صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

أحمد بوزفور.. جدلية النقد والإبداع/حسن مخافي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أحمد بوزفور.. جدلية النقد والإبداع/حسن مخافي

مُساهمة من طرف said في السبت 8 نوفمبر 2008 - 16:27



يفضي تتبع الإنتاج الأدبي لأحمد بوزفور إلى تنوع اهتماماته وغزارة اطلاعه، ومواكبته الدقيقة للحركة الثقافية في العالم العربي عموما وفي المغرب على وجه الخصوص. وإذا كان صاحب «النظر في الوجه العزيز» يشكل علامة فارقة في تطور القصة القصيرة بالمغرب، فإنه بقدر ما هو مبدع كبير في هذا الجنس الأدبي بقدر ما هو ناقد كبير، وإن غطى اهتمامه الكبير بالكتابة القصصية على انشغالاته الأخرى بأسئلة الثقافة العربية.
إن هذا ما تبرزه بشكل لافت للنظر إسهامات أحمد بوزفور في عدد من الندوات والملتقيات التي أقيمت داخل الجامعة المغربية وخارجها، وتعكسه نصوصه النقدية الموزعة على الكتب المشتركة والمجلات والملاحق الثقافية.
ولكن العمل الذي يعرف به بوزفور في مجال النقد أكثر من غيره، هو كتابه "تأبط شعرا" الصادر عن دار الفنك في بداية التسعينيات. وقد كان من الممكن أن يشكل الكتاب حدثا ثقافيا في وقته بالنظر إلى الأسئلة الفكرية والأدبية والمنهجية التي يثيرها، ولكن النقد المغربي مر عليه مرور الكرام لأسباب كثيرة منها أن بوزفوو/المبدع ظل يهيمن على بوزفور/الناقد.
الكتاب الذي يحمل في غلافه الداخلي عنوانا فرعيا يقول إنه دراسة تحليلية في الشعر الجاهلي، والذي قدم في الأصل رسالة جامعية، يحقق في تصوري نموذجا متكاملا لمسألتين مركزيتين في تجربة الكتابة عند أحمد بوزفور.
ـ تتعلق المسألة الأولى بما أدعوه الرؤية النقدية التي لا يصل إلى بناءها سوى النقاد الذين يمتلكون التجربة الطويلة والمعرفة الموسوعية. ودون الدخول في التحديدات النظرية للمفهوم التي يضيق عنها المكان، يمكن القول إن الرؤية النقدية تقبض على النص في شموليته من أجل بلورة نسق فكري وفني انظلاقا من النص المدروس.
ـ أما المسألة الثانية فتتمثل في حضور ما أسميه الرؤيا الإبداعية في الكتاب. ذلك أننا ونحن نقرأ أحمد بوزفور لا يمكننا أن نفصل بين بوزفور/الناقد وبوزفور/القاص. إن النقد والإبداع يترادفان من أجل تشكيل "وجهة نظر"تجاه الواقع والفن والإنسان...ومن ثم فإن هناك علاقة تصل إلى حد الانصهار بين النقد والإبداع في "مدونة" أحمد بوزفور تسمح لنا بالحديث عن جدلية من نوع ما، تسعى هذه المحاولة إلى الكشف عن بعض جوانبها وأبعادها، دون استبعاد زوايا أخرى للنظر في كتاب "تأبط شعرا".
يبدو الكتاب من أوله إلى آخره مسكونا بهاجس البحث عن قراءة ناجعة للتراث عامة وللشعر العربي القديم خاصة وللشعر الجاهلي بصورة أخص. وهذا ما يفسر الإشارات المنهجية الدقيقة التي يلمح إليها دون أن يتحول إلى دراسة في المناهج كما هو الشأن لبعض الكتب التي عالجت الشعر الجاهلي بمنظور حداثي.
ويبرر أحمد بوزفور هذه "القراءة الخاصة" للشعر الجاهلي بأن المكانة التي يحتلها هذا الشعر في الثقافة العربية لا توازيها دراسات ترقى إلى مستواها، لأن تلك الدراسات لا تعدو أن تكون تعبيرا عن واحد من اتجاهات ثلاثة:
ـ اتجاه يهتم بتقريب الشعر الجاهلي من القراء المعاصرين.
ـ اتجاه يهتم بموضوعات هذا الشعر.
ـ اتجاه يعنى بالخصائص الفنية للشعر الجاهلي وحدها.
وبمعنى آخر فإن أغلب الدراسات التي تنجز للشعر الجاهلي تفتقر إلى "الرؤية النقدية" بالمفهوم المشار إليه سابقا. وهذا ما يجعلها عاجزة عن الاستجابة لشروط المرحلة وغير قادرة على المساهمة في حل "إشكالات الهوية والانتماء التي يتخبط فيها الإنسان العربي" وغير فعالة في "جو المثاقفة بين العالم العربي ومراكز الثقافة الأخرى"، كما يقول بوزفور.
إن هذا التوضيح يلخص في واقع الأمر رؤية الكاتب إلى التراث الذي لا ينتمي إلى الماضي بقدر انتمائه إلى الحاضر، من أجل حل الإشكالات المذكورة، وهو ما يقتضي قراءة أخرى تأخذ هذا التقاطع بعين الاعتبار.
ولكي يؤسس بوزفور لمعالم تلك القراءة كان عليه أولا أن يكشف الأعطاب التي صاحبت وتصاحب القراءات الرائجة للتراث عامة والتراث ألأدبي خاصة. وهكذا فإن كتاب "تأبط شعرا" وجه نقدا لاذعا إلى القراءات السائدة للشعر الجاهلي، التي تكتفي بالشرح المعجمي للكلمات وتتعامل مع القصيدة باعتبارها وثيقة تاريخية أو اجتماعية، وتجمع النصوص المختلفة في سلة واحدة من الأحكام العمومية المطلقة التي تطال شعراء عصر بأكمله".
وفي مقابل تلك القراءات يدعو بوزفور إلى ما يسميه بناء جديدا للشعرية العربية ينهض على التعامل مع الشعر العربي القديم كشعر أولا أي "كجنس أدبي يكسب قيمته الجمالية من شعريته" ويتأسس على "القيام بالدراسات الجزئية والتفصيلية للنصوص".
إن تلك الخطوات المنهجية الثلاث هي ما وجه الكاتب إلى اتخاذ شعر تأبط شرا منطلقا ومآلا لدراسته. والواقع أن أحمد بوزفور حين يبرر هذا الاختيار المنهجي فإنه يلمح إلى ما وسمه بعلاقة خاصة تربطه بالشعر الجاهلي وبتأبط شرا بالتحديد. وهي العلاقة التي جعلت الكاتب يكرس سنوات طويلة لدراسة هذا الشعر وتدريسه في الجامعة. ولكن هذا يعد الوجه البارز في وشائج القربى بين بوزفور والشعر الجاهلي، ذلك أن لها امتدادات مست ـ فيما أزعم ـ نصوصه الإبداعية، وهو ما ستقف عنده هذه المحاولة بعد حين، على أن نكتفي الآن بالتأكيد على المبررات "العلمية" لاختيار القصيدة الجاهلية مجالا لإبراز تلك العلاقة التي ألح عليها الكاتب في سياقات متعددة من الكتاب.
إن إعادة بناء الشعرية العربية وفق التحديدات التي ساقها الكتاب تفرض اعتماد مفاهيم جديدة تحقق اختراقا زمنيا بين القديم والحديث، ومكانيا بين المناهج الغربية والمناهج العربية. وهو ما أدى بالكاتب إلى تبني منهج شمولي يمتح من مرجعيات مختلفة دون أن يقيد نفسه داخل إطار واحد، ما دام طموح البحث يتسع لخلق "إمكان قراءة الشعر الجاهلي كشعر، أي كجنس فني وليس كوثيقة لغوية أو تاريخية أو اجتماعية كما ظل يقرأ زمنا طويلا في مختلف الدراسات".
ومن أجل النهوض بهذه المهمة عالج الكتاب شعر تأبط شرا انطلاقا من أربعة مستويات متداخلة. وفي مستهل الوقوف عند كل مستوى من المستويات يعمد الكاتب إلى طرح تساؤلات اختزالية تمس المتن وطريقة معالجته في آن معا. ولكن هذه التساؤلات لا تساق مبررا لعجز افتراضي عن الإمساك بناصية النص، بقدر ما تشير إلى اعتراف ضمني ومسبق بقراءات أخرى، وإلى نسبية النتائج المتوصل إليها . وذلك من باب: هل يمكن أن نتحدث اليوم عن بنية إيقاعية في الشعر العربي القديم؟
وعلى الرغم من الصعوبات التي تواجه الباحث في الشعر القديم عموما، إلا أنه ينبغي أن نفهم من التساؤلات والاحترازات التي يحفل بها الكتاب أنها تحريض على استكمال ما بدأه الكاتب. وما بدأه ليس سوى مقاربة نقدية تأخذ على عاتقها القبض على متن تأبط شرا بوصفه بناء شعريا يقوم على علاقات بين مستوياته الأربعة، وبين مكونات كل مستوى على حدة.
وبهذا المعنى تتبلور الرؤية النقدية لدى أحمد بوزفور شيئا فشيئا بناء على صرح نظري واضح المعالم، مفاده النظر إلى الشعر الجاهلي "ليس كنصوص ميتة يبعثها فقه اللغة ومراجع الاختصاص، ولا كنصوص حديثة تنتجها الأبنية النفسية المترعة بالقلق المعاصر والوعي الشقي والهوية المفتقدة، بل يمكن أن ننظر إلى الشعر الجاهلي خصوصا كعلاقة بين القديم والحديث".
وعلى ضوء هذا التوجه النظري الذي لا لبس فيه، عالج بوزفور شعر تأبط شرا من خلال أبعاده الإيقاعية والمعجمية والتركيبية والدلالية. وخلص من هناك إلى ثلاث خلاصات محورية:
1 ـ تعديل التصور الشائع عن الشعر الجاهلي عموما وعن شعر "تأبط شرا" على وجه الخصوص.
2 ـ تحطيم صورة تأبط شرا "التاريخي"، وبناء صورة تأبط الشاعر بما يعنيه ذلك من قلق وجودي وعمق فني.
3 ـ قياس حجم الهوة الفاصلة بين النموذج العلمي الذي عملت الدراسات التقليدية على رسمه ، وبين المنجز الشعري كما حدد الكتاب ملامحه الكبرى.
إن هذه النتائج الرئيسة الثلاث، بالإضافة إلى أخرى ثانوية تفتح المجال واسعا لإعادة النظر في كل ما تعلمناه وقرأناه عن الشعر الجاهلي. ولا يمكن أن نتصور أن القضايا التي طرحها الكتاب قد صيغت بهذه الطريقة التبسيطية التي قدمتها بها هذه المحاولة، ذلك أننا ونحن نقرا كتاب "تأبط شعرا" نحس أننا أمام قصة طويلة للإبداع الشعري بطلها تأبط شرا كما رسم شخصيته أحمد بوزفور لا كما تحدث عنه مؤرخو الشعر وعلماء اللغة والبلاغة.
ومن هنا يخيل للمتأمل في "تأبط شعرا" أن بين هذا النص النقدي وبين النصوص القصصية لأحمد بوزفور صلة قربى سواء من حيث موضوعه أو من حيث طريقة عرض أفكاره. وهو ما يوحي بأن اختيار الشعر الجاهلي وشعر تأبط شرا بالتحديد يستجيب لخصوصية العالم القصصي عند أحمد بوزفور من أوجه متعددة، سأقتصر على وجهين منها.
1 ـ إن شخصية تأبط شرا كما تداولتها كتب الأخبار وتاريخ الأدب القديمة منها والحديثة تجعل من حياة هذا الشاعر "حكاية" بكل معاني الكلمة. فقد اختلط الخيال بالواقع في الترجمات التي وصلتنا عنه، ولا يمكن التفريق بين تأبط شرا التاريخي وبين تأبط شرا الذي نسجته أخيلة الرواة والقصاصين وهواة جمع الأخبار. وهو ما حوله إلى شخصية لا ملامح حقيقية لها، لأنها محاطة بالغرابة والقدرة على اختراق عوالم عجائبية منها عالم الغيلان والجان. ومن ثم باتت الجملة التي يعيدها مترجمو سيرة تأبط شرا أنه "شيطان من شياطين العرب وأحد كبار لصوصهم". وبغض النظر عن اختلاف الروايات حول سبب حمله لهذا اللقب، فإن تأبط شرا قد ابتلع ثابت بن جابر. فهل ما بقي لنا من تأبط شرا مجرد شاعر من لحم ودم عاش في العصر الجاهلي، أم أن ما وصلنا لنا عنه حوله إلى بطل خرافي يضيف كل راو لحكايته ملمحا جديدا؟
إن هذا البعد العجائبي الذي يكتنف شخصية تأبط شرا لا نعدم مثله في قصص أحمد بوزفور انطلاقا من مجموعته الأولى "النظر في الوجه العزيز". ولعل من سماته الأساسية توظيف الخرافة الشعبية وتكسير بنية الزمان والمكان بشكل يحول الفضاء القصصي برمته إلى فضاء عجائبي. ومن هنا لا نستغرب أن نلمس تقاطعات أخرى بين شخصية تأبط شرا وشخصيات أحمد بوزفور القصصية من حيث التمرد على القيم السائدة والعيش على الهامش ومناهضة كل ما له طابع مؤسساتي رسمي.
2 ـ إن أهم النتائج التي توصل إليها بوزفور وهو يدرس شعر تأبط شرا، أن القصيدة عنده تخضع لبناء محكم يلعب المكون السردي دور اللحمة فيه. والقارئ لقصص أحمد بوزفور يقف عند خاصية لافتة تتجلى في أن بناء القصة عنده شبيه ببناء القصيدة. في الغالب تتخذ شكل بناء دائري يجعل بدايتها نهاية ونهايتها بداية. والواقع أن بوزفور يكتب القصة بشعرية رفيعة على الرغم من أنه يرفض هذا التداخل الذي استنتجته دراسات كثيرة لمجموعاته القصصية ولاسيما في فيما يخص اللغة والإيقاع.
إن وجهي التقاطع المشار إليهما لا يعنيان أن هناك أي نوع من التطابق بين تأبط شرا وبوزفور بقدر ما يشيران إلى أن اختيار شعر هذا الصعلوك موضوعا لدراسة نقدية له علاقة بالرؤيا الإبداعية لدى صاحب "ديوان السندباد" وبهذا يصبح النقد لديه جزءا من رؤيا عامة تؤطرها نزعة إنسانية ورؤية وجودية. وهما ما ينضح به شعر تأبط شرا على الأقل من خلال قراءة بوزفور له.


2008/7/11
الإتحاد الإشتراكي

said
مشرف (ة)
مشرف (ة)

ذكر عدد الرسائل : 4527
العمر : 52
Emploi : موظف
تاريخ التسجيل : 01/03/2007

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى