صدى الزواقين Echo de Zouakine
مرحبا بك عزيزي الزائر. المرجو منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ...اذا لم تكن قد تسجلت بعد نتشرف بدعوتك للتسجيل في المنتدى.

«الفراش الأبيض» للمصرية فوزية سلامة ... رواية التمرد الأنثوي على صورة الأب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

«الفراش الأبيض» للمصرية فوزية سلامة ... رواية التمرد الأنثوي على صورة الأب

مُساهمة من طرف عبدالله في الجمعة 14 نوفمبر 2008 - 22:38

بين سفر سوزان مصطفى عبدالمجيد طفلة على جناح حكاية الأب، وسفرها شابة
على متن طائرة الى بريطانيا، تمتد رواية «الفراش الأبيض» للروائية المصرية
فوزية سلامة (الدار العربية للعلوم ناشرون ومنشورات الاختلاف). والسفر في
الحالين يرمز الى تحررٍ من واقع ما. غير أنه في الحال الأولى يتم بمساعدة
الأب الذي يطلق بحكاياته لخيال ابنته العنان. وفي الحال الثانية يتم
للخلاص من واقعٍ ساهم الأب نفسه في إرسائه. وهو واقع ما كان يُمارس على
الأنثى من ضغوط في خمسينات القرن الماضي ومصادرة حقها في الاختيار في مصر
وسواها، حيث يكون عليها الخضوع لواقعٍ تشكل العقلية والممارسات الذكورية
أبرز مكوناته أو التمرد على هذا الواقع ودفع الثمن المناسب.
تشكل سوزان
عبدالمجيد بطلة الرواية وراويتها الوحيدة النموذج الأنثوي الذي تقع عليه
آليات القمع متعددة المصادر والأنواع. وهي آليات تُمارَس عليها منذ
الطفولة حتى الشباب، وكثيراً ما تخضع لها لاعتبارات مختلفة حتى إذا ما
قررت المواجهة بعد عشرين عاماً من الخضوع والتردد وعدم اتخاذ القرار تكون
قد دفعت ثمناً كبيراً من عمرها، وهو ثمن دفعته وتدفعه ملايين الإناث في
هذا العالم العربي المحكوم بالعقلية الذكورية يمارسها الرجال والنساء على
حد سواء.
بصيغة المتكلم تسرد الراوية حكايتها ما يقرّب الرواية من
السيرة الروائية أو المذكرات الشخصية. تنطلق من الطفولة وتمضي قدماً حتى
نهاية الشباب في تسلسلٍ مدروس وزمن خطي أفقي أكثر منه تصاعدياً، فتذكر
وتتذكّر مشاهد ومحطات من حياتها مراعية التسلسل الزمني من دون أن ينفي ذلك
وجود فجوات زمنية قصيرة بين مشهد وآخر. أي أن فوزية سلامة باعتمادها وحدة
الراوي وتسلسل الأحداث وخطية الزمن إنما تعتمد خطاباً روائياً تقليدياً
يناسب الحكاية التقليدية من دون أن تكون التقليدية حكم قيمة يغض من
الرواية.
في الحكاية تُظهر بطلة الرواية وعياً مبكراً بموقع الأنثى في
مجتمع ذكوري، فيجري تطهيرها وانتهاك خصوصيتها رغماً عنها، وتلبي طلبات
الأخ، وترضخ لرغبات الأخت الكبيرة في مصادرة أشيائها الصغيرة، وتحس
بالتمييز الجنسي «فالبنت تلعب في البيت ولا تلعب مع الصبيان». (ص 30)،
وتتعرض للتحرش الجنسي من الأخ الأكبر والأستاذ الخصوصي، وتعيش الخوف من كل
شيء، وتعجز عن تحقيق رغبة أبيها في التفوق الدراسي. وهذا كله يؤدي بها الى
كراهية الذات واتخاذ موقف سلبي من الرجال. والمفارق أن ممارسة العقلية
الذكورية لم تقتصر على المحيطين بها من الرجال بل مارستها الأم والأخت
الكبيرة الطبيبة فيما كان الأب حاضناً وداعماً ومتفهماً وإذا كان أقدم على
خيارات معينة فإنما فعل ذلك بدافع الحرص على ابنته. فالذكورية ليست حكراً
على الذكور وقد تصدر عن إناثٍ تطبعن بعقلية المجتمع الذكوري وآلياته.
في
مواجهة هذا الواقع، كانت تلوح للراوية كوى أملٍ تمثّلت في علاقات بريئة
بمجدي جارها في الطابق العلوي، ومن ثم بأحمد زميلها الجامعي الذي تقدم
لخطبتها في ظروف غير مؤاتية فخذلته بامتثالها لإرادة الأب في رفضه. وشكلت
الكتب والجامعة منفذي خلاص من حصار الواقع والذكريات المؤلمة.
غير أن
تردد البطلة، وعدم أخذها مصيرها بيدها، ورضوخها لإملاءات الأهل جعلتها
تتردى في مهاوي التعاسة والاستلاب، وتنصاع للزواج من سمير الذي يجسد
برتبته العسكرية وطريقة ارتباطه بها نموذجاً للاستقواء الذكوري الذي يضرب
برغبات الأنثى ورأيها عرض الحائط ما أدى الى عدم تجاوبها معه في آليات
دفاع سلبي مارستها بتحريض من ذاكرة مشحونة برواسب الماضي، وواقع يحاصرها
بالإجبارات والإملاءات. وإذ يقوم الزوج/ الذكر بصفعها لدى عثوره على دفتر
مذكّراتها، وبعد ممانعتها الانخراط معه في علاقة زوجية سليمة، تشكل الصفعة
فاتحة لحظات مواجهة مع الذكور، تبدأها بالزوج المفروض/ المرفوض، وتمر
بالأب المتفهم، وتكملها بالحبيب السابق. وتتمخض تلك اللحظات عن استعادة
قرارها وحريتها بعد عشرين عاماً من المصادرة، وعن أخذها مصيرها بيديها
وسفرها لمتابعة الدراسة في بريطانيا. وتعلن استعدادها دفع ثمن هذا الخيار،
خيارها هي، بعد أن دفعت ثمن خيارات الآخرين. هي العلاقة الملتبسة بين ما
يريده الأهل من أبنائهم وبناتهم وما يرغب هؤلاء في تحقيقه أو يقدرون على
تحقيقه في مجتمع ذكوري.
هذه الحكاية التقليدية المتكررة في مجتمعاتنا
العربية تصوغها فوزية سلامة بخطاب سردي تقليدي بدوره يراعي وحدة الراوي
وتسلسل الأحداث وخطية الزمن. وتتنوع حركته بين رصد الأحداث والأشياء
الخارجية والتوغل داخل الشخصية لجس داخلها وقراءة أفكارها واعتمالاتها
النفسية. وتتفاوت سرعة إيقاعه بين غرقٍ في تفاصيل المكان والأحداث
والأشياء وبين القفز فوقها في قفزات طويلة أو قصيرة قد توجد ضمن المشهد
الروائي الواحد أو بين مشهد وآخر.
على أن الكاتبة كثيراً ما تطيح
باستقلالية المشهد الروائي بواسطة الترقيم فتقطع أحداثاً مترابطة حقها أن
تندرج في مشــهد واحد برقم جديد. وكأنها تمـــارس تقــطيعاً مقــــصوداً
لبعض المشاهد بينما حافظت على استقلالية مشاهد أخرى. وهي كثيراً ما تزاوج
بين السرد والوصف في المشهد الواحد فتصور الإطار الذي تدور فيه الأحداث،
ويحصل الحدث في الفضاء المناسب.
هذا الخطاب تصوغه فوزية سلامة بلغة
سلسلة، مرنة، طليّة. تتعدد مستوياتها بين الفصيح والمحكي وما بيــنهما،
وتتجاور في الحــــيز الواحد، وتستـــخدم الأمثال الشعبية، والمستوى
المحكي في الحوار. وتأتي هذه اللغة الشعبية بالإضافة الى تسمية الأمـــاكن
والشوارع والأحياء بأسمائها وتحديد المرحلة التاريخية لمجرى الأحداث
لتـــوهم بواقعـــية الــرواية، وهــذا الإيهام هو أحد مكوّنات الرواية
التقليدية أيضاً.
وهكذا، تتكامل في «الفراش الأبيض» الحكاية والخطاب
واللغة في رسم صورة الأنثى المستلبة في مجتمع شعبي ذكوري تتعارض فيه
إرادات الأهل مع رغبات الأبناء والبنات، وتتصارع، وتسقط في هذا الصراع
ضحايا كثيرة.

* الفراش الأبيض - رواية فوزية سلامة - صدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون ومنشورات الاختلاف في 205 صفحات من القطع الوسط.






سلمان زين الدين الحياة - 14/11/08//



عبدالله

ذكر عدد الرسائل : 1673
العمر : 46
تاريخ التسجيل : 26/06/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى