صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

خريف أمريكا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

خريف أمريكا

مُساهمة من طرف said في الأحد 12 أكتوبر 2008 - 22:20

الرئيس بوش الابن ـ بشخصه ـ علامة نهاية للقرن الأمريكي الزاحف إلى خريفه .
وربما لا تكون مصادفة أن عهد بوش الابن بدأ بعواصف ايلول (سبتمبر) 2001،
وينتهي بزلازل مالية واقتصادية لم يسبق لأمريكا أن شهدتها منذ أيام الكساد
العظيم، وفيما بدت حوادث ايلول (سبتمبر) كتحطيم رمزي لمهابة أمريكا، فقد
بدت تفاعلات أزمة الإئتمان كأنها علامة نهاية لمكانة أمريكا الفعلية لا
الرمزية .
فقبل حوالي قرن من الزمان، كانت أمريكا تخرج من غرب الكرة
الأرضية، وتتطلع لدور في العالم القديم الواسع، والذي كان وقتها مسرحا
لهيمنة أوروبية بريطانية وفرنسية بالذات، وكان الرئيس تيودور ويلسون
بوصاياه عن حق تقرير المصير ـ بعد الحرب الأوروبية الأولى ـ أول عنوان
دولي لأمريكا، ثم جاءت وقائع الحرب العالمية الثانية، ونجدة أمريكا
لأوروبا المنهارة أمام زحف النازي، وحسم أمريكا للمعركة مع اليابان
بالقنابل الذرية، جاءت هذه التطورات لتضع أمريكا في قلب العالم، وبقوة
اكتساح زلزالية، فقد كان لأمريكا ـ وقتها ـ نصف ثروة العالم، وكانت وحدها
تملك سلاح الرعب الذري، وإن لم تكن الساحة خالية من منافسة ضارية مع القطب
السوفييتي الطالع وقتها بنتائج ايجابية في حربه مع ألمانيا النازية، وقبل
عقد واحد من نهاية القرن العشرين، كانت أمريكا تبدو كما لو أنها أنهت
الحرب الباردة مع موسكو بالضربة القاضية، وصارت سيدة العالم بلا منازع،
وسرت توقعات عن ديمومة القرن الأمريكي لقرن آخر، وزحف عهد السيطرة
الأمريكية المطلقة إلى فضاء القرن الحادي والعشرين، وفي الطريق إلى القمة
كان الدولار الأمريكي يفرض سطوته باتفاقات 'يريتون وودز'، ويحل الدولار
الأخضر محل الذهب الأصفر.
وربما كان وهم القوة المطلقة هو ما دفع بوش
الابن إلى ما فعل، فقد وقع الرجل أسيرا لأوهامه الدينية، ثم أنه وقع أسيرا
لمحدودية ذكائه الشخصي، فلم يلحظ أن الصعود الأمريكي إنطوى في الوقت نفسه
على عناصر فنائه، فقد ورث بوش الابن دولة عظيمة لكنها منهكة، وكانت علامات
الإنهاك بادية منذ عهد ريغان الأول بداية الثمانينيات، فقد سرت وزادت
عناصر الضعف في بنية الاقتصاد الأمريكي، زاد دور اقتصاد الخدمات على حساب
اقتصاد الإنتاج، ثم زحف اقتصاد المضاربة إلى مقدم المسرح، وتوسع العجز في
الميزان التجاري، وتراكمت الديون الداخلية، وتحسن الوضع قليلا في سنوات
كلينتون الثمانية، لكن ضعف الاقتصاد عاد بشدة في عهد بوش الابن، كان خلل
الموازين التجارية ظاهرا مع اليابان في الثمانينيات أيام ريغان، لكن خلل
الميزان التجاري في أيام بوش شمل ـ إلى جوار اليابان ـ قوة الصين الكاسحة
المقتحمة للأسواق في العقود الأخيرة، واقترب العجز بديونه من حاجز
التسعمائة مليار دولار، وهو ما يعكس ضعف الاقتصاد العيني أو الاقتصاد
الإنتاجي، وبالمقابل كان الرواج الأمريكي الظاهر أشبه بفقاعة هائلة، فقد
ظل الدولار الأمريكي يطبع بإفراط دون غطاء إنتاجي، واعتمادا على التعامل
معه كسلعة لا كمقابل لسلعة، وأصبحت سياسة الإقراض في حالة فوضى، وجرى خفض
سعر الفائدة إلى أدنى حد، وجرت مبالغات مفزعة في تقويم أصول، وانتفخت دخول
المدراء التنفيذيين في البنوك وشركات التأمين والسمسرة الكبرى، ووصلت
الديون المعدومة إلى حد التريليوني دولار، ولن يكون ضخ 700 مليار دولار ـ
بحسب خطة بوش الأخيرة ـ حلا ينقذ أو يجدي، فقلاع المال الأمريكية الكبرى
تهوى كأوراق الخريف، وركود الاقتصاد يبدو بلا آخر.
والخلاصة : أن
أمريكا لم تعد مثالا يحتذى في الاقتصاد، ثم أن قوتها الاقتصادية الكلية
تتراجع في موازين الدنيا، فلم تعد تملك سوى ربع ثروة العالم بعد أن كان
لها النصف قبل عقود، وصعدت قوى اقتصاد ونماذج أخرى على خرائط العالم، ففي
الوقت الذي روجت فيه أمريكا لسياسة خصخصة كل شيء، وجعلتها كعقائد الأديان،
ها هي تضطر الآن إلى انتهاج سياسة تدخل الدولة، بل وتلجأ إلى التأميم، وهو
ما يضيف قوة رمزية هائلة لنموذج الاقتصاد الصيني بالمقابل، وهو الاقتصاد
الأعظم نموا في العقود الأخيرة بالذات، ويجمع أكبر قطاع عام في العالم إلى
أكبر قطاع للاستثمارات الأجنبية في الوقت نفسه، وفي المباراة التي جرت
سجالا، أثبت النموذج الصيني أنه الأقدر بامتياز، وخصما من حساب واعتبار
النموذج الأمريكي، فقد انتهت الحوادث إلى ما يشبه إشهار لإفلاس النموذج
الأمريكي، بينما بدت اقتصادات أوروبا ـ المختلفة بالذات عن النموذج
الأمريكي ـ أعظم مقدرة على التكيف مع توابع الأزمة المالية، وخفض آثارها
إلى أدنى حد، وكما جرى في ألمانيا بالذات، وحتى في روسيا برأسماليتها
الممزوجة بتدخل الدولة الأقوى، وربما كان ذلك هو ما دفع الرئيس الفرنسي
نيكولا ساركوزي إلى القول مؤخرا 'أن العالم صار بلا معلم'، وهو ما يعني أن
أمريكا فقدت كرسي الأستاذية حتى لدى حلفائها التقليديين.
وقبل أكثر
من ثلاثة عقود، كان المؤرخ الأمريكي الشهير بول كينيدي يحذر من المصير
الأسود، كان يلحظ ضعف اقتصاد أمريكا مقابل توحش قوتها العسكرية، وكان يشرح
طريقة أمريكا في كسب رزقها، وهي الاعتماد على فوائض عضلاتها العسكرية
لتعويض ضعف مواردها الانتاجية، وقد زادت شهوة أمريكا ـ مع بوش الابن
بالذات ـ إلى خوض حروب سيطرة بقوة السلاح، لكن المصير البائس كان في
انتظارها أيضا، فقد دفعت أمريكا في حربي العراق وأفغانستان بأكثر مما
أخذت، دفعت أمريكا في الحربين ـ إلى الآن ـ ما يقرب التريليون دولار، ولا
تزال تدفع، ولا يبدو أنها قادرة على الخروج من المستنقع، ولا على وقف نزيف
الدم والمال، وهو ما يعني أن دافع الضرائب الأمريكي هو الخاسر في النهاية،
وحتى لو تضخمت موارد شركات البترول والسلاح وأسواق المال، فقد أصبح كل
مواطن أمريكي مدينا ـ في المتوسط ـ بسبعة عشر ألف دولار، وهو ما يجعل من
فكرة الحلم الأمريكي موضوعا للسخرية لا للجاذبية السحرية، فأن تصبح
أمريكيا الآن يعني أن تصبح مدينا، وربما لا يدفع لك احد غير أمراء النفط
المشمولين برعاية السلاح الأمريكي في الخليج، فقد تعود هؤلاء على تصدير
فوائض المال لبنوك أمريكا والغرب، وبتريليونات الدولارات، وكانوا الأكثر
تأثرا بالانهيار الأمريكي الأخير، وبدت بورصة السعودية بالذات كأنها ترقص
على مؤشر 'داو جونز' في بورصة وول ستريت!
إذن، فنحن بصدد ضعف مزدوج،
ضعف للاقتصاد، وضعف لأثر السلاح الأمريكي، فيما تبدو مسارح العالم مفتوحة
للاعبيين آخرين، فقد ينجح اقتصاد الصين في أن يلحق باقتصاد أمريكا مع
نهاية العقد الثاني من القرن الجاري، وليس في نهاية العقد الخامس كما كان
متوقعا قبل سنين، وبمقدور النفوذ الروسي ـ بفوائض الردع النووي ـ أن يتوسع
جنوبا وشرقا وغربا، وعلى حساب الانحسار الأمريكي حتى في أمريكا اللاتينية
التي كانت حديقة خلفية كلاسيكية للبيت الأبيض، فقد أصبحت أمريكا في محنة
اقتصاد، وفي محنة سلاح، فلاهي قادرة على الانتصار في حرب، ولاهي قادرة على
استعادة بريق بدا أنه صار حكرا لها عقب انهيارات موسكو الشيوعية أوائل
تسعينيات القرن العشرين، فقد بدت أمريكا وقتها كأنها القوة المرهوبة
والمرغوبة في الآن نفسه، بدا أنها الفتوة وملكة الجمال في آن، بدا أنها
'نهاية التاريخ ' بحسب خرافات فوكوياما وقتها، بدت كأنها الغاية النهائية
المطلقة لسيرة تطور الأمم، فيما تبدو أمريكا الآن وكأنها أصيبت بداء
الجرب، الذي يقترب منها يخسر في البورصة .. وفي التاريخ أيضا!
عبد الحليم قنديل
كاتب من مصر
القدس العربي
12/10/2008
avatar
said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4525
العمر : 53
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى