريسية للشاعر لفترة ليست بالقصيرة بعد أن غادر إقامته التونسية، وفي تلك الفترة عاش محمود درويش مرحلة مهمة من حياته الإبداعية والإنسانية، تلك المرحلة التي كما يقول المديني، اتسمت بعطاء خاص، وفيها أحيا الشاعر أجمل أمسياته الشعرية، في معهد العالم العربي وفي غيره من الأماكن التي احتضنت أمسياته التي كان يحرص على أن تكون في أجمل إخراج.
كان محمود درويش يحب أن تكون أمسيته في غاية الجمال، ملح في سينوغرافيا خاصة في عرضه أو أمسيته، ولا بأس بالقليل من المرافقة الموسيقية. لم يحب أن يطغى على صوته شيء، كان يحب أن يكون وحده، متفردا.
الكثيرون ممن اقتربوا من درويش عادوا خائبين، ولم نسمع عن هذا الشاعر الكبير أنه قدم قصيدة لشاعر غيره أو أثنى على تجربة شعرية مخصوصة. كان في الحقيقة يحب الصمت، محاولا الهروب إلى الكتمان، فالساحة الشعرية العربية كانت مليئة بالميلشيات والعصابات وقطاع الطرق.
في جلسة خاصة لمحمود درويش في الجزائر، وبعد أمسية أحياها هناك في أواخر الثمانينات، كما يحكي لي صديق جزائري، «هجم» العديد من الشعراء الجزائريين سليلي «الثورة العمودية للشعر» على درويش في غرفة الفندق حيث يقيم، ولأنه رجل وديع لم يشأ أن يقفل الباب في وجه ورثة مفدي زكريا وأبناء ثورة المليون شهيد.
في تلك الأمسية أمطروه شعرا كله حرب عصابات ومتاريس وبارود ومتفجرات وهتافات للشهداء. ولأن أحد الشعراء «الباسلين» قد برك على صدر الرجل وقرأ أكثر من مرة نصوصا قومية ووطنية، قال له محمود بلهجته الساخرة الودودة: يا رجل انت جاي تفش خلقك عنا ولا إيه؟ ومعناها بالدارجة المغربية: واش نتا قاري فينا حسيفا ولا مالك؟

القيطي

ذكر عدد الرسائل : 1885
العمر : 51
Localisation : maghreb
تاريخ التسجيل : 30/06/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رحل درويش

مُساهمة من طرف abdelhamid في الخميس 14 أغسطس 2008 - 13:39

بيروت- عبد الإله بلقزيز
إلى محمود درويش... في الأبدية البيضاء
وحدكَ، محمود، أقمْتَ في الضفة الأخرى من القلب. حفرتَ مجرًى لك وحدكْ، فيه القصيدةُ تجري إليه وتَكْتُبُ في النفس مَجْدَكْ. لا معنى يُشْبِعني إلا ما تَبْعَثُهُ، ولا مبنى يُغويني إلاَّ ما تُشيِّدُهُ، ولا مساء يَطيبُ لي إلا ما تمْلَؤُهُ. فلتعتذر للقلب عن سفر سريع إلى البعيد، عن معنى يَتَّمْتَهُ وأنت تعلو إلى خُلْدِك. هل شئتَ أن تحوِّل موتَك إلى قصيدة وتنثُرَ فيَّ شظاياها؟ هل شئت أن أعتنق الفراغَ كي تُبْعَثَ في نفسي حيَّا؟ لم تكتب قصيدتَكَ الأخيرةَ كي تُبْعَثَ في نفسيَ حيَّا؟ لم تكتب قصيدَتكَ الأخيرةَ كي يَحينَ الوداع، كي نهيّئ أنفُسَنَا للمراثي. لم تُنْهِ رحلتَك التي بَدَأتَ إليك بعد أن حرَّرْتَ سؤالك من غموضه كي تَعِدَ الصراع بنهاية بنفسجية.
لم تعُدْ بما يكفي من حيث خرجتَ ولم يأخذ شعبُك من الجلاّد حقوقَ الضحيَّة. فلِمَ تستعجل الغياب وأنت السؤال، وأنت الجواب، وأنتَ القضية؟
صدَّقتُكَ دائما ولم أراجعْ كتبي، وأسلمتُ روحي إلى جمرة قصيدةٍ تعْبَثُ بي، ولم أجرّب أن أسألها عن حدود التقاطُع بين فاكهة المعنى وبين اختفائه عنا بلا سبب. لم أولَدْ لأسألَ من أصدّقُهم، لكنَّ احترازيَ تأخر، وأنت لم تَقُل لي أنك تُسْرِجُ الكلام على صهوة الغامض وترْدعه عن فضح الهشاشة. حسِبِتُك أجْرَأ على يومك الأخير وعلى بيَاض أتاك يومًا بعد نبضِ أخير. تقول لي: عقدتُ حِلْفا مع الموت، واتفقنا على التفاصيل، وتعاهدنا على أن لا ننْكث. أقول لك: هل تصدّق الخلود؟ تقول لي لا أطلب الأبدية، لكني أعرف أن قليلا آخر من الحياة يكفيني كي يتحلّل الموتُ من الميثاق وكي أحرِّرَ نفسي من لعبة الانتصار عليه. هل هزَّك الحنينُ إلى البياض، إذن، يا محمود: ذلك البياض الذي زرتَهُ في العالمِ الآخر قبل أن تتُوب إلى الشعر؟
صدَّقْتُكَ طويلاً فأخطأتُ، طريقَ الحقيقة، أُدْرِكُ الآن كم كان عليَّ أن أسألك حين يئِن صمتُك من صَمْته ويتهيّجُ صوتُك. هل كنتَ تَحْتَرِفُ البكاء اللامرئيّ وتَدُسُّ حَرْقَتَهُ في الدّعابة؟ هل كان الهَشُّ فيك يعلوك فتستُرهُ باللغة أو تدثِرُهُ بالسُّبَابة؟ كم من سؤالٍ مرَّ بي فأجَّلْتُهُ لأحترم الخجلَ في عينيك. وكان عليَّ أن أسأل القصيدةَ عمَّا يُضْمر المعني من صاحبه الآخر الذي أرهقَه شِعْرُك. لم تَقُل لي إنك ضَجرْتَ من الوجود وضَاقَ بِكَ المدَى الصّغير الذي يحُدُّك. لم تقل لي إنك تهيئ القصيدة الأخيرةَ للوداع وتمدِّدُ السحريَّ الغامضَ فيك حينَ الحنينُ إلى اللامرئيّ يَشُدُّك. ولم تَعِدْني بالهروب من الباب الخفيِّ في ذروة مَجْدك. فما الذي أستطيع أن أكتب الآن على شاهد قبْرِك؟ صدَّقتُ فأخطأتُ، وأنا الآن أدركتُ أن القصيدة كانت مدفأة لصدرك: مأواك ومنفاكَ ومَخْفَاك الذي فيه تدفُن سِرَّك.
صدَقْت: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة» يا محمود: أن نقرأ شِعرَك.

_________________
أحمد الله وأشكره

abdelhamid
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4740
العمر : 59
Localisation : SUD
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رحل درويش

مُساهمة من طرف said في الأحد 17 أغسطس 2008 - 23:36

أيها المحمود : ستحيا فينا كما تشتهي لغتــُـك

محمد برادة



يقولون : علينا أن ننتظر موت الشخص لنستطيع أن نتبيـّـن قيمة حياته بعد أن توقــّف المسار .لكنك ، بشعرك ورمزيتك ، تجعل مستقبلك مفتوحا بعد موتك ،لأنك ستحيا فينا وفي أجيال آتية كما تشتهي لغتــُـك . تحديتَ الموت وراهنت على زمن آت يضاعف حضورك عبر قرائك ، عبر صوغك لأحلام شعبك ونفاذك إلى مسالك النفس ، ومحاورتك للآخر، ومواجهاتك مع الموت...رحلتَ منذ الصبا على جناح الكلمة وفضاءات الشعر اللاتنتهي . استحضرت الطفولة وبكارة الأصباح في وطن يحلم بالحرية والعيش الهنيّ .عانقتَ البطولات اليومية لأبناء وبنات فلسطين وتغنـّـيتَ بالأرض السيدة ، وغـُـصت في بلــّوْر الأساطير وساءلتَ لــُـغزيـّـتها وخضت غمار التراجيديا لتستكشف أصل المأساة ولعنتها القدرية .ابن ُ فلسطين أنت ، فلسطين المشدودة إلى صخرة سيزيف في عالم يــُغمض العين عن من يستعمرون بالقوة شعبا يتشبث بأرضه وحقه في الوجود . يغمضون العين عن متاهة المأساة التي تبدأ من ظلـم يحميه تواطؤ الماسكين بـزمام السلطة في عالم يبشر بمبادئ إنسانية ويقترف عكـْـسها.وأنت ، الشاعر المصبوب من شغـَـف وضــوْء ، كان عليك أن تعيش مغامرة الكتابة لحسابك الخاص ، أن تـُـنوّع البدايات ، أن تستدرج اللغة في تلاوينها وموسيقاها لتقترب من شفافية تسرق الوجدان قبل السمع ،وتحرك الفـكر فيما هي تناغي مشاعر الذات العميقة ...الصورة ونقيضها ، الكلمة ومقاماتها المتداخلة . وأنت بإحساسك الذكيّ تناغم الأوتار : تقطف الغــيْـم ، تسرج الخيل ، تمتطي فرس الماء و« تؤثــّث النهار بدخان من لازورد » وتعتلي شجر السنديان « لتـُـطلّ على شقوق المكان » ...تـُسرج مخيلتك وتتوغل في الأعالي ونحن وراءك نستدل بأثر خطاك مشدودين إلى مغناطيس الصور والاستعارات التي تشقّ هجيــر اليوم العربي وتبدد بعضا من عتمة لياليه المستدامة .تكتب وترتــّـل، قرار صوتك الشجي يهدهدنا ، قصائدك تتتالى ، وأنت تكبر في أعيننا وعيون العالم...وفي لحظات التعب والفسولة وفقدان اليقين ، تتباطأ خطواتنا وتتحرك دودة اليأس في دواخلنا فيأتي صوتك ليقول بلساننا : « ونحن نواصل ما يشبه الموت نحــيا .وهذا الذي يشـبه الموتَ نـصْـرُ » .لكنك حين عايشت الموت عن قرب وبدأ صراعكما يراوح بين مــدّ وجـــزْر ، عناق وتحــدّ ،مناجاة وسخرية ، أحســسْنا أنك تتوغل في سماوات لا تقوى عليها أجنحتنا الطينية. وحدك كنت : مفتح العينين والقلب ،متوحدا ،متحفزا، واجهتَ تجربة الموت ، بارزتَ«ملك الملوك المعظم عاهل الموتى القوي»و« قائد الجيش الأشوري العنيد» ، بارزتَـهُ فارغ اليدين ، سلاحك الشعر الشغوف بالاستمرار على هذه الأرض، صائحا في وجهه :« وأنا أريد، أريد أن أحيا وأن أنساكأن أنسى علاقتنا الطويلة...»منذ ذاك، تباعدتَ عنا، انطلقت وراء مصيرك المتفرد. تآخيتَ مع جدلية الوجود والعدم، الحضور والغياب ، وأصبحت طائر الفينق بامتياز : من رماد آلامك ومراوغتك للموت تـستـَـوْلد قصائد تذكرنا بالوجه المأسوي الآخر القابع في أجسادنا الهشة العليلة. اكتملت الرؤيا : مأساة تعانق أخرى ، شعب يـُـقـتـّل وجسم يصارع الموت، الموت القاتل المتسـلـّل عبر الردهات ...عانقَ شعرُك الأوج : عين على الأرض وأخرى مصوبة نحو السماء . تكتب شعرا ونثرا كأنك تكتب من وراء القبر، فتطــلّ علينا من عالم أُخرويّ ، ثاقبَ النظرة نافذ البصيرة.لا أحد ، كما قلتَ ، يستطيع أن يمنع شاعرا ينتمي إلى شعب مقهور ، مهمش ، من أن يحلق عاليا في سماء الإبداع معانقا قضايا الإنسان وأسئلته الكونية . تهمس في أُذن العالم : « إني أصالح نفسي فتدخل كل الشعوب مدائحَ خمري » .وهويتك ، كما قلتَ ، هي في صيرورتك . وأضيفُ : هي ســـرُّ الوردة اليتيمة في البراري المتوحشةوقطرةُ ماء في قاع رمل متيبـّـس . هي ما يحفزنا على أن نعيش في زمن سديمي بلا أفق أو نوافذ ،متحدّين العماء مــُصرّين على أن نبتدع لحنا أو نصا أو لوحة لنقاوم العقم وأعداء الحياة...ولمَ لا أقول إن الهوية هي «عســل الشهوات » الذي يجعلنا نرفض الرجوع إلى أجسادنا الثابتة كما كتبتَ ذات يوم ؟من صلب جداريتك خرجتَ موقنا بتعدّد «الأنا» واستظلال أكثر من ذات بالذات الواحدة ، لأن الهوية مترحلة بطبيعتها لا تكاد تعرف مستقرا . وعـبْـر دفق شعري يزاوج الملحمي بالغنائي والمنطقي بالعبثيّ ، انطلقتَ تذرع أركان جداريتك لتمسك بالعناصر المضمـَـرة التي تراكمتْ في أعماقك ، بعد أن نـبشَ الموتُ مكمنها، فاستطعتَ أن تتخطى شــرَكهُ لتقترب من الذات الجديدة فيك ، الذات التي تخايلتْ لك من خلالها أصـقاع مجهولة هي العتبة المــُـفضية إلى برزخ مخيلة تشــيّـد التعدد وتعانق الإنسان المدفون تحت ركام الظلم والعنف والتسلـّط... رحلتك إلى المجهول عبر مصارعة الموت ، بلورتْ أفقا ممكنا ل «أنسنة» ما تبقى من العائشين في عالم من دون بوصلة .قرأتُ بين سطور جداريتك ، تعلـّقك بانبعاث الفرد الواعي ، الجسور على طرح أسئلة جذرية شمولية . الفرد الواعي لقيمته الذي لم يعد يرضى أن يـُـستعمـَل حطبا في معارك لا تتكشف إلا عن سراب،ونكون فيها نحن طعاما لوليمة هزائمهم . غدونا نردد معك في الجدارية :« كأني عندما أتذكر النسيان تنقذ حاضري لغتي .كأني حاضر أبداكأني طائر أبداكأني مذ عرفتكأدمنتْ لغتي هشاشتها على عرباتكالبيضاء ،أعلى من غيوم النومأعلى عندما يتحرر الإحساس من عبء العناصر كلها ...»منذ ذاك ، تأكد لدينا مرة أخرى أن اللغة المبدعة ، المنعتقة من عقابيل الماضوية وتأويلات المـُتفيقهين ، سدنة المعابد،هي السبيل إلى تشييد وطن الفرد الواعي المتطلع إلى تغيير علائق الاستبداد والاحتقار . يغدو وعــيُ الكينونة عبر مواجهة الموت ، جسرا لوصْل ما انقطع ، لترميم الهوية وضخـّها بدم المستقبل وجسارة التحدي . أليست اللغة الشاعرة الهشة التي تتهجـّى الخرائب المحيطة بنا ، هي الطريق إلى تحرير «الإحساس من عبء العناصر كلها » ؟أيها المحمود تمهــّـل إذاً ، لا تـُمعن في الغياب . غرباء نحن في أول النهار وعند الأصيل ، على السرير وأمام الشاشة الصغيرة ،أمام ســيْـل الخُطب المتخشبة وعبر مشاهد التقتيل وتدمير البيوت واحتراب الإخوة ...أيها المحمود تمهـّـل وتذكر أن هناك من جعلوا شعرك جزء من قوتهم اليوميّ ، يسترجعون من خلال نسائمه « شهوة لغتك» التي تسعفهم على رفع التحدّي ليعيشوا لأن «على هذه الأرض ما يستحق الحياة»لا تمعن في الغياب أيها المحمود ، وابعثْ قصائدك من وراء القبر ، كلما استطعتَ إلى ذلك سبيلا.
2008/8/16

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رحل درويش

مُساهمة من طرف said في الأحد 17 أغسطس 2008 - 23:38

لن تموت فينا أبدا يا محمود

رجاء الطالبي

كم رافقتني محمود في عزلتي الأنيقة
وكم حملتك،
مفتخرة بدواوينك
مجوهراتي الثمينة
أفتخر بامتلاكها بين القراء، لا كما تفتخر النساء
أضمها إلى المعرفة في
تنمو المعرفة بين سطورك ،
ألتهمها
أتهجى حياة عميقة
تتشكل من مدادك
تعلمني كيف أتناول
الحياة بأناقة الروح حين تشف
وتشتعل ورودا تنبثق من جسد
يركض كيما يلتقط الضوء
من خطو آلهة اختارت الغياب.
أحملها دواوينك في حقيبة يدي
أفتخر بامتلاكها
جواهر ثمينة
كلما منحتها بعضي
منحتني معنى
يفلت من رتابة يومي
ويزهر في الغرابة
تنقدح بين ضلوعي
حين قصائدك
تشدني من إحساسي
وتأخذني إلى أرض
حيث للأشياء حياة
لا تكف تهمس أسرارا
يلتقطها الشاعر.
كتبت محمود قصيدتك « بقية حياة «،
لن تموت محمود أبدا فينا
أنت تقطن منا الأحشاء،
تقطن الجميل
وقد دربت أعيننا على التقاط الشعر
في الحياة والقصيدة
أنت فينا محمود
تعلمنا كلما أقفرت الحياة من الجمال
كيف نمشي إليه ونرمم الكيان
نرمم النبض وقد جفت مياهه
كلما ذئاب الوقت تلتهم الضوء
وتنشر العقارب
تسمم الحياة.
حملتك وسأحملك درويش
كل ثانية، كل دقيقة، كل ساعة، كل يوم
قصيدة تجمل قبح أيام تفيض بالسواد
أنت فيها الجمال.
أحملك في قلبي
قصيدة ، ديوانا
أخرجه من قلب الحقيبة
كلما صهلت في نبضي العتمات
وفارقت بشذاها الحياة
أقرؤها قصيدتك مطعمة بصمتي ، مرافقة بإنصاتي
وأشرد في صباحاتي
لأنني أدمن قصائدك كل يومي ، خاصة في الصباح
كم التجأت إليها ، كم رافقتني وضوءها
عيونا ترى ما قد يعسر عن الإدراك.
أقرؤك يوميا في كل الأوقات
ترافقني الساعات
تخفف من وقع يتمي وصعوبة عزلتي.
كنت وستكون محمود ، قصيدتك
الصديق والصديقة
التي كلما أحسستني أمضغ حجر الوقت
وكلما خنقني العسر بأذرعه
تمسح عني ضيق وحشتي
تهديني الحدائق والضوء
تدرب عيني
تهذب إحساسي
تمنح الأناقة لكلماتي
تعلمني كيف أكون جديرة بحياتي والممات.

كاتبة من المغرب

2008/8/16

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رحل درويش

مُساهمة من طرف said في الأحد 17 أغسطس 2008 - 23:41



سبع زيتونات فوق جثمانك أيه المحمود

شعر: صبري أحمد



1- مات محمود الذي يتحدى الموت

هَلَّ كلَّ جبين الراعي
من حفر الظلمات
في المشرق والمغرب
في الماضي والحاضر
والآت؟
في الثابت والمتحول؟
راعي الكلمات
قَبَسٌ من رام الله
يا أمّي القدس
شحَّد الشعر
وقلص أبعاد الطرقات
وتعلّب في فعل ماض
ـ مات ـ
كيف يغيب الرائد
عن سرب أعمى
سَمَلت أعينُه السيناريوهات
يتحدِى الجوهر والشكل
ما تنفك الآفاق
تتناءى تتناءى
لكن توقيتُ غروب الظلمة
مكتوب
حرفاً أزلياً
لا يبرح إيمانُ الإبصار
سِدْرتَه
و(امنتهاه)

2- حَتَّام ـ يا أمين السِّر تظل الفلسطيني الأزلي؟
أتساءل
يا حطاب النور:
حتام تظل
ظللتَ تحوم
حوالي أكوام من نار
حوالي وطن/ أوطان
من خزف هش
مرصود للأيام الحمراء
حتام ظللت
تظل عَنيداً مغوار الأوتار
تستجدي العُمْرَ
يقين النور
من كلمات
تماهت بالأكباد
وبالأولاد
وبالأوتاد
كلمات كلمات
كلمات أضحت ملساء
يَسَّاقَطُ من عَلِهَا
سيلُ الشرفاء
وظللت تظل
تكبِّل خطوك بالثاقبات
من الأنجم الـمُشْرَئِبَّة
للغد منذ انفصام نحيب الثكالى
عن الحق
في الأمل المستحيل

3- وجها لوجه مع شعراء الآخرين
هيهات هيهات
نَحتتْ صُبْحَهَا الوضَّاء
أمُّ الشهيد
أرملةُ الشهيد
بنتُ الشهيد
من تربة حمراء
ونجمة عذراء
من صخرة صمَّاء
هي ما تبقى
من زغاريد العزاء
هيهات هيهات
تَعْتَمِرُ الغناء
ـ بعد انقطاع الماء
والكهرباء
في واحة الحلم ـ
هيهات هيهات
تحترفُ الغناء
زُمَرُ الضفادع
والدمى
وأمة الشعراء
عفواً
ودولة الشعراء

4- وطن على الأكتاف قصيدة أزلية
يا وطني الأوسع
في أوله وفي آخره
من ها هنا
وإلى هناك
وفي كفن الزمان
امرحْ!! لكن
احذر أن تذرف عينٌ واحدةٌ
بعد الآن
دمعاً/ ضوءًا/ بلوراً
من شلالات سَحَّتْ
من جَبَل الشعر
لا حق لعين خادعة
بعد الآن
أن ينبجس النور
منها
من مُقٍّ تختزن الأوهام
وتتاجر بالأمل المكنون
في صدر الأم النائحة
جهاراً
وتنامُ
في رموش تَغْمِضُ عين التاريخ
فيها وتنام
وطقوس
تتعانقُ فيها باكية
شيبُ أئِمَّتِنا
وخشوع الرهبان
آذان إيذان
هل مازلنا نحتاج
إلى فرض الشعر
وأم الشاعر ث رثيه
بزَمَان أسود
تُعْجَنُ بالصوت وبالصورة فيه
أجْداثٌ وبُيُوتٌ ونخيلْ
وأراضي باكيات
وطيور ومياه
لم يبق لها ما تسقيهِ
فوق أكباد قراها
بالجَليلْ
ها آخرُ ما صلى به
راعي الكلمات

5 - آذان إيذان
يَزَّاور من تيهِ إلى تيهِ
ستظل/ تبات
ثكالى وأرامل يافا تحكيهِ
قُدسَ العهد
كما اعتاد
كما ظل كثيراً يرويه
خارج/ داخل أتون التاريخ
سردٌ كالروح
لا يعشقه غير المفطومين عليه
2008/8/16
الإتحاد الإشتراكي

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رحل درويش

مُساهمة من طرف said في الإثنين 18 أغسطس 2008 - 13:55

[justify][justify]لاعب النرد.. في حضرة الغياب
فؤاد مدني
ما زال البعض يبحث عن وصية درويش الأخيرة، والتي لم يكتبها ربما.. هؤلاء يبحثون عن أي كلام ليسموه «الوصية الأخيرة لشاعر الثورة» عنوان صحفي مطلوب لكنه بدون معنى.. هل يترك شاعر وصية؟ وبينما هم يبحثون عن «الوصية» كان درويش يتلقى أولى أجوبة الموت التي ظل يبحث عنها في «جدارية» وفي «حضرة الغياب».. وهذه هي الأجوبة على لسانه.


حضر الموت إذن.. أنت لم تكتب هذه العبارة، فيما الآخرون يتحدثون عن وصية تركتها تحت وسادة سرير المشفى الأمريكي، أوعلى مكتبك في بيت رام الله أوبين الأواني في مطبخ منزلك الصغير بعمان.. إنهم بلهاء كما كانوا دائما.. يبحثون عن وصية شاعر. أما هواة صناعة الشهداء ورسم «أبطال القضية» فقد قالوا إن «وصيتك الأخيرة كانت هي أن لا يبقى جسدك معلقا بين خيوط غرفة العمليات».. هكذا كانوا دائما يحترفون البكاء خلف الجنائز.. فيما «الوصية» أمام أعينهم.. مسبوقة بأسئلة وجودية ليس إلا.. الأكيد أنك حصلت على أجوبتها مباشرة بعد الموت، كما أن الصورة قد تكون اكتملت الآن بعد الدفن.
الآن أنت تعلم أحوال الأبدية البيضاء (الآخرون ما زالوا يبحثون عن وصية) تعرف هل المناخ هناك معتدل؟ وهل تتبدل الأحوال في الأبدية البيضاء، أم تبقى كما هي في الخريف وفي الشتاء؟ وهل كتاب واحد يكفي لتسليتك مع اللاوقت، أم تحتاج مكتبة؟ كما أنك تعرف الآن لغة الحديث بين الموتى وفي الأبدية، هل دارجة لكل الناس أم عربية فصحى. وماذا بعد؟ الآن تعرف ماذا يفعل الناجون بالأرض العتيقة؟ هل يعيدون الحكاية؟ ما البداية؟ ما النهاية؟ لم يعد أحد من الموتى ليخبرنا... لكنك الآن بالتأكيد تعرف.
في الحقيقة الباحثون عن الوصية معذورون.. لأن الموت لم ينتظر خارج الأرض، لم ينتظر في بلاده وقرب خيمته، ولم تنته تدابير الجنازة في الربيع الهش، حيث ولدت، حيث كنت تريد أن تمنع الخطباء من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين وعن صمود التين والزيتون في وجه الزمان وجيشه.. لم يكن الموت صيادا شريفا.. ولم تقل صبوني بحرف النون، حيث تعب روحي سورة الرحمان في القرآن.. وماذا بعد؟
عشاق الجنائز لا يقرؤون ولا زالوا يعشقون البكاء والنواح ونسوا كلماتك: «امشوا صامتين معي على خطوات أجدادي ووقع الناي في أزلي. ولا تضعوا على قبري البنفسج، فهو زهر المحبطين يذكر الموتى بموت الحب قبل أوانه. وضعوا على التابوت سبع سنابل خضراء إن وجدت، وبعض شقائق النعمان إن وجدت. وإلا فاتركوا ورد الكنائس للكنائس والعرائس». لكنهم لم يمشوا صامتين وفي غمرة الغياب نسوا وضع السنابل السبع.. للأسف.
كيف حالك في حضرة الغياب؟ لا أعرف إذا كان بالإمكان أن أقول إن المناخ هنا معتدل، غير أنني لست في حاجة لا لفرشاة أسناني، ولا إلى صابوني ولا ماكنة الحلاقة ولا الكولونيا ولا الثياب. وماذا عن الموت؟ إنه كما توقعت.. لقد كانت العلاقة بيننا ودية وصريحة: أخذ ما أخذ من حياتي حين ملأتها، ولي منه الآن التأمل في الكواكب. لم أمت تماما. الموت أرواح تغير شكلها ومقامها وفقط. الموت الآن ظلي الذي سيقودني، إنه ثالث الاثنين، إنه لون التردد في الزمرد والزبرجد، إنه دم الطاووس، مرض الخيال!
مسجى بلا ضجيج، هادئا هادئا، ولا رأي لي في ما حولي. فوقي سماء محايدة. أتلو على مسامع المكان اللاهي مقاطع من خطبتي التي شئت أن تكون طويلة الظلال، لا لشيء... بل لأن الفراغ المحيط بي قد يحتاج إلى ما يسليه. ولا أحد معي، لا أحد يهددني بالمقاطعة من فرط الضجر، لا أحد ينبهني إلى أن الرثاء مديح تأخر عن موعده حياة كاملة.
أنا مسجى أمامي كفكرة تمتحن صبر صاحبها على احتمالها، وكقصيدة تصغي إلى شاعرها وتختبر سلام البصر والبصيرة، فتقول: صدقت أو كذبت علي! لقد خانني الكثيرون ممن أحببت.. «خانوني كالغدير». وحسدوني على جرحي البليغ. لذلك أعفيكم من حرج النفاق، فلن تبلغ القلوب الحناجر إن كانت ثقيلة، وأعفيكم من دموع تذرفها رائحة الفلفل.
أجل... أجل، لا وصية لي إلا النهي عن الإفراط في التأويل. هنا حيث لا أعرف قبري من مسقط رأسي، لا يحاكم أحد أحدا، ولا يقودني هودج الكلمات إلى واقع أو خيال. هنا أصفي الحساب مع القلب وأقول للفكر: ابتعد، فقد كانت لي حياة ما قبل هذا الموت. حياة أقل من حياة، وأكثر من زيارة عابرة. هنا ينظر القلب إلى أعلى ، فيتجلى ندم تخلف عن موعده، ندم على ما لم نفعل: لماذا لم آخذ الحياة على محمل الجد؟ لماذا أسرعت إلى هذا الحد، ما دامت النهاية هي الواضحة والبداية هي الغامضة.
أنا الآن مسجى أمامي في قبري برام الله.. لا أعرف من هو الميت فيَ ومن هو الحي، أنا الآن ذريعة الموت القصوى لتعريف الحياة بضدها الغامض.. أنام هادئا هادئا إذا ما استطعت إلى ذلك سبيلا. أنام هادئا في كلامي الآن وأحلم بأنني أحلم، أنام هادئا ما استطعت.. سأطرد عني البعوض ودمع التماسيح، والأصدقاء الذين أحبوا جروحي، سأنام هادئا قرب نفسي، سوف أحرس حلمي، وحدي في هذه الساعة.. الأرض عالية كالخواطر العالية، والسماء مجازية كالقصيدة.. نسيت ذراعي، ساقي، والركبتين، وتفاحة الجاذبية، نسيت وظيفة قلبي، وبستان حواء في أول الأبدية. نسيت وظيفة عضوي الصغير، نسيت التنفس من رئتي. أنا الآن المتيم والميتم والمتممم مامضى. أنا الآن الحديقة والحبيبة حيرتان وحسرتان. أنا الآن المغامر والمُعَد المستعد لموته منفيا، مريض المشتهى. أنا الآن الوداع، الوردة الوسطى، ولاء للولادة أينما وجدت، ووعد الوالدين. أنا الآن الدليل، الدرب، دمعة دارة درست، ودوري يدللني ويدميني... وهذا الاسم لي ولجسدي المؤقت غائبا.. للإشارة صيغة «الأنا» في النص مستوحاة من كلام درويش في «جدارية» و«في حضرة الغياب».

أدونيس .. الآن أحب أن أبكي

بين ضوء الكلام، وظُلمة الزمن، عاش محمود درويش. الأول أسنده إليه الفلسطينيون والعرب لكي يُطفئ الجحيم بماء الفراديس. جعلوا منه مَطْهَراً يتجاوزون به خيبة العدل والسياسة، ورمزاً يلجؤون إليه لكي يحنّوا ويتذكروا حيناً، ولكي يستشرفوا ويأملوا، حيناً آخر. وهو عبء احتضنه، وإن كان طاغياً عليه، وهذّبه وارتقى به، وقرَنَ فيه بين الألم المرير والمتعة العالية، وبين الفجيعة والجمال. وفي ذلك صارع العبءَ الآخرَ، عبء الزمن، وآخاه واحتضنه كذلك. كتب شعره كمثل كيمياء تحوّل الموت إلى حركة حية، وتخترع الشطآن حتى للقوارب المحطّمة. وحيثما اغتربَ، أقام عاصمة للأمل، جاعلاً من الشعر أرضاً أخرى، وسماء أخرى.
لكن ماذا تقول لك الكتابة حين تنهار فوق صدرك ذروةٌ من ذرواتها؟ خصوصاً أن محمود درويش لم يكن، بالنسبة إليّ، مجرّد صديق. كان أخاً قريباً، وشريكاً حميماً في الحياة التي جمعتنا في بيروت، قبل الحصار، وفي أثنائه، وبعده في باريس. كنّا في هذه المدينة الفريدة نبني جسور الشعر ونربط الأفق بالأفق. وكنا في بيروت نفتح لغاتنا على الرياح الأربع. وفي بهاء الصداقة كنا نحتفل – في بيتنا، كل سنة، باليوم الذي ولد فيه مع نينار التي ولدت في اليوم نفسه: 13 آذار. كان يأخذها بين ذراعيه، فتقول له بطفولتها الشاعرة: «أنت كبير، وأنا صغيرة. شو استفدنا؟». مع ذلك، فيما بعد، في غلواء الصداقة، والتباس علاقاتها، باعَدَت بيننا الحياة. غير أن الخيط الذي يصل الضوء بالضوء لم ينقطع بيننا أبدا. الآن، أحب أن أبكي.

سميح القاسم..صفحتان ووجه قديم

لأنّا صديقانِ في الأرضِ والشّعبِ والعُمرِ والشِّعرِ،نحنُ صريحانِ في الحبِّ والموتِ.. يوماً غَضِبْتُ عليكَ..ويوماً غَضِبْتَ عَلَيّ وَمَا كانَ شَيءٌ لدَيكَ. وَمَا كانَ شَيءٌ لَدَيّ سِوَى أنّنا مِن تُرابٍ عَصِيّ وَدَمْعٍ سَخيّ نَهاراً كَتبْتُ إليكَ. وَليلاً كَتَبْتَ إليّ وأعيادُ ميلادِنا طالما أنذَرَتْنا بسِرٍّ خَفِيّ وَمَوتٍ قريبٍ.. وَحُلمٍ قَصِي ويومَ احتَفَلْتَ بخمسينَ عاماً مِنَ العُمرِ، عُمرِ الشَّريدِ الشَّقيّ البَقيّ ضَحِكنا مَعاً وَبَكَيْنا مَعاً حينَ غنَّى وصلّى يُعايدُكَ الصَّاحبُ الرَّبَذيّ: على وَرَقِ السنديانْ وُلِدْنا صباحاً لأُمِّ الندى وأبِ الزّعفرانْ ومتنا مساءً بِلا أبوَينِ.. على بَحرِ غُربتِنا في زَوارِقَ مِن وَرَقِ السيلوفانْ على وَرَقِ البَحرِ. لَيلاً. كَتَبْنا نشيدَ الغَرَقْ وَعُدْنا احتَرَقْنا بِنارِ مَطالِعِنا والنّشيدُ احتَرَقْ بنارِ مَدَامِعِنا والوَرَقْ يطيرُ بأجْنِحَةٍ مِن دُخانْ وهَا نحنُ يا صاحبي. صَفحَتانْ وَوَجهٌ قديمٌ يُقَلِّبُنا مِن جديدٍ على صَفَحاتِ كتابِ القَلَقْ
وهَا نحنُ. لا نحنُ. مَيْتٌ وَحَيٌّ. وَحَيٌّ وَمَيْتْ بَكَى صاحبي...-...-،على سَطحِ غُربَتِهِ مُستَغيثاًبَكَى صاحبي...-...-..وَبَكَى.. وَبَكَيْتْ على سَطحِ بَيْتْ ألا ليتَ لَيتْ ويا ليتَ لَيتْ وُلِدنا ومتنا على وَرَقِ السنديانْ..

ماجدة الرومي..أقرب إلى الحرية

وفاة محمود درويش أصابتني بألم وحزن شديدين. لقد كان صوت فلسطين في المنفى، وفلسطين ستزداد غربة في غيابه. كان درويش بالنسبة إلي عنصراً أساسياً لأكون قريبة أكثر من أرض فلسطين. إنه روح فلسطين وصوتها. فالتراب لا يعني شيئاً من دون الناس، نحن كنا نتلمس روح فلسطين من خلال محمود درويش، وبغيابه سيكون تلمسها أبعد واصعب. لكنه سيظل حاضراً في شعره وكتبه وإرثه الغني المبدع. ولا خوف على القضية الفلسطينية بعد غيابه، لأنه ترك في نفوسنا وعقولنا من خلال شعره وثقافته وتمسكه بالقضية، ما هو أقوى من الاحتلال. فالمحتل لا يمكنه مصادرة صوت نقي وروح حرة مثل صوت محمود درويش وروحه.
الأشخاص الكبار مثل محمود درويش يقربوننا من الحرية مهما كانت بعيدة عنا. بدءاً من اليوم سنفتقد شخصية محمود درويش الفذّة والاستثنائية لكن روحه ستظل حاضرة فينا.

شوقي بزيع .. لا وقت للرثاء

الوقت الآن لا يتسع للرثاء. فبين أن تسمع الخبر وأن تصدقه ينبغي أن يمر وقت طويل لتخليص العبارة من تلعثمها. ثم ما الذي تركه الشاعر للشعراء من فضلات اللغة وحواشيها لكي يتمكنوا من رثائه عبر كلمات وصيغ لم يكن قد استهلكها من قبل؟ وكيف أمكن الموت ان يدخله في نعش أو قصيدة أو ضريح وأن يلمّ شتاته المتناثر بين العواصم والأفئدة وصفحات المعاجم؟
الوقت الآن لا يتسع للرثاء وجملة (مات محمود درويش) لا تستقيم في اللغة ولا في المجاورة اللفظية ولا في المعنى، فالفاعل في الأصل لا يمكن أن يقوم بفعل الموت، والفعل لا يستطيع أن يصدق فاعله. ونحن أصدقاؤه ومحبوه نهيم بين الاثنين غير مصدقين أن من هتف ذات يوم «على هذه الأرض ما يستحق الحياة» يمكنه أن يخون العهد مع الحياة التي أحبها حتى قطرة الرجاء الأخيرة، وأن من تعهد بتربية الأمل يقبل الآن بالتنحي مع المهمة ويعود شاحباً ومهيضاً ليتقاسم سريره الأخير مع كائنات الظلام النحيلة وترابه الرطب.

مارسيل خليفة.. يا توأم قلبي

لسنين طويلة ارتبطت موسيقاي بشعر محمود درويش فتآلفت أعمالنا في ذاكرة الناس حتى صار اسم أحدنا يستذكر آلياً اسم الآخر. ولا عجب في ذلك، فكل محطات مساري الموسيقي ولثلاثين عاماً، مملوءة بالإشارات إلى أعمال درويش، بدءاً بـ«وعود من العاصفة» ووصولاً إلى «يطير الحمام» التي لم تسجل حتى الآن، فمنذ أولى محاولاتي وقبل أن يتعرف واحدنا إلى الآخر، كنت أحس بأن شعر محمود قد أنزل عليّ ولي، فطعم «خبز» أمه كطعم خبز امي، كذلك عينا «ريتاه» ووجع «يوسفه» من طعنة أخوته و«جواز سفره» الذي يحمل صورتي أنا، وزيتون «كرمله»، رمله وعصافيره وسلاسله وجلادوه، محطاته وقطاراته، رعاة بقره وهنوده... كلها سكناها في أعماقي. فلا عجب إن آلفت موسيقاي أبياته في شكل طبيعي دونما عناء أو تكلّف. يقيني أن شعره كتب لأغنيه، لأعزفه، أصرخه، أصليه، أذرفه... أحوكه ببساطة على أوتار عودي، وإذا أشركت كل آلات الأوركسترا مع كلماته وصوتي طلع ذلك الإنشاد الذي يهز ويؤاسي، يحس ويقاوم. محمود، يا توأم القلب أقولها لك، مثلما كتبتها لي، لو في جنة الله شاعر مثلك لكنت صدّقته.

[/justify]
[/justify]

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رحل درويش

مُساهمة من طرف abdelhamid في الثلاثاء 19 أغسطس 2008 - 12:59



لا لغة لي كي أرثيك يا محمود
بلمو محمد

إلى الشاعر الحي
محمود درويش

يا غُربةَ أشجاري
تخونها الفصولُ
المطرُ أيضا أصبحَ مزاجيا
يخرجُ إلى الغابةِ حينَ يريد
غالبا بلا موعد
يقتلعُ الجذورْ
يقذفُ الترابَ الحرَّ في مقابرِ الوحل
توزع القبائل دمه
على الأسواق المفتونةِ  بالحريقْ
يا عَطَشَ أشجاري
لمُ تُسعفها كأسٌ
ولا داوتْ فداحتَها عِبارةٌ
ولا لَفَحتْ ثِمارَها قُبلةٌ
لم يعدْ لِعشْقِها قمرٌ
ولا ترى نجوما
كي تُداري ظلامَ الطريقْ
يا خسرانَ أشجاري
كمْ مِنْ خيولِ الوقتِ نَفقتْ
حين رحل القلبُ
انسحقتْ أوراقٌ
تحت أقدامِ العساكرِ
انصهرتْ بحارٌ
اندحرتْ حدودٌ
تبدَّدتْ فاكهةُ الروحِ
ماتَ الشَّوقُ
انفَضَّ الرفاقْ
يا عزلة أشجاري
أشعلَ الخريف حقولَ الموتِ
أغصانٌ كثيرة شاختْ باكرا
انقرَضتْ جذورٌ
داختْ براعمٌ في عراء البحر
انسابتْ بلا ترَدُّدٍ في ضلوعي
بِزئبقِ الشّعْرْ أتدفأ
كي لا أضـــــــــــــــــــيعَ
أكثرْ
كي لا يهزمني السقيعْ
يا عزلةَ أشجاري
تُدَغدِغُها لُغةٌ
تُجافيها طراوةٌ
يتلاطم فيها الحزنُ
تَصبُّ البحرَ في أحشائي
بِزئبقِ الشّعْرِ أتدفَّأُ
كي لا أضـــــــــــــــــــيعَ
أكثرْ
كي لا يهزمني السَّقيعْ
يا يُتمَ أشجاري
انطفأَ الكأسُ
فوقَ أسرابِ السؤالْ
اكتسحَ السماءَ
غمامٌ أجوفُ
هَدَرَ رَعدُ الفداحَةِ
انتفضَ برْقٌ من فراشِ غيبِهِ
مطرٌ شاحبٌ
ولا دموعَ لي
كيْ أبكيكَ
لا لغةَ لي
كي أرثيكَ
لا نوارسَ تَعُدُّ خساراتي
لا هواءَ لصباحي
ماتَ محمود درويش
يا يُتْمَ أشجاري
يا يُتمَ
 أشْجاري
2008/8/18
الإتحاد الإشتراكي

_________________
أحمد الله وأشكره

abdelhamid
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4740
العمر : 59
Localisation : SUD
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

فقـــــــه الفــــــــراق /جمال الغيطاني

مُساهمة من طرف said في الأربعاء 20 أغسطس 2008 - 19:46

هكذا جرى الأمر في يسر، في هدوء، في خطى حثيثة غير هيابة قطع خلالها ما تبقى إلى الأبدية، إلى المطلق، حرت كثيرا، من أين أبدأ، تتعدد الشعاب إليه، غير أنني أتعلم من بساطته وثقابة رؤيته فأحكي ما جرى منذ أن أخبرني صديقنا المشترك نبيل درويش الإعلامي المعروف مراسل الإذاعة الفرنسية في القاهرة، كان ذلك منذ ثلاثة أسابيع بالضبط تحتسب إلى الوراء من تاريخ هذا العدد، قال لي نبيل إن محمود يمر بمرحلة دقيقة، وقد يضطر إلى إجراء عملية خطيرة، بادرت إلى الاتصال الهاتفي بمحمود في عمان، اعتدت ذلك على فترات متباعدة، سألته أولا عن رحلته إلى فرنسا. حدثني عن الأمسية الشعرية التي أقامها في مدينة «آرل» جنوب فرنسا، كانت الأمسية جزءا من احتفالية دار اكتوسود بمرور ثلاثين عاما على تأسيسها، والدار تنشر أعمال محمود المترجمة إلى الفرنسية منذ سنوات، قال لي إن تيودروف المفكر بلغاري الأصل الشهير، كان حاضرا، كذلك الروائية كندية الأصل نانسي هيوستون زوجته، وتربطهما بمحمود صلة قوية. تجاوز عدد الجمهور ثلاثة آلاف مستمع جاؤوا من المدن المجاورة ليدفع كل منهم ثمانية عشر يورو ليصغي إلى أشعار محمود التي يقرؤها بالعربية وتقوم ممثلة محترفة بإلقاء الترجمة إلى الفرنسية.
عرفت ذلك من قبل مع محمود، ليس في فرنسا فقط، إنما في بلدان أوروبية أخرى، وفي بلدان عربية بالطبع. غير أن الحالتين مختلفتان، وفي فرنسا بالتحديد كان له وضع خاص، منذ عامين رافقته في تولوز، وكان عدد المستمعين بالآلاف، ومنذ خمس سنوات صحبته في بوردو، وكان الاحتفاء به مدهشا، محمود دخل ضمير الإنسانية كشاعر متفرد، عظيم، وما أقل الشعراء الكبار في عالمنا المعاصر، يعدون على أصابع اليد الواحدة، لو أن محمود لم يكن فلسطينيا لحصل على جائزة نوبل منذ سنوات طويلة، لكنه مثل الأدب العربي جزء من الصراع والعلاقة المعقدة بين الشرق والغرب، ومحمود في مركز هذا الصراع، إنه ذاكرة فلسطين الروحية، فلأكف عن الاستطراد، فلألزم الوقائع، استعيد صوت محمود الهادئ الآن، بعد أن تحدثنا عن جمهور الشعر في الغرب واستعدنا بعض ذكريات مشتركة من لقاءاتنا في الخارج، سألته -وكأني أنطق عرضا­ عن صحته، أجابني بهدوء أنه مقبل على جراحة خطيرة، ضحك قائلا: تصور أنه من المطلوب تغيير ستة وعشرين سنتيمترا من الشريان الأورطي، طلبت منه أن يشرح أكثر، كنت أتبادل معه الخبرات منذ سنوات، خاصة بعد الأزمة الخطيرة التي مر بها في أحد فنادق النمسا، وبعد العملية التي كانت تصنف بأنها خطيرة عام ستة وتسعين والتي أجريتها في كليفلاند بالولايات المتحدة، هذه العملية خط أحمر في حياتي، سواء في ما يتعلق بحضوري المادي أو النفسي والروحي، وقد فصلت أمرها في يوميات عنوانها «الخطوط الفاصلة»، واستوحيت منها نصوصا قصصية عنوانها «مقاربة الأبد»، في ما تلا صدورها قرأت جدارية محمود درويش وذهلت لتطابق الحال، لتشابه التجربة، بل إن ما أفلت مني لعجز النثر عبر عنه هو بقدرة الشعر على اقتناص ظلال الظلال، وما لم يفسره، هو في استخلاصه الرحيق، فصلته نثرا في التدوينين. منذ إجرائي الجراحة أهتم بكل ما يتصل بالقلب وشؤونه، وأساليب تطور الجراحة والتقدم الذي حدث فيها، بل إنني مازلت على اتصال بأطبائي في أمريكا، ومنهم من أصبح صاحبا حميما. الدكتور فوزي اسطفانوس المصري، ابن نجع الشجرة في طما الذي أصبح خبيرا عالميا في التخدير، أما الدكتور جلال السعيد فلا أملك إلا الدعاء له بالصحة وطول العمر فهو من يرعاني بعد الله في مصر، هكذا أصغيت إلى محمود وأدركت أن حالته خطيرة بالفعل، لكنني حرت، فالأطباء الفرنسيون رأوا ألا يجري الجراحة لأنها مصنفة في الخطرة جدا، أما انتفاخ الأورطي وتمدده فيخضع للاحتمالات، يمكن أن ينفجر بعد خمس دقائق ويمكن أن تمر عشر سنوات بدون أن يحدث شيء، قلت لمحمود إنني عرفت حالات كانت أخطر في كليفلاند ولكن معظمها اجتاز الخطر، لماذا لم يذهب إلى كليفلاند، قال إنه ليس هو الذي يقرر، على كل حال فقد قرر السفر، سألته عمن سيرافقه، ذكر لي اسمين، سألته عن رقم الهاتف الجوال الذي سيكون معه، أخبرني به. قلت له إنني سأكون معه خلال الرحلة، سوف أتصل به بعد نجاح الجراحة، قال بصوت مبتسم: يا جمال! لم يكمل، لكن ثمة كلمات يتمم معناها أسلوب النطق، كأنه يقول: يا عالِم.. تمنيت له الجميل وانتهت مكالمتنا، كتبت خبرا نشر في الصفحة الأخيرة من «أخبار الأدب»، ولعله أول إشارة إلى الوضع الصحي القلق الذي يمر به محمود، في يوم صدور أخبار الأدب اتصل به الأبنودي من معزله في الإسماعيلية، مريض يطمئن على مريض، وأعرف ما يربطهما من صلة حميمة، عميقة يندر أن تكون بين قامتين شعريتين كبيرتين، صلة مصدرها الاحترام العميق، وتقدير شاعرية كل منهما للآخر، كان بيت الأبنودي أحد البيوت القليلة التي يأنس إليها محمود في القاهرة، وكان الأبنودي يستعد بالطبق المفضل لصديقه الحميم، الملوخية الخضراء على الطريقة الصعيدية.
تابعت سفر محمود إلى الولايات المتحدة، كان مصدري صديقنا نبيل درويش الذي كان مطلعا على أدق التفاصيل عبر الأصدقاء المشتركين، عندما يتعرض صديق عزيز لأخطار صحية أو حادث داهم يستنفر ما يخصه عندنا، ما لم يكن له حضور قبل بدء ذلك الترقب الموجع، القلق، الممض، أحاول أن أتفحص ما مضى، متى رأيته لأول مرة؟ متى تعرفت إليه شخصيا؟ لا يمكنني التحديد، يختلط عندي ما سمعته بما عاينته بما قرأته. المؤكد أنني لم أتعرف إليه عند حضوره إلى القاهرة وبدء إقامته التي لم تمتد كثيرا. خلال عمله مع المرحوم أحمد بهاء الدين في مجلة المصور، ثم عند انتقاله إلى الأهرام وقرار الأستاذ محمد حسنين هيكل بضمه إلى صفوة الأدباء الكبار في الأهرام، أصبح من قاطني الطابق السادس، وكان هذا الطابق يضم الخلاصة، في غرفة واحدة، كانت مكاتب نجيب محفوظ، والدكتور زكي نجيب محمود، والدكتورة بنت الشاطئ، وانضم إليهم محمود درويش، عندما زار القاهرة عام خمسة وتسعين جاء إلى السفينة النهرية الراسية «فرح بوت»، استقبله نجيب محفوظ مرحبا، مناديا: أهلا بزميلي في المكتب، في ما تلا ذلك لم يأت محمود إلى القاهرة إلا وزار نجيب محفوظ، الآن هما معا، ونحن نتأهب!
في القاهرة، في باريس، في عمان، في بغداد، في موسكو، تتوالى علي صور شتى للقاءاتنا، لحواراتنا السريعة، كذلك عبر الهاتف، كنت ألح عليه دائما بخصوص ضرورة إصدار بيان شعري من شعراء العربية الكبار (وعددهم لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة)، ربما يكون علامة في مواجهة هذا الاستسهال الذي جرى باسم الحداثة، وقصيدة النثر، أذكر تعليقه متعجبا »إن النثر في أرقى حالاته يطمح أن يكون شعرا، فكيف نقول قصيدة النثر«. غير أنه كان يؤثر تجنب الدخول في معارك صاخبة خاصة مع ميلشيات قصيدة النثر المنتشرين في مواقع حصينة بمنابر الإعلام العربية، ومواقع الأنترنت التي دخلت الخدمة كسلاح فعال، كان محمود حريصا على التركيز الشديد في إبداعه، أن يبتعد عن الضجيج وعن مشاكل الحياة الثقافية العربية، لذلك نجده بعيدا قصيا في العواصم التي أمضي فيها وقتا. من القاهرة إلى باريس إلى عمان، كانت همومه الكبرى تشغله تماما وأولها الشعر وما يتصل به من قضايا، وبالطبع قضية وطنه وشعبه الذي مر بظروف مأساوية تاريخية لم يعرفها شعب آخر، كان صوتا لهذا الوطن ولهذا الشعب، وواعيا بالظروف الصعبة المتدهورة، أذكر ترديده مرات عندما تحدثنا في أوضاعنا بعد الحادي عشر من سبتمبر، كان يردد بلهجته السريعة وكلماته المتلاحقة.
غير أن ما جرى في غزة ربما فاق أسوأ توقعاته. فالقضية الوطنية الكبرى لشعبه يجري تصفيتها بأيدي فريق من أبناء هذا الشعب نفسه، ولكم كان بليغا دقيقا عندما وصف المشهد المأساوي الذي جرى في غزة قائلا: لقد جرى استبدال العلم الفلسطيني متعدد الألوان بعلم ذي لون واحد، أهي صدفة أن يبلغ احتضار محمود درويش أوجه في نفس الوقت الذي تبلغ فيه قضية شعبه ذروة المأساة أيضا، ليس غريبا توافق المسارين، والآن نتابع بدهشة وفزع مواقع حركة حماس الإلكترونية التي تصف محمود درويش بالإلحاد والكفر، فكأنهم يسعون إلى تشويه أقوى صوت وأرفعه شأنا حمل مأساة الشعب الفلسطيني إلى ضمير الإنسانية، احتضار الشاعر واحتضار القضية صنوان.
في موسكو عام سبعة وثمانين، شاركنا في مؤتمر ضخم ضد التسليح النووي دعا إليه غورباتشوف، وفيه التقى بصديق عمره سميح القاسم، كنت مهتما بالتقاط الصور لهما لنشرها في جريدة الأخبار، وكان يعلق دائما على نشاطي الصحفي مبديا استنكاره لما أقوم به، كيف يقدم كاتب (يرى أنه مهم وكبير) على ذلك؟ وكنت أقول له إنها مهنتي يا محمود، لم يكن يستوعب أن كتبي الستين لا توفر لي تكاليف الحياة، وأنني مطالب بإنفاق أكثر من خمس عشرة ساعة يوميا للعمل الصحفي، كان يرى في ذلك إهدارا للموهبة وتبديدا للطاقة، وعندما قلت له مرة إنني لا أنام أكثر من خمس ساعات يوميا وعلى فترات، وصف ذلك بأنه انتحار. قال لي إنه ينام ثماني ساعات. وقد خصص في نصه البديع »في حضرة الغياب« فصلا كاملا عن النوم، هذا النص الذي يمسك بناصيتي الشعر والنثر ليس إلا أنشودة رحيل مؤلمة، مرثية للذات واحتفاء بالأبدية، قرأته مرات وتمنيت أن أحفظه عن ظهر قلب، إنه يؤسس لفقه الفراق، فراق الذات للذات، فراق الأصل للظل، فراق المحسوس إلى اللامحسوس، ما يمكن تحديده إلى مالا يمكن تحديده أو تعيينه، في هذا النص النادر يلقي الأضواء الخفيتة على خباياه التي لم يدركها أحد، حتى إبداعه للشعر، فيه وجدت تفصيلا لجملة قالها لي مرة. أنه اعتاد أن يفتح القاموس عند بدء نشاطه اليومي. لسان العرب لابن منظور، يفتح على أي صفحة، يتوقف أمام كلمة معينة، يقرأ ما أورده المؤلف عنها، أذكر أنه قال معلقا باختصار: هذه علاقتي بالتراث. وقد وصف علاقته بالقاموس في هذا النص البديع، وسوف نستعيده في أخبار الأدب شعرا ونثرا مادمت مسؤولا عن تحريرها، لن يسجن صوته في علب الكاسيت، بل سيكون حضوره مستمرا، لن يكف بالغياب، أثق أن شعره سوف يعيش كما عاش شعر الشعراء الأوائل من العصور المختلفة، فقد ارتقى إلى حد ملامسة قوانين الوجود الخفية وعبر عنها بعمق ورقة ورفعة، وهذا ما لم يتفق إلا لقلة في تاريخ الإبداع الإنساني.
أسس مجلة «الكرمل» التي كانت منبرا بالغ الرفعة، عاونه سليم بركات أولا ثم صبحي حديدي، وأثناء تخطيطه لإصدارها اتصل بي (لا أذكر من أي بلد؟)، طلب نصا، قلت له إنني مشغول منذ سنوات في عمل طويل بدأته عقب رحيل أبي، أعني «كتاب التجليات». طلب مني أن أرسل جزءا أختاره، وبالفعل أرسلت إليه مقطعا طويلا شغل أكثر من ثلاثين صفحة، وفيما بعد قرأ الكتاب كاملا وحدثني بما أخجل من ذكره الآن، لم نتعرف شخصيا بما يكفي، كنت بعيدا، وكان بعيدا، وكانت لقاءاتنا مثل لقاء القطارات التي تعبر بعضها بسرعة، غير أنني قرأت نصوصه جيدا وتمثلتها. وقرأ نصوصي أيضا، آخر ما قرأه «نثار المحو» الدفتر الخامس من دفاتر التدوين، حدثني عنه، لكنني لا أظن أنه قرأ الدفتر السادس «الرن»، وقد خجلت في آخر اتصال أن استفسر عما إذا كان وصله بالبريد أم لا؟ تعارفنا عبر النصوص وهذا أصدق ما سيتبقى منا، فالكاتب أولا وأخيرا ماثل في نصه، أما الوجود المحدود فيمضي، غير أنني في العلاقة الشخصية الشاحبة أحببته، وقدرته، وأصغيت إليه جيدا، ولاحظته بدقة، أذكر أننا عندما سافرنا من بوردو إلى باريس لاحظت أنه لا يحمل إلا حقيبة يد مما يصعد به الراكب إلى الطائرة، فقط ليس غير، ورغم وسامته وأناقته، إلا أنني لم أره إلا عبر لونين، الجاكت الأزرق والبنطلون الرمادي، يقول البعض إنه كان حادا، وأحيانا جارحا، وفي تقديري أن هذا نوع من الدفاع عن الذات في مواجهة الخشونة والغلاسة. هكذا رأيت أمل دنقل الذي أعتبره من أرق الذين التقيت بهم رغم ما أشيع عن خشونته.
طوال الأسبوع قبل الماضي عقب حديثنا الهاتفي، كانت تشغلني تفصيلات خاصة برحلته، أي شركة طيران؟ أي مسار؟ من مقال الصديق صبحي حديدي المنشور في هذا العدد عرفت أنه سافر عن طريق باريس. أعرف فندق ماديسون بجادة سان جيرمان، فندقه المفضل في الحي اللاتيني، رحلة طويلة من عمان إلى باريس إلى ولاية تكساس حيث المستشفى، من نبيل درويش علمت الأحد أنه أجرى الجراحة يوم الأربعاء، وأن الوضع حرج، يوم السبت اتصلت بنبيل لشأن يتعلق بمناسبة تخصني، فوجئت به يقول لي إن محمود في حالة موت سريري منذ الأمس، وإن القيادة الفلسطينية مجتمعة وعلى اتصال بالأسرة لاتخاذ القرار المناسب، غير أن محمود لم يسبب الحرج لأقربيه، أعد لكل شيء عدته، إذ أوصى ألا يوضع على أجهزة صناعية، أي رفض هذه الحالة التي يكون فيها الإنسان عدما من حيث المضمون، موجودا من حيث الشكل، هكذا رحل في بساطة، أقول في بساطة لأن الأمر جرى هكذا، هكذا بالضبط، في مثل هذه الظروف أمر بحالة من عدم التصديق، وعدم القدرة على الاستيعاب، غير أنني مضيت أستعيد قصيدته الملحمية الرائعة «الجدارية» ونصه الفريد الذي يطاول نصوص أبو حيان التوحيدي الناثر الأعظم في لغتنا العربية «في حضرة الغياب».



said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رحل درويش

مُساهمة من طرف نجيب في الجمعة 22 أغسطس 2008 - 13:08

محمود درويش: ظل الشعر العالي
إدريس الخوري



يموت الشاعر وتبقى قصيدته.ينطفئ الجسد ويبقى الجمر مشتعلا.كيف للقصيدة أن تموت بموت صاحبها؟أبو الطيب المتنبي، أبو العلاء المعري، ابن الفارض، عروة ابن الورد، أبو نواس، امرؤ القيس، الشنفرى، منذ قرون خلت وهم مغيبون تحت الثرى، لكن شعرهم لايزال حيا في الذاكرات.محمود درويش أحد هؤلاء، وإن انتمى إلى عصر الحداثة والتكنولوجيا وليس إلى عصر البداوة والصحراء الخالية من الورد الأقل، من قهوة الأم حورية وزيتونها.لقد تعرفت على محمود درويش، إبداعيا، في مجلة «شعر» البيروتية التي كان يديرها الشاعر الراحل يوسف الخال صاحب ديوان «البئر المهجورة»، كان ذلك سنة 68 إذا لم تخني الذاكرة، عندما خصص يوسف ملفا تعريفيا لشعراء المقاومة، أو ما كان يُعرف آنذاك ب «شعراء الداخل» : درويش نفسه، سميح القاسم - توفيق زياد، أما جسديا فكان ذلك بمكناس سنة 83، في ملتقى القصة القصيرة الذي نظمه اتحاد كتاب المغرب برئاسة محمد برادة، وبالضبط في بيت المرحوم المقاوم محمد المكناسي. كانت أمسيته الشعرية بقصر المعرض، ممتلئة عن آخرها بالجمهور المكناسي المتعطش إلى الشعر وإلى صاحبه الذي سبقه شعره إلى المغرب، عبر «عاشق من فلسطين» ودواوين أخرى لعل أبلغ قصائدها هي «سجل أنا عربي» في إشارة الى العدو الصهيوني أثناء الاعتقال والاستجواب، وبمرور السنين سيتراكم الشعر فوق رأس درويش وسيصبح غزير الانتاج، فالجسد يافع والرغبة في إخراج القضية من حانوت المساومات والمزايدات، العربية والدولية، جعلت خطابه الشعري متفردا في صوته.إن السياسي ليس إلا كائنا مراوغا، أما الكاتب فإنه يذهب بعيدا في إدانته الرمزية والاستعارية، كذلك كان محمود درويش: رامزا بحذق وذكاء نادرين الى الاحتلال النفسي والجسدي الذي يعيشه العالم العربي بسبب فلسطين، كانت افتتاحياته الشهرية، في مجلة «شؤون فلسطينية»، لسان منظمة التحرير (وقد أصبحت للأسف اسما على مسمى ) نارية وذات بعد سياسي عميق لا يتوفر عليه آنذاك محمد حسنين هيكل، من حيث اللغة الشعرية الواصفة للحالة، من حيث التشبيهات الرمزية، من حيث السلاسة التي يفتقد إليها كتاب الافتتاحيات في الجرائد السيارة، ذوو اللغات الخشبية، أليست فلسطين جسده المثقوب بالطعنات العربية والأمريكية؟هو كذلك: كائن عميق في شعره ونثره، طفل بريء، بوهيمي في أناقته، قلق باستمرار، غير متكئ على قناعات وهمية، ضحوك، ساخر من نفسه ومن الوقت، وفي جلساتنا بالرباط الحميمية، عليك أن تنصت الى تحليله السياسي للقضية وإلى سخريته المرة منها، كان درويش مخلصا حتى الثمالة للشعر، مخلصا للصداقات الإنسانية الحقيقية، عفيفاً، ورغم الحقد الذي يُكنه بعض الشعراء إليه، هناك في المشرق، إلا أنه كان ينزه نفسه عن الخوض في معارك جانبية.وبسبب ارتباط اسمه بفلسطين، تاريخيا، كـ «شاعر المقاومة»، وهو النعت ـ الطابع الذي بصم حياته، أصبح يتأفف من هذا النعت الرديء الذي ألصق به، ذلك أن شعره في نهاية القرن الماضي والألفية الثالثة الآن، إنما يشكل قطيعة نهائية مع ماضيه الشعري، وإن كان المشهد الخلفي، للصورة، تطل منه فلسطين، عبر الأمكنة والأزمنة: الطفولة، الترحال، وأثناء قراءته هو لشعره أو قراءتك أنت له، تحس وكأن شعره نثر، لكن نثره شعر موسيقي بامتياز.لقد أصبح درويش في قصائده الأخيرة، أكثر قرباً من ذاته ومن المشهد اليومي المليء بالسخرية والمفارقات. سخرية درويش نفسه من الأنظمة المتخاذلة ومن «زعماء» القضية التي يتاجرون بها. إن موقفه الرافض لاتفاقية أوسلو جرَّ عليه كثيراً من المتاعب النفسية والمادية حتى بات جيبه خالياً من ثمن شرب قهوة في مقهى بباريس، ألم يوقف ياسر عرفات معاشه الشهري وهو الذي سماه درويش «الظل العالي»؟ غريبٌ أمرُ هذا العالم: فكما عاش منفياً في القاهرة وبيروت وباريس وعمان، مات منفياً أيضاً، لكن أين؟ في أمريكا التي كال لها، في كتاباته النثرية، كثيراً من الانتقادات بسبب تحيزها السافر لإسرائيل، ألم يسمها الطاعون؟درويش بيننا، فهيا الى مسرح محمد الخامس للاستماع الى شعره ومن ثم الى بيت محمد الأشعري لتناول طعام العشاء صحبة برادة ـ لمسيح ـ أحمد جاريد ـ إدمون عمران الماليح ـ أمينة أوشلح ـ عائشة الأشعري، كان ذلك العشاء آخر عشاء «مسيح» الشعر العربي!
2008/8/20

نجيب

ذكر عدد الرسائل : 260
العمر : 46
تاريخ التسجيل : 15/07/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

في وداع محمود درويش

مُساهمة من طرف said في الأحد 31 أغسطس 2008 - 23:26

رَحَلَ محمود درويش بعد أن أَبَى قلبُه أن يطاِوعَهُ ثالثةً. في
السابقتَيْن (في1984 وفي 1998) نَجَا من امتحان الموت فخرجَ إلى رحاب
الشعر أَفْحَلَ وأبْهى لا يَحُدُّ مغامرتَهُ الجميلةَ مُسْتحِيلٌ. أدرك أن
النهايَة تقرَعُ باب قلبه، فاندفع يقول كلّ شيءٍ خبّأهُ لِغَدِه وتدفَّقَ
شَهْدُه. لكن الموتَ عاجَلَهُ في الثالثة قبل أن يُنْهِيَ كثيراً تبطَّنَ
فيه ونَضَج، فأتى الموتُ بدراميته الحادّةِ قصيدةً أخيرة. كان القلب
كبيراً، لكن الحزن المعبَّأ فيه أكبر. وكان القلب كسيراً من تَعَبٍ
أرهقهُ، ومن غضبٍ تملّكَهُ منذ انتُزِعتْ براءةُ الطفولةِ من بين يديْه
يوماً، ومُذْ صار الرحيلُ عقيدتَهُ. كان قلباً كبيراً قَلْبُه، لكن المعنى
المخزونَ فيه أكبر، ولم يَقْوَ القلب على أثقال حَمْلِه فاستراح من غضبٍ
ومن تعبٍ ومن معنىً ترجَّل.

رَحَلَ حفيدُ المتنبّي، رَحَلَ الذي حمى القصيدةَ من أحكام الزمانِ
وأرْكَبَهَا على صهوةِ التحوّل والتجدّد وتوّجها على عرش الثقافة العربية
المعاصرة: سيّدة تنحني لها اللغاتُ وأجناسُ الأدب. رَحَلَ الذي أحبَّ
اللّغةَ العربيةَ مثل أمّه، وداعَبَهَا بحنانٍ واستدرج مكنونها إلى
الإفصاح عن غَمِيسِ جَمَالِه. ما أحدٌ في عصرنا سواهُ سَقَى بستان َ
العربية وأحْيَى المَوَاتَ. ما أحدٌ غيرُهُ غسل جَسَدَها من الطحالب
وأرخَى جدائَلَهَا للشمس كي تَعُبَّ الضوء. ما غيرُه كان كبير حرّاس
قلعتها من القراصنة وهواةِ الرطانة والطارئين على المعنى.
رَحَلَ سيّدُ المعنى والمَبَاني لِتَدْخُلَ القصيدةُ بعْدَهُ في
حِدَاد. ليس أحدٌ يَعْلم متى تَخْرُج من هذا الحداد، فَخَطْبُ القصيدةِ
كبيرٌ وأُفْقُ الثقافة مغمورٌ بالسواد. كذا كانت حالُ الشعر بعد المتنبي،
والكبارُ لا يولدون دائماً في التاريخ.

رحيل محمود درويش في اللحظةِ نفسها التي أخَذَ فيها القصيدةَ إلى
ذروة المجد. منذ بدأت قصائده تنتشر في الناس، مطالع عقد الستينيات من
القرن الماضي، كانت لغةٌ في التعبير الشعريّ جديدةٌ تنمو في ذاتها
وتتبرعم. وكلما تقدَّمتْ في الزمن، نضجت مفاتنُها أكثر، وارتفع فيها وازعُ
الجاذبية أكثر. وماكانت قصيدتُه قد بلغتِ الثلاثين عاماً من عمرها- وكان
ذلك في بدايات التسعينيات- حتى رسم محمود درويش سقفاً للتعبير الشعري،
ورسَّخَ رؤيةً وأسلوباً في الكتابة يصعب على الشعر العربي أن يتخطى
حدودهما الجمالية في المنظور من الزمن. كان حينها قد خَرَجَ خروجاً شبهَ
نهائيِّ من ملحميةٍ لذيذةٍ وفريدة أثْمَرَتْ ثلاثاً من أخْلَدِ قصائده
(أحمد الزعتر، قصيدة بيروت، مديح الظل العالي)، كي يعيد تأسيس غنائيته
الستّينية وإيقاعيته السبعينية في لغةٍ ورؤية ونمطٍ من الكتابة جديدة.
مَالَ إلى إرسالِ لغةِ القصيدة أكثر، وإلى الاقتصاد في التعبير أكثر، وإلى
الاشتغال على الصورة أكثر، وإلى إضمار الإيقاع في الصورة بدل اللغة أكثر.
مالَ إذن وكعادته، إلى الثورة على المألوف في الشعر والمعنى والرمز أكثر
فأكثر.

تاريخ قصيدته تاريخُ ثورة لم تتوقف منذ «أوراق الزيتون» وما قابلها
حتى « في حضرة الغياب» وما بعدها. ثورةٌ على الموروث من الشعر والراهن
ممّا تركه السابقون وكتَبَهُ المعاصرون، وثورةُ القصيدة الدرويشية على
نفسها. لا تجد في شعر محمود قصيدةً تُشْبِهُ غيرها حتى داخل المرحلةِ
الشعريةِ نفسِها. فالقصيدةُ عنده رسالة ثقافية وجمالية: أن تقولَ جديداً،
أن تُغْلِقَ ما كان وتفتح ما سيكون. لذلك كان الجديدُ منها يَجُبُّ القديم
ويتركُهُ خلفه. وإذا ما استعادُه، استعادهُ بمعنى آخر وفي شكلٍ جديدٍ
مختلف. وفي هذا كان مميَّزاً واستثنائيّاً بين شعراء عصره، ولم يكن يشبهه
في هذه الثورة- من دون حساب درجةِ الشَّبه وإيقاعِه- سوى أدونيس وسعدي
يوسف. وربما لهذا السبب، تربَّع الثلاثةُ على عرض الشعر العربي في
الأربعين عاماً الأخيرة.

ما كان مُنصفاً أن يوصَفَ محمود درويش بشاعر القضية. اخْتَزََلَ
الوصفُ شعرَهُ في موقفٍ كان يمكن أن يتخذه كفلسطيني بمعزل عن الشعر. لم
ينتبِهِ الوصفُ إلى القصيدةِ، إلى عالمها الداخليّ الجماليّ الذي بناهُ
محمود حجراً حجراً وبلمسات سحرية كأنما يرصّع تاجاً بالجواهر، وإنما
أخذتْه (أعني الوصف) أحْمَالُ القصيدة ومادتُها الخام التي اشتغلتْ عليها:
التراجيديا الفلسطينية.

نعم، ما أحسب أحدا مسكونا بفلسطين كمحمود درويش، ولا كرَّس أحدٌ
حساسيتَه الجمالية لها مثله ( ومثل غسّان كنفاني)، لكن فلسطين في شعره
عنوان إنسانيّ أبعدُ مدىً من حدود جغرافيتها ومن حدود تاريخها المأساويّ
النازف. ومعه فقط في شعره، لم تَعُدْ فلسطين اسماً لأرضٍ واسْماً لشعبٍ
فحسب، بل عنوانٌ للمعنى الإنساني الجريح وهو يدافع عن نفسه في وجه الخرافة
والقوة والوحشية. صدفةً كان محمود درويش فلسطينيا فارتبط اسمه بالأرض التي
أنجبتْهُ. ولكن ما كان صدفة أن تدخل فلسطين في نسيج عالمه الشعري لأنه
إنسانيّ ولأن مأساة شعبها تختصر مأساة الإنسان في هذا العالم.

أخطأ الذين أدخلوا شعر محمود في مختبر التجريب السياسيّ فطفقوا
يبحثون في قصيدته عن قرينةٍ هنا وقرينةٍ هناك على هذا الموقف أو ذاك من
المواقف السياسية التي ضَجَّت بها ساحةُ الثورة و»الدولة». وأحياناً
استعانوا بخارج القصيدة كي يحاكموا القصيدةَ أو ينتصروا لها، فكنْتَ
تَرَاهُم يتسقطون عبارةً هنا وعبارةً هناك في حوارٍ أو مقالٍ لشاعر
«يضيئوا» بها ما عتم على أفهامهم أو استغلق من التعبير الشعري. فَاتَهُم
أن القصيدة كيان رمزي مستقل عن قواعد الضبط والتقييد التي بها ينتظم عالم
الايديولوجيا عالم الفعل السياسي، وأن حرية الشاعر في الرّمز وفي اللغة
والمعنى لا تُحَدّ ولا تَقْبَل التنميط. وليس معنى ذلك أننا نحاول أن
نَفُكَّ الصلةَ بين محمود وبين فكرة الالتزام كما قد يظَنَّ، فنحن لا نضيف
جديداً حين نقول إن محموداً من أشدّ المثقفين العرب المعاصرين التزاماً
بقضية فلسطين والعروبة والحرية والديمقراطية، ولا هُوَ في حاجةٍ إلى
شهادةِ أيّ واحدٍ ِمنَّا، لكنّي أحاول أن أرْفَعَ بعضَ الحيْف عن شعره
الذي وَقَعَ عليه باسم شاعر القضية: حيْفٌ أدركهُ محمود منذ زمنٍ بعيد حين
انهال على الثقافة سيْلٌ من الكلام الرومانسيّ التبجيلي عن فلسطين، فكتب
عبارته الشهيرة «أنقذونا من هذا الحبّ القاسي».

مع محمود درويش خرجت فلسطين من حدودها الفلسطينية العربية ودخلت في
المعنى الإنسانيّ العميق والشامل بمقدار ما دخلت في الضمير الإنسانيّ
الحيّ في العالم: نقلتها قصائد محمود إلى وجدان البشرية في أصقاع الأرض
جميعاً. وبهذا المعنى فقط، كانت فلسطينية شعر محمود والتزامُهُ بقضية
شعبه.

أما غير ذلك، فليس يجوز أن يقال في حقِّ رجلٍ أبَى دوماً أن يكون
شاعر القبيلة ولسانَها في أيامها. حتى حينما كان منغمساً في معلقاته
الملحمية الخالدة (أحمد الزعتر، قصيدة بيروت، مديح الظل العالي)، كان
المعنى الإنساني الكبير يتفجر في التعبير الشعري ويحلِّق فوق سماء اللحظةِ
الدرامية وموضوعها الفلسطيني المباشر.

حين غادر محمود درويش فلسطين إلى بيروت، بعد إقامة قصيرة في القاهرة
أوائل السبيعنيات، دشّن شعرُه مرحلة مديدة من التحولات العميقة على صعيد
اللغة والتعبير والبناء والنّفس.

كانت بيروت، حينها، عاصمة الثورة الثقافية والساحة الأعرض لتياراتها
الجديدة. انخرط محمود في تلك التحولات وصَنع منها فصولاً. و كانت البداية
الصارخة ديوان «محاولة رقم 7»، ثم تتالت التجربة إلى أن دخلتْ منعطفها
الملحمي مع قصيدة «أحمد زعتر» لتشهد لحظة الاكتمال الامبراطوري والفخم مع
قصيدة «مديح الظّل العالي». ثم أجبره الاحتلال الصهيوني لبيروت (1982) على
أن يغادر إلى باريس. وهناك في المنفى الجديد، وفي أجواء الاعتكاف
والانقطاع، وُلِدَتْ لحظةٌ شعرية جديدة عاد فيها الشاعر كثيراً إلى الذات
وإلى لغة السؤال، وارتفعت فيها درجة العذوبة والرقة في التعبير الشعري إلى
حدودٍ اشتثنائية. بدأ ذلك في ديوانه «وردٌ أقل»، لكنه بَلَغَ الذروة
الجمالية في ديوان «لماذا تركت الحصان وحيداً؟» حيث تمتزج الملحمية في
التعبير بالرومانسية وتطِلّ السيرةُ الذاتية شعراً. وفي هذه اللحظة أيضاً،
وقد امتدت حتى مطالع القرن الحالي، وحيث الذاتُ تخرج من عِقالها الجماعيّ،
أطلّ الحبّ كثيراً في قصيدة «شتاء ريتا الطويل» وفي مجمل ديوان «سريرة
الغريبة» حيث ترقُد ألذّ وأشهى قصائد حبٍّ في تاريخ الأدب العربي.

ثم لم يلبث السؤال الوجودي أن طَرَقَ شعر محمود درويش واحتلَّ
قصائدهُ ولم ينسحب منها إلى أن رحل. كان محمود قد ماتَ للحظاتٍ أثناء
العملية الجراحية الثانية التي خضع لها قلبُه في العام 1998 ثم عاد النبض
إلى القلب. وخرج الشاعر من امتحان الموت يسأل عن الحياة والموت والعدم
والخلود، فكتب ملحمته الرائعة «جدارية» وفَتَح فيها حواراً خصباً مع الموت
ليس مسبوقاً في موضوعه ولا في جماليته في تاريخ الأدب العربي.

ولم يتراجع القلق الوجودي في شعر، استمرّ يتسلل إلى التفاصيل. هكذا في «كزهر اللوز أو أبعد» وقبله في «حالة حصار».

عبد الإله بلقزيز
المساء31/8/2008

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: رحل درويش

مُساهمة من طرف ربيع في الثلاثاء 2 سبتمبر 2008 - 18:17

محمود درويش.. ملحمية القصيدة ومتاهات الجرح الشاسع
ينطفئ محمود درويش الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس ليلتحق بموكب
الراحلين الكبار ليلتحق برفاقه في الوطن والقضية كغسان كنفاني وجبرا
ابراهيم جبرا، وناجي العلي وإميل حبيبي، وفدوى طوقان، وإدوارد سعيد وكل
البقية ليطرح بإلحاح السؤال الذي طرحه بنفسه وهو « من يملأ فراغ الذين
يغيبون؟» كصيغة للمواساة نقول الكبار لا يموتون. ودرويش حاضر بيننا بشعره
وإبداعاته، ومواقفه من كل القضايا الإنسانية الكبرى، فبعد أن أنجز حلمه
المتجلي في كتابة أشعار رقيقة وشفافة مثل زهرة اللوز ستكون قراءته الآن
وإلى الأبد الصيغة الأقوى لتخليده الكبير، بل إنها الصيغة الأكثر فاعلية
لنسيان غروبه خاصة أن مجال عمل الأدب هو التعامل مع الضعف البشري كما قال
إميل حبيبي يوما مع اشتراط إبداعه من طرف الكبار ودرويش هو أحدهم. غروب
درويش اليوم هو وجه آخر لخسارتنا الجماعية ولخسارات الثقافة في وجودنا. قد
تسعف لغة الشعر في تدبيج كلام أبلغ من اللحظة وهذه مهمة شعراء، لكن في
غياب ذلك تبقى للغات الأخرى إمكانياتها البسيطة لقول الإحساس الخاص وتوجيه
فاجعة الخسران ويبقى لقرائه، وأنا منهم، صيغة وحيدة لتوديعه هي الاعتراف
له ولشعره بطبعنا في وجداننا العميق. لقد تعودنا انتظاره في قصائده التي
أفرحنا دوما الاستماع إليها بصوته والعثور عليها في منابر متفرقة وفي
دواوينه جميعها وفي كل ما خطه من مقالات وإبداعات ومراسلات في هذا المنبر
أو ذاك. وما يحزننا اليوم هو أنه في الوقت الذي كنا ننتظر عودته بالكرمل
وعبرها رفقة الأسماء الكبرى التي رافقته في التجربة يقرر لانسحاب بعد أن
أغنت إقامته في الرحيل وحزن التيه قلبه.

لقد عاش درويش متاهات الجرح الشاسع وكان عليه أن يصمد كما صمد كل
الفلسطينيين الصادقين أمام عنف الأعداء والأخوة. جمع بصيغة ملحمية بين
الفلسطيني والشاعر مع العلم أن الجمع بين الهويتين هو انفتاح على الجنون
وكما قال يوما « فما أصعب أن يكون الشاعر فلسطينيا وأصعب من ذلك ألا يكون
ما وهمته اللعنة: فهو مطالب بسباق مع إيقاع اليومي وبإدارك لا يدرك بذاك
الإيقاع مطالب بالشرط ونقيضه، منبوذ، ملتبس، ناجح فاشل معا سلفا، مختوم
محكوم، مدلل مظلوم، متنازع عليه في الشعر كتنازع البورصة على وطنه في
«السياسة».

ستبدو القصيدة يتيمة بدونه كما ريتا وأغنية مارسيل خليفة. وذكرى مجلة
«الكرمل» وإنسانية القضية الفلسطينية وجمهوره في المغرب الذي كان يملأ
القاعات التي جاء لقراءة أشعاره فيها بفاس والرباط حتى حين كان يتصادف
موعد قراءته مع مباريات كروية لا يفكر في عدم متابعتها إلا المجانين. كان
قدر درويش التورط في المنفى بلا حدود بعد أن حرم من العودة لهذا سعى حراسة
الحنين والذكريات، ورفض التذويب في النسيان والإكراه على الانقراض
التديرجي. في كل أشعاره يحضر الشموخ الإنساني، حتى قضية فلسطين صبغها بهذا
الملمح حتى لا تنعزل في منطق قومي ضيق. فقد حضرت فلسطين دوما في وعيه
فترجم ذلك بالتعبير عن الإبادة اليومية لشعبه. وعن زحف الموت القادم من كل
الجهات ومن كل الأعداء ومن كل الإخوة الأعداء وانشغل بهوية الفلسطيني الذي
لا يعترف أحد بهويته وبمحنته ككائن لا مكان له كائن يتكلم لغة جنون لا
يفهمها أحد.

كانت كل أشعاره مفتوحة على الجراح العميقة للإنسان في فلسطين وفي كل
أرض الله، وقد وجد ما يكفي من الصور والبلاغات لتوصيف الوضعيات الخربة
للوجود الإنساني، وهكذا تحدث عن الضحية وتزييف الوعي وتربية الاستلاب
وتقهقر الحق العاجز إلى عدوان، وعن الحد الأقصى للعزلة التي تقصيك عن جلدك
وغربة الموت كامتداد لغربة الحياة والحاجة للدفاع عن صورة الروح، وعن
الدساس البرابرة في كل شيء وفي ما لانراه، وعن تحول الجسد الخاص إلى ساحة
معركة، والموت من فرض الاستسلام، وإزعاج الغيبوبة، وحشو الذاكرة بالنسيان
ونهش اللحم البشري. وتجار ثمار الكوارث ومحنة الاقتلاع التي لا تنتهي
وتحويل الهوية الخاصة إلى عدو مشترك ألخ.

لقد سعى درويش إلى الإيقاظ الدائم للضمير الانساني حتى لا يبقى أسيرا
لما تقرر المحكمة الأخلاقية المعنوية الصهيونية أنه الخير المطلق أو الشر
المطلق, وحين فعل ذلك لم يدع امتلاك الحقيقة يوما ولم يعتبر الشاعر فيه
ملاكا لكنه لم يقبل بالحط من قيمته. وإلى هذا يشير بقوله» كتبت أكثرمن
مرة: إن الشاعر ليس ملاكا، إن الشاعر ليس حشرة، وأن الشاعر ليس ملكية خاصة
لأحد لذلك لا أطرب لما يوجه إلي من مطالب ترفع الشاعر إلى مستوى البديل
السحري ولا أحبط أيضا مم ينهال علي من هجاء. محمود درويش أحب الحياة وعاش
للشعر وحبّبَ القصيدة للكثير من القراء الذين يقدرون كل أعماله للبحث عما
يصدم يقينياتهم، وعن كل ما يعلمهم الانصات الجليل للأشياء واللحظات
العميقة. كان حلمه أن يعود إلى أرضه وأن يكون لهذا عوض السؤال الوجودي
الخاص وهو أن نكون أو لا نكون بالقرار الوجودي الخاص وهو «لا نكون أو
نكون» ضدا على كرنفال الأحزان وضدا على احتلال الذاكرة. وعلى الرغم أنه
ارتاح الآن من عنف التيه ومحنة كتبة القصائد التي شبهها يوما بالعملية
الجراحية، كان حلمه أن يدفن بالجليل وبالضرورة أساسا تحت شجرة الخروب التي
أحبها لأنه هناك ولد وهناك ترقد الكثير من عناصر ذاكرته.»
لكنه دفن بفلسطين، بل لم يدفن نهائيا لأنه يحيى في قلوب
الفلسطينيين وكل من أحبه. وما يهم بعد طقوس العزاء هو الحرص على حياته في
أعماقنا وأن يشتغل شعره فينا بكامل التوهج والصيغة البحتة لذلك هي أن تبقى
أعماله مفتوحة دوما فوق حكاياتنا. فالقراءة، التي أحبها، هي الصيغة
الوحيدة والجليلة لاستحضاره بيننا، غير هذا لن يبقى لنا إلا عنف الفراغ
وتحقيقا لهذا الوعد نستحضره في قصيدته «وداعا لما سوف يأتي» وهو يقول:

وداعا لما سوف يأتي به الوقت بعد قليل ..وداعا.

وداعا لما سوف تأتي به الأمكنة..

تشابه في الليل ليلي، وفي الرمل رملي، وماعاد قلبي مشاعا.

وداعا لمن سأراها بلادا لنفسي: لمن سأراها ضياعا.

سأعرف كيف سأحلم بعد قليل وكيف سأحلم بعد سنة.

وأعرف ما سوف يحدث من رقصة السيف والسوسنة،

وكيف سيخلع عني القناع القناعا.

أأسرق عمري لأحيا دقائق أخرى! دقائق بين السراديب والمئذنة لأشهد طقس القيامة في حفلة الكهنة.

لأعرف ما كنت أعرف! إني رأيت.. رأيت الوداعا.

حميد اتباتو
المساء
02/9/2008

ربيع

ذكر عدد الرسائل : 1427
العمر : 40
تاريخ التسجيل : 04/07/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى