صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

منظومة فكرية وقيمية وسياسية بديلة للنظام العالمي الجديد؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

منظومة فكرية وقيمية وسياسية بديلة للنظام العالمي الجديد؟

مُساهمة من طرف said في السبت 11 أكتوبر 2008 - 13:23

تقديم: انتهت الحرب العالمية الثانية إلى نشوء نظام دولي تجسد في منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمؤسسات الدولية المتفرعة.
قام هذا النظام على ثلاث مجموعات كبرى:
العالم الحر او النظام الرأسمالي وقد عبّر عن نفسه أمنياً في حلف الأطلسي ـ الناتو.
العالم الاشتراكي او الكتلة السوفياتية وقد عبّر عن نفسه أمنياً في حلف وارسو فارصوفيا.
العالم
الثالث او كتلة الدول النامية وقد عبّر عن نفسه في تجمع عدم الانحياز
ومنظمات اقليمية أخرى مثل التضامن الآسيوي الافريقي او جامعة الدول
العربية الخ...
عرف النظام الدولي آنذاك الحرب الباردة بصورة أساسية
بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي وكان يتم هذا الصراع على أراضي دول
العالم الثالث الذي شهد حركات تحرر وطني او حركات استقلال تلقت دعماً
مباشراً من المعسكر الاشتراكي.
ومنذ خمسينيات القرن العشرين نشأت
كتلة آسيوية كانت تدعمها الصين الشعبية التي تحوّلت إلى قوة إقليمية بعد
الاستقلال عام ١٩٤٩ (الهند الصينية، فيتنام، كمبوديا، لاوس، كوريا...).
ورغم
أن أوروبا الغربية كانت بصورة عامة ضمن المعسكر الرأسمالي، لكن كانت لديها
أحزاب شيوعية واشتراكية قوية لعبت دوراً مهماً في إعطاء هذه الأنظمة
طابعاً خاصاً حافظ على النظام الرأسمالي بإجراءات ديموقراطية وضمانات
اجتماعية.
تميّز النصف الثاني من القرن العشرين بحركات الاستقلال
الوطني في أميركا اللاتينية وافريقيا وآسيا، وفي أواخر الثمانينيات كانت
الأمم المتحدة ضمت ١٩٢ دولة مستقلة، لكن التعديل الوحيد الذي جرى على صعيد
مجلس الأمن هو حلول الصين الشعبية محل الصين الوطنية في عداد الدول
الدائمة العضوية التي تتمتع بحق النقض (الفيتو) منذ العام .١٩٧٤
نهاية الحرب الباردة ونظام القطب الواحد:
مع
سقوط جدار برلين وتحقق حدة الألمانيتين (١٩٨٩) بدأ التاريخ الفعلي للنظام
العالمي الجديد الذي تميز بانفراط حلف وارسو وانهيار وحدة الكتلة
السوفياتية الاشتراكية وتحولت روسيا عن سياستها الاشتراكية مع ظاهرة
البريسترويكا وتولي الرئيس غورباتشوف زعامة الاتحاد السوفياتي (١٩٨٥).
وفي
العام ١٩٩٠ بدأ انفصال العديد من الدول عن الاتحاد السوفياتي واعلان
استقلالها وأكثرها سارع للارتباط بالحلف الأطلسي بينما جرى تفكيك بعض
الدول الاتحادية مثل تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا وانطلقت بعض حركات
الاستقلال والانفصال مثل حركة البوسنة والهرسك والجبل الأسود عن صربيا وقد
بدأت تظهر سياسات التدخل الدولي لأسباب إنسانية في دعم هذه الحركات ضد
محاولات التطهير العرقي والديني.
لقد استغلت الولايات المتحدة
الأميركية فراغ القوة الذي نشأ عن انهيار الحلف الشرقي لتقوم بدور القاضي
والشرطي العالمي. لقد سخّرت مجلس الأمن حيث أمكن لإنفاذ قراراتها وقد
تجاوزته في حالات كثيرة كما حصل في حربها على العراق واحتلاله عام ٢٠٠٣ من
خارج قرارات مجلس الأمن.
ترافقت الاندفاعة العسكرية (او عسكرة
السياسة الخارجية الاميركية) مع مرحلة جديدة من العولمة. ان العولمة هي
تيار تاريخي تقدمي من حيث الأساس وهو حركة ترابط العالم وتفاعله وهو ما
كان يدعى في مرحلة ما (كوسموبوليتية او أممية او تكور بشري)، لكن هذه
العولمة الآن تحت قيادة المشروع الأميركي ببعديه الاقتصادي والعسكري يؤدي
إلى نتائج خطيرة ومتناقضة.
لقد تشكلت في نهاية القرن العشرين خارطة
جديدة للعالم تنفرد الولايات المتحدة في اعتبارها القوة الأعظم اقتصادياً
وعسكرياً وتشاركها في التقدم الاقتصادي اوروبا واليابان بينما تنزوي روسيا
والصين كل منها على مشكلاتها الخاصة.
لكن هذه السيطرة ليست موضع
إقرار وتسليم من تلك الدول والتجمعات الإقليمية. فقد نشأت اعتراضات
اوروبية محدودة على سياسة الولايات المتحدة وكذلك اعتراضات روسية متصاعدة
لا سيما على صعيد تمدد الحلف الاطلسي الى دول الجوار الروسي وتطويقها
بالدرع الصاروخي وكذلك الصين. وقد مارس الرئيس الروسي بوتين نقداً علنياً
ومباشراً لهذه السياسة في مطلع العام ٢٠٠٧ منبهاً الى صيرورة التعددية
القطبية النامية على الصعيد الاقتصادي وحاجاتها ومطالبها في الشراكة
الدولية.
العولمة:
تشكل العولمة السمة الأساسية لعصرنا. فهذا
الكوكب الذي نعيش عليه تحول الى قرية صغيرة، لأن ثورة المعلومات
والمواصلات جعلت العالم مترابطاً وأحداثه راهنة لدى شعوب العالم لقد فتحت
العولمة آفاقاً واسعة لتبادل التكنولوجيا والرساميل دون حدود أو قيود
وعززت في القيم المعاصرة المشتركة خاصة على صعيد الإنتاج والاستهلاك.
جلبت
العولمة تحديات مشتركة تتعلق بالبيئة والغلاف الجوي والمحيطات كما طرحت
قضايا مشتركة مهمة تتعلق بالطبيعة ومدى التكافؤ بين الانتاج الغذائي
والتطور السكاني وتوزيع الثروة المائية فضلا عن تحديات نضوب الطاقة
التقليدية ومحدودية البدائل عنها وكلفتها كما أصبحت الجريمة المنظمة
العابرة للقارات مسألة حساسة جدا وتحول انتشار اسلحة الدمار الشامل الى
قضية انسانية كبرى يشترك العالم كله في المسؤولية عنها، خاصة بعد الفوضى
الدولية التي اورثها تفكك الاتحاد السوفياتي وتسرب التكنولوجيا النووية
الى العديد من البلدان الصغيرة.
لكن هذه الظاهرات طرحت بصورة اولية
مسألة الادارة العالمية او دور واهمية المنظمات الدولية على هذا الصعيد
خاصة منظمة الأمم المتحدة ومجلس الامن وتطور القانون الدولي.
تطورات القانون الدولي: تجاوز السيادة والتدخل لأسباب إنسانية
شهدنا
في العقدين الماضيين تطوراً مهماً على صعيد القانون الدولي. فبعد أن كان
النظام العالمي يقوم على ركيزة اساسية هي سيادة الدول وعدم التدخل في
شؤونها الداخلية بدأت تظهر مقولة الحاجة الدولية للتدخل انطلاقاً من قاعدة
الحرص على السلم والامن الدوليين ومن ضرورة التدخل لأسباب انسانية.
لقد
حصل تدخل المجتمع الدولي في قضية راوندا عام ١٩٩٤ وكذلك في مسألة كوسوفو
عام ١٩٩٩ والى جانب التدخل لأسباب إنسانية شهدنا ظاهرة التوسع في مفهوم
العدالة الدولية ونشأت محاكم لهذا الغرض في كمبوديا وفي راوندا
ويوغوسلافيا ومن ثم في لبنان عام ،٢٠٠٥ لكن مفهوم التدخل هذا الذي يبرر
بأسباب إنسانية أحياناً يأخذ أبعاداً سياسية وأمنية مباشرة كما في اعلان
الحرب على افغانستان والعراق واحتلالهما، الاولى لمكافحة الارهاب والثانية
تحت ذريعة إزالة خطر أسلحة الدمار الشامل.
العدالة الدولية:
والجدير
بالذكر ان الولايات المتحدة الاميركية قد رفضت (المحكمة الجنائية الدولية
(١٩٩٨)؟)، لكن اللافت على هذا الصعيد هو القرار الدولي ١٥٥٩ الذي صدر في ٢
ايلول ٢٠٠٤ مستبقاً انتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية والذي حذر من التدخل
الخارجي في هذا الانتخاب ودعا الى إخراج القوات الأجنبية من لبنان ونزع
سلاح ما سماه الميليشيات وقد جرى البناء على هذا القرار عدة قرارات أخرى
منها التحقيق الدولي رقم ١٥٩٥ والمحكمة الدولية ١٧٥٧ والقرار الذي أعقب
حرب تموز ٢٠٠٦ القرار ١٧٠١ ومن الجدير ذكره ان القرار ١٥٥٩ لم يصدر في ظل
اية ظروف امنية ولم يتم بطلب من الدولة اللبنانية صاحبة السيادة، اما
القرار ١٧٥٧ فقد تم تحت الفصل السابع وبدون اشتراط الإجراءات الدستورية
اللبنانية.
ازاء هذه المعطيات والوقائع نلمس تطورا كبيرا على صعيد
دور هيئات ما يسمى المجتمع الدولي في قضايا تتجاوز مفهوم السيادة وتوسع
مفهوم الامن والسلم الدوليين وكذلك العدالة الدولية.
مسألة انتشار السلاح النووي:
لكن
هذا التطور لدور مجلس الامن الدولي لم يبلور قواعد عالمية جديدة على صعيد
القانون الدولي. ففي غالب الأحيان تصدر القرارات انطلاقاً من مصالح سياسية
للدول المسيطرة على مجلس الأمن ووفقاً للتوازنات السياسية.
فمجلس
الأمن مثلاً لم يستطع ان يتعامل مع قضية الشيشان في روسيا ولديه عجز
تاريخي عن معالجة القضية الفلسطينية جراء الفيتو الاميركي الدائم، وهو لم
يستطع ان يمارس التدخل المسلح في كوريا الشمالية بالنظر للدور الذي تقوم
به الصين في رعاية موقف كوريا الشمالية.
اما في مسألة ايران فهناك
اختلاط كبير بين القواعد الدولية السابقة ومعايير منظمة الطاقة العالمية
(التي تراقب إنتاج الطاقة النووية) وبين حاجات الولايات المتحدة لممارسة
ضغوط على ايران تتعدى مسألة السلاح النووي الى الحد من اكتساب ايران
التكنولوجيا النووية السلمية بينما لا تخضع اسرائيل اصلاً لمراقبة وتفتيش
منظمة الطاقة.
وليست هناك معايير واضحة على هذا الصعيد فقد أدى حصار
ليبيا وفرض العقوبات عليها الى رضوخها الكامل لإزالة كل منشآت الطاقة
النووية التي كانت تعمل عليها، وكذلك تم تدمير بعض منشآتها وأغار
الاميركيون على السودان ايضاً تحت ذريعة تدمير معامل الطاقة النووية. فيما
تحاول فرنسا والولايات المتحدة بيع دول الخليج ومصر منشآت خاصة بانتاج
الطاقة السلمية شرط تحكمها بحركة التخصيب الذي يمكن ان يعطي هذه الدولة او
تلك القدرة على الإنتاج الحر للطاقة والتخصيب.
avatar
said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4525
العمر : 53
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: منظومة فكرية وقيمية وسياسية بديلة للنظام العالمي الجديد؟

مُساهمة من طرف said في السبت 11 أكتوبر 2008 - 13:24

مسألة الإرهاب:
غير ان أبرز القضايا العالمية الآن التي وضعتها
الولايات المتحدة في واجهة الاهتمامات هي مكافحة الارهاب. وبالرغم من عدم
وجود مفهوم دولي واحد الا ان الولايات المتحدة هي التي تتحكم بالمعايير
على هذا الصعيد وهي ما زالت ترفض التمييز بين الارهاب والكفاح الذي تمارسه
بعض الشعوب من اجل تحررها الوطني او التخلص من الظلم والاضطهاد الواقع
عليها، خصوصاً الاحتلال كما هو الحال في قضية الشعب الفلسطيني التي نشأت
منذ ستين سنة ولم تجد لها حلاً عادلاً حتى الآن.
إن أخطر ما يحصل على
هذا الصعيد هو النظرية الاميركية عن الحروب الوقائية او الاستباقية وهي
بذلك تبرر لنفسها شن الحروب على الدول باعتبار هذه الدول جزءاً من محور
الشر او الدول الداعمة للإرهاب.
وبعد ان كان الانقسام العالمي سابقاً
يقوم بين المحور الرأسمالي والمحور الاشتراكي الذي وصف بالمحور الاستبدادي
المعادي لحقوق الانسان طور بعض المفكرين الغربيين لا سيما الاميركيين
نظرية جديدة لانقسام العالم وأدرجوا العالم الاسلامي في محور الشر
واعتبروه مصدرا اساسيا للارهاب.
وقد صدرت اصوات فكرية في اميركا
تطالب بتغيير الانظمة التربوية والثقافية في بعض الدول العربية، وطبعاً
نظر هؤلاء الى ما يدعى نهاية التاريخ او اعتبار الحضارة الاميركية او
المدنية الاميركية الاكتمال التاريخي الاعظم.
الرأسمالية الجديدة: مرحلة الثورة العلمية والتكنولوجية والرأسمال المالي
قامت
الرأسمالية خلافاً لبعض التوقعات بتجديد نفسها حيث شهدنا مرحلة جديدة منها
نتيجة الثورة العلمية والتكنولوجية تقوم على العلم. او ما يسمى اقتصاد
المعرفة. لم تعد الرأسمالية اذا مجرد نظام لانتاج واختراع المعدات والآلات
إنما لإنتاج المعرفة والمعلومات وتجسيدها في سلع خفيفة جداً.
لقد
تطورت الرأسمالية إلى مرحلة بالأتمتة السيبرناطيقا (Automatisation
cybernetics). ان الثورة العلمية التكنولوجية جعلت من العلم نفسه قوة
انتاجية مباشرة، (صناعة المعرفة) أدى ذلك الى بروز ظاهرات أساسية جديدة:
انخفاض نسبة الحاجة الى اليد العاملة الانسانية والى الخامات التقليدية
(المعادن المعروفة) لمصلحة استخدام خامات جديدة، تبدل نسبي في استخدام
الطاقة (البترول والغاز) لمصلحة الطاقة الذرية وطاقة الرياح والطاقة
الشمسية. فأصبح المجتمع الحالي في الدول المتقدمة يسمى »مجتمع ما بعد
الصناعة«.
لم يقتصر التقدم الصناعي على الهندسة الالكترونية بل تعداه
الى ما يسمى الهندسة الوراثية (الثورة التكنولوجية الزراعية والمواد
الحية). كما لم يعد مفهوم العالم الطبيعي المحيط بالإنسان مقصوراً على
الأرض الصلبة فقط بل تعداها الى عالم الفضاء والمحيطات والبحار.
لقد
بدّل هذا التطور ما كان يعرف بالطبقة العاملة في مرحلتها الأولى (الياقات
الزرقاء) ومرحلتها الثانية (الياقات البيضاء) الى مرحلة من العمل يقوم به
العلماء من ذوي الخبرات والمعلومات المتقدمة. لقد أصبح التنافس بين
الاقتصاديات العالمية قائماً الآن على المنافسة في العلوم والاختراعات
ودخلنا مرحلة من الشركات الرأسمالية العملاقة العابرة للقارات والمتعددة
الجنسيات، وصار لدينا تقسيم عمل من نوع جديد في الأسواق العالمية. طبعاً
يطرح هذا التطور تحديات بيئية جديدة ويؤدي الى دفع بعض الصناعات ذات
الكثافة بالتلوث البيئي من مركزها الى أطراف العالم والبلدان النامية. وقد
ازدادت احتمالات تدهور المواد الطبيعية وتدميرها مع ارتفاع نسبة التلوث
والتصحر والحرارة الكونية. وانتقلنا من مرحلة تقسيم العمل الاجتماعي الى
مرحلة تقسيم العمل الدولي مع ما يؤدي ذلك الى تعميق الطابع الاستقطابي
للرأسمالية فهناك مركز يدير العملية الاقتصادية الكونية وهناك أطراف تشكل
المدى الحيوي لهذا الاقتصاد.
وفي المحصلة يمكن تسجيل الاستنتاجات التالية:
ظهور وازدياد قوة الشركات المتعددة الجنسيات.
اندماج الشركات المتعددة الجنسيات مع الرأسمال المالي المصرفي ودور هذا الرأسمال الهائل في إدارة الاقتصاد العالمي.
زيادة حدة التطور اللامتكافئ في العالم الرأسمالي.
التناقض بين احتياجات الإنتاج والإمكانات المحدودة للطبيعة من جهة والمضاعفات البيئية من جهة ثانية.
التناقض بين التطور الرأسمالي الحالي وقدرة الحكومات على الضبط والإدارة والسيطرة على التطور الاقتصادي.
تزايد
الاندماج الاقتصادي في العالم بما في ذلك اقتصاديات البلدان النامية
وخضوعها لحاجات التطور الرأسمالي مع اتساع فجوة التطور والنمو اللامتكافئ
ما ما يؤدي اليه من مضاعفات اجتماعية.
كل ذلك يؤدي الى النتائج التالية:
الاستخدام
الواسع لوسائل الإعلام ودورها في خلق الحاجات الاستهلاكية الجديدة،
الرأسمالية هنا تخلق الحاجة لتقوم على تلبيتها عبر سلع جديدة.
تحويل
اقتصاديات البلدان النامية لتغطية بعض حاجاتها الداخلية المحدودة وتحول
كبير في هياكل اقتصادياتها بما يؤدي إليه من بطالة وهجرة نحو المركز
المتقدم.
الاتكال على القروض والمساعدات الدولية وعدم القدرة على
تكوين التراكم الرأسمالي والوقوع في العجز والمديونية. والاعتماد على
سياسات المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وهي
التي توجّه السياسات الاقتصاديات فيما بعد.
الخضوع لمنطق التوزيع
المخطط دولياً لمسألة التقدم التكنولوجي. يؤدي ذلك إلى التأثير في القيم
والثقافات وإخضاعها لحاجات السوق الرأسمالي الدولي. الرضوخ لمنطق تنظيم
الحروب الدائمة وسوق السلاح لاستنزاف بعض الموارد الأساسية لدى الدول التي
تملك سلعة استراتيجية معينة (نفط، غاز) أو سلع أساسية (قطن، أرز، بن،
كاكاو) ومعادن ومواد مختلفة (حديد، فضة، ذهب، ألماس، فوسفات).
النتيجة الحتمية لهذه السياسات هو الاندماج الخارجي في إطار المجتمع الدولي وتفكك الأنظمة الاجتماعية الداخلية.
هذه
المرحلة من الرأسمالية العالمية تعتمد بصورة أساسية على رأس المال المالي
الذي يعيد تنظيم الدورة الاقتصادية، وتلعب موارد بعض السلع الاستراتيجية
كالنفط (فوائضها العالمية) دورا مهما في ايجاد السيولة النقدية. وتقوم
رؤوس الاموال المالية بالشغل على القيم الاسمية (للأسهم والسندات ـ
البورصة) بدلاً من السلع ويمكن وصف هذا الرأسمال بأنه رمزي لا تقابله سلع
فعلية منتجة بالسوق وله بهذه الصفة دورته الاقتصادية المستقلة. ان أموال
الفوائض النفطية الآن تلعب دورا أساسيا في معالجة أزمة الركود الاقتصادي
الاميركي وتغطي الفوضى التي حصلت على صعيد انهيار الأسهم العقارية.
العولمة: نتائج اجتماعية
تؤدي
العولمة الراهنة ظاهرة متناقضة. هناك انسان كوني (عالمي) محكوم بأنماط
الاقتصاد الحديث والتكنولوجيا ولا سيما تكنولوجيا المعلومات والاتصالات
وهو في الوقت نفسه يشعر بحال من الانفراد في وسط عالم جبار من حوله تسيطر
عليه قوى مادية رهيبة. رغم كل التقدم العلمي والمعارف يبدو الإنسان ضعيفاً
فيلجأ مجددا الى الدين والى الارتباط بالاطار الاجتماعي الأقرب اليه.
هناك
اتجاه قوي الآن نحو الأسرة والعائلة والقبيلة والطائفة وأشكال اخرى من
التضامن ما قبل الدولة. ان الفراغ الروحي الذي تخلقه الحضارة المعاصرة
يترك آثاراً اجتماعية ونفسية هائلة تزداد حدة. هذه الظواهر تزداد حدة في
المجتمعات التي لا تتمتع بشبكات امان اجتماعية كافية. فهناك حالات البطالة
والفقر والمرض وهناك حالات الامية وصعوبة التعامل مع الحاجات الاستهلاكية
الحديثة التي يخلقها العالم المعاصر ويظهر التراجع الواضح في اهتمامات
عموم السكان بمسائل العمل السياسي السلمي الديموقراطي واستخدام وسائل
التغيير جراء اندماج قطاعات اجتماعية واسعة في بنية الدولة الحديثة
والاقتصاد الرأسمالي.
بينما تتزايد ظاهرة تحرك فئات المهمشين غير
المندمجين في هذا النظام وتتجه حركتهم السياسية الى توسل العنف. وجراء
التعقيدات السياسية في بعض البلدان التي لم تحقق كامل طموحاتها الوطنية
كما هو حال بعض دول الشرق الاوسط فان ظاهرة العنف تتزايد اتساعا مع مناخ
الحروب التي اطلقتها الولايات المتحدة في المنطقة.
التناقضات الأساسية للنظام العالمي:
هذا النظام العالمي يحمل تناقضات كثيرة وهو سائر الى إفراز صراعات حادة وبلورة مشكلات اساسية مطلوب معالجتها. ولعل أهم التحديات هي:
استمرار سباق التسلح والحروب بهدف الدفاع عن الهيمنة خاصة على مصادر الطاقة والأسواق.
تعميق التناقضات الاقتصادية بين الدول الغنية والفقيرة وتعاظم مشكلات التبعية والديون.
تعميق
التناقض بين حاجات سكان الكوكب إلى الموارد الغذائية والى الطاقة والثروات
الطبيعية مع اتجاه قوي لتناقض هذه الموارد والإمكانات واتساع رقعة التصحر
والجفاف والمشكلات البيئية والكوارث الطبيعية.
اتساع هائل في شبكة
العلاقات الدولية بين الشعوب وتفاعلها وتعميم ثقافة إنسانية واحدة مقابل
ظهور نزعات فئوية قومية وعرقية وعنصرية وشوفينية.
اتساع وسائل الجريمة والعنف وتنوع أشكال الإرهاب وتعاظم الجريمة المنظمة خاصة من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة وثورة المعلومات.
تعميق
التناقض بين ثقافة حقوق الإنسان والديموقراطية والحق في المشاركة مع مظاهر
عدة لاضطهاد بعض الشعوب والجماعات الاثنية او الدينية او اللغوية وسواها.
المفارقات الكثيرة على صعيد استخدام منظمات المجتمع الدولي والقانون الدولي في التعامل مع القضايا الإنسانية المختلفة.
السعي لنظام متعدد الأقطاب:
يسعى
العالم الآن إلى بناء مجتمع دولي متعدد الأقطاب فبعد ان أعلن بعض المفكرين
المحافظين الجدد في اميركا بان الأمم المتحدة قد انتهى دورها وان اوروبا
القديمة قد شاخت وان الولايات المتحدة تنفرد بقيادة العالم. يتزايد دور
هذه الدول في الحد من السياسات المتهورة التي انتهجتها الولايات المتحدة
بعد أحداث ١١ ايلول .٢٠٠١
وتتشكل الآن مجموعات اقتصادية مهمة منها
الصين وروسيا والهند والبرازيل والدول الآسيوية (النمور السبعة) وتشكل
حركة التحول السياسي في العديد من دول أميركا اللاتينية نحو دعم اتجاهات
وطنية شعبوية ويسارية دليلاً على مقاومة سياسات الهيمنة الاميركية.
كما
تواجه الولايات المتحدة مقاومة عنيفة في افغانستان والعراق وهي دفعت
أكلافاً مادية عالية لهذه الحرب بلغت آلاف مليارات الدولارات حتى الآن
وساهمت هذه الحرب في خلق ظروف اقتصادية صعبة لأميركا. ورغم محاولات
الولايات المتحدة الاميركية التحكم بالطاقة (النفط والغاز) كمصدر اساسي
لمجمل الحضارة الصناعية الراهنة فانها لم تنجز كامل أهدافها على هذا
الصعيد.
لا زالت ايران تمانع في الرضوخ لهذا الاحتكار الاميركي وكذلك
فنزويلا. كما ان دول آسيا الوسطى ما زالت في موقع التجاذب بين السيطرة
الاميركية والعودة الى دائرة النفوذ الروسي. ولقد فشلت الولايات المتحدة
الآن في تسويق مشروعها الدولي على انه مرتبط بحقوق الانسان والقيم
الديموقراطية وكانت حربها في العراق نقيضاً لهذه المفاهيم والشعارات وما
كانت تطرحه من مشاريع لتحديث المنطقة تحول الى سياسات محافظة خاصة لدعم
بعض الدكتاتوريات ضماناً لأمنها كما في حال دول الخليج العربي وباكستان
وسواها.
اما اوروبا التي كانت تسير في ركاب الولايات المتحدة فقد
شهدت بعض التعديل في سياستها خاصة في اسبانيا وايطاليا اللتين انسحبتا من
القوة الدولية المشاركة في العراق. واذا كانت السياسة الفرنسية هي الآن
أكثر التحاقاً بالولايات المتحدة من ذي قبل فان مظاهر معارضة داخلية قد
بدأت تظهر مؤخرا مع تراجع شعبية الرئيس الفرنسي كما أظهرت الانتخابات
البلدية الأخيرة.
تجديد دور الأمم المتحدة:
صحيح ان حركة الشعوب المناهضة الحرب هي الآن أقل من ذي قبل الا ان هذا الاتجاه ينمو تدريجياً خاصة في الولايات المتحدة نفسها..
لم
تعد الحرب الآن على المستوى العالمي كما كانت من قبل صراعا بين دول عظمى
نووية قد تؤدي الى فناء البشرية بل ان الولايات المتحدة تحصر حربها الآن
في مكافحة الارهاب الذي كان نموذجه حادث تدمير برجي التجارة العالمية. لكن
النزعة العسكرية الاميركية سائرة الآن الى مواجهة اعتراضات متزايدة من
المجتمع الدولي ولعل اكبر دليل على ذلك انتقال الملف النووي الايراني الى
مجلس الامن ومعالجته بالعقوبات الاقتصادية وعدم تشجيع المجتمع الدولي
للحرب على إيران وهو ما كانت الولايات المتحدة تريده وتسعى إليه.
واذا
اضفنا الى هذا الميل لاعتراض الحرب الانشغالات الأساسية لجميع الدول
والشعوب بمسائل التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي تكوّن لدينا أساس
لتصور نظام عالمي جديد يحمل قيماً إنسانية جديدة لعل في طليعتها تعميم
الديموقراطية وثقافة حقوق الإنسان وتوسيع نطاق الدور الذي يلعبه القانون
الدولي ووجب تطوير المؤسسات الضامنة لذلك.
من هنا يطرح الآن إمكان
إعادة بناء منظمة الامم المتحدة على أسس جديدة ربما على أساس توسيع نطاق
المشاركة بين فئات اوسع من الدول والتكتلات الاقتصادية.
ضرورة الحكومة العالمية:
في
ضوء ذلك كله يمكن البناء على هذه المعطيات اننا بحاجة الى ما يشبه الحكومة
العالمية العادلة لادارة هذا الكوكب مع تزايد الترابط بين قضاياه ومشكلاته
ولا بد من ثقافة انسانية جديدة لمنع الحروب التي تتسع اخطارها ولمراقبة
البيئة ولادارة الثروات التي اصبحت ذات قيمة كونية تخص جميع الشعوب
والحضارة المعاصرة كلها.
واذا كان القرن الواحد والعشرين يوصف بانه
القرن الذي تم فيه تجاوز ايديولوجيات القرن العشرين وصراعاتها ولا سيما
بعد انهيار التجربة الاشتراكية، خاصة في روسيا، الا ان العالم ما يزال
يحاول بناء تجارب انسانية هدفها الاساس التحول عن السياسات الرأسمالية
التي حملت وما تزال تحمل مشكلات كبرى للانسانية، لانها تحرك الحروب
والنزاعات وتعمق التناقضات بين الشعوب وبين البشر.
ولقد صارت متطلبات
الإنسان الآن أكثر من ذي قبل مع اتساع قدرته على الاطلاع والمعرفة ونزوعه
الى الحرية والى تحقيق رفاهه وتقدمه الاجتماعي.
نداء لعالم جديد:
اجتزنا
القرن العشرين بحرائقه ومآسيه، تلك التي خلفتها الحروب، لكن القرن الواحد
والعشرين أطل مع حروب جديدة ليس مقدرا لها ان تنتهي في وقت قريب. لقد
أطلقت الولايات المتحدة حربها على الارهاب ووسعت رقعتها تحت شعار السيطرة
على أسلحة الدمار الشامل وتعميم الديموقراطية، فقد أورثتنا في خلال خمس
سنوات أكثر من مليون شهيد في العراق فضلاً عن تهجير خمسة ملايين عراقي.
ان
العالم الآن هو مسؤولية النظام الرأسمالي في طبعته الاميركية التي تقوم
على عصابة مشتركة بين شركات المال والسلاح والنفط وسياسات الحروب الوقائية
او الاستباقية. اذاً نحن في اتجاه كارثي يتعاظم فيه الفقر واضطهاد الشعوب
واستغلالها وتوسيع نطاق الحروب. ففي العالم الآن تتصارع أصوليتان دوليتان
المسيحية البروتستانتية الانجيلية (او الصهيونية) التي يمثلها المحافظون
الجدد في الإدارة الأميركية والأصولية الاسلامية التي يمثلها نموذج بن
لادن والقاعدة.
إن النظام الرأسمالي العالمي الذي كوّن ذخيرته منذ
خمس مئة عام نتيجة اللصوصية الاستعمارية كما يقول روجيه غارودي أفلست في
ان تعطينا نظاما انسانيا. لقد تعملقت الآن الى درجة ان الربح الذي تحققه
حركة الأموال يفوق أربعين مرة ما يمكن ان ينتجه العمل. ان الثقافة التي
تشيعها هذه الرأسمالية تطلق الحرية على نظام حرية السوق والدكتاتوريات
الكامنة وراءه وتطلق الديموقراطية على نظام القطيعة بين الذين يملكون
والذين لا يملكون. والعولمة على تلك المسيرة التي تقضي على سيمفونية
للعالم بمشاركة جميع الثقافات. وتطلق النمو الاقتصادي على نظام ينتج
السلاح المدمر ويعمم المخدرات وقيم الاستهلاك ويوسع الفجوة الاجتماعية بين
الطبقات والشعوب. وهذا هو »اللامعنى« لحياة الانسان المعاصر.
ان
العالم يحتاج الآن الى جبهة عالمية تضم البلدان النامية والمهمشين داخل
الدول المتقدمة من أجل تكوين كتلة تاريخية قادرة على كبح جماح هذا التطور
الأخير الخطير.
([) قُدمت الى مؤتمر الرابطة الدولية للبرلمانيين
المدافعين عن القضية الفلسطينية الذي حمل عنوان »ستون عاماً على النكبة...
ستون عاماً من المقاومة« المنعقد في بروكسل بين ١٣ و١٥ أيار الماضي.


سليمان تقي الدين
السفير
11/10/2008

avatar
said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4525
العمر : 53
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى