صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

سيدي عبد الرحمن المجذوب .. الشاعر الساخر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

سيدي عبد الرحمن المجذوب .. الشاعر الساخر

مُساهمة من طرف said في الإثنين 1 سبتمبر 2008 - 17:35

يتتَّبع هذا
الكتاب سيرة علَم مغربي من أعلام القرن السادس عشر، لم يخلف من أثر مكتوب،
لكن »الرباعيات« والأمثال التي جادت بها قريحته لا تزال جارية على الألسن
منذ أربعة قرون، في أقطار المغرب العربي، أمانة ورسوخ لافتين.
تتألف أشعار المجذوب من مصراعين مقفيين، في لغة ليست هي بالدراجة ولا الفصيحة، وإنما جماع منهما، كما
هي لغة »الملحون«.
وقد باتت هذه الأشعار، اليوم، يتغنى بها المغنون والمتسولون في الساحات
العمومية في بلدان المغرب، وتُتناقل في الدروب وداخل الخدور. ويعرف بها
المتعلمون، كما يعرف بها العوام. وهي تعتبر جزءاً من الميراث الروحي
والثقافي لمنطقة شمال إفريقيا، كما هي أشعار عمر الخيام جزء
من التراث الفارسي.

< تأليف : سكيلي ميليي وبوخاري خليفة


1 ) الخبــــز دخـْـلُه الجـــصْ!!
ولد سيدي عبد الرحمن المجذوب سنة 1503، بطيط، وقد كانت، وقتها، مدينةً ذات
شأن بين مدن الساحل المغربي، تتوسط أزمور والجديدة؛ تفصلها عن الأولى 5
كيلومترات، و10 عن الثانية.
فأما مدينة الجديدة فقد بناها البرتغاليون
في مطلع القرن السادس عشر. وأما مدينة طيط، فإن الحسن الوزان ينسب بناءها
إلى القوط، الذين احتلوا [موريتانيا] الطنجية خلال الفترة الممتدة من 428
إلى 534م. ويفيدنا هنري دي كاستري أن طيط مدينة ضاربة في القدم، قد أحاط
بها سور شديد العلو. بيد أن المدينة كانت شبه خالية في العام 1596، بعد أن
ذهب بساكنتها أحدُ أعنف وباءين جذاميين ابتُلي بهما المغرب (عصف الآخر
بمراكش). ومن طيط كانت تتزوَّد منطقة دكالة قاطبة، ما يؤكد الأهمية التي
كانت لهذه المدينة.
وقعت أزمور بأيدي البرتغاليين في العام 1507.
وأغلب الظن أن الحياة في تلك المدينة - طيط - الواقعة بين حصنين برتغاليين
قريبين جداً إليها، قد باتت، يومها، صعبة عسيرة على أهلها. وفي ذلك تفسيرٌ
لرحيل أسرة المجذوب، وهو في سن الرابعة، عنها، للاستقرار في مكناس، فقد
كانت أقل تعرضاً للتدخلات البرتغالية مما هي المدن الساحلية :
جــيـــتْ من طيطْ بالعجْلـة
والــــشـر زادنــي شْطاية
الخبــــز دخـْـلُـه الجــــصْ
عـلاش يا طـالب ذا الـقـرايـة
وعليه، فقد درس صاحبنا في مكناس، حسبما كان معتاداً للمحظوظين من الأولاد.
والمجذوب يعدُّ نفسه من الشرفاء. وهو أمر لا نجد ما يفنده أو يثبته في
الأنساب المعروفة. وربما كان له نسبٌ إلى الشرفاء التونسيين :
أصلــي مــن تونــس الخـضــــرة
والّي عنـــده نســب يــدوّر علــيه
أنـــا ولـــد فــاطـــمـة الــــزهرة والكــــاذب لـعــنـــة اللـه عليـه
بيد أنه إنما جاء بصفة الطالب اللاجئ، لمتابعة دروس اللغة الفصحى والشرع
والأدب والتاريخ، في كبريات مدارس مكناس أولاً، ثم بعدها في فاس. وقد ظل
يحتفظ بذكرى رائعة لهذه المدينة العاصمة، التي ضمت، يومها، 89.236 بيتاً
و758 مسجداً، كانت بها مركزاً يعتمل نشاطاً دينياً، بقدر نشاطها التجاري
والحرفي :
الــطبـــــخ والـرَّمـــخ في فــاس والـــعـلــم
والـــديـن فــيــهـا
لاعــيـــــبْ يتْـقــــــال في فـاس
مكــمــولـة في كــل جــيـــهــا
لكن ماذا كان يهم الطالب الشاب من المصاعب المادية؟ ألم يكن عطف المؤمنين
يفتح الأبواب على مصراعيها في وجوه الطلبة الجدد، يأتونها في جلابيبهم
البيضاء ملتمسين، باسم الله، عون المحسنين؟ فكانت أكياسهم تمتلئ شعيراً،
وقمحاً، وفاكهة، مما يقتاتون عليه. فكانوا يجدون في هذا الكرم محرراً لهم
من كل هم معيشي، ليتفرغوا بعده للصلاة والدرس. وقد خص المجذوب هؤلاء
الأتقياء الكرماء بمديح جميل :
اليِّ يحب الطلــبــة نحــــبُّـوه
ونـعـملـوه فـوق الـراس عْمامة
والِّي يكــره الطـلــبة نكـرهـوه حتـى
إلى يــوم الـقـيــــــامــة

ويذكر الشيخ محمد بن عزوز حكيم (من معهد الدراسات الإفريقية بمدريد) أنه
وقع على مخطوط عربي يعود إلى سنة 1896 من وضع سيدي عبد الرحمن بن عبد
القادر الفاسي، في سيرة المجذوب، نقلاً عن تلميذه سيدي زيان التلغي (ت
1639). وقد حفظ لنا هذا المخطوط أسماء بعض أساتذة المجذوب، نذكر منهم أبا
الحسن علي بن أحمد الصنهاجي الفاسي (ت 1540)، وأبا حفص عمر بن عبد العزيز
الخطيب الزرهوني (ت 1530)، وأحمد بن عبد الواحد الربيع (ت 1536)، وسيدي
يحيى بن علال الخلطي (ت 1538)، وسيدي بن أبي بكر المسترعي (ت 1556)، وسيدي
محمد بن عيسى الفهري (ت 1526)، وأحمد بن الحسين العبدلي السهلي (ت 1555)،
وآخرين.
كان يتولى التدريس في جوامع فاس ومكناس خيرةٌ من أساتذة فاس
وزرهون. وقد تخرج على أيديهم، طوال قرون، أساتذة لامعون في أمور اللغة
والشرع، قد تميزوا بالطابع المغربي، المجانف للطريقة الأندلسية الممعنة في
التجريد، والمبتعد عن النزعة الذهنية الغالبة على الطريقة المشرقية،
والمتحرر من النظم التقليدي، والمترخص في المحسنات البلاغية، المخاطب
للجمهور في الساحات العمومية بلغة بسيطة ومباشرة.
ولا يبعد أن يكون في هذه الفترة الدراسية أخذ صاحبنا في تعلم فن النظم. وسرعان ما صارت رباعياته تجد سبيلها إلى الأسماع :
ســبْــتْ في الـدهــر مـعـزّة
وجـبــــتْ كــــلام ربـــاعي
ابن آدم ما أعـطــــاه ربـّـــــي ويـقـول
اعْــطـانــي ذراعـــي
حقاً إن المجذوب قد بذل مجهوداً دراسياً عظيماً، حتى صار يجيد نظم هذه الأشعار، التي كل موسيقاها من بركة الله ومن مكابدات الحياة!
فهل يصح أن نقول إن رحلة المجذوب إلى مكة قد كانت في نهاية هذه الفترة
الدراسية؟ الثابت أن الشاعر قد صار كفيفاً في أواخر أيامه. غير أنه عمى قد
لحقه بالتدريج، من الحُثار (الثراخوما) التي يُحتمَل أن تكون، وقتذاك،
متفشية في منطقة شمال إفريقيا. ومن البعيد عن الاحتمال أن يكون الشاعر أدى
فريضة »الحج« بعد أن أَضحى ضريراً، لأن الحاج في ذلك الزمان كان يقطع تلك
المسافة الموصلة إلى مكة، والبالغة سبعة آلاف كلم، كلها أو بعضها، سيراً
على الأقدام. وقد اعترف المجذوب نفسه أنه كان يعاني الكثير من الإجهاد!


ترجمة : عبد الرحيم حزل

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سيدي عبد الرحمن المجذوب .. الشاعر الساخر

مُساهمة من طرف said في الجمعة 5 سبتمبر 2008 - 18:03

بعد الليَّة والزبدة الطرية عدت نكدد في عظام الراس
ما
عاد المجذوب يسعفه بصره الكليل في ركوب حصانه. وبات يجد السلامة في ركوب
البغال. وها نحن نراه منبطحاً على بطنه فوق أحدها, ويسير نائياً بنفسه عن
أهله وذويه، عساه يلقى من يؤويه في بلدان أخرى :
«يا حسرة بعد اللية والزبدة الطرية
عدت نكدد في عظام الراس
ومن بعد ركوبي على الشاهب العلوية
عاد ركوبي على بغل نكاس»
ومن المؤكد أن المجذوب قد قام، في وقت لاحق عن رحلته إلى مكة، بجولة في
بلدان المغرب، التي يبدو أنه كان واسع المعرفة بها. وقد وجدنا، في هذا
الوقت أيضاً، إشارة إلى ربيبه حمُّو لدى الزيبان. ومن المحتمل أن يكون
المجذوب زار، كذلك، الأوراس. ذلك بأن ابن شنيب يورد له تشبيهاً غريباً
يجمع فيه بين الأسرتين الأمازيغيتين الأوراس والقبايل :
الأوراسي يفهم بالدبزة
والقبايلي بالدفرة والعربي بالغمزة
وأما تولكا، فيبدو أن أهلها قد حافظوا على ذكرى الشاعر في محل مشهور،
يُقال له : («دار المجذوب».لكن هل يتعلق الأمر فعلاً بشيخنا الشاعر، أم
بواحد آخر من المنشدين الذين صاروا، منذ أربعة قرون، يذيعون أشعاره؟).
ويجدر بالتسجيل، مع ذلك، أن تلميذ المجذوب، الذي جمع أشعاره وأخباره (توفي
سنة 1639) كان يسمى سيدي زيان التليكي (يمكن أن نحمل اسمه على «التُّلكي»،
ويمكن أن نحمله على «التركي». لكن الغريب في الأمر أن أسرة زيان هذا، كانت
معدودة في الأسر التلمسانية الكبرى، التي التجأت إلى تولكا في القرن
السادس عشر، أو نحو ذلك).
ويضرب المجذوب صوب الشمال، فنقف على آثاره
في بلاد سوف، التي جاءنا بتصوير لأهلها، ولباسهم, وأسلوبهم في العيش، وما
هم فيه من فقر. كما صور لنا موقع هذا البلد المقفر، وحقوله. هذا التصوير
الاقتصادي والعِرقي والجغرافي أجمله الشاعر في أربعة أشطار صغيرة :
آش هو بلاد سوفْ
أرض العطش والجوفْ
كسوتهم شَعر وصوفْ
وعيشتهم لقمتين وينوضوا وقوفْ
ويسير المجذوب إلى الشمال، صوب تونس، فيصب جام هجائه على قبيلة
«الفراشيش»، وهي مجموعة عرقية كبيرة، تعيش بين جبال قسرين وتالة وفريانة،
على مقربة من السبايتلة وتمغارة وتيبيسا. هؤلاء الأقوام أتقياء، لكن
فقراء؛ يتعاطون زراعة الحلفاء، ويتعاطى أفضلهم تربية الجمال والخيول.
ويُضطرهم نمط عيشهم إلى نوع من السكن متفرق وخفيف. وهو ما نستفيده من هذا
الهجوم العنيف من المجذوب عليهم :
بر الفراشيش
شيش بن شيش
كلامه اتهنتيش
وأعماله تفرتيش
ويواصل الشاعر طريقه إلى تونس، فيمر ببلاد قبيلة الدرود الكبيرة, التي
كانت تحتل، وقتها، بلاد سرسو التونسية، وهي على شيء من الشبه ببلاد سرسو
الجزائرية في السهول العليا لتياريت، وفيالا، إلخ., والواقعة ما بين الكف
والغفور والدحماني. وأما الدرود فهم فرسان صناديد، محبون للضيف، أشبه ما
يكونون بالقبائل الفروسية الكبيرة في الجنوب : الشامبا، وربيعة, والترود،
وحمامة، وحتى الشاوية. غير أن بلادهم توجد في وضعية حرجة؛ بين عوالم شديدة
الاختلاف عنهم، لأن الحدود التونسية ليست ترهة جغرافية. وعليه، فهم يشغلون
مركزاً رئيسياً بين الجزائر وتونس، وعالم البحر الأبيض المتوسط وعالم
الصحراء. وتلك كلها اعتبارات كانت كافية لتثير سخرية المجذوب :

السرس مسرور
من قبله طاهر ومن الشرق منحوس
من غرب اشهود
ومن ظهره يهود
وبينما تركت بيزرت عند المجذوب, وهو الحاج الشاب، ذكرى بديعة، نراه لا يذكر تونس، في هذه السداسية، إلا بغليظ القول :
نوصي لمن باع داره
ودار دراهمه في مكتوبة
في البحر ركّب صغاره
السكندرية قريبة
ولا قعادك في تونس
كل يوم تسمع غريبة
بل يبدو، كذلك، أن المجذوب عرف الجزائر في وقت لاحق. ذلك بأن رباعية مما
تتناقلته الأفواه في هذا البلد، تُنسَب إليه، وفيها ذكرٌ لمآثر خير الدين
البحرية :
خير الدين فحل وشاطر
يا موسعُه بخاطر
اردم باب البحر
وبنا عليه القناطر
وإن مما يبعثنا على الاستغراب، أن نرى أشعار المجذوب جاءت على صورة من
النظم يغلب عليها الطابع الجزائري، أكثر من الطابع المغربي. فهل نعزو هذا
الأمر إلى هذا النظم الذي ليس من الشعر الفصيح, ويتعالى على الدارجة
المحلية، أم نعزوه إلى الإعجاب والتقدير اللذين كانا من الجزائريين
برباعيات المجذوب، ما جعلهم يظلون محتفظين بها في ذاكراتهم، وأنهم صاروا،
مع توالي القرون، يسبغون عليها من المسحة الجزائرية؟
ليس ببعيد أن
يكون المجذوب أقام طويلاً في الجزائر. فنحن إذا نظرنا إلى حياته، التي لا
نعرف منها إلا النتف تجود علينا به أبياته، وقارناها بحياة أخرى، نعرف
عنها الشيء الكثير من المعلومات التاريخية, لشخصية سبقت المجذوب بقرن من
الزمان، ونعني بها شخصية عالم الاجتماع ابن خلدون، لرأينا أنهما قد سارتا
في ما يشبه التوازي. فقد كان مولد ابن خلدون في تونس، لأسرة من إشبيلية،
وقد شغل الرجل مناصب سياسية سامية في المغرب وتونس ومصر، إلخ. ولكنه لم
ينعم بالهدوء ليكتب مؤلَّفه المأثور، إلا في منطقة التل الجزائري النائية،
وتحديداً في الموضع الواقع على خط تياريت وميديا وبسكرة، وهو المسار نفسه
الذي قطعه المجذوب. ويذهب بنا الاعتقاد إلى أن هذه المناطق الحدودية
الصحراوية كانت، في ذلك الزمن الموسوم بالاضطرابات السياسي في بلدان
المغرب، ملاذات وملاجئ، وأنها كانت أقدر على صون التقاليد الشفوية
والمكتوبة من المدن الساحلية، التي أنهكتها الصراعات والحروب؛ تستوي في
ذلك المنطقة المغربية والجزائرية والتونسية.







2008/5/9
> ترجمة : عبد الرحيم حزل
< تأليف : سكيلي ميليي
وبوخاري خليفة




said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سيدي عبد الرحمن المجذوب .. الشاعر الساخر

مُساهمة من طرف ربيع في الإثنين 8 سبتمبر 2008 - 16:12


يتتَّبع هذا الكتاب سيرة علَم مغربي من أعلام القرن السادس عشر، لم يخلف من أثر مكتوب، لكن »الرباعيات« والأمثال التي جادت بها قريحته لا تزال جارية على الألسن منذ أربعة قرون، في أقطار المغرب العربي، أمانة ورسوخ لافتين.
تتألف أشعار المجذوب من مصراعين مقفيين، في لغة ليست هي بالدراجة ولا الفصيحة، وإنما جماع منهما، كما
هي لغة »الملحون«.
وقد باتت هذه الأشعار، اليوم، يتغنى بها المغنون والمتسولون في الساحات العمومية في بلدان المغرب، وتُتناقل في الدروب وداخل الخدور. ويعرف بها المتعلمون، كما يعرف بها العوام. وهي تعتبر جزءاً من الميراث الروحي والثقافي لمنطقة شمال إفريقيا، كما هي أشعار عمر الخيام جزء
من التراث الفارسي.

أنا الّلي كنت فضة وليت نحاس وبدلت عقلي بهبالي
إن الطريقة التي كان الغرباء وأبناء السبيل ينقذفون بها، سواء على تلك المواضع الجزائرية أو على مكناس (التي تكهن المجذوب بنهبها من قبل أن تتعرض للهجمة السعدية) قد صيغت على منوال واحد على ألسنة شهود التقاليد الضاربة في القدم التي أمكننا سماعها، سواء منها الجزائرية أو المغربية. فتلك الروايات تفيدنا أن الشيخ كان يمشي راجلاً، أو على ظهر بغل، في الجبل المطل على مدينة من المدن، يرافقه جمع من المستمعين المتحمسين له من الأماكن التي يمر بها، وأنه كان يتوقف، فجأة، فيصوِّب بصره ،, إلى ما يتفق له من المدن، ثم ينخرط في تأمله، ويُغشى بصره، ثم يرفع ذراعيه مستقيمتين، ويقرن السبابة إلى الإبهام، ثم يفرج بينهما فجأة، ويقذف بهجائه أو نبوءته في وجه تلك المدينة.
والمتأمل في بعض الأشطار من رباعيات المجذوب يُخيَّل إليه، كذلك، أن شاعرنا قد عرف بعض البلدان «الرومية». تُراه يكون يُلمح إلى المحنة التي ابتُليَ بها أبناء جلدته الأندلسيون، النازحون من إسبانيا في مطلع القرن السادس عشر، وما وجدوا، وقتئذ، من صعاب جمة في الاندماج في منطقة شمال إفريقيا؟ أم أن الأمر لا يعدو الإشارة إلى المناطق الساحلية من المغرب، التي كانت يومها مناطق محتلة من الأوروبيين؟ إننا نتذكر أن صاحبنا كان، هو نفسه، قد فرَّ، وهو طفل من طيط، للالتجاء إلى مكناس. وأياً ما يكن، فإن شكاته كانت آية في المرارة :
هربت من دولة الرومي
جيت إلى خويَ المسلم
ضربني وحقرني
وزوَّر علي بلا ما نظلم
فكانت نصيحته قاطعة للمرء أن لا يتغرب عن بلده، فذلك سينقصه قدره بعد أن يصير بلا أصدقاء، ويضيع في العزلة، في خضم من الثقافات واللغات المختلفة :
يا غربتي في بلاد الناس
والّي يشوفني يقول هذا براني
أنا الّي كنت فضة وليت نحاس
وبدلت عقلي بهبالي
ونجد لدى المجذوب، في هذا السياق، إشارة إلى محاولته أن يدخل في الإسلام فتاتاً مسيحية من بلاد الروم :
لو كان بنت الرومْ
يهديك الإله وتتبعيني
نعلّمك الصلاة والصومْ
ونردّك على ديني
على كل حال، فالذي يبدو - وهو أمر تثبته، بشكل واضح جلي رباعياتُ المجذوب التي كان يلقيها على ما يلاقي من القبائل - أن عماه ومرضه كثيراً ما كانا له معيقاً كبيراً في التغلب على ما يلاقيه من صعاب كلما تغرب وضرب في المجاهيل. فكان يمعن استسلاماً إلى الحزن، بما تزيد تنقلاته ومنافيه :
مثلث روحي لتبيبْ
في كل شجرة ينادي
يعيط يا قلة الحبيبْ
يا خروجي من بلادي
وإن في اختيار الشاعر لهذا التشبيه لما يبعث على الكثير من الحزن. فالهدهد، حسب الاعتقاد الشعبي، طائر يعيش وحيداً، بسبب نفَسه الكريه. فهذا يجعل الجناس القائم في (تبيب/حبيب) غاية في المرارة والإيلام.
وليس ببعيد أن يكون الشاعر الأعمى قد عاد بمخيلته إلى العصور السالفة, ليتمثل فداحة الآلام التي كابدها المهجَّرون، الذين وعدهم الرسول محمد بالجنة، هو الذي قرن الشهيد في النفي بالمجاهد الشهيد.
أم يكون المجذوب إنما يسمع بالأخبار الكارثية تأتيه من المغرب وتنتشر - كمعهودها دائماً في البلاد العربية - بما يتناقل منها الناس في الأسواق والمواسم، فشط به الخيال، حتى ظن أنه لامحالة سيقضي بقية حياته بعيداً عن موطنه؟
الّي يجي من الغربْ
ما يفرّح القلبْ
إذا لقيت الزهو والطربْ
ما تبدله بالشقاء والتعبْ
ولا نقع بين رباعيات المجذوب على غير توضيح واحد بشأن هذه الأسفار والرحلات؛ ذلك الذي يفيدنا أنه قد أوشك يغرق، لكن نجاه الله :
تغربت ومالت بي السفينةْ
ومرضت واشيان حالي
الحي يرجع لمواليه
بقدرة ربي العالي
وعليه، فنحن نذهب إلى الاعتقاد أن شاعرنا قد حاول أن يعود إلى بيته. لقد كان ارتقاؤه نحو النور، في موسيقى أشعاره الأولى، كالنحلة تطير من زهرة إلى زهرة. لكن ويا للأسف : «كان صعوده صعود نحلة، وسقوطه في الوحل». ولا يبعد أن يكون صاحبنا عاد إلى بيته، فدخله دخول المكتري حجرة منزوية من حجراته. ثم وجدناه يتغنى، في رباعيته الشهيرة، بالجمل وعزة نفسه :
الخيل هبّة من الريح
والإبل هي الشريفة
البغال فرصة من الهند
والحمير هي العيفة
ثم لا نلبث أن نجده، في هذه الفترة كذلك، يصور حالته الحزينة في كلمتين : «كبلوا الجمل».
وتنقل إلينا الروايات الشفوية التونسية عنه شكاة يشبه فيها نفسه بأسد قد حوصر من كل جانب، وفهو يترنح، خائفاً من خيال خنفساء.
بيد أن خياله ظل، وهو في ذلك الخضم من الذل والمهانة، متوفزاً متوقداً :
يا ناس قلبي تعمرْ
وما صبت لمن نعيده
عادته لناس تاخر الزمان
في كل كلمة يزيدوا

2008/9/8

الاتحاد الاشتراكي

ربيع

ذكر عدد الرسائل : 1427
العمر : 40
تاريخ التسجيل : 04/07/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سيدي عبد الرحمن المجذوب .. الشاعر الساخر

مُساهمة من طرف ربيع في الأربعاء 10 سبتمبر 2008 - 0:29

يتتَّبع هذا الكتاب سيرة علَم مغربي من أعلام القرن السادس عشر، لم يخلف
من أثر مكتوب، لكن »الرباعيات« والأمثال التي جادت بها قريحته لا تزال
جارية على الألسن منذ أربعة قرون، في أقطار المغرب العربي، أمانة ورسوخ
لافتين.
تتألف أشعار المجذوب من مصراعين مقفيين، في لغة ليست هي بالدراجة ولا الفصيحة، وإنما جماع منهما، كما
هي لغة »الملحون«.
وقد باتت هذه الأشعار، اليوم، يتغنى بها المغنون والمتسولون في الساحات
العمومية في بلدان المغرب، وتُتناقل في الدروب وداخل الخدور. ويعرف بها
المتعلمون، كما يعرف بها العوام. وهي تعتبر جزءاً من الميراث الروحي
والثقافي لمنطقة شمال إفريقيا، كما هي أشعار عمر الخيام جزء
من التراث الفارسي.



حتى واحد ما غشاش كالمرأة واليهودي
ظلت مشاريع شاعرنا الأعمى المسكين مقصوصة الأجنحة، مثلما ظل، هو الآخر،
يعاقر عزلته، يشله المرض ويكبله البؤس. لقد انحدر انحداراً حتى لمس قعر
الكرب البشري :
يا ويح من طاح في بير
وصعب عليه طلوعُه
فرفرْ ما صاب جنحين
يبكي وينشفو دموعُه
حتى إذا فاض بما تحمل من بؤس ومن حرمان، رأيناه، وقد تلفع ببرنوسه الرث،
وقعد على قارعة طريق، أو في فناء مسجد. ثم يخرج, فجأة، من سدوره، ليطلق
صرخة بحَّاء طويلة، عساه يتخفف بها من آلامه, ويمد بينه والمارة ذلك الجسر
الذي لم يعد بصره يسعفه فيه :
عيطت عيطة حنينة
لا بو لا خو انغيضُه
الحبيب يقول بركاه
والعدو يقول زيدُه
ومن المحتمل أن أولئك الأصدقاء لم يكونوا بهذا القدر من القسوة دائماً.
لكن المؤكد أنهم كانوا غير مبالين له، كما تفيدنا هذه الرباعية :
عيطت عيطة حنينة
فيّقت من كان نايمْ
ناضوا قلوب المحنّة
ورقدوا قلوب البهايمْ
لكن هل تنفع دائماً تلك الشفقة التي تأتي من القلوب الرحيمة؟ فالذي يبدو أن مواساتها كانت بعكس المراد :
يا ناس قلبي تعمر
وما صبت لمن نعيده
عادته لناس تاخر الزمان
في كل كلمة يزيدوا
وقد يكون شاعرنا، الذي طال به العمر حقا، لكن ما زال على معهود حيويته،
فكَّر حينها في النساء. فهو يعترف لنا بأن قلبه العجوز الخرب المسكين يشبه
جدران الفرن أو الحمام المغربي المشققة والمكسوة سحاماً, لكنها تظل مشتعلة
متقدة على الدوام :
يا حمّام يعطيك ريبة
يا لي مبني على مهد ناركْ
من برا ما بان دخان
وفي الداخل انحرقوا احجاركْ
ويزيد المجذوب مستلهماً من النار تشبيهاته الموجعة الممضة، فيصور لنا قلبه
المتقد على الدوام، وقد انسحق بين السندان والمطرقة، لا يكاد يبرد حتى
تجدَّد له النيران :
قلبي جاء بين المعلم والزبرة
والحداد مشوم ما يشفق عليه
يردّف له الضربة على الضربة
وإذا برد يزيد النار عليه
غير أن الشاعر المجذوب لا يلبث أن يدرك مدى خُرق هذا الحلم بالحب,
واستحالة تحققه. فينقلب على كل من كان يحب، يغتاله اغتيالاً، وترجع به
الذكرى إلى كل ما كانت يداه الرقيقتان كيدي فنان وأعمى قد أمسكتاه بفرح
وامتلكتاه. فقد يكون يفكر في تلك النقود الزهيدة التي قد استلمها من صديق
شفوق. أو يفكر يقيناً في زوجته بعد أن كان يغدق عليها من حنانه.
ما
عاد شاعرنا البائس يملك إلا يديه. ونراه يجسد هذا الامتلاك في حجر يقبض
عليه بين أصابعه، ثم يقذفه إلى أعلى. لكن مسعاه إلى التخلي عن كل شيء يكون
قصيراً، فهو يحاول أن يمسك بذلك الحجر وهو محلق في السماء، أو عند النزول،
بسن عصاه. فلماذا هذه (العصا)؟ تراها تكون رمزاً للمسير الذي كان ينبغي له
أن يقوم به، متكئاً على عكازه، ليسعى في استعادة زوجته أو استعادة صديقه
اليهودي، لكن من غير طائل بعدما طردهما؟ أم يقول ما يقول للإشارة إلى ما
هو فيه من خرق ورعونة؟ ذلك بأن العصا لا يمكن أن تقوم مقام المضرب، فلا
يكون بدٌّ من سقوط الحجر.
لاحاجة إلى الاستفاضة في استقصاء الدلالات الممكنة لهذه العصا. وحسبنا أن نسجل خاتمتها الغريبة والمفاجئة :
لحت حجرة للسماء
وتلقيتها بعودي
حتى واحد ما غشاش
كالمرأة واليهودي
ولقد أراد المجذوب، حينها، أن يجسد رغبته في التوحد، بالإغراق في العزلة.
فاختار موضعاً جبلياً خالياً. وابتنى له فيه كوخاً يلوذ إليه، كأنه صومعة
راهب. لقد اتخذ له (خلوة) لكن ويا للأسف. فهذه الخلوة نفسها قد أثبتت له
أنه لم يتخلص من كل شهوة كان يشتهيها :
درت مطمورة في راس رفروف
ومتّنتها من كل جانب
عهدي بالمطمورة متينة
ساعة من تحت شارب
وبطبيعة الحال، فلاشك أن المرأة التي كانت ضحية لكل ذلك الاستسلام للعزلة،
لم تستسغ هذا الفعل من المجذوب. لكن من الذي ابتعد في الواقع عن صاحبه؟
ومن ذا الذي تخلى عن الآخر؟ فها هي ذي رباعية في تصوير هذه المأساة تقول :
يا قلب نكويك بالنار
وإذا بريت نزيدك
يا قلب خلّفت لي العار
وتريد من لا يريدك
وعليه، فسيقوم المجذوب، مرة أخرى، بتدمير كل ما له به تعلق. وستكون هذه
المحاولة للتحرر أكمل من سابقتها. فالمجذوب يخبرنا في الرباعية 68
السالفة، أنه مد عصاه عساه يلتقط حجراً. وأما ههنا، فهو لا يمد عصاه،
وإنما يقذف بعينيه، وروحه، إلى السماء، كأنما يتعقب بهما الحجارة. حتى إذا
صار عارياً في دخيلته من كل شيء جسماني أو روحي، اعترف بأنه يدرك أن تحرره
الروحي الكامل أمر مستحيل، وأنه لا يزال مقيداً إلى حاجات البدن، بجوعيه
اللذين لا يشبعان :
رميت حجرة للسماء
ورميت عيني معها
شفت ما يهلكني إلا الكرش
والمدلّي معها
فما العمل؟ ليس غير أن يمعن في المعاناة. فكأني به يردد تلك اللازمة الجزائرية المأثورة :
لا سلامة من الخلق
لا نجاة من الموت

الاتحاد الاشتراكي

2008/9/9



ربيع

ذكر عدد الرسائل : 1427
العمر : 40
تاريخ التسجيل : 04/07/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سيدي عبد الرحمن المجذوب .. الشاعر الساخر

مُساهمة من طرف ربيع في الأربعاء 10 سبتمبر 2008 - 18:05

تخلطتْ ولا بغات تصفى ولعب خزها فوق ماها
لم يعد للمجذوب من سبيل غير الخضوع والاستسلام، وزيادة الاقتراب إلى الله.
ومن المعلوم أن المجذوب أمضى الشطر الأخير من حياته في زاوية القصر
الكبير، في الهبط، في أحضان الأسرة الكبيرة المؤتلفة من القبائل الملالية،
وهناك عاش حياته كشيخ من شيوخ القادرية، وقنع بمصيره الحزين، وأخذ يستعد
للموت :
مجذوب محبوب مرغوبْ
ساكن في أرض الملالي
وما قضى ربنا كان
في الراس ما يتمحى لي
وصار يجمع الاستسلام إلى الصلاة والتسبيح. وقد كانت القصر الكبير تضم،
وقتها، بالإضافة إلى تلك الزاوية، دون شك، مسجداً كبيراً (ذكره الحسن
الوزان، نقلاً عن لوي ماسينيون). ولاشك أنه قد كانت له في ذلك المسجد
توقفات طويلة للصلاة. وربما كان خلو هذه الروح الكبيرة إلى ربها يُترجَم،
أحياناً، في بعض الأصوات تنبجس من أعماق الفؤاد. وقد لحقت هذا المقوِّم
الكبير للأخطاء، ههنا كذلك، تجريحات الجمهور وهزؤهم :
هلّلت قالوا غنّيت
سكت قالوا دخلته هبيلة
رفدت عيني لربي
الّي ما معه حتى حيلة
غير أن خيانة الأصدقاء تعينه على التخلص من مباذل الحياة. فكيف لا تحرك مشاعرنا ولا تبكينا حكايته عن عزلته القاصمة :
الريح والسحاب رشات
والغيم ظلم عليّ
الأحباب قاع قفات
بقيت فريد العمدة عليّ
ويحاول الشيخ الزاهد، حينها، أن ينكب على تلك الكلمة من الله، التي هي
نقاء الطبيعة. فهو يصفح عمن أساؤوا إليه. يبكي في حضرة البحر المحيط، الذي
هو تجل للانهائية الخالق ولانهائية ألمه. ألا إنها معجزة الحب... الأمواج
تلحس دموعه وتجففها :
يا ناس من شاف دمي
غابت عني سمية
للبحر نشكي بهمّي
ينشف ويولّي ثنية
ويزداد المجذوب تقرباً إلى الله، وهو يرتقي الجبل. وهناك يضطجع عارياً تحت
حر الشمس، يجأر بآلامه وأوجاعه، عساه يتخلص من كثير من الآلام المتراكمة
عليه، ليجود بنفسه في محراب الخضوع والاستسلام :
أنا الّي رقدت في رقوبة
وقعدت مثل الرصاص نذوبْ
من لا يقرا للزمان عقوبة
لا يفطن حتى يجي مكبوبْ
وتختم هذه الروح الأبية الصادقة مأستها بين بني البشر بالصمت والخشوع والأمل في حسن الختام :
احفر لسرك ودكّ
في الأرض سبعين قامة
خلّي الخلايق يشكّوا
إلى يوم القيامة
لقد عاش المجذوب في جو ملؤه حروب؛ قد تضافرت فيه على المغرب حرب أجنبية
وحرب دينية وحرب أهلية، فلم يجد شاعرنا بداً من الفرار من مسقط رأسه، طيط،
لينتقل بعد ذلك إلى مكناس، ثم إلى فاس للدراسة، ثم إلى القصر الكبير؛ حيث
أمضى القسط الأخير من حياته، في منطقة دينية قد أنهِكت من جراء المدينتين
المحتلتين للبرتغال أصيلة وطنجة وتطوان؛ ذلك الميناء القيد للقرصانة،
وشفشاون تلك القلعة المستقلة والقاسيةو والقرب من فاس ومكناس؛ حيث ترك
فؤاده يدعو إلى القادرية، في الوقت الذي كانت المملكة المحاربة لفاس تستند
إلى الشاذلية.
ويبدو لنا من اللازم ذكر هذه المعطيات لفهم الحقد الذي كان يحمله المجذوب للشلوح، الذين كانوا من وراء إشعال تلك الحرب الماحقة :
وظف يا الوظّاف
ودق الوظيفة
الناس تولد الرجال
والشلح ولدوا كالقفيفة
بل إن المغاربة لا يزالون، إلى اليوم، يحفظون للمجذوب رباعيات أخرى في المعنى نفسه أشد قسوة على الشلوح.
فالثابت أنه بسبب التمرد الذي كان منهم في عام 1511 في تادلة، خرج عليهم
سلطان فاس، وركز من حول الشريف أبي عبد الله سائر الممالك البربرية في
الجنوب، التي هاجمت مملكة فاس في عام 1544 وجاءت بالسلطان الوطاسي أحمد
أسيراً إلى مراكش. ولكن بسبب هذه الهزيمة, كذلك، طلب المرينيون المعونة من
الباب العالي، فكان ذلك هو السبب في تدخل القوة الثالثة، وقد ثار صاحبنا
المسكين على أخطاء الحكومة المرينية، التي لم تفلح في مواجهة تلك الوضعية،
وأعوزها الرجال الأكفاء :
تخلطت ولا بغات تصفى
ولعب خزها فوق ماها
رياس على غير مرتبة
هما سبب خلاها
ثم صار يتنبأ باندلاع الفتن والحروب في إقليم الحوز, من حول مدينة مراكش :
الحوز طاجين حامي
وفي اللحم طاروا شقوفه
والّي يكذّب كلام المجذوب
ما زال يشوفه
ثم يصب جام غضبه على السعديين الذين توقع هبتهم نحو الشمال :
مراكش مبدى الهم
سلا والرباط هما فراشه
مكناس يجري بالدم
فاس يا من بغى معاشه

الاتحاد الاشتراكي

2008/10/9







ربيع

ذكر عدد الرسائل : 1427
العمر : 40
تاريخ التسجيل : 04/07/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سيدي عبد الرحمن المجذوب .. الشاعر الساخر

مُساهمة من طرف said في الجمعة 12 سبتمبر 2008 - 22:37

قوم يا المسكين تهرب من فاس وخّى في ليلة عيد

يجدر، ههنا، بالذكر أنه لما استولى الأشراف السعديون والشلوح على فاس، في
العام 1537، كان أحد كبار فقهاء القادرية قد جاء، في ذلك الخضم من الفوضى
العارمة، بمفتاح الخلاص والحل لتلك الوضعية الحرجة. فالميثاق الذي نادى
به، دعا إليه الشيخ الونشريسي، وارتضاه الشريف، كان يقضي بتقسيم مملكة فاس
إلى قسمين، من غير ما تبعية بينهما أو خضوع؛ مملكة فاس ومملكة مراكش.
وبطبيعة الحال، فإن سيدي عبد الرحمن المجذوب قد صار يومها، يرى، بشيء من
الحنين، أن حدود مملكة فاس لم تعد تتجاوز مدينة مكناس. وحتى إننا وجدناه
يقول إنه صار بمستطاعه أن يرى منتهى قمة جبل صرصار، الذي يقع إلى الجنوب
من القصر الكبير. ومن غير أن ننكر وجود جبل صرصار بالفعل، غير بعيد عن
الزاوية القادرية مستقر الشيخ المجذوب، فلا يبعد أن يكون شاعرنا بما قال،
إنما أراد أن يهوِّل من تلك الرؤية التنبؤية بالارتقاء بها قمةَ ذلك الجبل
الشبيه الذي يذكرنا اسمه بجبل قرقار اليوناني، الذي شهد زواج الأرض
بالسماء على هيأة زيوس وهيره :
رقيت على جبل صرصار
ورميت عيني يمين ويساره
شفت الغرب خالي يصفر
مكناس هي حد العمارة
ومن أسف أن شاعرنا المجذوب سيرى، بعد ذلك، ما هو أبلغ سوءاً. ففي العام
1544، قام الشريف محمد بن القائم بحبس أخيه الأعرج، وتمت له البيعة من
قبائل الجنوب سلطاناً أوحد على مراكش. وعلى الرغم من الاتفاق سالف الذكر،
الذي كان لأخيه مع سلطان فاس، لم يتورع عن النزول إلى هذه العاصمة، وحبس
السلطان أحمد في فشتالة.
وليَ بعد ذلك، ابن السلطان الحبيس ناصر عرش
فاس. واستمر الصراع بين العاصمتين؛ فاس، المحصنة بمنطقة سايس الجبلية
(والتي تتحكم في مدينة فاس ومدينة مكناس معاً) ومراكش التي يمنعها نهر
وراما ويقوم لها حجاباً. وكان ذلك الصراع يجري في خضم من تمردات القبائل
البربرية في الأطلسين الكبير والمتوسط :
غوت يا ذيب سايس
وجاوبه يا ذيب وراما
الشريف يجري على الشريف
حتى يجي الّي يحسن لهم بلا ماء
ثم يتواصل ذلك الحوار في رباعيات أخرى :
غوّق يا ذيب سايس
وغوق في باب غارك
ماذا تناديك الفرايس
حتّى يحفاوا فيها ضفارك
وهي رباعية نجد لها صدى في الرباعية التالية :
غوت يا ذيب سايس
وغوت في باب دارك
يجيوك الفرايس
حتى لباب غارك
وبطبيعة
الحال، فالذي يبدو أن السعديين كانوا غالبين أكثر مما كانوا مغلوبين في
هذه المغامرة. ثم إنهم كانوا يركبون مراكب العنف والحيلة حسب الأحوال
والظروف :
يعجبني ذيب لرقاب
ويزدها على نابه
من فلت مانع
والّي حصل يشد بابه
وفي
العام 1544، اشتدت المصاعب على حكومة السعديين، حتى لم تجد بداً أن تطلب
العون من الأتراك، الذين كانوا قد نزلوا بمنطقة الجزائر ابتداء من 1530
وقد أرسل الباب العالي في 1548، بسفير إلى مراكش للتوسط لدى الشريف محمد
في الإفراج عن سجينه الأمير، سلطان فاس أحمد :
لكن رد محمد كان
رهيباً. فقد كاد يطيح برأس السفير التركي لولا أن ثنته عنه حاشيته. وأياً
ما يكن، فإن رد محمد كان بالزحف على فاس، وقام، في طريقه إليها، بنهب
مكناس، كما تنبأ بذلك شاعرنا المجذوب :
حين تتقد النخلة مع الجريد
في سيدي سعيد
قوم يا المسكين تهرب من فاس
وخّى في ليلة عيد
لكن حكام الجزائر لم يلبثوا مكتوفي الأيدي. ففي عام 1552، قام حسن كورسو،
بمعية جنوده من الانكشارية، بقتل عبد القادر، نجل سلطان مراكش، على مقربة
من تلمسان. ثم أرسل برأس الشريف السعدي إلى العاصمة الجزائر ليعلَّق بباب
عزون.
وفي العام 1553، تولى صالح الريس بنفسه قيادة العمليات ضد الشريف السعدي. وقد كان الشيخ المجذوب تنبأ بمجيء النجدة من وهران :
الخيل الدّوك من القبلة
والحيّح يقوم من سوسْ
الشبكة منصوبة في أزيلة
ما يفلتشي منها حتى الناموسْ
وربما كان في ذكر أصيلة ههنا
إشارة إلى التحالف السري الذي كان الأشراف قد أقاموه مع مختلف مراسي الجهاد البحري، وخاصة في سلا، وأصيلة وتطوان.
كان أهل فاس لا يزالون على معارضتهم الشديدة للسعديين، ولذلك سلموا مقاليد
أمورهم إلى عم السلطان أحمد : أبو حسون (الذي كان قد أبعد إلى بادس من طرف
العم المذكور) فتمت له البيعة سلطاناً على فاس. واتفق أبوحسون مع الأتراك.
فزحف صالح الريس بجيشه على فاس. وكان الشريف السعدي قد أقام معسكره في خنق
تازة. وقد كان بيده ثلاثون ألفاً من الجنود. وتم اللقاء بين الجيشين ليسفر
عن هزيمة هينة للشريف الذي انسحب نحو مراكش, فقد بات يدرك أن فاساً لم تعد
مأمونة.
وتلقى أبو حسون الأتراك في فاس بكل حفاوة في عام 1553 ودفع
لهم مقابل تدخلهم إلى جانبه. هذا الزحف وذلك التوقف بتازة، هو ما تنبأ به
المجذوب في هذه الرباعية :
الخيل الدّوك من القبلة
وتعطي للغرب بالراسْ
تسمّر في باب تازةْ
وتهدم أسوار مكناسْ
في
هذه المرة، أيضاً، تحققت نبوءة المجذوب بتلك الحماية التي قال إنها
ستُكتَب لفاس ببركة مولاي إدريس، ذلك بأن الأتراك والسعديين لم يلبثوا أن
عادوا أدراجهم عنها :
من عند النبي جيت رقّاصْ
مولاي ادريس يعطي البشارةْ
مضمون فاس من كل باسْ
ولو يدوروا به جناس النصارةْ

2008/9/11

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سيدي عبد الرحمن المجذوب .. الشاعر الساخر

مُساهمة من طرف ربيع في الأحد 14 سبتمبر 2008 - 17:54

لو كان بحثوني كم من كتاب فيّ مألوف
أن يكون المجذوب رائيا، فذلك أمرلا يقبل الجدال. وأن يكون مسلماً مؤمناً،
قد بلغت صرخته إلى الله من القوة ما جعلها تتصادى طوال قرون، في سائر
الجماعات الإسلامية التي في منطقة شمال إفريقيا، فذلك أمر، كذلك،لا يقل
صحة. وأن يكون جعل من نفسه واعظاً ورقيباً شديداً على النساء خاصة، فإن
هذا الأمر يسبغ على آثاره حادة، لا تخلو من شيء من تجاوز وإفراط.
هذه
الخصائص والسمات تضفي على شخصية المجذوب طابعاً شديد التعقيد، بحيث إن بعض
الجوانب في شخصيته قد تبعث المرء على الاستغراب، إن هو لم ينظر إليها في
سياق الصراعات الدينية التي طبعت زمنه.
وأن يقول لنا المجذوب إنه قرأ
في «اللوح المحفوظ» أمر قد يبدو غريباً لتلاميذ المدارس العصرية. وأن يكون
يقبل على «الشوافين» أمرٌ يمكن أن يضحك العقلانيين :
الشواف يشوف من قاع القصعة
والغربال تشوف منه قاع الناس
الكيّس يعسف على راس اللفعة
والعوام يعوم بحر لا يقاس
فهل يصح أن نتمثل المجذوب كواحد من أولئك الدراويش العميان في ثيابهم
الرثة البالية، المنتسبين إلى الطوائف الدينية المغربية، والذين نراهم، في
الوقت الحالي، يعمرون ساحات المدن في شمال إفريقيا، وهم يصيحون بعبارات
الشيخ المجذوب، ويتمايلون لها برؤوسهم ذات اليمين وذات الشمال، وقد
يرفقونها بالضرب على الدفوف؟
وكيف مارس المجذوب هذه الهبة، المتمثلة في «الرؤيا» المتجاوزة للأمور المادية، ونفذ بها حتى العالم «الخفي»؛ ذلك العالم «المرصود» ؟
ألم يكن موقفه من النساء، مثلاً، نتيجة لنوع من التعصب الطائفي، الذي ربما رآه فيه الشباب اليوم مظهراً من مظاهر الظلامية؟
فكأننا بتلك القسوة البالغة التي كانت من المجذوب تجاه النساء قد كانت
نتيجة لملابسات بشرية من طبيعة شخصية خالصة، وهي جديرة بأن تكون موضوعاً
لدراسة خاصة. ولذلك فصلنا هذا الموضوع عن الفصل الخاص بالجانب الأخلاقي،
وأفردناه بالفصل الرابع من هذا الكتاب.
فنحن إذا اعتبرنا المجذوب
داعية أخلاقياً، فإن الفصل الخاص النساء سيوافق، بشكل طبيعي تماماً، ذلك
التمييز التقليدي للموقف من الآخرين، والحال أننا سنكرس الفصل الحالي
لدراسة الموقف الذي كان للمجذوب من الله.
والمشكلة التمهيدية التي تفرض علينا نفسها, ههنا، تتلخص في كلمة واحدة : «هل كان المجذوب شاعراً تقليدياً» ؟
والجواب عن هذا السؤال واضح لالبس فيه. وقد جاء من فيه المجذوب نفسه.
ولاشك أن الغلو الذي يطبع بعض انتقاداته قد جاءت لتؤكد رأي البعض في كلام
هذا الشاعر، وأنه كلام ساخر يهتم بالمفارقات. وأما هو فكان يرد على هذا
الرأي بالقول :
الناس قالوا لي عجوب
وأنا طريقي مسرور
إذا صفيت مع ربي
العبدما فيه ضرور
ومن المعلوم عن المجذوب أنه كان، وهو في ميعة الشباب، تلميذاً مواظباً على
مدارس مكناس وفاس، وأنه قد عاش هناك حياة الطلبة في حضن تلك الزوايا
الإسلامية.
ومما لاشك فيه أنه قد كان، كأي لاجئ من لاجئي الحرب،
طالباً فقيرا، على قليل من تحضر. لكنه كان يقبل بجماعه على قراءة الكتب
الدينية التي عليها يقوم التعليم في تلك الجامعات :
جزت على أهل فاس
شافوني عبد مشنوف
لو كان بحثوني
كم من كتاب فيّ مألوف
وقد رافق أترابه في جولاتهم على أهل هذه المدينة وأهل البادية لاستجداء
صدقاتهم. والحال أنه قد انتشرت في المغرب، كما في سائر بلدان شمال
إفريقيا، زيارة «القباب» وأضرحة الأولياء. وقد قامت المدارس الإصلاحية
لمحاربة هذه البدعة، التي ليست من الإسلام وفراضه وأركانه. وأما الشيخ
المجذوب، فقد تصدى إلى هذه الممارسة قبل قرون أربعة :
الطالب مجراه صافي
أصفى من كل عيارة
يا الزاير كل والي
في الطالب خطاتك الزيارة
ثم نجد إدانة الشاعر المجذوب لعبادة القبور ومناشدته الناس أن لا يتبعوا
غير القواعد التي بيّنها لهم القرآن وأن يؤدوا للفقراء العشر من محاصيلهم،
أقوى وأشد في رباعية أخرى قال فيها :
ادرس زرعك ونقيه
من النادر خرّج عشوره
من غير ربي والنبي
حتى والي ما تزوره
ثم يزيد تأكيداً على ضرورة إخراج الصدقات (التي هي من أركان الإسلام) في رباعية أخرى هي تنويع على الرباعية السابقة :
احرث زرعك ونقيه
في الصيف خرّج عشوره
اعطي طعامك لا تمنيه
حتى والي من غير النبي لا تزوره
والمجذوب يعلي من شأن الدين. فهو، عنده، الشيء الوحيد، مع حب الناس، الذي
يجعل الحياة جديرة بأن تعاش. لذلك يكون حكمه شديد الإيلام على ذلك الصديق
الذي ضل السبيل، وفلم يُكتب له حب الناس ولا حب الله :
بكيتني يا المسكين
وشفاني حالك
الزين ما تاخذه
والدين ما ينعطى لك
ومن الخصائص المائزة للمجذوب تلك الفكرة التي تدور حول تكريم الله لبني
البشر، حتى إن الذي يقطع صلاته الدينية يكون كمن يتنكر لذلك الدين الروحي
تجاه الله (تفيد كلمة «الدين» في العربية المعنيين معاً) فيفقد، من ثم، كل
نصيب في عفو الله وفي نعمه، وكل قيمة شخصية في نفسه :
ابنادم الي ضاع دينه
ما بقا له في الدنيا احساب
يعيش في الحياة مع رهينه
حتى ياتي يوم الحساب

الاتحاد الاشتراكي
13/9/2008

2008/9/13







ربيع

ذكر عدد الرسائل : 1427
العمر : 40
تاريخ التسجيل : 04/07/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سيدي عبد الرحمن المجذوب .. الشاعر الساخر

مُساهمة من طرف said في الأربعاء 17 سبتمبر 2008 - 0:30

لو ما كان الخبز ما يكون دين ولا عبادة

إن الدنيا لا يؤمن جانبها. وليس كمثل عطاياها تقلبا. فلا يتمالك المجذوب نفسه أن يصب عليها من سخطه ونقمته : 
الدنيا يكنّوها ناقة
إذا عطفت بحليبها ترويك
وإذا عطفت تشد فيها لباقة
تتكفح ولو كان في يديّك
والمجذوب إذ يرى هذا الرياء وهذا التبدل في الأشياء، يخرج بخلاصة يقول فيها :
ميزت الدنيا
جبرتها غرور
تضحك للعبد ساعة
ومن بعد تدور
إن تقلبات القدر ومفاجآته أمر يبعث على الذهول. فمن ذا الذي بوسعه
الاطمئنان إلى عرشه؟ وهل من جمال لا يطاله الذبول؟ وأين هو المجد الذي
يبقى على الدوام :
يا ذا الزمان يا الغدار
يا كاسرني من ذراعي
طيحت من كان سلطان
وركبت من كان ساعي
بل من ذا الذي هو موقن أن بمقدوره أن يظل صائناً لهويته المائزة له عمن
سواه، في خضم ما يطرأ من أحداث وملابسات، كمثل الأسد، الذي تراه يتبختر
فوق القمم، فإذا كان سار في المضايق والمخانق، سار محاذرا.
ولكي يمنح
المجذوب أتباعه تلك القدرة على النظر المتجرد، اللازم لكي يتسنى لهم أن
يقدروا قيم هذا العالم في مقابل القيم ذات الطبيعة الأخلاقية، والروحية
الخالدة، تراه يبدأ ببعض الممهدات، يحاول فيها أن يسلط على الحسنات
المعنوية الأولية إضاءات متنوعة، تؤول إلى تحديد حجمها الحقيقي :
الخبز يا الخبز
والخبز هو الإفادة
لو ما كان الخبز
ما يكون دين ولا عبادة
وكما
أن سيدنا عيسى كان يعلم أتباعه أن يطلبوا إلى الله في صلواتهم، لا أن يقيم
مملكته، ويعلي اسمه المقدس، ويبسط مشيئته على كل شيء، بل - وهذا أمرٌ
استنكره بعض المتظاهرين بالتقوى - أن يطلبوا إليه أن يمنح المصلي خبزاً
يكفيه في يومه.
وعلى النحو نفسه، كان المجذوب يغتبط بذلك الخير المادي الذي لا يقدر بثمن، والمتمثل في الصحة البدنية :
صحتي يا صحتي
صحتي يا مالي
إذا مشت صحتي
آش من حبيب بقى لي
لكن
متى استُجيب إلى المجذوب بذلك الخبز الكافي وتلك الصحة البدنية، وهما
أمران لازمان لحياة الفكر ولازمان للعمل، صار يسلط جام هجائه واحتقاره على
البخلاء، الذين يكنزون الثروات، ولا يجنون منها غير الهموم، فيما البطون
الجائعة تنام هانئة :
المال يبغي الجايح
والي يبات ساهرا
يضوروا كالمجارح
يبيعوا نومهم للفقرا
ثم إنه يجمع البخلاء إلى الطامعين في كفة واحدة، في رباعية يسخر فيها من جري هؤلاء الأخيرين بالليل وراء الثروات :
الطماع يبات ساري
ويحلم بالتفاح
والتفاح سومه غالي
ومواليه اشحاح
وبسخرية مريرة، تراه يدخل في المواضعات الاجتماعية اشتراط الهندام اللائق للقبول بين الناس :
الشاشية تطبع الراس
والوجه تضوّيه الحسانا
المكسي يقعد مع الناس
والعريان ينوض من حذانا
ويرفع الشيخ المجذوب صوته بالتشكي من المال، وكيف يكسو صاحبه اعتبارا، ويسبغ عليه هيبة ووقاراً :
قليل المال دايم محقور
في دنيته ما يسواشي
زهو الدنيا لأصحاب المال
الي يتمشوا ويعنقروا الشواشي
وأما
خيرات الطعام، التي كثيراً ما اصطلى المجذوب بنقصها المريع, فهو يحتج على
اكتنازها في رباعية تذكرنا بالروح الرابلينية (نسبة إلى رابليه) وهو أمر
لا ينتقص في شيء من قوة السخرية في كلام الشيخ الشاعر :
لو كنت نعرف كرشي ترفد الزاد
لو كنت بعت متاعي ودرته فيها
ولذلك كان المجذوب يعارض بين «كبير الكرش» و«كبير الرأس» :
كبير الكرش
للخسارة
وكبير الراس
للدبارة
فالذي
يبدو، مما سلف، أن موقف المجذوب من خيرات هذا العالم يبدو موقفاً مطلقاً،
والحال أنه موقف حصيف، يأخذ في الحسبان المتطلبات المحتمة للاحتياجات
الحيوية، لكن في إطار من الاعتدال، الذي يمليه الاستسلام للقدر :
الكاتبة تنادي ومعها الخير
ولو كان من بعيد تجيها
والخاطي عليك من يدّيك يطير
رزقك من قبل ما هو فيها
فتكون
نصيحة المجذوب الحكيمة إلى المرء بأن يتحاشى الانشغال بالجري وراء متع
الدنيا، وأن يتصف بالقناعة التي تأخذ في الاعتبار ذلك المسير المحتوم
للحياة نحو نهايتها، التي هي الموت والانفصال عن خيرات الدنيا :
لا تجري لا تهقهق
وامشي مشية موافقة
ما تدّي غير الي مكتوب لك
لو كان تموت بالشقة








said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سيدي عبد الرحمن المجذوب .. الشاعر الساخر

مُساهمة من طرف said في الجمعة 19 سبتمبر 2008 - 22:00

السن يضحك للسن والقلب فيه الخديعة

يرفع الشيخ المجذوب عقيرته بطلب الشفقة والرحمة للجوعى من بدو ومن حضر. ولأولئك الذين ليس لهم مناص من استجداء سخاء التجار والباعة. ويدعو لهم ألا يكون مصيرهم كمثل ما كان مصيره هو، يوم طُرد شر طردة، بالعصا على ظهره :
حوست شعاب وعرقوب
وحوّست عبر الزناق
المال قطع من القلب
جرّبتها من عناق
فلا يحتاج الأمر الشيء الكثير لإنجاد الشخص الواقع في ضيق. فيمكن أن يجد سلواه في ما لا يزيد عن ثمرة واحدة. وأما أن يتركه الناس يموت من الجوع، ثم يأتون قبره، بدافع حب التظاهر، ليعلقوا فوق شاهدته - ويا لسخرية القدر - عرجونا كاملا من البلح، فليس فوق ذلك كذب ورياء :
الّي يعزني يعزني في حياتي
والّي عزني بعد الموت مجنون
حي مشاق ثمرة
مات علقوا له عرجون
إن الرحمة التي يعنيها الشاعر المجذوب، هي تلك الرحمة العميقة، والصادقة، والحقيقية، الصادرة من القلب إلى القلب، المنبنية على تفُّهم ذكي نفاذ لوضعية مأساوية؛ تلك الرحمة التي يعقبها، لزوماً، إنجاد ناجع فعال.
وقد نقلت إلينا السيدة خليفة من كلام الشيخ المجذوب، في هذا المعنى، رباعية في غاية الاكتناز والقوة التعبيرية. فهي تختتم في شطريها الثاني والرابع بالروي «هو»، الذي يبثنا فكرة بليغة، لم نجد سبيلاً إلى ترجمتها، بعظم الألم الذي يجده المعزون التقليديون، في مقابل شساعة الفراغ الذي يخلفه ذهابهم السريع :
لو كان يطلوا
لو كان ناحوا
مزية الّي عزوا
أو راحوا
إن المجذوب يقف بشعره إلى جانب المشتردين، أولئك الذين إذا دهمهم النوم، ناموا عراة، يلتحفون السماء، مثلما كان حاله هو أيضا، وصور لنا كيف أنه كان ينام، هو الراعي، في السهول والهضاب، ليس له غير الثلج فراشا، والريح غطاء، والقمر قنديلا، والنجوم أصدقاء وسماراً (راجع الرباعية 12). وقد جاء انحياز المجذوب صريحاّ معلناً إلى جانب هؤلاء البؤساء :
المصبط ما درى بالحافي
والزاهي يضحك على المهموم
الّي راقد على القطيفة دافي
والعريان كيف يجيه النوم
والمجذوب يمس منا الشغاف، إذ يشبّه الفقراء المعدمين بدلاء مثقوبة، تنزل إلى الماء، وتعود منه خاوية :
رجل بلا مال محقور
في الدنيا ما يسواشي
المشرر كالدلو المقعور
يوصل للماء يرجع بلا شي
ويشمل عطف المجذوب، كذلك، الأيتام، وهو يخص بإحدى رباعياته ذلك اليتيم العزيز، الذي رحل عنه أبوه لأداء فريضة الحج، ثم لم تلبث أمه كذلك أن توفيت عنه خلال ذلك الغياب الطويل المرير. فهل يكون شيخنا المجذوب إنما يعني نفسه بهذا الكلام؟ أم يكون يحدثنا عن واحدمن أولئك البؤساء الذين يعمرون طريقه؟ :
قليل من ماتت أمه
وباباه في الحج غايب
وما صاب حد أن يالفه
واضحى بين الدواير سايب
بيد أن طريق الرحمة التي يدعو إليها الشيخ المجذوب لا تقتصر على أن تكون مجرد كلام عام عن الأخوة البشرية، أو مجرد إحساس سطحي، يقتصر على المستوى الخارجي، الظاهر من الإنسان؛ بل ينبغي أن تكون مشاركة نبيلة للآخر في محنته؛ مشاركة لا يثبت صدقها إلا الفعل. والواجب يلزم المؤمن بالبذل بسخاء, من أموال الدنيا التي ليست بذات قيمة في حد ذاتها ويُعاقب على اكتنازها، وقد لا تلبث على الدوام, بيد صاحبها وربما ذهبت عنه إلى سواه. وينبغي للمؤمن أن يشمل بكرمه «ضيف الله», وأن يتسع سخاؤه إلى دابته الركوبة، ولا يحرم منه العاملين في الحقول :
يا كريم الضيف
لا تكرمه حتى تكرم فرسه
يا حارثين الصيف
راكم عند الخطوط تنسو
والضيافة التي ينشدها الشيخ المجذوب هي تلك الضيافة العامة والشاملة، التي لا تميز في الضيوف بين أجناسهم،أو يستثنى منها الأشخاص المختلفون عنا سيماء وملامح. والمجذوب يرى في الضيافة التي يميز صاحبها بين الناس حسب أجناسهم إثماً عظيماً، وحتى لربما قلبت عمل المؤمن قبلها رأساً على عقب :
حق من صور الوجوه
بالنيف تطبع الحروف
يا الّي ما يوكل ضيف ربي
وجه النبي ما يشوف

2008/9/19

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سيدي عبد الرحمن المجذوب .. الشاعر الساخر

مُساهمة من طرف said في الخميس 25 سبتمبر 2008 - 12:51

كل من يتكلم بالحق كسروا له راسه


يتوجه الشيخ المجذوب في أسلوب بالغ البيان، شديد التأثير،إلى الله أن
يهديه ويطهُّر شعره - هو الذي يهدي رسله سواء السبيل - ويستغفره بما يمكن
أن يكون تخلل طريقته في التعبير عن أفكاره من هفوات أو سقطات :
السابق من الخيل تعثر
وربي يدبّر عليها
إذا يكلخ الفم
ربي لا يحاسبني عليها

ثم سنراه بذلك التدلل نفسه إلى الله في شأن يتملك عليه فؤاده : إنها
الصداقة. فليس هو الذي سيختار أصدقاءه، وإنما كل شأنه أن يكتفي باستكشاف
أصدقاء ممكنين له ممن يرى من حوله، ثم يفوض أمره معهم إلى الله من أجل أن
يتولى برعايته، إن شاء نسج علائق تلك الصداقة :
الي علينا احنا درناه
والّي على الله هو به ادرى
خيط المحبة فتلناه
ما خصه غير المدرى
إن شاعرنا يحمل بين جنبيه روحاً في صفاء البلور. فلا ياني يؤمّل أن يستجيب الله إلى دعائه، فيغمره من عطفه وإشراقه :
كاسي من الزجاج
مشروبه مبهج
انسقي به الحجاج
من لهيب العجاج
ويؤمل الشاعر، هو الذي صار يفقد نوره الدنيوي، في شيء من ذلك الضياء الرباني الذي ينير الدواخل :
يا العالم بسرتي
يا الباري تعالى
افتح ضو ضميري
ما نكثر بجهالى

ومثلما أن كاثرين ده سيين (ذات الأصول الشرقية) كانت تقول إن المرء إذا
رغب في الظفر بنعمة الله «وجب عليه أن يخوض في البحر، وينصت إلى هبوب
ريحه» فتلك هي نفسها فلسفلة الشيخ المجذوب ومقالته في كثير من أشعاره. لأن
الريح هي الروح. ذلك الروح الذي نفخ الحياة في آدم ونفخ في مريم فحملت
بالمسيح، تلك الريح التي تنفخ في البراح، حيث يحاول النسّاف أن يفرز الحب
عن التبن ، بيد أنه لا يقدر أن يقذف بذلك الحب إلى ما يتجاوز قامته. وعلى
كل حال، فإن الريح لا تهب إلا أن يشاء لها الله :
إذا ناض ريحك
لوّح التبن طول القامة
وإذا ما ناض لا تدوي
واطلب غير السلامة
وسوف نجد في مواجهة المجذوب للعالم الخارجي نفس المواقف السامية النبيلة التي يبني عليها صلته بربه.
وتأتي في مقدمة تلك المبادئ طلب الحقيقة.
إن جميع متصوفة الإسلام وزهاده يعتبرون الكلمة هي المعبره عن مكنون النفس (الكلمة معنى القلب).
وقد كان المجذوب يمقت المتغرِّضين، الذين يظهرون بمظهر من يقدم إليك النصيحة، وما هم في الحقيقة إلا يحرصون على مصالحهم :
ادبرت الفار
على مول الدار
قالت له بيع الخيمة
واشري الشحيمة

إنه موقف ماكر ومخز. وما أكثر أولئك الذين يخدعون أقاربهم وأصدقاءهم, ثم
يتدبرون أمورهم من أجل إبعاد كل شبهة عنهم. فالمجذوب يشبههم في بعض شعره
بالقطة التي قال عنها إنها تتبرز وتخفي برازها في التراب.
ويزيد غضب
المجذوب وسخطه على أولئك الذين يلبسون من فاخر الثياب ويصطنعون لأنفسهم في
المقاهي ما ليس لهم من قدر أو شأن, وينصرفون عن العبادة إلى الأعمال. فهو
يشبه قلوبهم بخلية قد جفت بعد أن فقدت ما كان فيها من عسل :
طاقوا على الدين تركوه
وتعاونوا على شريب القهاوي
الثوب من فوق نقُّوه
والجبح من تحت خاوي
فالحقيقة ينبغي أن تراعى، نحو الجميع، وضداً على الجميع. فهي واجبنا نحو أقربائنا، مهما كانت مرة أو ثقيلة :
الي يركب يركب اشهب
اطرز الذهب في لجامه
والي يدوّر يقول كلمة حق
يديرها هواوة في حزامه

وتحكي لنا الأساطير عن الملوك والسلاطين، في الماضي، أنهم كانوا يبحثون عن
الرجال الصادقين ليسمعوا من أفواههم الأخبار الموثوقة. لكن الزمن تغير،
ويا للأسف :
راح ذاك الزمان وناسه
وجاء هذا الزمان بفاسه
وكل من يتكلم بالحق
كسروا له راسه

2008/9/24

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سيدي عبد الرحمن المجذوب .. الشاعر الساخر

مُساهمة من طرف said في الجمعة 26 سبتمبر 2008 - 5:43

الوجه اللي تصاحبه ما تقابحه


يشدد المجذوب في مواضع عديدة من شعره على أن العدل ينبغي أن تكون له،ولو
من الناحية النظرية، صلابة ذراع الميزان. فالعدل ينبغي أن يكون أساس
العلاقات البشرية العقلانية. عدا أن العدل هو صفة الله الحق . وكل سلوك
غير هذا السلوك، بين الأصدقاء وبين الأقارب لا يمكن إلا أن يكون مصدراً
للمغالطات وسبباً في الأحقاد :
الي يخدم عند اخته
يقول اختي تغنيني
وهي تقول وقت الخلاص
خويا ما يحاسبني

والرجل الصادق ينبغي له أن يفي بالتزاماته، وينبغي له بالتالي،أن يوفي
ديونه،ولو كان في ضيق وعجز عن التسديد، طلب التمديد له في الآجال أو طلب
بتسويات. بيد أن الدائن قد لا يمنحه شيئاً منهما :
نوصيك مع مول الدين
ابكي له ولا تشكي له
وإذا خنزر فيك
حل خرطبيلك واعطي له

والمجذوب لا ينصح لمريده برد الدين من غير أن يتعرض لأي إكراه, بل يشدد له
في أن يفعل عن طيب خاطر، فما ذلك إلا الإنصاف الحق. أليس هو قد سعد بحصوله
على ذلك الدين؟
إن ذلك التجاذب الذي تعبر عنه تانك الكلمتان «قنع»
و»شبع»، المتداولتان على الألسنة في منطقة شمال إفريقيا منذ قرون، ليحقق
تلك المعجزة التي نطالعها في أعين الفقراء المشرقة من الفرحة، بعد أن
أُنهكوا في جمع مبلغ الدين الذي في رقابهم. فإذا حان اليوم الموعود لتسليم
المال إلى الدائن, يكون ذلك المدين الفقير كالذي أكل حتى شبع :
كل نفس الي تحتاج السلف
عندها وجه في اليوم طلبها
لابد ما كيف الوجه يوم الخلاص
إلا تحب بالرجوع تشبع قلبها

وفي المقابل, فالشيخ المجذوب شديد التحفظ من مسألة الضمانة، لأن من الصعب
التحكم في سلسلة الأصدقاء (فلان، صديق فلان، صديق فلان، إلخ) المنبنية على
ضمانة أولى, تكاد تكون إحدى حلقاتها شيئاً قدرياً. وقد جاءنا البروفيسور
نور الدين بهذه الرباعية للشيخ المجذوب :
الأمان يا بني الأمان
والأمان يقطع الرقبة
حطيت يا بني الإحسان
جبت البلا بلا سبة

وكما أن الاعتقاد قد ساد في منطقة شمال إفريقيا على اعتبار الحضارة
المدينية أعلى شأناً من الحضارة البدوية (وهذا أمر ذكره ابن خلدون في
«المقدمة»), وأنه لا يمكن لأي حضارة أن تقوم بدون سلطة عليا، وبدون تبادل
للخدمات التي تعتبر التجارة صلة الوصل فيها، ولا يمكن لتلك الحضارة أن
تقوم بدون عدل، وذلك أيضاً من الشروط التي يضعها القرآن للمعاملات بين
الناس :
لا سلطان إلا بالرجال
ولا رجال إلا بالمال
ولا مال إلا بالعمارة
ولا عمارة إلا بالعدل

إن الموقف الرجولي الذي يتخذه المجذوب من العدل يستلزم شرطاً يتمثل في
فضيلة الشجاعة. ذلك بأن الكذابين والمتظاهرين بغير حقيقة ما يبطنون إنما
هم ضعاف النفوس.
إن شكاة الخلق مما يقدَّر عليهم من نوائب يكون إما
تعبيراً منهم عن فقدان الثقة في الله، إذ هم بذلك يعبرون عن خوفهم من
المستقبل، أو أنهم يفتقرون إلى القوة والرجولة، حين يتباكون على الحاضر:
الشر ما يجبد حد
غير من جبده لراسه
في الشتا يقول البرد
وفي الصيف يغلبه نعاسه

وإن احتقار الشيخ المجذوب للمتباكين التافهين، الذين كأنهم، في تصويره
لهم، تلك «الأصوات النشاز» التي رأينا، في ما سلف (الرباعية 103) أنها تخل
بتلك السكينة الربانية، هذا الاحتقار يستمد الشيخ المجذوب تعبيره عنه من
مثل شعبي، في غاية الاكتناز، قد جمع بين الأصوات المنكرة :
المرا النايحة
والبقرة الصايحة
والكلبة النابحة
الله يخليهم في الساحة

إن الشجاعة، وهي فضيلة الرجل، ينبغي أن تترجم إلى فعل وعمل. وقد وجدنا من
المجذوب تعبيراً عن هذا المعنى في كثير من المواضع من شعره.
وشرط
الرجل الشجاع ، عند المجذوب، أن يظل يسير قدماً ،لا يتردد ولا يتراجع،
وأحرى أن يستسلم للخوف من المستفزين، ذوي النيات السيئة. والرجل الشجاع
ينبغي أن يتجنب العجرفة والكبرياء، خاصة تجاه الجيران والأقرباء، لكن
الحالة الوحيدة التي ينصح فيها المجذوب للمرء أن يتحلى بالجرأة هي حين
يتعرض للاعتداء :
الوجه الي تصاحبه
ما تقابحه
والوجه الي تستحي به
قابل به
فما الأسوأ الذي يمكن أن يقع للمرء؟ أهو الموت؟ وهل يخشاها المؤمن؟ إن في ذلك لما يناقض كل حكمة وكل إيمان :
الموت كاينة
والخوف علاش
الرزق مقيد
والتعب علاش
فحسب المرء أن يتحلى بالشجاعة للوفاء بالتزاماته، بالعمل الدؤوب الصادق :
الخدمة والدين
كالورد على الخدين
يفنا مال الجدين
وتبقا صنعة اليدين



2008/9/25

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سيدي عبد الرحمن المجذوب .. الشاعر الساخر

مُساهمة من طرف said في الأحد 28 سبتمبر 2008 - 17:50

هم اداوا المليحة وأنا في الحبس بايت

تعاود الشيخ المجذوب، بين الفينة والأخرى، تلك الذكرى الأليمة لفقده بصره.
ومن غريب أن تلك الذكرى تجعله يدعو إلى العمل مواكرا, لا إلى السعي
لامتلاك الأرض :
احرث يا الحراث
وانده عجولك بالسياسة
نص تمنى في النهار
ولا الجرذ الخماسة
بل تراه يدعو حتى في أشغال الحقل التي يقوم بها أشد الناس نواضعاً أن
يُتسلح عليها بالحرص الشديد والعناية الفائقة, لكي تصير مصدراً للثراء
المعنوي والمادي معاً :
احرث يا الحراث
وطيب روس المراجع
راه مال التجار
ما زال لك راجع
ومع ذلك, فصاحبنا يقر بأن عمل الخماس (المواكر) هو أعلى شأناً من عمل
العامل بالمقطوعية, الذي كان, مع ذلك, واسع الانتشار في ذلك الزمان.
فهؤلاء البؤساء لا يفلحن في جني شيء من أعمالهم إلا بإنقاص عمالهم قيمة ما
يبذلون من جهد :
الخماس قرّان
والرباع وزيره
المقطع مقطع رزقه
فين ما مشيت تصيبه
كذلك تتوالى هذه النصائح, يسديها المجذوب إلى البسطاء, تارة في صيغة
محددة, وطوراً في صورة عامة, كما هو الشأن في تلك الرباعية التي يقول فيها
إن الناس, مهما ألقيت إليهم بالتحذيرات, لا يقتنعون إلا بالتجارب.
وأما الفقراء الذين قدرهم أن يكابدوا نوائب الحياة, فيقدم إليهم النصيحة
التالية, يصوغها في هذه العبارة البليغة في شكلها ومحتواها معا :
الهم يزيد الغم
والسترة ليلة مليحة
رد الجلدة على الجرح
تبرا وتولي صحيحة
وهو تعبير نجد له في الجزائر تنويعاً أخر :
ارضيت على الهم
ما رضى عليا
حطيته عند راسي
اصبح عند رجليا
وعلاوة على تلك الرهافة التي عرفناها في المجذوب في ما يتصل بالعلاقات
البشرية, فقد كان هذا الشاعر شديد التنبه إلى عالم أوسع وأكبر؛ ذلك هو
عالم الحيوان. فقد رأيناه يكلم الطيور, ويفرح, في مرضه, لزيارة القطط.
وتراه ينفعل كثيراً لتلك الوحدة الوجودية التي تجعل الديك يكون السباق إلى تبشير الناس بنهار جديد :
يا الفروج يا الفروج
يا مول الأوقات الصحيحة
لو كان تصلي وتصوم
ما تجوز فيك الذبيحة
وإذا كان المجذوب يحيي الديك باعتباره أول مؤمن ينهض لصلاة الفجر, فكذلك
هو لا يبخل بصداقته على حيوان آخر كالبقرة. فتراه معادياً لذبحها, هي التي
يسمو بها إلى مرتبة الأم المرضعة :
البقر عوض الأمهات
والقمح هو النصيح
ذابحكم يا البقرات
ما يشوف ليل مليح
هذا التمهيد المفصح عن حساسية الشاعر المفرطة تجاه الحيوان, يكمله ذلك
الاهتمام بالإنسان في شعره, اهتمام به في جميع أطوار حياته, واهتمام
بتربيته ومساره في الحياة.
ومن ذلك أنه ينصح للإنسان بتخير رفاقه, وتجنب رفاق السوء للطفل, فهو يكون في الحياة بحسب من يرافق :
من خالط الأجواد جاد بجودهم
ومن خالط الأرذال زال غناه
ومن جاور قدرة انطلى بحمومها
ومن جاور صابون جاب نقاه
وهي رباعية جاءتنا السيدة خليفة لها بتنويع آخر من التقاليد الجزائرية :
لا من عطاني طريحة
على خلاطي مع الشمايت
هم اداوا المليحة
وأنا في الحبس بايت
لذلك
ينصح للشاب اليافع أن يختار لرفقته الصديق الحقيقي. وينصح له أن يؤثر
لصداقته أنداده, والأفضل أن يكونوا من سليلي الأسر الكريمة :
البس قدك والعب مع ندك
واشرب وكل ما تريده
وما تخالط غير الي يعرف
قيمة باباك وجده
وإذا لزم المرء أن يثق بشخص, إلى حد تسليمه روحه, فليكن في يد الشخص الأمين, الذي لا يبخل عليه بالضحية في أوقات الشدة :
الي تصيبه ما تقطع نصيبه
والي ما فيه فائدة يندفع
في الدنيا ما ينفع
وفي الآخرة ما يشفع




2008/9/27

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى