صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

حماقة العيش في غيبوبة الدين والاستهلاك

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

حماقة العيش في غيبوبة الدين والاستهلاك

مُساهمة من طرف izarine في الأحد 19 أكتوبر 2008 - 22:14

قبل أيام قليلة ركزت جريدة بريطانية عنوانها الرئيسي في الصفحة الأولى
لتجعله رقما واحدا بدلا من كلمات عدة. الرقم هو 2 وعلى يمينه 12 صفرا.
المعنى أن تكلفة خطط الإنقاذ التي وضعتها دول العالم حتى الآن للفكاك من
براثن الأزمة المالية الحالية وصلت تكاليفها إلى تريليوني جنيه استرليني
أو ما يزيد على 3.4 تريليون دولار.
المشكلة الأولى في هذا الرقم هي
ضخامته. لكن المشكلة الأهم هي أنه ليس - بعد - الرقم النهائي. فأسوأ ما
كشفت عنه الأزمة الحالية هو أن كبار السياسيين المنتخبين من شعوبهم لا
يعرفون الحجم الحقيقي لتورط مصارفهم ومؤسساتهم المالية. مستشارة ألمانيا
انغيلا مركل رفضت مثلا في البداية أن تكون لبلدها علاقة بالأزمة استنادا
إلى أن الأزمة سببها أميركا، وبالتالي فمسؤولية الخروج منها تقع على
أميركا. الرئيس الفرنسي ساركوزي جلجل صوته في البداية بأنه لن يسمح لما
جرى في أميركا بأن يتكرر في فرنسا. كلاهما أخطأ وكلاهما أفاق يوما بعد يوم
على حقيقة أن الفيروس الأميركي تغلغل أيضا في المؤسسات المالية الوطنية
بعيدا تماما عن أي رصد أو رقابة. مؤسسات الاستثمار من النروج وأيسلندا، بل
حتى البنوك السويسرية المعروفة بالدقة والصرامة في إجراءاتها، انزلقت إلى
فخ الأدوات المالية الملتوية المستجدة التي استخدمتها بنوك الاستثمار
وشركات الرهن العقاري الأميركية وتبين في لحظة الحقيقة أن أرباحها الأعلى
لم تكن سوى هدايا مسمومة.
وبينما السياسيون على مستوى ساركوزي ومركل
أصبحوا آخر من يعرف - وهذا هو الزلزال الحقيقي - فإن الإعصار المالي
الأميركي كان لائحا في الأفق مبكرا لكل من يريد أن يفهم ويرى. لنأخذ فقط
جورج سوروس وهو المضارب الأميركي الشهير والسمسار المالي. فقبل شهور قليلة
أصدر كتابا عن الأسواق المالية وما ستعنيه أزمة الإئتمان في 2008. وبعد أن
سجل ملاحظاته عن الأمراض التي كشف عنها النظام المالي الأميركي منذ صيف
2007 على الأقل، طالب بمزيد من القيود والضوابط بما في ذلك ضمانات حقيقية
للأموال التي يتم إقراضها. في الخلاصة كتب سوروس قائلا: «إن تلك الفترة من
التاريخ التي بشرت بها الانتخابات التي جاءت بمارغريت ثاتشر إلى السلطة في
بريطانيا سنة 1979 وبرونالد ريغان في الولايات المتحدة سنة 1980 شارفت على
النهاية، وهكذا أزعم أنها تعني نهاية فترة طويلة من الاستقرار النسبي
سياسيا وماليا، القائم على أساس أن الولايات المتحدة هي القوة المسيطرة
والدولار الأميركي باعتباره عملة الاحتياط الدولية الرئيسية».
التنبؤات
بنهاية الهيمنة الأميركية تحديدا على اقتصاد العالم متقطعة منذ 1971 حين
أوقف الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ارتباط الدولار الأميركي بالذهب.
وبينما ثبت في أزمات عدة سابقة أن تلك التنبؤات غير صحيحة أو على الاقل
سابقة لأوانها، فإن ارتجاجات الأزمة الحالية فاجأت العالم وحوّلت أزمة
داخلية أميركية إلى زلزال أخذ اقتصاد دول العالم على غرّة نحو منزلق غير
مسبوق بل وربما غير مفهوم، بما جعل أندرو سيمز مدير السياسة في المؤسسة
الاقتصادية الجديدة في لندن يقول :»إن هذا الإعصار المالي الأخير هو
بالنسبة الى الرأسمالية المالية معادل لما مثّلته سنة 1989 بالنسبة الى
الشيوعية السوفياتية».
لم تكن سياسات مارغريت ثاتشر ورونالد ريغان
تتبلور فقط في اطلاق الرأسمالية المتوحشة من عقالها وإنما أيضا في تصدير
تلك السياسات إلى دول العالم بالإلحاح أو بالضغط مباشرة أو باستخدام صندوق
النقد الدولي والبنك الدولي (وتاليا منظمة التجارة العالمية). لكن الحرية
الأكبر للمضاربات المالية الأميركية في الأسواق الدولية بدأت فقط بعد تفكك
الاتحاد السوفياتي وانفراد أميركا بعرش القوة عالميا. كانت المفارقة
الكبيرة هنا هي أن أميركا كانت قد خرجت من الحرب العالمية الثانية دائنة
لمعسكر الحلفاء جميعا. ومع نهاية الحرب الباردة تحقق لأميركا ما تجاوز حتى
أحلامها. في حينه علق الراحل جورج كينان، وهو الديبلوماسي الأميركي البارز
صاحب سياسة الاحتواء ضد الاتحاد السوفياتي، بقوله إن تفكك الاتحاد
السوفياتي كان بمثابة لعبة قمار اشترت فيها أميركا ورقة يانصيب بدولار
ليفاجئها الحظ بمليون دولار. لكن الجانب الآخر من الحقيقة هو أن أميركا
الفائزة تلك خرجت من الحرب الباردة وهي أكبر دولة مدينة في التاريخ.
بعدها
تابع العالم خروج سلالة جديدة من المضاربين الأميركيين في أسواق المال
كانوا سابقا ممنوعين في أميركا ذاتها، لكنهم استجابوا لدقات خشبات المسرح،
سواء بحد ذاتهم أو كممثلين لنوع جديد من الصناديق المالية اسمه «صناديق
التحوط» بعيداً تماما عن أي رقابة أو ضوابط من البنك المركزي الأميركي
وبسياسة مقصودة عمدا. هكذا فوجئت بريطانيا مثلا، المنضمة في حينه إلى نظام
جديد للنقد الأوروبي، بمراهنات كاسحة في أيلول (سبتمبر) 1992 لإرغامها على
تخفيض قيمة عملتها. مراهنات عجز بنك انكلترا المركزي بكل قدرته عن الصمود
أمامها، فانتهت المواجهة بانسحاب بريطانيا من النظام الوليد للنقد
الأوروبي وعادت أكثر ارتباطا بالدولار الأميركي وأكثر اعتمادا على علاقتها
الخاصة بأميركا ابتعادا عن المشروع الأوروبي. بعدها خرج جون ميجر رئيس
وزراء بريطانيا ليشكو علنا في نيسان (أبريل) 1995 قائلا إنه: «لا يجوز ترك
العمليات في أسواق المال تتم بسرعة وبحجم كبير حيث لم تعد تخضع لرقابة
الحكومات والمؤسسات الدولية». في حينه أيضا قال لامبرتو ديني رئيس وزراء
إيطاليا إنه «يجب منع الأسواق من تقويض السياسات الاقتصادية لدولة
بكاملها». أما الرئيس الفرنسي جاك شيراك وقتها فقد وصف أولئك المضاربين
الجدد في أسواق المال بأنهم «وباء الإيدز في الاقتصاد العالمي».
كان
جورج سوروس المضارب الأميركي هو أبرز المضاربين ضد الجنيه الاسترليني في
1992 وتبيّن تاليا أن أرباحه من العملية تجاوزت بليون دولار. وكان هو أيضا
في مقدمة المضاربين على عملات دول جنوب شرقي آسيا في أزمة 1997 التي أسفرت
عن انهيار عملات تلك الدول بالتتابع بما أتاح لصندوق النقد الدولي فرض
الوصاية عليها جميعا - باستثناء ماليزيا - وهو ما كان مستهدفا من البداية.
الآن
في أزمة 2008 لا نرى جورج سوروس سوى معلقا على الأحداث مع آخرين. لكننا
نجد بين المعلقين الحقيقيين جون غراي في لندن مثلا، الذي استخلص النتائج
في جريدة «الأوبزرفر» قائلا: «إننا نعيش الآن منعطفا تاريخيا بمفهوم
الجغرافيا السياسية. منعطف يتبدل فيه توازن القوى على وجه كوكبنا بلا
رجعة، فعصر الهيمنة الأميركية الذي بدأ مع الحرب العالمية الثانية ولّى».
فالدين
القومي الأميركي الذي كان ثلاثة تريليونات دولار في 1990 زاد الآن إلى
10.2 تريليون دولار. السبب الرئيسي في ذلك، من منظور فريد زكريا مثلا، هو
أنه اعتبارا من ثمانينات القرن الماضي بدأ الأميركيون يستهلكون أكثر مما
ينتجون. هم كمواطنين يعوضون الفارق بين الإثنين من خلال الاقتراض من
البنوك وشركات الرهن العقاري لشراء المنازل مثلا عن غير قدرة، ثم يقترضون
من جديد لتسديد القرض القديم حتى من خلال بطاقات الائتمان المتاحة التي
يتم تسهيل حصولهم عليها بلا ضمانات مرة بعد مرة. وحسب فريد زكريا أيضا فإن
كل عائلة أميركية تحوز 13 بطاقة ائتمان في المتوسط. أما أميركا كدولة فهي
تعوّض الفارق بين إنتاجها واستهلاكها من خلال الاقتراض من الدول الأخرى.
الصين مثلا بلغت مستحقاتها على أميركا في شهر تموز (يوليو) الماضي أكثر من
578 بليون دولار من خلال حيازتها سندات مستحقة على الخزانة الأميركية.
الصين سعيدة لأنها تنتج بأكثر مما تستهلك، وأميركا سعيدة لأنها تستهلك
بأكثر مما تنتج، ربما في انتظار حل سحري يحقق لها مخرجا تفاجئ به مواطنيها
والعالم.
المأساة أنه تحت عناوين مراوغة مثل «العولمة» و «الانفتاح على
العالم» و «حرية رأس المال» جرى استدراج دولنا النامية إلى الفخ القاتل
نفسه. في دولة نامية ومدينة كمصر مثلا نجد على مدار الساعة تشبهاً
بالنموذج الأميركي نفسه: استهلك بأكثر مما تنتج.. اقترض بأكثر من قدرتك
على السداد.. امتلك فيللا فسيحة بحديقة تجاور ملعبا للغولف.. اذهب
بمدخراتك القليلة إلى البورصة فتحصل على مكاسب مضمونة.. اخرج إلى المعاش
المبكر فتستمتع بوقتك بينما مصنعك يباع إلى الخواجات وأرباح المصنع تحول
إلى الخارج من الآن فصاعدا. وفي ما بين كل جملة وجملة لم يعد مهماً أن
ديون مصر الخارجية ارتفعت إلى 34 بليون دولار.
الآن نتابع أميركا وهي
في حالة تلبّس تؤكد لنا من جديد حماقة العيش في غيبوبة الاستهلاك وأهمية
العودة إلى البديهيات. أولها حقيقة: أن ننتج أولا وثانيا وثالثا، وبعدها
فقط نستهلك مما ننتجه.
محمود عوض الحياة - 19/10/08//



* كاتب مصري

avatar
izarine

ذكر عدد الرسائل : 1857
العمر : 57
Localisation : khémissat
Emploi : travail
تاريخ التسجيل : 03/08/2006

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى