صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

في حوار أدبي، فكري وسياسي مع القاص أحمد بوزفور

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

في حوار أدبي، فكري وسياسي مع القاص أحمد بوزفور

مُساهمة من طرف said في الجمعة 7 نوفمبر 2008 - 21:25


في حوار أدبي، فكري وسياسي مع القاص أحمد بوزفور : كتابنا ومفكرونا يتساقطون تباعاً في حضن الشيطان!!
أصابعي شاخت مع القصة، ومن الصعب ترويضها على أجناس أخرى!!
أجرى الحوار: سعيد منتسب

يبدو كأن الكاتب المغربي بدأ يكتفي بالصور المبسطة ويحرص على الغموض
والتبسيط والتسطيح، هل يمكن الحديث هنا عن عن خيانة الكاتب للواقع
ومشكلاته، أو عن انفصال بينه وبين المعنى؟

يمكن الحديث عن انفصال عام بين الإنسان الحديث وبين المعنى.
المعنى لم يعد له معنى إذا صح التعبير.
ولد
المعنى الحديث خلال عصر النهضة الأوربي. وأقصد به: الإيمان بـ«الإنسان»،
وتقديس «العقل»، والثقة بـ«العلم»، وتشجيع «العمل» في إطار فكرة «التقدم».
الأنظمة الشمولية، والحربان العالميتان، والاستعمار، والحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفياتي، ثم الأزمات المالية الرأسمالية.
أضف
إلى ذلك تجذر الاستبداد والفقر، وخلودهما كقََدَريْن إغريقيين في عالمنا
الثالث. كل ذلك جعل «المعنى» يجف ويبهت حتى كاد يتلاشى. لم تعد لنا مُثل
أو نماذج نقتدي بها، ولا قِيم توجهنا، ولا أمل يحفزنا على العمل والنضال
من أجل التغيير.
لذلك أخذ كتابنا ومفكرونا يتساقطون تباعاً في حضن
الشيطان الحديث الذي أخرج «المعنى» من جنة الأرض، كما أُخرِج جدُّه آدم من
جنة السماء. وأخذ هؤلاء الكتاب والمفكرون الذين يحلو لي أن أسميهم
«الفاوستيين الجدد» يسخرون من المعنى ومن أصحاب المعنى، ويسمونهم
«الديناصورات». الصراع الآن بين «الديناصورات» من جهة، وبين «الفاوستيين
الجدد» من جهة أخرى. وأنا متشائم من نتيجة الصراع: الفاوستيون يتكاثرون
كياجوج وماجوج، وأمراضهم مُعدية وعُضَال لا دواء لمن أصيب بها.

هناك حرب ضد الأسئلة، والكثير من الكتاب المغاربة، الذين أدخلوا أقلامهم
طواعية لأغمادها، بات لا يجازف بطرحها، لماذا في نظرك هذا الجبن والتردد
في اقتحام الممنوع؟

الجبن؟ ربما، لكن بمعنى الجُبنة، وليس بمعنى
الخوف. بمعنى الجزرة وليس بمعنى العصا. هناك كتاب يتهافتون على كعكة
السلطة، وينافقون المجتمع وتقاليده. لكن كتابا آخرين لا يتورعون عما سميته
اقتحام الممنوعات، وعن طرح الأسئلة الصعبة، وإذا كانوا ألا يملأون أجهزة
الاعلام، فلأنهم لا يحبون الصراخ.

الكتابة، مثل الحب والهواء وضوء
الشمس، يقظة عفوية في جسد الإنسان وعقله، هل مازلت، بعد هذا العمر من
الكتابة، تؤمن أنك صاحب وجهة نظر، وأن بإمكان ققنس أن يغير وجه العالم؟

في إطار ما قلتُه عن افتقاد المعنى، لم يعد الكتاب يغيرون العالم. أصبح
العالم هو الذي يغيرهم، وأنا أيضا أخضع لهذا القانون. إنني أصارع كل يوم
هذا الافتقاد الشامل للمعنى، هذا اللون الرمادي الزاحف كالوباء. الرماد
يغمُر الكون، نحن نتنفس الرماد، نقرأ الرماد، ونكتب الرماد. لكننا ـ ونحن
نحس ذلك ونرفضه ـ نحاول أن نُحَسِّسَ به الآخرين أيضا. ذلك أقصى أملنا
الآن.

نعيش في زمن نفعي، وباتت الحقيقة لا ضرورة لها في معظم
الأحيان، ما هو في نظرك مصير الباحث عن الحقيقة، الشاعر والقاص والفنان
والفيلسوف، وهل يتوجب عليه أن يقوم بنقد ذاتي ثم يرحل؟

الحقيقة
وهم ميتافيزيقي قديم، لم يعد منتجا في العصور الحديثة. الشاعر والفنان
والفيلسوف والقاص لا يبحثون عن الحقيقة، القاص على الأقل، أو لأقل بما
يلزم من الدقة: أنا لا أبحث عن الحقيقة. عم أبحث إذن؟

«يا أيها الإنسان عم تبحث؟»
يقول شوقي في إحدى قصائده للأطفال.
لا أدري، ربما كنت أبحث عن الجمال. قد يكون الجمال هو الحقيقة الوحيدة في هذا العالم.
الجمال بمعنى الاتساق والتعالق والتكامل والانسجام من جهة، ثم الإحساس بذلك كله من جهة أخرى.
والجمال موجود في الطبيعة، لكن جمال الطبيعة بارد محايد مفارق قاس، وبدون إحساس. لذلك نهرب الى جمال الثقافة. وجمال الثقافة هو الفن.
في الطبيعة جمال نحس به.
في الفن نبحث عن جمال يحس بنا.
عن هذا الجمال أبحث حين أقرأ أو أتذوق الفن، وعنه أبحث حين أكتب.

هل عليَّ أن أقوم بنقد ذاتي وأرحل؟

لا تستعجل. سوف أرحل على أي حال، قمت بنقد ذاتي أو لم أقم.

الكتابة بمعنى من المعاني كتابة نقدية، لا للعالم وحده وإنما للذات أولاً؛
وعلى هذا المستوى، فهي ليست سؤالا مطروحا على العالم وحده، وإنما هي سؤال
مطروح على الكاتب، هل بإمكانك أن تسلط الأضواء على ما يتحرك، الآن، من
رمال تحت قدميك؟ وهل مازلت مصرا على المشي في الجمل الاعتراضية الهادئة؟

حين يتحدث الإنسان مع الآخرين، لا يصرح بحقيقة نفسه. حين يقول: أعتقد/
أتصور/ أشعر... إلخ، لا يقول ما يعتقده ويتصوره ويشعر به فعلا، بل يقول
فقط مايهمه أن يعتقد الآخرون أنه يعتقده، فيرضيهم بذلك أو يسخطهم أو...
ليس لأنه يسعى إلى نيل رضا الآخرين أو يتحداهم بإسخاطهم، بل فقط لأنه يشعر
بضرورة أن يستبطن شيئاً، أن يملك سراً، أن يُكِنّ في سريرته هوية خاصة به،
لا يعرفها الآخرون. أحيانا لا توجد هذه الهوية مطلقا، يوجد فقط الشعور
بأنها هناك، ولكن ذلك كاف للتوازن النفسي، كاف للإحساس بأن للإنسان
«داخلاً» يوازي «خارجه» الذي يعرفه الآخرون.
هذا الداخل هو «بيتنا الخاص» الذي نملكه مِلكية حقيقية، ونسكنه حين يضطهدنا العالم، ويسكننا هو دائماً.
بالنسبة لي، هذا «البيت الخاص» الداخلي هو ذواتي التي أمْتَح منها.
وهو أيضا «آخَرِي» الذي أحاوره، فأسائله عن العالم، وأنقد العالم به.
لكنني
أضجر أحيانا فأرتدّ حتى على هذا الداخل نفسه بالتشريح والنقد، فيغيض
ويرسب، حتى يصبح ماؤه غوراً، وأصبح معه كصاحب الجنتين في سورة الكهف،
أقَلِّب كفّيّ ندماً على الثقة العمياء، بالذات، وعلى الفرح الساذج بداخل
الذات، أو بوهم داخل الذات.

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: في حوار أدبي، فكري وسياسي مع القاص أحمد بوزفور

مُساهمة من طرف said في الجمعة 7 نوفمبر 2008 - 21:26

تتقاسم
مع زملائك في مجموعة البحث في القصة القصيرة هم الترحال في أرض القصة دون
سواها، لماذا اخترت الاكتفاء بالعمل في المجموعة، وانصرفت عن الإطارات
الأخرى إلى درجة أن البعض يفسر موقفك هذا باليأس من مؤسسة مثل اتحاد كتاب
المغرب التي يتهمها البعض بالارتماء في أحضان وزارة الثقافة (أو في حضن
المؤسسات الثقافية الموازية التي أنشأتها الدولة)؟

الكتابة كالموت يعانيها الإنسان وحده. ولا يخفف من هذه المعاناة أن ينتمي الكاتب الى جمعية ثقافية.
إننا
ننتمي إلى جمعيات ثقافية، ليس لكي نكتب، ولكن لكي نساهم في إرساء وضع
ثقافي صحي، يسهل إنتاج الثقافة وتسويقها واستهلاكها ومناقشتها ونقدها
والاستفادة منها.
علاقتي بالجمعيات الثقافية علاقة صحية ومنتجة ومسؤولة:
فمن
جهة: أنا أستجيب لدعوات الجمعيات بما فيها اتحاد كتاب المغرب، وأشارك في
أنشطتها، وأناقش جمهورها، لإيماني بجدوى العمل الثقافي العام ونجاعته،
وبضرورة تشجيع الاهتمام العام بالثقافة وقيمتها الحضارية، وسط هذا الإهمال
أو التجاهل أوالاحتقار الغريب للثقافة، سواء من الجانب الرسمي أو الشعبي.
ومن
جهة أخرى، أنا أميل في الميدان الثقافي إلى العمل الجزئي الدقيق. وأهرب من
الأعمال الكبيرة و القضايا العامة. لذلك وجدتني أرتاح للعمل في مجموعة
البحث في القصة بالمغرب، مع بضعة أفراد بدل العمل مع مئات الأشخاص، وعلى
موضوع القصة فقط بدل العمل على الموضوعات العامة والقضايا الكبرى.
وبصمت، داخل أسوار الجامعة، بدل الانتشار الواسع الضّاجّ في كل وسائل الإعلام.
أنا لا أنتقد طرق العمل الأخرى، لكنني شخصيا أرتاح الى هذه الطريقة، وآمل ألا يزعج ذلك أحداً.

قريبا يعقد اتحاد كتاب المغرب مؤتمره السابع عشر، والحال أن أغلب الكتاب
يشبهه بالأسد المتغضن الذي فقد مخالبه وأنيابه، هل أنت من الذين يدعون له
(لا عليه) برصاصة، أو من الداعين إلى إدخاله إلى مصحة تجميل، أو من
المتفائلين كثيرا بالبحث له عن إكسير نجاة من الانقراض؟

اتحاد كتاب المغرب جمعية ثقافية مثل باقي الجمعيات. وأنا لا أنتظر من مؤتمره الكثير. لكن أملا صغيراً يراودني مع ذلك:
ففي إطار فهمي المتواضع للوضع الثقافي بالمغرب اليوم، توجد ثلاث ثقافات:

ثقافة التبرير: ويحرص أصحابها، وبعضهم كان معارضا يساريا في سنوات الرصاص،
على تبرير قرارات أصحاب القرار، والدفاع عنهم، واتهام المعارضين بالعدمية
أو المثالية أو السذاجة. ومثقفو هذا التيار لا ينتجون. المخزن ينتج، وهم
يشرحون أو يعلقون أو يبررون.

ثقافة العولمة: ومثقفو هذا التيار لا
تهمهم السلطة ولا معارضوها. لا يهتمون بالوطن وقضاياه ومستقبله ومصيره.
إنهم يستهلكون ساندويتش الثقافة العالمية السريعة، ويعتبرون أنفسهم
مواطنين عالميين. شيوخهم نجوم الموسيقى والرياضة في العالم، وسوقهم هي
الأنترنيت.
ـ ثقافة المقاومة: ويحرص أصحابها على ترسيخ مبدأ المقاومة في صلب الإنتاج الثقافي:
مقاومة السلطة المناهضة للتغيير.
مقاومة التقاليد الاجتماعية العائقة للحداثة.
مقاومة العولمة الزاحفة التي تُسطّح العمق وتذيب الخصوصية وتمحو الاختلاف.
والأمل
الصغير الذي يراودني هو أن ينتصر في مؤتمر اتحاد كتاب المغرب مثقفو
المقاومة، وينقلوا هذه الجمعية الثقافية مرة أخرى إلى خندق الحرية الذي
ولدت فيه.

هناك من الكتاب (وأنا أعرف بعضهم) من بات يشبه مجموعة
البحث في القصة القصيرة بدركي القصة، أو جمارك القصة، وهناك من يتهم
المجموعة بتوزيع الصكوك ورسم قواعد اللعب وفرضها على الآخرين. ماردك؟

لم نوزع صكّاً على أحد، ولم نعلن أية قاعدة للعب القصصي. نحن مجرد مجموعة
بحث. ومجموعتنا إطار واحد من عدة أطر وطنية تهتم بالقصة في المغرب، ومعنا
عشرات من الجمعيات الثقافية التي تهتم بالإنتاج الأدبي.
وإذا لم ننشر
عملا يردنا (مقالة مثلا في مجلتنا، أو مجموعة قصصية تحت شعارنا)، فذلك فقط
لأن هذا العمل لم يحظ بإجماع لجنة القراءة التي كلفناها بقراءته، دون أن
يعني ذلك أبداً أن هذا العمل لا يستحق النشر خارج مجموعتنا.
دعني أفترض
حسن النية وراء هذه التصورات، أي أن أصحابها يثقون بتقديرنا، ويعاتبوننا
لأننا لم ننشر أعمالهم. وأنا أقول لهم إن الطبيعي في الميدان الأدبي عموما
هو أن نختلف لا أن نتفق. فدعونا نختلف باحترام متبادل، دون أن يُقصيَ أحد
أحداً. وفي الميدان متسع للجميع.

يظل الغد دائما نقطة تساؤل ومكان
استشراف، ماذا ستفعل غدا، هل ستنادم التنين في الصيف، أم ستسحب الساحوت من
جرة العسل، أم سترمي عليك زرد المصارعين لتحارب، أم ستكتفي كالعادة
بمجالسة أصفيائك في المقهى؟

سأفعل شيئاً أجمل من ذلك كله: سأموت.

تتمتع
بشعبية كبيرة لدى القراء المغاربة، وأنت واحد من القلائل الذين يحظون
بتقدير المثقفين وتقريظهم، ولكنك لا تبدو سعيدا بمستوى القراءة في المغرب،
بل إنك رفضت أكبر جائزة في المغرب بسبب ضعف القراءة. لماذا في نظرك لا
يقرأ المغاربة، وهل الإلقاء باللائمة فقط على المؤسسات هو مفتاح السر؟

نحن جميعاً مسؤولون عن هذه الكارثة. وهي كارثة لا تجمّد عقولنا نحن فقط،
بل تجمد عقول المستقبل أيضاً، تصادر غدنا. وإذا لم نتحرك الآن، فستكون
الحركة في المستقبل أصعب. لماذا لا يقرأ المغاربة؟ القراءة (وأنا لا أعني
بها فرز الحروف) هي أولا سلوك فردي: أن نختلي بأنفسنا، ونطلع على أفكار
الآخرين وتصوراتهم، ونناقشها مع أنفسنا، ونكون بها وبمناقشتها شخصيتنا
وهويتنا ورأينا الخاص، ونبني بها آلية لتحريك عقولنا.
والقراءة بهذا
المعنى سلوك حديث لم نتعوده على مستوى واحد في تاريخنا، كل وجوهها حديثة:
(الفردية ـ الخلوة ـ المناقشة ـ الرأي الخاص... إلخ) ولكي ندخل الى العصر
الحديث، يجب أن نكتسب ملامح الحداثة كلها بما فيها القراءة. يجب أن نغرسها
في مجتمعنا بالرعاية حتى تصبح تقليداً كلاسيكياً من تقاليدنا. وتلك
مسؤولية الجميع: كتابا وقراء ومعلمين وآباء وأمهات ومؤسسات مدنية ورسمية.
ويجب أن لا ننتظر تحرك الدولة، لنبدأ نحن بالحركة، وأول ما يجب علينا فعله
هو أن نقرأ نحن فعلا، وأن نشجع من حولنا على القراءة، وأن تحرص جمعياتنا
ونقاباتنا وأحزابنا وصحفنا على الانخراط معنا في هذه المسيرة الطويلة.

بعد رفضك جائزة المغرب، وانطفاء الرجة التي أعقبت ذلك الجدول الذي سجلت
عليه شتى التعديات والمظالم والآلام التي يتعرض لها الكتاب، هل أنت راض،
فعلا، عن انجرارك وراء الأماني الشعبية، وهل كان لعلو صوتك وقع، أم أن
الأفق مازال، كما كان، صحراء جهنمية؟

المواقف ليست رهانات أو
مقامرات أو انجرارات. إنها مبادىء وقناعات. والإيمان بها لا يتوقف على
نتائجها أو مكاسبها، بل يتوقف على قوتها وسلامتها. ثم إنني لا أومن بهذه
المواقف وحدي، بل يشاطرني إياها كتاب وصحفيون ومناضلون وجمعيات ثقافية في
أنحاء مختلفة من البلاد، وذلك في حد ذاته نتيجة لها اعتبارها.
على
الكاتب أن يصون حريته في الكلام وقدرته التي لا تكل على التساؤل، وأيضا
على الإصغاء، كيف تقف على مسافة من دون أن تنأى بنفسك بعيدا، وهل بإمكانك
أن تطلعنا على صرخة أخرى من صرخاتك العالية، وهل الصراخ وحده كاف للتغلب
على الماموث (الفيل البدائي)؟

كيف تقف على مسافة دون أن تنأى؟

هذا هو فعلا السؤال الجوهري بالنسبة للكتابة المغربية اليوم. ذلك أن علينا
أن لا ننأى، وإلا انقطعنا عن جذورنا الشعبية التي نستمد منها نسغ الحياة.
وعلينا في نفس الوقت، أن نقف على مسافة، وإلا انغمسنا في اليومي العابر،
ولم نعد نرى شيئاً.
أما مواجهة الماموث، فتتطلب أشياء أخرى غير الصراخ.
تتطلب أن نقرأ ونكتب، أن نفهم ونتفاهم، أن نتواصل ونتناقش، وأن نندمج فيما
بعد ونكوّن ماموثاً آخر.
لا يَفلُّ الماموث إلا الماموث.

أنت
من أعداء القراءات الجامدة والمتخثرة للأدب والأرض والإنسان، وحتى للسماء،
هل بإمكانك أن تغير ذات يوم اسمك ولغتك ودينك وجنسيتك؟

أنا أغيرها كل يوم حين أتغير.
هذه
أشياء لا وجود لها خارج ذاتي. إنها أناي وهويتي. وأنا بالقراءة والكتابة،
وبالتواصل والاستماع، وبالحياة والتجربة، أتجدد باستمرار، وأجدد أجزاء
ذاتي.
الإطار الخارجي ثابت (هل هو ثابت؟) لكن المحتويات تتفاعل وتتغير باستمرار.

تحتل الموسيقى حيزاً واسعاً وغنيا بالضوء داخل قصصك؟ ما هي علاقتك
بالموسيقى، هل هي تنزيل لضوء هارب أو تقطير لثدي أمومي، أم استدعاء لتوزان
ميتافيزيقي غامض، أم إصغاء إرادي للزهرة وهي تتفتح، والبرتقالة وهي تتقشر،
والغانية وهي تنضو عنها الثياب؟

هي كل ذلك فعلا، كأنك كنت تصغي
إليّ وأنا أصغي الى الموسيقى. الموسيقى أجمل شيء في الوجود، ولا أدري كيف
يمكن أن تكون الحياة بدون موسيقى. هي الفن الأصفى، الفن الخالص الذي تسعى
إليه كل الفنون. بدون الموسيقى نحن مجرد أكواب فارغة بيضاء، الموسيقى هي
التي تجعل منا كؤوساً... نفوسا مترعة بالتطلع والاستشراف والرغبة في السمو
والخلق والتغيير. هي التي تروّض الحيوان الكامن فينا، وتسحره إنسانا تارة،
وملاكا تارة، وتارات أُخَرَ إلاها صغيراً يلعب بالمصائر على جبل الأولمب.
الموسيقى
تساعدنا على أن نحيا. هل يمكن أن تساعدنا على أن نكتب؟ هل يمكن أن تدخل
الكتابة كموضوع أو كشخصية حية؟ وهل يمكن أن نُحكم بها بناء القصص
كهارمونية داخلية؟ هل يمكن أن نعزفها بالكلمات المنتقاة والتركيب المتّسق
المنساب للجمل؟ وهل يمكن في الأخير أن نصنع بها الدلالة نفسها: حين تستوي
في أودية القصة وسراديبها جُمَلٌ لا نفهم منها شيئا محدداً، ولكنها تملأنا
بأَثَر غامض يهزنا ويحيّرنا حتى لنكاد نجهش بالبكاء. هل يمكن ذلك فعلا؟
إنني أحاول وأنا أكتب أن أجيب.
{ بصفتك عاشقا يقظاً وشغوفاً بالسينما
(وهذا لا يعرفه إلا القلة) هل غذيت قصصك بإسهامات السينما، ولماذا لا تكتب
السيناريو، وما هو الفيلم (أو الأفلام) السينمائي الذي أثر فيك مليا،
ولماذا؟

الفيلم السينمائي الذي ترك في نفسي أعمق الأثر حتى الآن
منذ رأيته قبل حوالي أربعين سنة هو فيلم (الحرب والسلام). وهو فيلم روسي
طويل (حوالي ست ساعات فيما أذكر، ورأيناه على جزأين) ينطلق من رواية
تولستوي، لكنه عمل مختلف عنها كليا. إنه لا يعطيك مثل الرواية إحساسا
بالزمان، بل إحساسا بالمكان. لا يعطيك مثل الرواية إحساسا بالتاريخ وتغير
المصائر والأخلاق وتطور مفاهيم البطولة، بل إحساسا بالجمال: جمال المشاهد
الطبيعية الواسعة الفضاء، وجمال الموسيقى الكلاسيكية والرقص، والوجوه
الفاتنة وما تفعله بملامحها المشاعر الجياشة، وحتى في الموت، حين يسقط
البطل في المعركة، فتسكن كل الحركات وتصمت كل الأصوات، وتدخل الكاميرا الى
عيني البطل الساقط على ظهره فوق الأرض حيث نرى معه ومن عينيه السماء
البعيدة الزرقاء وقطعا شاردة من الغيوم البيضاء تتسكع هادئة صامتة. وتتذكر
وأنت ترى هذه الغيوم أبيات ليرمنتوف الجميلة:
«أيتها الغيوم الراحلات أبدا
من يطردكن؟
أبدا باردات
وأبدا حُرّات
ليس لكُنّ وطن
وليس لكنّ منفى».
إنها السينما الخالصة. ولم أر بعده فيلما يدانيه في قوة تأثيره في نفسي. ربما باستثناء (أماديوس) الى حد ما.
لا
أميل في السينما الى أفلام الحوار أو الحركة أو الحكاية والتشويق. أميل
الى أفلام المشاهد الكبرى الشاعرية التشكيل وإلى أفلام الموسيقى. حين تصبح
السينما ملتقى فنون متعددة: الشعر والتشكيل والرقص والموسيقى...
هل غذيت قصصي بجماليات السينما؟
لا أدري. لابد أن فيها أثراً ما. في العناية بتفاصيل المشهد ربما، أو في تغييب السارد أحيانا وتجفيف اللغة وحيادها أحيانا.
وفي مجموعة (الغابر الظاهر) قصة بعنوان (آخر أيام سقراط) استفدت فيها من السيناريو. لماذا لا أكتب السيناريو؟

هو سؤال يشاكل أسئلة أخرى مثل: لماذا لا أكتب الشعر أو الرواية أو المسرح؟ إنني أكتب ما أعرف.. ما أظن أنني أعرف.
في الحقيقة: أكتب ما أحب. هذه هي العبارة.

أنت مشدود بعمق إلى الظل، لماذا لا تحب الأضواء وترفض كل دعوة تلفزية توجه
إليك ليراك المشاهدون، والمرة الوحيدة التي «أكرهت» على ذلك، ظهرت صوتا
بدون صورة؟ هل أنت مقدس إلى هذه الدرجة إذا أدركنا أن الظل ينسجم مع
الرؤية المغلقة للإسلام؟

المقدس ليس غائبا فقط. إنه كثيف الغياب.
أي أن غيابه شاخص ماثل ضاغط أقوى من أي حضور. وأنا أحاول أن يكون غيابي
خفيفاً جداً لا يكاد يُحَسّ. إنني «انهمل» و«أنجهل» وأتلاشى، حتى لوددتُ
أن أكون حرفاً لا شخصاً. ولو بدأت الآن عَوْداً

على بدء لكتبت
تحت اسم مستعار. لماذا هذا كله؟ لأن الكاتب في اعتقادي كتابةٌ أولا، وجوده
وقيمته في هذه الكتابة، وليس في شخصه أو اسمه أو علاقاته العامة.

سألك زميل، في إحدى المرات (قبل سنوات)، عن أسوأ ذكرياتك، فأجبت دع الجمر
راقدا، ألا يخفي هذا الجمر الراقد رماد أنثى، حدثنا عن أنثاك.. عن حضورها
في قصصك، وفي حياتك؟

هل قلتُ: (دع الجمر راقداً)؟
كنت أظن
أنني قلت مع القائل (دع الجمل راقداً) لكنني الآن أميل إلى اختيارك. هل
يخفي هذا الجمر أنثى؟ كلا طبعاً. الأنثى هي الجمر ذاته. فلندعها تحت
الرماد، فنوم الأنثى عبادة. هل تحضر في حياتي؟ طبعاً. وإلا لكنت قد متُّ
من البرد منذ زمان. هل تحضر في قصصي؟ أتصور. فحياتي هي محبرتي.
{ أنت
تعيش في مدينة الدار البيضاء، الطويلة والعريضة والمقعرة، هل مازلت مرتاحا
للعيش بلا ملح أو محبة بين جدرانها.. في الشارع المجرم (أو الملتحي)
والمقهى الستربتيز والكارسونيير الضاغطة والجامعة المحجبة التي تهتم
بفرائض الوضوء أكثر من العلم الذي هو إرث الأنبياء؟

مع الوقت، يدمن الإنسان مدينته، ولا يستطيع التخلي عنها حتى لو أراد.
ثم...
إلى أين أذهب؟ المغرب كله أصبح «داراً بيضاء» مشاكل الأمن والقذارة
والإرهاب وانهيار البنى التحتية موجودة وتتفاقم في كل المدن المغربية. لا
فائدة من الهرب. علينا أن نثبت في مدننا، ونكافح من أجل تطويرها، كل بما
يستطيع.

تحاصرك الألقاب، فأنت ملك القصة المغربية أو شيخها أو
تشيخوفها (وإذا كنت جمهوريا، فأنت رئيسها!)، هل مازلت تعتبر القصة فضاءك
الأول ومملكتك الأخيرة، في آن واحد، في حين أن هناك من يصر على أنك فنان
شامل، وأنك شاعر وزجال وناقد ونكايتي وإنسان من الطراز الرفيع؟

الألقاب لا تعبر عن حقائق، بل تعبر عن عواطف. إنها مجرد تعبيرات عفوية عن
المحبة، تُشعر الكاتب بضرورة العمل للمحافظة على ثقة القراء. فنان شامل؟
في الاستهلاك نعم؟ فأنا أقرأ الشعر والرواية والمسرح، وأتذوق الموسيقى
والسينما... أما في الإنتاج، ففي القصة مجال واسع للحركة والتنويع
والتجريب. ثم إن أصابعي شاخت مع القصة، ومن الصعب ترويضها على أجناس أخرى:
«إن الرياضة لا تُنْصِبْك للشِّيبِ» يقول الشاعر الجاهلي.

أنت لست سودوايا، ورغم مرورك بتجارب تهز الجبال، ورغم تشقق كعوب قدميك من
العمل في أرض التجارب، فأنت تخفيها في علبة شوكولاطة أو مزهرية أو نوتة
موسيٍقى، أو في جيب معطفك الداخلي..إلخ. كنت في البداية أحمر، ومع الأيام
صرت أزرق، أين وصل بك تدرج الألوان، وهل مازلت تميز بينها؟

المسألة ليست في عينيّ، فمازالتا قادرتين على التمييز. المسألة في الألوان
نفسها التي اختلطت، وأخذت تتبادل وظائفها لتغرّر بالسذج. ربما كان علينا
أن نطرح هذه الألوان جملة، ونستعمل طرقا أخرى للتمييز، إن كان التمييز
لايزال ممكنا، ولايزال ضرورياً.

قارئك يدرك بسهولة أنك لا تتذكر
والدتك بحنان، هل كانت امرأة قوية وصلبة، وهل هي التي أرضعتك اللبن الساخر
المتنمر؟ نريدك أن تكشف لنا عن ذلك «الاحتياطي» المخبوء في القلب والعين
والذاكرة؟

سبق لي أن كتبت عدة مرات أنني مدين لوالدتي ليس بالحياة
فقط، بل بالقراءة والكتابة أيضاً، فلولا إصرارها على تعليمي رغم ظروف
بيئتنا الفلاحية الفقيرة، لكنت الآن أمّياً، ولحرمت من المباهج الفاتنة
للقراءة والاحتراقات الممتعة للكتابة.
لا أتذكرها بحنان؟ بلى، وبحنان
شجيّ. ربما لا يظهر ذلك على سطح كتابتي. لكن أمي جزء مما سميته سابقا
(بيتنا الخاص) الذي نستأثر به ونحجبه عن أعين الآخرين. إنه هويتنا
الداخلية العميقة، لا نتحدث عنها علناً، لكنها، مع ذلك، هي «الثدي» الذي
ترضع منه الكتابة. وكلما كان الرضيع صحيحاً وقوياً وجميلا، كلما دل ذلك
على جمال المرضع وروعتها.
لا أتذكرها بحنان؟ سامحك الله.

عرفت
السجن وأنت شاب غض، ولم يصنع منك السجن كاتباً «معتقلا» في أي غطرسة
لفظية، ولم يجعلك تكتب عشرين ألف صفحة عن الجلاد والبلاد والحرية. لماذا
لا تتحدث أبدا عن لحظة الاعتقال وجراحاتها؟

كانت فترة اعتقال
قصيرة: بضعة أشهر. وأنا أخجل إذا تحدثت عنها من أصدقائي الذين قضوا في
مراكز التعذيب، وفي المعتقلات والسجون سنوات طويلة هي زهرة شبابهم، في
سبيل تحرير المغاربة من الفقر والخوف والاستبداد. لكن هذه الفترة، على
قصرها، ساهمت بشكل كبير في تكويني السياسي، وفي توجيه مواقفي، وإذا لم
أتحدث عنها، فلأن الكتابة لا تعني أن نحكي ما جرى لنا، بل تعني أن نعيش
شيئاً جديداً يجري لنا.
الكتابة حياة، وليست حكاية.
الكتابة خلق وإبداع وليست استرجاعاً.
أو هكذا أتصور.

2008/7/11







said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى