صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

دفاعا عن محمود درويش

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

دفاعا عن محمود درويش

مُساهمة من طرف said في الأحد 12 أكتوبر 2008 - 22:30

كنت على بعد آلاف الكيلومترات عنه عندما توفي على فراشه بالمستشفى في
هوستن، بالولايات المتّحدة. مات محمود درويش صبيحة يوم 9 آب (أغسطس)
بالتّوقيت المحلي لهوستن وبعد الظّهر في نفس اليوم بالتّوقيت المحلي
للسّواحل المتوسّطيّة الّتي شهدت ولادته. لكنّما هو نفس الرّجل كما هي نفس
الميتة. تلك ميتته، لا تلك الّتي اختارها ربّما، بل تلك الّتي حلُم بها.
لقد مات يوم سبتٍ كما تنبّأ في 'إجازة قصيرة'، واحدة من قصائده المأخوذة
من كتابه الأخير 'أثر الفراشة' (1).

'صدّقت أني متّ يوم السّبت،
قلت: عليّ أن أوصي بشيء ما
فلم أعثر على شيء...
و قلت: عليّ أن أدعو صديقا ما
لأخبره بأنّي مِتّ
لكنّي لم أجد أَحداً...
و قلت: عليّ أن أمضي إلى قبري
لأملأه، فلم أجد الطّريقَ
و ظلَّ قبري خالياً منّي (...)'

تنبّؤ
فظيع حقا ولكنّ الأفظع بالنسبة إليّ كان أن أسمع خبر وفاة محمود درويش في
بداية المساء، عبر رسالةٍ الكترونيّة من الشّاعر الإسرائيلي إسحاق لاؤور
الذي وجّه رسالة جماعيّة إلى كل المشاركين في مهرجان أصوات المتوسّط
بلُودَاف (المُقام من 19 إلى 28 تموز/يوليو الفارط) ليعبّر عن أقصى حزنه.
نعم، رغم ذهولي، تبادرت فجأة إلى ذهني الأبيات السّابقة وهاته الأبيات
اللاّحقة الأكثر فظاعة حيث مجازر صبرا وشاتيلا والّتي يعطي فيها درويش
لصبرا صبغة إنسانيّة لكي يقدّمها كفريسةٍ إلى الجلاّد، جنديّ الكتائب،
المُدعَّم من قبل الصّهيونيين الّذين يحملون نفس الاسم: فاشي.

'ويواصل الفاشيّ رقصته ويضحك للعيون المائلة
و يجنّ من فرح وصبرا لم تعد جسداً
ركبها كما شاءت غرائزه، وتصنعها مشيئتُه
و يسرق خاتما من لحمها، ويعود من دمها إلى مرآته
ويكون ـ بحر
ويكون ـ بر
ويكون ـ غيم
ويكون ـ دم
ويكون ـ ليل
ويكون ـ قتل
ويكون ـ سبت
وتكون ـ صبرا
صبرا ـ تقاطع شارعيْن على جسد
صبرا ـ نزول الرّوح في حجر
و صبراـ لا أحد
صبرا ـ هويّة عصرنا حتّى الأبد'
غريبة
هي بقيّة ما عشت في ذلك المساء وسيكون من غير اللاّئق الحديث عنها في هذا
المقام. أفضّل الخطاب منذئذٍ على السّرد فهو يبدو لي اليوم الوحيد القادر
على الإجابة على احتياجات القضيّة. القضيّة التي يدافع عنها الشّاعر نفسه:
'عندما يذهب الشّهداء إلى النّوم أصحو وأحرسهم من هواة الرِّثاء (2).'
بالفعل، لم ينضَب نبع المدائح تجاه درويش حيّا، فلن ينضب أيضا بعد موته،
إذن، نبعُ المراثي. أتمنّى، من جهتي، أن يُقرَأ بعد موته أكثر ممّا وهو
حيّ لأني متأكّد أن كلّ المتملّقين الذين يتباهوْن بترجمته، الّذين
يستشهدون به دون انقطاع وحتى الّذين يكتبون عنه لم يقرَؤُوه، على الأقلّ
ليس كلّ أعماله من الألف إلى الياء.
و هكذا، عند قراءة الكتاب الأخير
لدرويش إثر نشره في كانون الثاني (يناير)، لم أنتبه جيّداً ولكنّي اليوم
أفهم معنى 'أثر الفراشة' ذلك الّذي اختلط في البداية عندي بـ 'علامة
الفراشة'. في الفيزياء، ' أثر الفراشة'، حسب منجد لاروس الصّغير (منجد
روبرت الصّغير لم يتطرّق إليه) هو 'صورة اقترحها لورنس لفهم الظّواهر
الفيزيائيّة المرتبطة بالخَواء وحسب هذه الصّورة خلل بسيط في نظام معيّن
يمكن أن يحدث تأثيراتٍ هامّة وغير مرئيّة. (مثلا، في الفضاء، الهواء الذي
يُحدثه خفقان أجنحة فراشة بإمكانه أن يسبّب عاصفة على بعد آلاف
الكيلومترات من هناك.)' ـ يجب أيضاً اتباع هذا الطريق الطّويل، الوعر
والملتوي لولوج هذا الشِّعر الذي يميل البعض إلى سجنه في نِحَل وشعارات
بالية. هؤلاء حقا كنحلهم وشعاراتهم البالية، لكن لا فلسطين ولا شاعرُها
كذلك. إنّ لهما حظّاً ـ وهما يستحقّانه لأنه 'يفرض' نفسه (3) ـ في
التّجدّد لا فقط بالتّأقلم مع زمنهما ولكن أيضاً بالمجازفة في التّقدّم
على هذا الزّمن وبكونهما السّبّاقيْن. ثريّة، خصبة ومتعدّدة هي فلسطين وقد
حظيت بالشاعر الذي تستحقّ، لأنّ من قال: 'اللغة تورَث كالأرض' (4) لم
يكتفِ باللّغة التي نقلتها إليه أمّه. هو الذي انتُزِعت منه أرضه افتكّ
لغته لكي يعيد أرضه وأرض شعبه. وقد نجح درويش أكثر من أيّ شاعر فلسطيني
وعربي آخر في تحقيق هذا التّوازن الصّعب بين الشّعر والسّياسة، هذا ما
مكّنه من أن يلقى الاعتراف والحفاوة في كل مكان كشاعرٍ حقيقيّ، على غرار
البعض من نُظرائه من الشّعراء الكِبار ـ ماياكوفسكي، ريستوس، شار، سُلان،
ووالكوت على سبيل المثال لا الحصر ـ الّذين نجحوا هم أيضاً في جذب كفة
الميزان لصالح الشّعر، دون التخلّي عن القضيّة التي تبنّاها كلّ واحد منهم.
ومن
هنا هذه الشّهادة الرائعة من طرف الشّاعر الكبير فيليب جاكوتيه: 'أتألّم
من أجل شعب مُهان. صوت شاعره الكبير محمود درويش يؤثر فيّ بعمق. ثمّ، في
نهاية احتشاد باريسي لأجل فلسطين، عندما بسط متعصّبون راية متّسخة بكتابةٍ
رذيلة 'الموت لليهود'، أصطدم من جديدٍ بالمستعصي'. (5) تؤثر فيّ هذه
الكلمات لأنّها تضرب ثلاثة عصافير بحجرةٍ واحدة: أولا لأنّها تعترف بصوت،
صوت محمود درويش الّذي يحمل صوت شعبٍ بأكمله، ثمّ، لأنّها تنادي بالاعتدال
والتّحاور الممكن دوماً رغم التّعصّب الذي يطغى على هذا الفريق وذاك،
وأخيرا لأنّها تشهد بضرورة الشّعر وأهمية الشّعراء والدّور الذي يمكن أن
يضطلع به الشّعر والشّعراء معاً في حلّ 'المستعصي'.
يبدو لي هنا أنّنا
نضع إصبعنا على هذا الشّيء صعب التّسمية والّذي تعتمد عليه العبقريّة
الشعريّة لدرويش، الّذي، وهو يتحدّث عن قهوة أمّه أو جواز سفره أو وهو
يحكي أيضاً عن الفقر اليومي في حالة حصار، يفرض إيقاعه الشّخصي على
الكلمات والأشياء والعالم. إن أرجع البعض ذلك إلى الدّقة أو إلى التّمرّس
الشّعري، فإني أتشبّث بإرجاع الفضل إلى الحضور الذهني والحسّ المرهف،
باختصار إلى الفصاحة لأنّ الغضب العادل، الشّعر الحقيقي والحماس الصّادق
لا يُعمون بل يوقظون. أن تسمّي الأشياء ليس أن تقتل.
أن تسمّي هو أن
توقظ الرّوح الّتي تكمن في كل شيء. أن تسمّي هو أن توقظ، كما أجاد درويش
القول، في قصيدته الأخيرة الّتي تحمل عنوان 'لاعب النّرد' والّتي قرأها
بصوتٍ عالٍ في رام اللّه في بداية تموز (يوليو)، قبل رحيله بشهر:

'هكذا تولد الكلماتُ. أُدرِّبُ قلبي
على الحبّ كي يَسَعَ الورد والشّوكَ...
صوفيَّةٌ مفرداتي. وحسِّيَّةٌ رغباتي' (6).
شكرا لك إذن أيّها الشاعر على اليقظة.
-----------------------------------------
نُشر هذا النّصّ يوم 6 أيلول (سبتمبر) 2008 في مجلّة االآداب
الفرنسيّةب(Les Leres fran'aises) وهي الملحق الأدبي لجريدة االإنسانيّةب
(LصHumanit')، ترجمة سلمى الدّشراوي.
(1) محمود درويش، 'أثر الفراشة'، بيروت، رياض الرّيّس للكتب والنّشر، 2008، ص. 181-182.
(2) في 'ورد أقلّ'، الأعمال الكاملة، الجزء الثاني، بيروت، دار العودة، 1994، ص. 342.
(3)
لنتذكر معاً حكمة رنيه شار، أحد الشعراء المفضّلين لدرويش: اافرض حظّك،
احضُن سعادتك وامض نحو خطرك. وعندما يرونك، سوف يتعوّدون.'، في احُمرة
الصّباحيّين'، III، الأعمال الكاملة، باريس، بليياد، 1983، ص. 329.
الكتابة بالخطّ المائل للمؤلّف.
(4) محمود درويش، 'مأساة النّرجس، ملهاة الفضّة'، في 'أرى ما أريد' (1990)، الأعمال الكاملة، ذكر سابقا، ص. 422.
(3) فيليب جاكوتيه، 'إسرائيل، كراس أزرق' فونفرواد لو ؤو، فاتا مورزانا، 2004، ص. 82.
(4) محمود درويش، 'لاعب النّرد'، في القدس العربي، الأربعاء 2 تموز (يوليو) 2008، ص. 10.
أيمن حسن
شاعر من تونس
القدس العربي
12/10/2008

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: دفاعا عن محمود درويش

مُساهمة من طرف iswal في الأربعاء 12 نوفمبر 2008 - 14:42



الشاعر محمود درويش -في السودان- أحن الى خبز أمي



_________________
"Un homme n'est jamais aussi grand que lorsqu'il est à genoux pour aider un enfant"
(Philosophe Pythagore)

iswal
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 1025
Localisation : CASA
Emploi : j'ai 1 travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى