صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

قدسية التعليم الديني وبركاته

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

قدسية التعليم الديني وبركاته

مُساهمة من طرف ربيع في الجمعة 19 سبتمبر 2008 - 7:14

أكتب هذه الحلقات بعفوية ودون سابق تخطيط. أتحدث فيها عن مواضيع قد لا
يرتبط بعضها ببعض برابطة أو تاريخ مشترك. فلا يَعتب قرائي علي، لأن مرادي
أن أسجل فقط ما أحس به أو يختلج في ذهني أو ما اختزنته من ذكريات.

بعض الأدباء –أظنه العلامة المرحوم عبد الله كنون- كتب كتابا بعنوان:
«خبز وزيتون ومغفرة». وهو عنوان غريب لكتاب جامع لمواضيع شتى لا علاقة
لبعضها ببعض، إلا أنها جميعها تكدست في ذهن المؤلف فأفرج عنها لتعميم
الاستفادة منها. وهذه الحلقات ليست مذكرات تتسلسل مواضيعها حسب وتيرة
التاريخ، بل هي تاريخ لبعض ما أهمله التاريخ ولا تضمه كتبه. وتلتقي فقط
عند محاور عنوانها: «خواطر وخلجات وذكريات».

< وما تزال راسخة في ذاكرتي خواطر وخلجات وذكريات عن التعليم
الحضاني التقليدي الذي تحدثت عنه في الحلقة الماضية، وكان تعليما شائعا
بالمغرب من أدناه إلى أقصاه.

كان يعيش من ريْعه مجموعة من فقهاء الكتاتيب القرآنية الذين كانت ثقافتهم لا تتجاوز حفظ القرآن بأحزابه الستين.

كان للكتاتيب القرآنية ومعلميها (أو فقهائها) قدسية عند العامة ما كان
يجعل منهم طبقة يُقتدى بها وتلتمس منها الخيرات والبركات، وتطلب العامة
منهم الدعاء الصالح ويُقبِّل الناس أيديهم تمجيدا وتعظيما.

كانت هذه الفصيلة من حُفاظ القرآن تسْتدعى لبيوت من توفي للقراءة
عليه ومرافقة جثمانه إلى قبره للصلاة عليه، والسهر على دفنه. ويتقاضون على
ذلك أجرا. وكان فقهاء المسيد يتقاضون في يوم الأربعاء من كل أسبوع مبلغا
ماليا يترك لولي التلميذ تحديده. ومن هذا المدخول كان يعيش فقيه الكتاب
الذي يغلق إثر ذلك الكتاب طيلة يوم الأربعاء وهو يوم العطلة الأسبوعية.
ويطلق على المبلغ الذي يؤديه تلاميذ الكتاب للفقيه حق الأربعاء. ومن لا
يؤدي هذا المبلغ يطرده الفقيه بعد الإعذار.

تلاميذ المسيد وجميعهم دون البلوغ كانوا هم أيضا مقدسين من لدن
العامة، إذ هم شرعا لا يؤاخذون بذنب ما لم يبلغوا. وكانت دعواتهم وما
يقرؤونه من آيات القرآن تعتبر من لدن العامة مقبولة عند الله ويرجى منها
الخير لعامة الناس.

وإذا دخلت امرأة حاملة في طور المخاض وعسُر مخاضها يحضر زوجها عند
فقيه المسيد، ليأمر هذا التلاميذ بالطواف بالأزقة والشوارع وهم يدعون الله
للحاملة أن يسعدها بفرجه ويعجل لها بوضع مولودها. وكان التلاميذ يرددون ما
علمَهم الفقيه أن يقولوه في هذه المناسبة: «أنفيسة طالْ بها لنْفاس
(النفاس) يا ربي اعطها لخلاص» بْحُرْمة طه وياسينا (سورة طه وسورة ياسين)
وقرآن حكيما (والقرآن الحكيم). وكان التلاميذ يحملون إزارا أبيض فيه بيض
دجاج يمسك به التلاميذ ويرجعونه قليلا، فيمر الناس ويرمون بقروش نقدية إذا
أصاب بعضها البيضة وتكسّرت وسال بيضها على الإزار علم الفقيه أن الحامل قد
أفرج الله عنها وجاءها الخلاص بوضع الحمل أو الوفاة. فيعود الموكب إلى
البيت إما للتهنئة بالمولود أو للتعزية في النفساء. «ولا يفعل ربك إلا
خيرا على كل حال».

كان اختيار أطفال دون البلوغ لهذه المهمة مقتبسا مما أثر عن الترغيب
في مشاركة الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم في صلاة الاستسقاء وتضرعهم إلى
الله أن يسقي عباده وبهيمته والأرض والحرث، فهم في هذه السن موطن البركة
يسمع الله دعواتهم ويرحم بهم من يشاء لأنهم لا يرتكبون من الذنوب ما قد
يرتكبه البالغون. وهم لا يُسألون عما قد يرتكبونه من ذنوب لأنهم لم يبلغوا
سن التكليف:

وكل تكليف بشرط العقلِ

مع البلوغ بدمٍ أو حمل ِ

كما قال ابن عاشر في منظومته التوحيدية والفقهية التي كان المطلوب من
صغار التلاميذ حفظها. وكانت إحدى المنظومات اللازم حفظها لمن يدرس الفقه
وكانت تسمى المتون. وقد حفظتها جميعها في صغري قبل دخولي إلى القرويين
وبعد ذلك. وما أزال أحفظ بعضها.

< في اللغة العربية توجد كلمتان متغايرتا المعنى: الحافظة
والذاكرة. وفي اللغات الأجنبية كالفرنسية والإنجليزية لا توجد إلا كلمة
واحدة تدل على الذاكرة: Mémoire (بالفرنسية) أو Memory (بالإنجليزية). لكن
كلمتي الحافظة والذاكرة بالعربية يميزان بين ما تختزنه الذاكرة عن طريق
الحفظ والتكرار والاستماع، وما تختزنه الذاكرة من أحداث ووقائع ومقروءات
تستقرّ في الذهن دون حاجة إلى حفظها في الصدور وترديدها باللسان.

وكان يوجد فقهاء في بداية العهد الإسلامي يفسرون القرآن ويشرحون
الأحاديث النبوية للقراء. كما كان هناك حُفاظ للأحاديث النبوية وهم
متخصصون في علم الحديث.

من بين هؤلاء جماعة كبار حُفاظ الحديث مثل الحافظ البخاري الذي قيل
إنه كان يحفظ عددا كبيرا من الأحاديث النبوية وأخرج معظمها في «صحيح
البخاري» مولفه المشهور.

التعليم في مختلف أطواره كان يعتمد أساسا على حفظ النصوص: الأستاذ
يملي ما قدَرَ على إملائه: والتلميذ أو الطالب يسجل في حافظته دون حاجة
إلى أن يكتب. لم يكن للمعلم أو الفقيه في قاعة الدرس لا سبورة ولا طباشير
ولا قلم رصاص. وكان الفقيه يملي من ذاكرته، والطالب يسجل في ذاكرته. ويسجل
التلميذ ما سمعه فيحفظه بالإعادة والتكرار. وكلما ازداد التلميذ حفظا
ازداد نجابة وتفوقا.


عبدالهادي بوطالب
المساء
18/9/2008

ربيع

ذكر عدد الرسائل : 1427
العمر : 40
تاريخ التسجيل : 04/07/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى