صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

مــبــدأ المــقــاومــة وأشـكــالــها الــشعــريــة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مــبــدأ المــقــاومــة وأشـكــالــها الــشعــريــة

مُساهمة من طرف said في الأحد 17 أغسطس 2008 - 23:32



مــبــدأ المــقــاومــة وأشـكــالــها الــشعــريــة

محمد معتصم (*)


[size=12]

1. مبدأ المقاومة:
عرف الشاعر محمود درويش شاعر قضية، وقضيته كانت ولا تزال وضعية بلاده وشعبه، إلا أن محمودا شاعر مبدع حقا يفيض ?حساسا ولغته الشعرية متميزة بمعجمها وبالصور المبتكرة وبالتعبيرات المستحدثة، وثقافته واسعة تنهل من الأساطير الإنسانية والأديان والمعيش اليومي. إيقاعاته الشعرية إيقاعات راهنة منخرطة بكل ما أوتيت في عصرها.

في جداريته تتنازع الشاعر رغبتان: رغبة شخصية تتصل بقضية خاصة، هي تجربة المرض، ورغبة عامة متصلة بالعروبة وقضية فلسطين في ظل الشروط الراهنة والتحولات التي سارت فيها وعليها.

أمام هاتين الرغبتين يجد الشاعر نفسه ميالا إلى التجربة الشخصية، تجربة المرض حيث اهتز الكيان ووضع الجسد أمام الاختبار الصعب، ووضعت الذاكرة تحت المجهر فتلاشت بعض ذكرياتها وحضرت أخرى بكل ثقلها.

في الجدارية تنازع ياء المتكلم باقي الضمائر؛ أي أن الجنوح نحو الذات هيمن على كل الأنوات الأخرى. وفي الجدارية تفكير وإعادة التفكير في حالة الما بين: حالة انخطاف الكينونة، وإقامتها في اللامكان واللازمان، خارج شرطي الوجود الإنساني. كما تختار الذات اختبار الذاكرة أمام لحظة الأبدية المطلقة.

وما توصلت إليه النفس من حقائق حتم عليها اختيار مبدأ المقاومة؛ مقاومة الموت، واختبار قدرته على التفكير ? أنسنته- فيما يقوم به. وما محاولة اخجاله بالتحقيق معه إلا بهدف أنسنته. ومبدأ المقاومة لدى الإنسان لا يعتمد على إحراج الآخر، كيفما كان، بل يعتمد أساسا على قوتي الاسترجاع والاستذكار. وهما قوتان يقاوم بهما الإنسان سلطة الزمان الذي لا يتوقف عن الجريان، لا يهتم بالصغائر، يتسلم لمنطقه الصارم متجها في خطية قاسية نحو النهاية، يتحول من محطة إلى أخرى، يغير المصائر ويبدل الأمصار والأقوام. الزمان أقوى حتى من التاريخ، يجعله يعدو خلفه يدون نتائج عماه وخطيته، فالتاريخ حارس مقبرة الزمان، والتاريخ هنا يبدو كأنه آثار خطى الزمان لا غير.

من أشكال مقاومة الانهيار وظلام الهاوية ادعاء الضعف والهزيمة،وفي ذلك تحريك لا شعوري لقوة البقاء. ومحمود درويش في جداريته يهاجم الموت بعنف ويطالبه بأن يمهله حتى يسترجع عافيته وبالا يأخذه غدرا كالجبناء:
«ويا موت انتظر، يا موت،
حتى أستعيد صفاء ذهني في الربيع
وصحتي، لتكون صيادا شريفا لا
يصيد الظبي قرب النبع». ص (51).

2. أشكال المقاومة:
تتجلى خصوصية «جدارية» محمود درويش في كونها ملحمة الذات، كتبت وهي تخوض غمار مجابهة قاسية ضد أعداء لا مرئيين، لا أشكال نهائية لهم، هلاميون، أسلحتهم غير معروفة، أشباح يضطهدون الذات في وجوداتها الممكنة، ويخضعونها للتجربة القاسية. في «الجدارية» ترتفع أصوات الداخل وتتغلب على الخارج المهيمن في التجربة الشعرية لمحمود درويش المتقدمة، وتقاوم الذات ذلك لكن دون جدوى، فالوضع غير الأوضاع السالفة، فالشاعر يمر بحالة مرض خاصة هزت كيانه وأوقفته على الحدود القصوى حيث المعرفة غير المعرفة، والأشياء غير الأشياء، كل شيء باطل وقبض ريح. عالم متحول لا استقرار له والذات الشاعرة تخوض المغامرة، ترحال لا نائي في عالم هلامي ?سديمي- بدون معالم محددة أو حدود جغرافية. إنها تجربة الغياب، وتجربة العزلة حيث الذات في عراء الأكوان، لا آلهة تحمي الذات من الضياع، ولا ذاكرة تسعف على الترحال، ولا معرفة ولا حواس، فقط البياض الشاسع، يقول النص الشعري:
«...كل شيء أبيض،
البحر المعلق فوق سقف غمامة
بيضاء. واللاشيء أبيض في
سماء المطلق البيضاء، كنت، ولم
أكن. فأنا وحيد في نواحي هذه
الأبدية البيضاء.» ص (10).

أمام هذا البياض حيث تنتفي الألوان، تنتفي كذلك المحددات والمعينات والشروط التي يقوم عليها الوجود الإنساني. ولا غرابة أن يجتمع الحديث عن البياض بالبياض عن الوحدة. فالذات الشاعرة تجابه الأهوال وحدها، في الأقاصي التي تختبر فيها إمكانيات الذات، تاريخها الشخصي، قدراتها مؤهلاتها، حاضرها وماضيها ومستقبلها، وأدوات مقاومتها، ومعرفتها السابقة، المكتسبة والمبتدعة، تفقد ماديتها وتتخلى عن أسمائها ومحدداتها. فتتحول الذات في رحلة الأقاصي إلى صفحة بيضاء. تبدأ من جديد. وأمام كل هذا الغياب، وكل هذا النسيان يبقى اسم الشاعر حاضرا محفورا في الوجودات كلها، السابقة والآنية والما بينية حيث يقيم الآن ? زمن الخطاب الشعري.

في الأبدية البيضاء أو العالم المطلق حيث تحيى الذات مجددا، وتحاول تشكيل عالمها الجديد وإقامة ألفة معه وتتخذ (الذات) مظاهر عدة من التحول مختلفة عن كل أشكال الوجود السابقة، أي قبل الدخول في تجربة الغياب.

1.2. الكينونة
غير المشروطة:
يقول الشاعر:
«سوف أكون ما ساصير في
الفلك الأخير.» ص.ص (10.9).

في هذا التركيب عمق إحساس الشاعر بهول المغامرة إلى الأبدية، الحياة في العالم الآخر. وفي تشديد الشاعر على الكينونة إقرار بالرغبة الملحة في الحياة ?البقاء- كيفما كانت هذه الحياة، وأينما تكون هنا أو هنالك. (سوف أكون) عبارة تقاوم فكرة التلاشي والضياع والانمحاء، حالة التحلل، وحالة النسيان. تقاوم حالة وفكرة اللاوجود. (ما) الذي ساكونه، الشكل الذي ستتخذه ذاتي في وجودها الأخير والآخر. (ساصير) شيئا أو شكلا أو كائنا أو اللاكائن دون إرادتي، بإرادة خارجية، أقوى من كل الحواس والقدرات الذاتية. لكن (سأكون) تحسم الأمر لصالح الذات. إنها إرادة القوة، وإصرار على الوجود، إصرار على البقاء. وهو ما سيؤكده الشاعر في صفحات متقدمة من «الجدارية» بنوع من التدرج الملحاح:

أ?- «وأريد أن أحيا..». ص (48).
ب?- «وأنا أريد، أريد أن أحيا...». ص (55).
ت?- «وأنا أريد، أريد أن أحيا، وأن/ أنساك...». ص (59).

إن إرادة القوة شكل من أشكال مقاومة الذات للموت، مقاومة حالة التوقف والسكون، حالة الما بين، حالة الإقامة في اللازمان، وفي اللامكان. إن الكينونة اللامشروطة تحتمها حالة الذات الشاعر وقد أوقفت في مناطق البياض والعماء الكلي للحواس، حالة الغيبوبة والخدر. وهي ناتجة عن إحساس ممزق بين معرفة سابقة (استعداد الذات اخوض مغامرة الرحيل إلى العالم الآخر، عالم الأموات) وبين وجودها الملتبس، الوجود المخالف لكل المعرفة المكتسبة السابقة. يقول النص الشعري معبرا عن هذه الحيرة،وعن آلام الوحدة والعزلة:

* « فأنا وحيد في نواحي هذه
الأبدية البيضاء. جئت قبيل ميعادي
فلم يظهر ملاك واحد ليقول لي:
«ماذا فعلت، هناك، في الدنيا؟»
ولم أسمع هتاف الطيبين، ولا
أنين الخاطئين، أنا وحيد في البياض،
أنا وحيد...
[...]
أين «أيني» الآن؟ أين مدينة
الموتى، وأين أنا؟ فلا عدم
هنا في اللاهنا...في اللازمان،
ولا وجود» ص.ص (11.10).

* «...لا أحد هنالك
في انتظاري...» ص (44).

تتجلى بوضوح المعرفة القبلية لدى الشاعر، معرفة حملتها الذات معها في تحولها إلى العالم الآخر، معرفة تقول بأن في (الهناك) ملائكة يسالون القادمين عن أعمالهم في (الدنيا). وأن في العالم الآخر، عالم الأموات أموات أحياء. لكن المفاجأة التي تزج بالذات الشاعرة في المتاه وفيافي اللا معنى، وصحارى اللامدرك تتمثل في الغياب والعزلة وعراء الذات. فالذات تقع في الما بين لا هي في العالم السفلي (الدنيا) ولا هي في (مدينة الموتى)؛ إنها حالة محيرة يلفها الالتباس، مما أربك معرفة الذات وأدخلها في عالم من العماء الكلي:» أين أنا؟ أين (أيني) الآن ؟» ومع ذلك تصر الذات على وجودها، على كينونتها اللا مشروطة. كينونة تختلف، غير الكينونات الإنسانية المشروطة الوجود بمحددي الزمان والمكان. ويصر الشاعر:» وأسل من عدمي وجودي...» ص.ص (13.12).

2.2. البياض:
إن البياض المتحدث عنه هنا لا يعني الفراغات التي تشكل النص الشعري أيقونيا وتعطيه توازنا وإيقاعا خاصا، بل البياض المتحدث عنه يحسه بقوة كل إنسان جرب الرحيل إلى العالم الآخر دون أن يصله وتوقف في منتصف الطريق، في غيبوبة حسية وشعورية، وشلل فكري، كأنه الموت الإكلنيكي. إنه معنى من معاني البياض لأنه ليس أبيض تماما بل هو اللالون. الانمحاء الكلي للموجودات، الأشياء والذوات والألوان والأصوات والمعنى والحدود والزمان...البياض هو اللالون الذي يلف الإنسان وينسيه ذاته ووجوده وتاريخه السابق والآني والقادم.

في (اللاهناك) كما يسميه الشاعر ? لأنه لا مكان- تمحي الحدود المدركة، تشل آلة الإدراك، وتخوض الذات تجربة الخلق من اللا شيء. تجربة تختلف عن التجارب الحسية، إنها لحظة الجذبة الروحية، العالم الذي ينشده الدراويش في دورانهم الرتيب ودوختهم المنتشاة.

في تجربة البياض، وفي تحويله (البياض) إلى عالم الكتابة يتحول االشاعر محمود درويش إلى شاعر الأعماق والدواخل الدفينة. يتحول إلى الرائي (أنا من رأى) الذي يحمل العالم الغيبي على كتفيه ويحمل نفسه مهمة شرح ذلك للأموات الأحياء أو الأحياء الأموات الذين يجهلون الحقيقة. لكن أية حقيقة سينقل وقد أوقف في منتصف الطريق ولم يكمل الرحلة إلى منتهاها؟ إن ما رآه الشاعر ليس إلا العالم الوسيط ?السديم- محطة من محطات الطريق حيث يرتقي الإنسان السلم ليداهمه البياض، وتدخل ذاته وذاكرته وحواسه المنطقة الممغنطة فتضيع كل المدركات ويصبح العالم ملتبسا ويدخل في العماء، عماء البياض،وتمحي المعرفة السابقة.

3.2. النسيان والمحو:
في «جدارية» محمود درويش تهيمن الذات على العالم الخارجي، والداخل على القضايا السطحية الطارئة. والجسر الذي يصل بين العالمين: عالم الفوضى وعالم اللا هناك، عالم البياض، هو النسيان والمحو، نسيان العادات المكتسبة ونسيان وظائف الأعضاء، والدخول في لحظة الخدر والشلل، يقول الشاعر:
«نسيت ذراعي، ساقي، والركبتين
وتفاحة الجاذبية
نسيت وظيفة قلبي
وبستان حواء في أول الأبدية
نسيت وظيفة عضوي الصغير
نسيت التنفس من رئتي
نسيت الكلام...» ص (66).

تحتل الذاكرة والذكريات والمعرفة المكتسبة مكانة هامة هنا. إنها العالم الذي نحياه، عالم من الخيالات والأشباح، والمعارف المتوارثة، تلامس الحقيقة، وليست الحقيقة، الحقيقة في ذاتها. إن الحقائق التي نملكها منقولة ومكتسبة. إن الحقائق التي نملكها ليست سوى التجارب التي تدركها الحواس، وتلك التي اكتسبناها من الآخرين منقولة شفهيا أو كتابيا. فحالة النسيان تعلن عن فقدان الذاكرة بل ما هو أعنف فقدان المدارك لقدراتها على الإدراك. وشعور الذات بالعجز. يقول الشاعر بحرقة وآلام:
«ما قيمة الروح إن كان جسمي
مريضا، ولا يستطيع القيام
بواجبه الأولي؟
فيا قلب، يا قلب أرجع خطاي
إلي لأمشي إلى دورة الماء
وحدي!». ص (65).

ولأن القلب يصدأ كالحديد، ولأن القلب المحرك الأساس للأعضاء فإن عطله يمتد إلى سائر الجسد. ما يلفت في هذه العبارة «القلب يصدا كالحديد» قوة اقتناص المعنى. فإذا كان الشاعر العربي يُمَيَّزُ ببيت من الشعر فإن الشاعر الحديث تميزه عبارة توقع في شركها غريب المعاني وأبكارها، أو صورة شعرية مبتكرة. وما يميز محمود درويش ازدواجية هامة، شقها الأول يتمثل في سلامة لغته العربية الفصيحة وسلاستها، لا هي بالموحشة الغريبة،ولا هي بالسهلة الضحلة، لكنها القريبة من العصر، القريبة من (الواقعية)، القريبة إلى فئة واسعة من جمهور القراء، القريبة من ذات صاحبها، المتغلغلة في أعطاف وثنايا النفس البشرية / الإنسانية.

وشقها الثاني الابتكار والاقتناص، ابتكار الصور والمعاني واقتناص العبارة المؤثرة؛ أي نظم الجمل وتراكيبها مثال ذلك اللعب بالضمائر التي يتحول فيها المتكلم مخاطبا لذاته، وتصبح ذاته المخاطبة مخاطبة. أي أن الأنا هو ذاته وليس ذاته في آن، أو امتصاصه لمعاني الأساطير والآيات مثلا وتحميلها معاني جديدة، أو الاستناد إليها لتقوية التأثير والأثر في نفس المتلقين، وأثرها أيضا في تقوية معاني السياقات الواردة فيها، وخلقها ميثاقا وثيقا للأفهام بمعنى الوصل بين ذات المتكلم والمتلقين. وكذلك إبداعه في تشبيه القلب بالحديد الذي يتأثر بالعوامل الخارجية ?يتفاعل- فيتأكسد ويتآكل بعد أن كان مثال الصلابة.

4.2. الغياب:
لا تكتمل دائرة الموت إلا بهذا الأقنوم الرابع (الغياب). والغياب في «جدارية» محمود درويش يتخذ مظاهر عدة، أبرزها الغياب عن الوجود بعد المخدر، يقول النص الشعري:
«تقول ممرضتي: أنتَ أحسن حالا.
وتحقنني بالمخدر: كن هادئا
وجديرا بما سوف تحلم
عما قليل...» ص (29).

...ويبدأ الغياب. والغريب أن الغياب عن الوجود يبدأ بالاسترجاع والاستذكار وكأن الذات تقاوم بشكل لا إرادي حالة الانفصال عن الواقع المادي، تقاومه باستدعاء الذكريات. وقبل الحلم والخوض في متاهاته تهيمن الذاكرة، الذكريات، ويتحول الجسد المقاوم عينا داخلية كبيرة مفتوحة عن آخرها. ويتحول الجسد إلى راءٍ. وتكاد تكون الرؤية هنا عينية لا ظنية اعتقادية. يقول النص الشعري:

- «رأيت طبيبي الفرنسي...» ص (29).
- «رأيت أبي عائدا/ من الحج، مغمى عليه...» ص (29).
- «رأيت شبابا مغاربة/ يلعبون الكرة/ ويرمونني بالحجارة: عد بالعبارة...» ص (30).
- « رأيت «ريني شار»/ يجلس مع «هيدغر»...» ص (30).
- «رأيت رفاقي الثلاثة ينتحبون/ وهم/ يخيطون لي كفنا/ بخيوط الذهب.» ص (31).
- «رأيت المعري يطرد نقاده/ من قصيدته...» (31).
- «رأيت بلادا تعانقني/ بأيد صباحية: كن/ جديرا برائحة الخبز...» ص (32).

هذه الرؤيات المتتالية تؤكد شيئا واحدا مهيمنا على الذات وهي تخوض غمار الرحلة الصعبة نحو المطلق، وهي ترحل بعيدا في الغياب، إنه تحفيز الكوامن الداخلية لمقاومة الموت و»الصعود نحو الهاوية». تقول الرؤيات شيئا واحدا «كن جديرا ?ـــ...» بماذا؟ بصعودك، في غيابك عن عالم ألفته، وعن معرفة اكتسبتها وامتلكتها، عن ذكريات جمعتها في دروب العمر وقطفتها من بساتين التجربة. كن جديرا بما ستلقاه، بما ستصير، وكن ما ستصير. لا تناقض في خذ السيرورة الشعرية للجدارية، تصاعد يقيني قوامه وسنده المقاومة والمجابهة، مقاومة الأهوال ومجابهة الهاوية، والأشباح اللامرئية.

إلا أن الشاعر في جداريته يتوغل في الغياب حد التوحش. ويصبح الغياب ملاذا بعد أن كان هاجسا مخيفا مروعا يستدعي المقاومة- كما يستدعي الرجوع مقاومة مضادة بعد الألفة. يقول النص الشعري:
«تقول ممرضتي: كنتَ تهذي
كثيرا، وتصرخ بي قائلا:
لا أريد الرجوع إلى بلد
بعد هذا الغياب الطويل...
أريد الرجوع فقط
إلى لغتي في أقاصي الهديل». ص.ص (67.66).

إن الشكل الأكبر للمقاومة يتجلى في الكتابة، في اللغة. إنها إقامة ?سكن- الشاعر حيث يحيا، ويكون، ويصير. فاللغة كيان حي باق رغم التحول، إنها معادل الزمان في سيرورته، وفي عماه، وفي بقائه. فالشاعر يشيد صروحا من الكلام هي الملاذ الأخير لاستمراره وبقائه رغم «الداء والأعداء كالنسر فوق القمة الشماء». لذلك لا يرغب في العودة من غيابه (منفاه) إلا إلى لغته. ألسنا في النهاية سوى كائنات استعارية تحيا داخل اللغة وباللغة، وإن كانت هذه اللغة هي جحيمنا اليومي والأبدي؟ مصدر خلافاتنا، ومصدر ائتلافاتنا في آن؟ فباللغة نقاوم المرض ونجابه الموت ونرغمه على الانتظار، وعلى الجلوس إلى طاولة الحوار، ونرغمه على التفكير في ذاته، نخجله، ونخلخل كيانه اليقيني، ونشل حركته بعض الوقت. إن اللغة / الشعر هي ملاذنا الأخير، بيتنا الواسع الذي يحمينا حتى من أنفسنا.

أما الأشكال الصغرى للمقاومة، مقاومة المرض ومجابهة الموت في الجدارية، فتتمثل في:

* مقاومة الموت باستحضار عناصر الحياة.
* مقاومة الموت بإخضاعه.
* مقاومة الموت بمصاحبته.
* مقاومة الموت بالضلوع في الموت.
* درويش، محمود؛ جدارية. رياض الريس. ط1. 2000م.
سلا- المغرب
13/07/2000م

(*) ناقد أدبي

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى