صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

هل هي نهاية الاقتصاد الافتراضي حقاً؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

هل هي نهاية الاقتصاد الافتراضي حقاً؟

مُساهمة من طرف said في الأحد 12 أكتوبر 2008 - 22:08

يقال ان الرأسمالية هي النظام الاقتصادي الوحيد الذي لا يخشى من الأزمات.
وذلك لسبب بنيوي وهو أن الأزمة ملازمة للحراك الرأسمالي. فالربح والخسارة
هما طرفا الجدلية الواقعية لهذا الحراك. هذا يعني أن كل عملية رأسمالية
إنما هي من طبيعة المغامرة أو المجازفة. فاحتمال النصر فيها مساوٍ لاحتمال
الفشل.
والذكاء الرأسمالي وحده هو الذي يشكل الضمانة الإنسانية لتغليب
أحدهما الإيجابي على الآخر السلبي. لكن هذه الضمانة ينبغي لها أن تشتغل من
داخل سياق العملية التبادلية التي مسرحها هو السوق. فهذا المصطلح، السوق
والذي تستخدمه الرأسمالية كأفضل درع اجتماعي للدفاع عن فردانية النفعية،
ليس هو الميدان المشروع لمغامرات الأرقام الصامتة وحدها، بل يشكل السوق في
دلالته الأصلية، الحيز الطبيعي لالتقاء أهم فعاليات المجتمع الممثلة
لجانبه الإنتاجي المادي. ليس السوق حكراً على الفئة الأقلية من كبار
محتكري الرأسمال، وإلا فإنه سيتحول إلى مجرد مسرح مغلق، ممثلوه والمتفرجون
هم الفئة الواحدة المتقاسمة لملكيته أو لرمزيته.
هذا التحريف المنظم
لطبيعة السوق القائم على مبدأ طرد المجتمع من سوقه، هو المضمون الفعلي
لحقبة العولمة المتأمركة التي يشهد العالم اليوم أخطر التمارين المصيرية
على تهافتها. إنها تواجه تلك الأزمة الكبرى التي لن تستطيع استيعابها إلا
بانتهاء حقبتها هي بالذات.
وقد لا يعني هذا إلا بداية للعولمة
الأُخرى الصحيحة كعصر شمولي، يعبر عنه مفهوم الكوسموبوليتيا، أو سلطة
العالمية الحقيقية لمدنية الإنسانية الموعودة. لكن هذه (اليوتوبيا)
القديمة العريقة، والمتجددة مع كل إعصار من النوع الكلياني الذي يجتاح
رأسمالية العولمة التحريفية الراهنة، قد لا تمتلك حظوظاً في التحقق أكثر
من مناسباتها السابقة المحبطة. ومع ذلك فقد ينجم عن الخراب الهائل الذي
سيخلفه الإعصار وراءه، نوع آخر، ومن النوع الكلياني كذلك، لما يُسمى
بالاقتصاد الواقعي، لن يجعل عالم ما بعد العاصفة مماثلاً لما قبلها أبداً.
فالمفكرون القلة الذين رفضوا كل أكاذيب العولمة التحريفية، وخاصة منها تلك
الإيديولوجيا المضللة حول خرافة 'الاقتصاد الافتراضي'، هم العائدون اليوم
أو غداً إلى تصدر المواجهة المفتوحة قسراً عن مروّجي الخرافة الذين
اعتقدوا أنهم استبدوا بخارطة التطور الحضاري للبشرية، بعد استلابهم لثقافة
الاعتراض من كل منابر الفكر الحر، حتى في معظم عواصم الغربين معاً
الأوروبي والأمريكي.
فالدعوى التي تردد دائماً أن عماد الاقتصاد هي
الثقة، أمست موضوع الاحتيال المركزي للعولمة التحريفية باختراعها لخرافة
الاقتصاد الافتراضي، إذ تبيع هذه الخرافة بضاعة ما يسمى بالأصول الرقمية
والورقية بديلاً عن قيمتها الفعلية، فيما لو تم عرضها وتبادلها علنياً حسب
قواعد السوق المكشوفة. والعجيب أنها تجد من يشتريها دائماً ومن بين عشيرة
المضاربين أنفسهم. فهذه العشيرة هي أوضح نموذج عن إنتاج مجتمع الاقتصاد
الافتراضي الذي يعيش على أجواء التهاويل والشائعات وأخبار الصفقات الوهمية
أو شبه الحقيقية. عملياته الاقتصادية عبارة عن أفخاخ ينصبها البعض للبعض
الآخر. فإن ثمة تبادلاً هستيرياً بين مواقع الرابحين أو الخاسرين. لم تعد
للثقة ومفرداتها أو تقاليدها ثمة من معايير مؤثرة في بؤر التضليل المصمم،
وقد غدا مقياساً أعلى للنباهة والذكاء العملي، أو للشطارة حسب اللغو
اللبناني. فالأرقام الفلكية التي يصعب تلفظها تغدو مجرد نقرات في حواسيب
السماسرة. وبذلك تختفي كل رقابة خارجية عن ممالك المضاربين وأسيادهم.
مصطلح
الاقتصاد الافتراضي يهدف إلى إعطاء ثمة تغطية أيديولوجية خادعة لعملية
تجريد الاقتصاد الواقعي من سيطرته المركزية على السوق، والقذف به إلى
هوامش الحضارة العولمية. فهو في ادعائه (لفضيلة) رفع الحدود أمام حركة
الرساميل، لم يلغِ المواقع الجغرافية أو الدولتية وحدها، بل حررها من
الرقابات القانونية. أمست (الدولة) أشبه بشاهد زور على أسواقها التي هي
بدورها تفقد نظامها التبادلي الذاتي؛ وهو القائم على معادلة التوازن أو
التناسب بين طبيعة الحاجات الاستهلاكية للمجتمع والسلع المواتية لها. إنه
التناسب المحدد لآلية التسعير بحسب القدرات الشرائية لعامة المستهلكين. كل
هذه الأولويات المؤسسة لثقافة السوق هي عينها مفردات الاقتصاد الواقعي
الذي يُراد الإطاحة به، وبأدواره المادية والاجتماعية المتوارثة. منذ ظهور
جماعة الإنسان، واستبداله بألعاب المقامرة. ما يدعو البعض إلى تحديده
باقتصاد الكازينو. لكن المقامرة هذه المرة إنما موضوعها مصير السلام
العالمي. ذلك أن انهياراً شمولياً جديداً يماثل انهيار 1929 قد يصاحبه
كذلك انفجار سياسي وعسكري، يماثل الظاهرة الفاشية لثلاثينيات القرن
الماضي، والآيلة إلى الحرب العالمية الثانية.
يعود الاقتصاد إلى
رَحِمه الأولى التي هي السياسة وليس الدولة فحسب. إنه انفجار قنبلة
الإفقار حتى للطبقات الوسطى في الغربين الأمريكي والأوروبي. فالخطر على
النظام العالمي آت من انهيار نظام الغرب نفسه بدءاً من إفلاس اقتصاده.
وفي
هذه الحالة تسقط حجة القائلين بآنية الأزمة أو محدوديتها في إطار مؤسسة
الصيرفة الغربية؛ وعلى رأسها بورصة وول ستريت. فهذه المؤسسة لن تستأنف
عملها المعتاد المعروف عنها، بعد حلول الكارثة التي صنعها سادتها بأيديهم.
وبالتالي لن تحتفظ أمريكا بأحادية السلطة المالية على اقتصاد المعمورة. لن
تبقى العملة الخضراء سيدة العملات الأخرى والحافظة لأرصدتها. لن يغطي
الدولار نفسه بنفسه، سيكون بحاجة إلى التغطية الذهبية التي تنكّر لها
طويلاً منذ عقود عديدة. دول الجنوب من أمريكا اللاتينية إلى آسيا الجنوبية
الغربية، يرفع رؤساؤها أصواتهم العالية في قاعة الأمم المتحدة ضد الغطرسة
الأمريكية المتعامية عن كل المفاسد الإدارية المرتكبة من قبل عمالقة المال
وحلفائهم من الطبقة السياسية الحاكمة في الصفوف الأولى من السلطة الرسمية
أو القابعة في دهاليزها وخلفياتها. حتى الرئيس الفرنسي (اليميني) ساركوزي
فقد أدان الرأسمالية بانحرافاتها التي يصفها بالجنونية، تلك التي ترفض
رقابة الدولة على أسواقها الفالتة من عقالها. كأنها غضبة عالمية حقيقية لا
تميز بين أمريكا والرأسمالية المتلبسة راهنياً بجرائمها الشمولية ضد
الإنسانية. فهناك من أقطاب الرأسمالية الأوروبية من صار يتهم الليبرالية
الأمريكية بكونها المحتكرة للأرباح لنفسها والفارضة على الآخرين خسائرها.
وفي
هذا المجال لا أحد يتحدث بصراحة عن مصير الودائع العربية والاستثمارات
الهائلة المشاركة في شتى قطاعات الاقتصاد الافتراضي، بدءاً من الأسواق
المالية الخليجية الناشئة حديثاً نسبياً، لكنها الغارقة في تقليد آليات
وول ستريت؛ هذا عدا عن كون تريليونات المال الخليجي هذا قد تم تجميدها
لحساب سندات الدول الأمريكية. فالخسائر العربية في هذه القطاعات محجوبة
الأرقام الحقيقية. ولكن كما هو معروف فإن كل فرد خليجي، من الطبقة الوسطى
فما فوق، هو لاعب بشكل ما في أسواق البورصات المحلية والدولية، والأمريكية
منها على الخصوص. جاذبية (الكازينو) الورقي للاقتصاد الافتراضي تعطل المال
العربي من أن تكون له فعالية إنتاجية في يوم ما.بل ربما كانت هذه الثروات
الرقمية أولى ضحايا الانهيار الافتراضي على صخرة الاقتصاد الواقعي الذي
ينتظر ساعة انتقامه الرهيبة من كل مغامرات الأوهام التي غطت سطحه بفقاقيع
هوائية، كأنه تحول إلى مستنقع راكد تحت طحالبها الهشة.
ما يشرع فيه
بوش تحت شعار إنقاذ البنوك والشركات الكبرى المهددة بالإفلاس، قد يؤخر
انتقام الاقتصاد الواقعي قليلاً دون أن يتمكن من إلغاء عودته المحتومة.
وهذه العودة تتمثل منذ الآن بالغضبة العارمة، والعالمية، المتصاعدة، حتى
من بين أوساط النخب الاجتماعية والاقتصادية ضد هذه السياسة الكلية لإدارة
بوش في تعميم الخداع والتضليل كأقرب طريق للانتصارات الجوفاء، في المجال
العسكري فالسياسي وأخيراً الاقتصادي. وهنا كانت الطامة الكبرى حيثما حلت
الاستحقاقات الفلكية ترميزاً عن أثمان النكبات الأخرى المرتكبة في سياق
المغامرات السابقة. فالحديث العالمي عن فقدان أمريكا لمقعد القيادة
الأحادية هو تعبير مخفف عن السؤال الأعمق: ما مصير أمريكا بدون
إمبراطوريتها.
عودة الاقتصاد الواقعي على أطلال غريمه الآخر
الافتراضي، سوف تفتح أبواب التغيير المغلقة على أسس المشكلات الدولية
الرئيسية المستعصية، والممنوعة حتى الآن عن المكاشفة والمعالجة، لعلها سوف
تقشع الغيمة السوداء الأمريكية من سماء العالم. فيتشكل مجتمع دولي حقيقي،
تشارك فيه حضارات المعمورة كلها بالرأي الحر والإرادة الجماعية لإنسانية
العصر. لكن هذه الطوبائية الجميلة لن يقاربها العالم قبل أن يصفي المجتمع
الأمريكي نفسه كاملَ حساباته مع لصوصه الكبار في هذه المرحلة الفريدة من
تاريخ النظام الأمريكي الذي عليه، أو على نُخَبه الواعية الحرة، أن تفرض
قانون إعادة النظر في مرتكزاته الأيديولوجية، وألا تترك لعشيرة اللصوص
وحدهم أن يداروا سفهاءهم المفضوحين بأساليبهم المافيوزية المعروفة. فلا
يزال مستقبل العالم يتوقف للأسف على ما ستفعله أمريكا بنفسها في اليوم
التالي على الكارثة.
مطاع صفدي

' مفكر عربي مقيم في باريس
القدس العربي

12/10/2008
avatar
said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4525
العمر : 53
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى